حدود النص والخطاب بين الوضوح والاضطرابpdf

 

 د. رشيد حليم                   

المركز الجامعي- الطارف-الجزائر

الملخص:

النص والخطاب قضيتان علميتان مهمتان في النقد اللساني ،فهما ميدانان خصبان للدراسة والبحث. ولأهمية هذا الموضوع تأني مقالتي لتحلل الإشكال المفهومي الذي يحمله كل من النص والخطاب  في نظر الدارسين والنقاد.

تمهـــيد:

إن إيجاد تعريف جامع لكل من ماهية الخطاب أو النص عملية صعبة إن لم نقل  إنها مستحيلة، إلى حد ما، ذلك أن الاختلاف حول جوهرها يكمن أساسا في اختلاف التصور لكينونتهما والأهدا ف المرجوة من دراستهما. ولكن المعرفة لا تصدها العراقيل ،إذ يمكن الوقوف على مفاهيم مختلفة لكل مصطلح من هذين المصطلحين إذا ما حاولنا اللجوء إلى جهات معرفية تكشف عن مفاهيمهما.

أولا- مفهوم النص: إن حدود النص ونظريته ومفهوميته تتجسد وتتبلور وفق منطلقات شتى، سواء أكانت إيديولوجية أم نفسية أم خلقية، فالنص سيتموقع في الزمان الذي ينتجه عبر لغة مزدوجة تتم في مادة اللسان وسط نتاج التاريخ الاجتماعي.

ا-:مفهوم لغوي: قال ابن منظور  في مادة"نصص" النص:فعل الشيء، نص الحديث ،ينصه نصا،رفعه وكل ما أظهر فقد نص. قال أبو عمرو بن دينار :ما رأيت رجلا أنص للحديث من الزهري(1)أي: أرفع له وأسنند.يقال :نص الحديث إلى فلان أي رفعه، وكذلك) نصصته إليه(2)، ومنه قول الفقهاء: نص القرآن ونص السنة أي ما دل ظاهر لفظهما عليه من الأحكام(3).

 ونوافق بعض اللغويين عند تعريف كلمة "نص" بأنها: الرفع ومن ثم قالوا :نص القول أي رفعه وأسنده إلى صاحبه(4) وهو المعنى الذي أشار إليه طرفة بن العبد في قوله:(متقارب)

فنص الحديث إلى أهله          ***********          فان الوثيقة في نصه

ب-اصطلاحا: من العسير  تحديد ماهية النص وأبعاده الاصطلاحية لتنوع الاتجاهات وتعدد الرؤى،لكونه فضاء لأبعاد مختلفة متعددة ومتنازعة إضافة إلى كونه شحنة انفعالية محكومة بضوابط لغوية وقيم أخلاقية ومرجعيات ثقافية وخصائص اجتماعية، لقد ظل النص محكوما بسلطتين: سلطة إنتاجه وسلطة القارئ ،وهناك علاقة جدلية بين المبدع والمتلقي ،وكل منهما يتمتع بسلطته.

غير أن بعض المنظرين للمعرفة الأدبية واللغوية والفلسفية زهدوا في صنع تعريف ظاهر للنص ،كما يقول جيرار جينت" لا أهتم بتعريفه على الإطلاق إذ مهما كان النص فبإمكاني أن أدخله وأن أحلله كما أشاء".(6).

وهكذا اتسع مفهوم هذا المصطلح وتشعب حقله تشعبا تجاوز أي حقل معرفي آخر، فأصبح النص كيانا منسوجا من الملصقات والتطعيمات والإضافات،إنه جسد من علقات مختلفة ،بل إنه لعبة متفتحة ومنغلقة في الوقت ذاته، ولهذا السبب فمن المحال أن تكتشف النسب الوحيد والأولي للنص،ذلك أن النص مولود لأكثر من أب ،فليس للنص والد واحد  بل مجموعة من الأقارب والأنساب والآباء،تتشكل على هيئة طبقات جيولوجية يصطف بعضها فوق بعض،وتتراكم أتربة فوق أتربة مشكلة طبقة رسوبية وكل طبقة من طبقاته تنتمي إلى عصر معين دون غيره.

