pdfآليات أعمال حقوق الإنسان الاقتصادية في الدول العربية

 

حسين عبد المطلب الأسرج - مصر

ملخص : إن المجتمع العربى يعانى وبصورة ملحوظة من ضعف حالة حقوق الانسان وبخاصة الاقتصادية منها، فيلاحظ تزايد معدلات البطالة والفقر فى الدول العربية، وتتراكم انعكاساتها السلبية على المجتمع المتمثلة في انتشار الجرائم الاجتماعية، وارتفاع نسبة الإعالة وتأخر سن الزواج، فضلاً عن الآثار الأمنية والنفسية. ويهدف البحث الى عرض أهم آليات اعمال حقوق الانسان الاقتصادية في الدول العربية والتي  يمكن أن تعظم تمتع المواطنين العرب بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.

 

كلمات مفتاحية : حقوق الانسان، الحقوق الاقتصادية، الدول العربية.

 

تمهيد : يؤكد العديد من الخبراء على أن قضية حقوق الانسان تحظى باهتمام متزايد من قبل المجتمع الدولي وقد تعاظم هذا الاهتمام نتيجة عدة عوامل منها :

الاول: دور التنظيم الدولي في اصدار العديد من القرارات والتوصل الى العديد من الاتفاقيات التي تتناول تلك الحقوق وكيفية التمتع بها ومضامينها وذلك باسلوب تفصيلي متزايد وانشاء آليات عديدة في هذا الصدد.

الثاني: بروز المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال رصد ومتابعة حقوق الانسان في كافة الدول وانتقاد الحكومات لتقصيرها او عجزها او تقاعسها او انتهاكها لحقوق الانسان.

الثالث: ظهور الوعي لدى الافراد بحقوقهم نتيجة عوامل عدة منها الدور الاعلامي العالمي عبر الفضائيات ونشاط الجمعيات والمعاهد والمراكز التعليمية في تدريس حقوق الانسان.

 

ويمكن القول بأن الاهتمام العربي قد جاء متأخرا عن الاهتمام العالمي بحقوق الانسان والذى برز بوجه خاص خلال النصف الثاني من القرن العشرين برغم مشاركة بعض الدول العربية ومن بينها مصر في الاعمال التحضيرية للامم المتحدة وفي صياغة عدد من المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الانسان ؛ فمجال حقوق الانسان هو مجال ما زال بكرا بالنسبة لثقافتنا العربية وآدابها وما زال مجهولا بالنسبة لممارساتنا العربية في المجالات السياسية والاقتصادية اذ ان حقوق الانسان ما زالت دون تحقيق الحد الادنى منها في الكثير من الدول العربية.

 

إن المجتمع العربي يعانى وبصورة ملحوظة من ضعف حالة حقوق الانسان وبخاصة الاقتصادية منها،فيلاحظ تزايد معدلات البطالة والفقر فى الدول العربية، وتتراكم انعكاساتها السلبية على المجتمع المتمثلة في انتشار الجرائم الاجتماعية، وارتفاع نسبة الإعالة وتأخر سن الزواج، فضلاً عن الآثار الأمنية والنفسية. .الأمر الذى يؤكد على أن المجتمع العربى ما زال أمامه العديد من التحديات الرئيسية التي ينبغي مواجهتها بصورة سريعة‏ فى مجال اعمال الحقوق الاقتصادية للمواطنين. وتقوم المشروعات الصغيرة بدور رئيسي فى توفير فرص العمل،الى جانب مساهمتها بنصيب كبير فى اجمالى القيمة المضافة وقيامها بتوفير السلع والخدمات بأسعار فى متناول اليد لشريحة ضخمة من ذوى الدخل المحدود،وهى تعتبر وسيلة مفيدة لتعظيم التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية اذا احسن الاستفادة منها ،كما أنها قادرة على تدعيم التجديد والابتكار وإجراء التجارب التى تعتبر أساسية للتغيير الهيكلى من خلال ظهور مجموعة من رواد الأعمال ذوى الكفاءة والطموح والنشاط. وفي هذا البحث،سنتناول بالعرض الموجز لعدد من آليات اعمال حقوق الانسان الاقتصادية فى الدول العربية والتى يمكن أن تعظم تمتع المواطنين العرب بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية. وللوصول إلى هدف البحث فانه يتم دراسة النقاط التالية :