 فالنص الواحد لا يتمتع بحداثة أو بقدم إنه يتناسل قي مجموعة من الأعمال وينزل دفقة واحدة، ولذلك فهو مطعم بمجموعة هذه الطبقات والتشكيلات الرسوبية(7).

 أما من زاوية القراءة،فالنص يتموقع في محيطها ،فيلبس مفاهيمها ويتلون بتلون النظريات الأدبية والمدارس النقدية ،فالنص في نظر السيميائين نظام سيميائي مادته مركزة على التواصل، كما عد في نظر اللسانيين مساحة للتأليف ،وتحليل المكتوب ونقده، وأما شكله و صيغته فإنه نظام إعلامي جهازه الأول  الدال والمدلول، أما الاسلوبيون فيرون أن النص بنية لغوية مغلقة ومستقلة عن وعي المتلقي لها. وحاول بعض المهتمين بالظاهرة النصية تقديم تصورات إجرائية لعالم النص, وممن اشتهر في هذا المجال،نذكر:

1-رولان بارت: ساهم رولان بارت في صياغة علم يخص النص ،فأحاطه بجملة من النظريات جمعتها العناوين الرئيسية التالية:    

ا-  أزمة العلامة.                         

ب- نظرية النص.

ج- النص والأثر الأدبي.

د- الممارسة النصية.   

  لقد عرف رولان بارت النص من زوايا متعددة ،حيث خص النص بأربعة مفاهيم نمثل جملة ماقيل عن النص في الدراسات الأدبية واللسانية والتعليمية والتقليدية,وفي هذا المضمار يقول  بأن النص يتكون ويصنع نفسه من خلال تشابك مستمر، و أن  نظرية النص  علم كنسيج بيت العنكبوت ،ويقو ل أيضا إن النص هو نسيج الكلمات المنظومة في التأليف بحيث نفرض شكلا ثابتا(8).

 لقد وضح بارت مفهوم النص من خلال تمثيله ببيت محكم ،تنسجه أحقر دواب الأرض،وإن كان في الثقافة الإسلامية هو أوهن البيوت على الإطلاق (9)، ولكن في صناعتها له دليل اتفاق وبه تتناظر  ولادة  النص،فكل منهما منتوج لعملية محبوكة وشديدة التماسك،ومن ثمة فقد وسع بارت مفهوم النص باستخدام التشكيل الشبهي تارة وبالتركيز على الجوهر تارة أخرى،بتأسيس نظرية خاصة به.

فالنص عنده نشاط وإنتاج ،وهو بهذه الآليات يصير قوة متحولة،ويصير بناء يجمع معارف عدة ويتلقى ثقافات أخرى، فهو بناء أساسه النقول المختلفة.

2- جوليا كريستيفا:

وضعت جوليا كريستيفا  منهجا جديدا تحدثت فيه عن النص وماهيته ونظريته في كتابيها:     ا-   بحوث في سبيل التحليل العلاماتي.

ب-  نظرية الرواية.

     وقد أكملت كريستيفا الشكل النهائي لنظرية النص التي عينت بها المفاهيم البارتية  بتطعيمها بأنظمة ممارستية خاصة بسيميائية الدلالة وهي:

-ممارسات دلالية.

-الإنتاجية.

-التمعن.

- خلقة النص.

-التناص.

-تخلق النص.

 وقد عرفت كريستيفا النص تعريفا شاملا فهو،" آلة نقل لساني ،وأنه يعيد  توزيع نظام اللغة، فيضع الكلام التواصلي أي المعلومات المباشرة في علاقة تشترك فيها ملفوظات سابقة أو متزامنة"(10).

 وقد وضح الأستاذ سعيد يقطين غوامض هذا التعريف، وذلل لنا مقاصده، إذ يفهم حدود النص بأنه إنتاجية وله علاقة باللسان وهي علاقة توزيعية أي علاقة قائمة على الهدم والبناء، ثم إنه مؤسس على مجموعة متبادلة أو متناصة إذ نجد في النص الواحد ملفوظات مأخوذة من نصوص عديدة غير النص الأصلي.

 وقدم محمد مفتاح بين يدي الدارسين مجموعة من التعريفات المتشعبة ذات امتداد سري بماهية النص وحدوده.     

* - فهو مدونة كلامية: النص لا يمكن أن يكون صورة فوتوغرافية جامدة،وإنما حدث كلامي.

* - وهو حدث بمعنى أنه يقع في زمان ومكان محددين ،لا يمكن أن يتكررعكس الحدث التاريخي.

* - وتفاعلي أي يقوم بعملية التواصل،مع أن النص يتملك وظائف أخرى،

*-  وتوصلي:أي أنه يسعى إلى نقل الخبرات والتجارب  إلى الآخر .

*  - و مغلق:أي له امتداد في الزمن من حيث أن الخط إيقونة تبدأ بمجال وتنتهي عنده ،وقد نبه سوسيرعلى هذا المبدإ .(11).

ولا شك في أن هذه التعريفات تعكس تنوع وجهات النظر في إرجاع مفهومية النص إلى الخصوصيات الاجتماعية والنفسية والحضارية ،فهناك التعريف البنيوي والتعريف الخاص باجتماعية الأدب ،والتعريف الذي يركز على الجانب النفساني في الأدب، والتعريف الخاص باتجاه تحليل الخطاب.

ومن هذه التعريفات خلص محمد مفتاح إلى تركيب تعريف جامع للنص فهو-أي النص- مدونة حدث كلامي ذي وظائف متعددة(12).

والملاحظ أن  هذا التعريف قد حاول الإحاطة بكل الجوانب المتعلقة بالنص: الاجتماعية، التاريخية، النفسانية واللسانية. وعموما فإن الباحثين لإشكالية النص يتوزعون على ثلاثة زمر في النظرإلى النص:

ا- يذهب جماعة منهم إلى تعريفه مباشرة من خلال مكوناته ،يمثلهم تودوروف،فالنص في رأيه نظام تضميني يستطاع التمييز بين مكوناته على ثلاثة أوجه:ملفوظي ،نحوي ودلالي، وهو يوازي النظام اللغوي ويتداخل معه.

ب- قسم ثان يعرفه من خلال ارتباطه مع الإنتاج الأدبي ويمثله رولان بارت وجوليا كريستيفا ،فالنص في مفهومهما نسيج من الكلمات المنظومة في التأليف والمنسقة بشكل ثابت، أهم مهماته إنه يضمن بقاء الشيء المكتوب وهو مرتبط تاريخيا بعالم أكمل من النظم :القانون والأدب والدين والتعليم.

ج- يذهب قسم ثالث إلى ربطه بفعل الكتابة يمثله بول ريكور ،فالنص من منطور لساني، هو كل خطاب تثبته الكتابة ،إذ هو أداء لساني وإنجاز لغوي يقوم به فرد معين.

وعلى أية حال،فالنص ظاهرة رمزية تتحدد ماهيته من خلال علاقته مع خارجه ،ويتعين بفعل مكوناته الداخلية وهو ليس مجرد مجموعة من الرموز اللغوية ،بل إنه بنية معقدة متعددة المستويات ،إنه تشكيلة كثيفة من علاقات الربط اللغوي والدلالي والتماسك المنطقي، تتداخل فيها مساحات من الإيحاءات النفسية والاجتماعية والتاريخية وغيرها.

ثانيا- الخطاب:

1-مفهوم الخطاب:

ا-لغة:  يقال خطب فلان إلى فلان فخطبه وأخطبه أي أجابه. والخطاب والمخاطبة: مراجعة الكلام، وقد خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا، فهما يتخاطبان قال الجوهري:خطبت على المنبر خطبة بضم الفاء، وذهب أبو إسحاق إلى أن الخطبة عند العرب هي الكلام المنثور المسجوع ونحوه، وفي التهذيب والخطبة مثل الرسالة التي لها أول بآخر(13).

ويذهب الزمخشري في ذات المنحى في "أساس البلاغة" حين يقول :خطب خاطبه،أحسن الخطاب، وهو المواجهة بالكلام، وكان يقوم الرجل في النادي في الجاهلية،فيقول:خطب، واختطب القوم فلانا،فدعوه إلى أن يخطب إليهم،ونقول له:أنت الاخطب البين الخطبة.فتخيل إليه أنه ذو البيان في خطبته(14).

وتعزز هذا المذهب بما ورد في المعجم الوسيط الذي جاء فيه:الخطاب الكلام ،والخطاب: الرسالة والخطاب لا يكون فيه اختصار مخل ولا إسهاب ممل (15).

ومن المحدثين من يتجه اتجاها آخر كما هو الحال مع جميل صليبا الذي يستخدم كلمة قول بدل كلمة خطاب  حيث يقول:  هو الكلام والرأي والمعتقد، وهو عملية عقلية مركبة من سلسلة من العمليات العقلية الجزئية، أو هو تعبير عن الفكر بواسطة"الدراسات الألسنية" مثلما هو الشأن عند فرديناند دي سوسير الذي يفرق بين اللسان  كسلسلة من الألفاظ التي ترتبط بعضها ببعض، والقول مرادف للمقال والمقالة(16).

وقد ورد لفظ الخطاب في الذكر الحكيم بتركيبين متغايرين:

1- ورد مرة على بنية فعلية ثنائية:

ا-  ماضوية:  قوله تعالى: )وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما((17).

ب- مضارعية: طلبيا طريقته النهي كقوله تعالى: )ولا تخاطبني في الذين ظلموا((18).

2- ورد على شكل بنية وصفية، بلفظ الخطاب في ثلاثة مواضع (19). قال بعض المفسرين في قوله تعالى: )وفصل الخطاب(  قالوا :هو أن يحكم بالبينة أو باليمين ،وقيل معناه إنه يفصل بين الحق والباطل، ويميز بين الحكم وضده ،وقيل فصل الخطاب.أما بعد- وداود عليه السلام- أول من قال :أما بعد :وقيل فصل الخطاب. الفقه في القضاء. وقال أبو العباس :معنى أما بعد: أما بعد ما مضى من الكلام فهو كذا وكذا (20).

ب-اصطلاحا: دال الخطاب متعدد الأبعاد لكونه فضاء معرفي  لمساحات لغوية مختلفة ومتغايرة ،تحيل الباحث إلى ركام هائل من التعريفات والحدود تتقاطع مع نظرات خاصة ومرجعيات متنوعة.

 إن الخلاف حول ماهية الخطاب تكمن في اختلاف التصور الذي يلملم حدوده ومفاهيمه ،والأهداف المتغيات من دراسته لان الظاهرة الخطابية تتبلور وفق منطلقات اجتماعية نفسية وحضارية.

2- الخطاب في التراث الغربي:

يشير أحد الباحثين إلى مسألة هامة ،وهي أن دلالات الخطاب اصطلاحا تختلف عن دلالاته في المعجم ،إذ يدخل في تشكيل دلالاته العلاقات التي تبين أغراضه ،فيكون الخطاب بذلك إنشاء الكلام من لدن المتكلم وفهمه من لدن المخاطب عمليتين لا انفصال لإحداهما عن الأخرى ،وانفراد المتكلم في النطق حتى يقاسمه المخاطب دلالته ،لان هذه الدلالات الخطابية لا تنزل على ألفاظها نزول المعنى على المفردات، وإنما تنشأ وتتكاثر وتنقلب وتتعرف من خلال العلاقة التخاطبية، متجهة شيئا فشيئا إلى تحصيل الاتفاق عليها بين المتكلم  ونظيره المخاطب بعد أن تكون قد تدرجت متجاوزة اختلاف مقتضيات مفاهيمها واختلاف عقدها   للدلالات (21).

الخطاب عمل جماعي تعتمد فيه العبارة ،أي الكلمات والمعاني المستخدمة فيها على الموضع الذي ألقيت فيه هذه العبارة ،وعلى الشيء الذي كانت موجهة له، وبهذا يمكن تحديد الخطاب اصطلاحا بوصفه مجالا بعينه من الاستخدام اللغوي عن طريق المؤسسات التي ينتمي إليها، والوضع الذي ينشأ عنه والذي يعنيه هذا الخطاب للمتكلم، ومع ذلك لا يقوم هذا الوضع مستقلا بنفسه، والواقع أنه يمكن أن يفهم على أنه وجهة نظر صدر عنها الخطاب خلال اتصاله بخطاب آخر معارض له أساسا.

فالخطاب مجموعة من العلامات توصف بأنها عبارات ملفوظة(22)، يمكن تعيين أنماط وجودها الخاصة هذا من الناحية السيميائية ،ولقد تعدى اللسانيون  هذا المفهوم، وتجاوز أصحاب التحليل التداولي ما قدمه سابقوهم بإعطاء مصطلح الخطاب تصورا أكثر شمولا في عملية الاتصال ،كما يقول ميشال فوكو(23) ويمكن تلخيص المقاربات الاصطلاحية كما يأتي:

- الخطاب مصطلح مرادف للكلام بحسب رأي سوسير اللساني البنيوي ،وهناك خطاب أدبي بحسب رأي موريس (24).

- الخطاب وحدة لغوية ينتجها الباث(المتكلم) تتجاوز أبعاد الجملة أوالرسالة،بحسب رأي هاريس(25).

- الخطاب وحدة لغوية تفوق الجملة يولد من لغة اجتماعية بحسب رأي بنفنيست.

- الخطاب يقابل مفهوم الملفوظ في المدرسة الفرنسية،إذ يرى روادها أن النظر إلى النص بوصفه بناء لغويا يجعل منه ملفوظا،أما البحث في ظروف إنتاجه يجعل منه خطابا(26).

- وهو نظير بنيوي لمفهوم الوظيفة في استعمال اللغة بحسب رأي تودوروف(27).

- الخطاب منطوق أو فعل كلامي يفترض وجود راو أو مستمع ،وعند الأول فيه نية التأثير في الآخر بطريقة معينة كما يقول بنفنيست (28).

 وإذا تجاوزنا المفهوم اللساني للخطاب فإنه باستطاعتنا أن نجد له مصطلحات أخرى،فهو فضلا عن كونه مجموعة التعابير الخاصة التي تحدد بوظائفها الاجتماعية ومشروعها الإيديولوجي،أي مجموع النصوص والأقوال ذات النظام،والنظام يعرف كذلك بأنه الطريقة التي تتشكل بها الجمل نظاما متتابعا تسهم في نسق كلي متغاير ومتحد الخواص،وعلى نحو يمكن معه أن تتآلف الجمل في خطاب بعينه لتشكل نصا مفردا ،وتتآلف النصوص نفسها في نظام متتابع لتشكل خطابا أوسع ينطوي على أكثر من نص مفرد(29).

كما يشير مصطلح الخطاب إلى نظام فكري يتضمن منظومة من المفاهيم والمقولات النظرية حول جانب معين من الواقع الاجتماعي بغية تملكه معرفيا،ومن ثم يفهم منطقه الداخلي ،وذلك عن طريق عملية فكرية محددة تنظم بناء المفاهيم والمقولات بشكل استدلالي بحكم الضرورة المنطقية التي تصاحب عملية إنتاج المفاهيم(30).

ويمكن تلخيص مفهوم الخطاب من خلال وضع الاصطلاح الأكثر عمومية، فهو نظام تعبير متقن ومضبوط(31)،وهذا البناء ليس في جوهره إلا بناء فكريا يحمل وجهة نظر، وقد تمت صياغته في بناء استدلالي أي بشكل مقدمات ونتائج، فهو معرفة منظمة خاصة بجانب محدد من الواقع أو ظاهرة محددة، ومن ثم يمكن الحديث عن خطابات متعددة:سياسية،فلسفيةوعلمية.

وهكذا فمصطلح الخطاب يتمظهر من خلال الفصل بين اللغة بوصفها مفهوما مجردا، أو هي نظام متجانس في الوقت نفسه ،وبين اللغة في حالة الاستخدام إذ تكون ممارسة اجتماعية:وهي تكون عندئذ ظاهرة اجتماعية محكومة بجملة شروط وظروف تكون بها جزءا من سيرورة المجتمع.

 ومن هنا يمكن التمييز بين أشكال ثلاثة لمفهوم الخطاب  بين المدارس الفكرية، والانطلاق من حقولها المعرفية في تحديد ماهية مصطلح الخطاب.

*-  فهناك منظور لساني للخطاب،حيث يستخدم الخطاب في أوجه ثلاثة:

أ-  الكلام مرادف للملفوظ

ب- ما كان أكبر من الملفوظ.

   وقد امتد ذلك المفهوم في داخل مناهج المشروع البنيوي الذي أقامه دي سوسير، وبقي المفهوم اللساني مهيمنا عليه.

ج- مفهوم سيميائي للخطاب ما بعد البنيوية وهو ما قام به بول ريكور وقبله بنفنيست.

 بعد إميل بنفست  يتمكن ميشال فوكو من إخراج مصطلح الخطاب عن المنظور اللساني ،إذ يتحدد الخطاب بصورة نهائية كمجموعة من العبارات التي تنسب إلى نظام التكوين نفسه، وعندها نستطيع الكلام عن خطاب إخباري أو خطاب اقتصادي أو ثقافي أو غيره، وهذا هو المنظور التواصلي الاجتماعي للخطاب.

 لقد قام الخطاب أساسا على مبدإ يفيد أن العلاقة بين الخطاب والواقع الخارجي ليست علاقة تمثيل أو انعكاس أو تعبير ،فالخطاب نفسه هو حدث مادي وممارسة اجتماعية لها قوانينها واشتراطاتها.

وخاتمته، وقد استعرضت بالتفصيل المضامين المختلفة لمفهومي النص والخطاب،قد يسأل سائل هل توجد علاقة بين الغرضين؟ وماهي أسباب تنوع مضامينها؟ وهل ينبغي تقديم تعريف على آخر؟ .

حقيقة هذه التساؤلات وجيهة ومشروعة وتحتاج إلى توضيح ،لعل أول نتيجة تستدعي الإشارة إليها ،هي أن النص والخطاب مصطلحان شهدهما الوعاء الفكري للغة العربية ،والقول بأنهما نتاج النهضة اللسانية الحديثة تجاوز لرصيدها الحضاري الذي أسس بنيانه على ثقافة فهم المنصوص المعجز والمقدس.

إن تعدد معاني كل من المصطلحين دليل على أننا أمام غرضين معرفيين معقدين ومتعددي الوجوه،وبالفعل يمكن إرجاع هذا الثراء المفهومي إلى اختلاف الباحثين في تصوراتهم لمثل هذه الحقول المعرفية واختلافهم في مناهج دراستها مما يصعب على الدارس أن يحيط بها ويوحد رؤيتها العلمية تجاهها.

وإذا نظرنا إلى المقاربة المفهومية بين النص والخطاب،نقر بأن دال النص لم يرد في الكتاب المعجز إطلاقا فيما تكرر استخدام لفظ الخطاب،وهنا نخلص إلى أن الخطاب أوسع من النص، ويصبح النص جزءا من الخطاب،إذ هو أداة من أدوات التخاطب أي أنه مقولة لغوية أسقطت في إطار نظام الاتصال اللفظي البشري كما شخصه ياكبسون.

الإحالات

*   القرآن الكريم،طبعة المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية -الجزائر 1988

1- الزهري،محمد بن مسلم أبو بكر المدني تابعي كبير،عالم الحجاز والأمصار قرأ على أنس بن مالك،كثير الحفظ والمذاكرة،وردت عنه قراءات مختلفة(ت24هـ) ،ينظر ابن الجزري ،غاية النهاية في طبقات القراء،عني برجشستراسر،دار الكتب العلمية،ط2،بيروت  1982  ج2،ص262

2- لسان العرب،طبعة دار صادر،ط3،بيروت،     ج7،ص 97(نصص).

3- م ن 7،  ص99 (نصص).

4- جبران مسعود،معجم الرائد،طبعة بيروت  ج2ص1504  .

5- ديوان طرفة،دار بيروت للطباعة والنشر 1987 ،ص 36.

6- جامع النص،ترجمة عبد الرحمان أيوب ،دار توبقال للنشر،الدار البيضاء، ص 90.

7- حسين محمد حماد،تداخل النصوص في الرواية العربية،الهيئة المصرية العامة للكتاب،القاهرة،1997ص 38.

8- منذر عياشي،الأسلوبية وتحليل الخطاب,مركز الإنماء الحضاري ط1،  2002 ،ص124،وينظر لذة النص،ترجمة محمد الرفرافي ومحمد خير البقاعي مجلة العرب والفكر العالمي ع 10،  1990،ص35.

9- لم تأت تسمية السور القرآنية من الحشرات إلا بالنمل والعنكبوت والنحل وأشار إلى النمل بمساكنه:       ( قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم).النمل 27/18كما وصف بيت العنكبوت بقوله:(وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) العنكبوت 29/41

10- نقلا عن محمد عبد الجبار،النص الأدبي والمتلقي ،الفكر العربي ع 89 سنة1997،ص 06.

11- تحليل الخطاب الشعري( استيراتيجية التناص) ،المركز الثقافي العربي،بيروت الدار  البيضاء،ص119.

12- م ن،ص120.وينظر بشير إبرير من لسانيات الجملة إلى لسانيات عالم النص,مجلة التواصل,جامعة  عنابة 2005،ص82

13- لسان العرب ،ج 1ص360 (خطب).

14- أساس البلاغة,طبعة بيروت 92،ص168

15- العجم الوسيط ,دار الفكر ,لبنان ج 1،ص212

16- المعجم الفلسفي ,طبعة الكتاب اللبناني ، ج 2،ص204

17- الفرقان 25/63

18- هود 11/37

19- ينظر ص 38/20, 23,والنبأ 78/37

20- لسان العرب ، ج1،ص36 (خطب)

21- طه عبد الرحمان , في فصول الحوار وتجديد علم الكلام , المركز الثقافي العربي ،بيروت،ص50

22- الملفوظة : قوالب خطابية مختلفة , تعد لبنة من لبنات الخطاب , وهي على رأي أحد العلماء , ليست قولا أو اقتراحا وليست كيانا نفسيا أو منطقيا , وهي ليست كذلك حدثا أو صيغة مثالية , ينظر حولية مختبر الترجمة في الأدب واللسانيات ، جامعة منتوري قسنطينة ع 1ص 108 .

23- حفريات المعرفة , ترجمة سالم يفوت , الدار البيضاء ص 31

24- سعيد يقطين , تحليل الخطاب الروائي , المركز الثقافي العرب بيروت 1989 ،ص21

25- م س , ص 17

26- م ن , ص 22

27- مفهوم الأدب , ترجمة منذر عياشي , مجلة العرب والفكر العالمي ع3، ص 10

28- أحمد المديني , في أصول الخطاب النقدي الجديد , دار الشؤون الثقافية العامة, بغداد  1999،ص39

29- إديث كرزويل,عصر البنبوية من ليفي شتراوس إلى فوكو تر: جابر عصفور,دار الشؤون الثقافية العامة,بغداد 1985،ص 269

30-  م س , ص 17

31- حفريات المعرفة , ص 34