المبحث الأول - الارتباط بين التنمية وحقوق الإنسان

يعكس مفهوم التنمية فكرة التكامل بين حقوق الإنسان فالتنمية (الشاملة) هي كما قرر إعلان الحق في التنمية الذي  اعتمدته الجمعية العامة بموجب قرارها 41/128 الصادر في 4 ديسمبر 1986عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان بأسرهم والأفراد جميعهم، ورأى هذا الإعلان أن جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية متلاحمة ومترابطة، وأن تعزيز التنمية يقتضي إيلاء الاهتمام على قدم المساواة لإعمال وتعزيز وحماية الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

 

أولا : حقوق الإنسان (المفهوم- -الفئات)

1-مفهوم حقوق الإنسان[1] : عادة ما يعرف الباحثون حقوق الإنسان بأنها مجموعة الحقوق التي يتمتع بها الإنسان بوصفه إنسانا. هذا التعريف يجد سنده فيما نصت عليه المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بقولها "يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم البعض بروح الإخاء". وهذه الحقوق هي بذاتها مصدر الشرعية ولا تستمد شرعيتها من أي نظام قانوني وضعي. فإذا أصدرت الدولة الوطنية تشريعا ينتهك حقوق الإنسان لمواطنيها بأن يحرمهم من حرياتهم الطبيعية مثلا أو يميز بينهم بسبب الدين أو الأصل أو اللغة أو العرق كان هذا القانون عاريا من الشرعية القانونية وكانت الدولة التي أصدرته عارية من الشرعية السياسية.  وحقوق الإنسان في عصرنا هذا لم تعد مجرد مبادئ فاضلة تحض عليها الأخلاق القويمة أو تعاليم تحض عليها الأديان ولكنها تحولت إلى التزامات قانونية يتعرض من يخالفها لجزاءات على المستويات الدولية والإقليمية والوطنية[2].

 

فمصطلح حقوق الإنسان إذن يشير إلى مجموعة الحقوق اللصيقة بالشخصية الإنسانية التي نصت عليها المواثيق الدولية والتي يتمتع بها الإنسان ولا يجوز تجريده منها لأي سبب كان بصرف النظر عن كل مظاهر التمييز مثل الدين واللغة واللون والأصل والعرق والجنس وغير ذلك. فحقوق الإنسان حقوق عالمية مترابطة فيما بينها وغير قابلة للتجزئة أو الانتقاص أو التقسيم وسواء كانت حقوقاً مدنية و سياسية أو اقتصادية واجتماعية فإنها حقوق متساوية ولا تقبل إعطاء أولوية أو أفضلية لإحداها على الآخر بل إنها تترابط بعضها مع بعض بما يجعل ثمة نوعا من التفاعل والتضامن والتضام بينها باعتبار الكرامة الإنسانية هي الجوهر والمبدأ الناظم لكافة الحقوق،  وحماية هذه الكرامة هي الهدف النهائي من إقرارها.

 

2- فئات الحقوق : يمكن تصنيف حقوق الانسان إلى ثلاث فئات :-

1.  الحقوق المدنية والسياسية (وتسمى أيضاً "الجيل الأول من الحقوق")، وهي مرتبطة بالحريات، وتشمل الحقوق التالية: الحق في الحياة والحرية والأمن؛ وعدم التعرض للتعذيب والتحرر من العبودية؛ المشاركة السياسية وحرية الرأي والتعبير والتفكير والضمير والدين؛ وحرية الاشتراك في الجمعيات والتجمع.

2.  الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (وتسمى أيضاً "الجيل الثاني من الحقوق")، وهي مرتبطة بالأمن وتشمل: العمل والتعليم والمستوى اللائق للمعيشة؛ والمأكل والمأوى والرعاية الصحية.

3.  الحقوق البيئية والثقافية والتنموية (وتسمى أيضاً "الجيل الثالث من الحقوق")، وتشمل حق العيش في بيئة نظيفة ومصونة من التدمير؛ والحق في التنمية الثقافية والسياسية والاقتصادية.

 

ثانيا : حقوق الانسان وتطور الفكر التنموي

تطورت مفاهيم التنمية الاقتصادية في الفكر الاقتصادي المعاصر[3]، ففي معظم خمسينيات وبداية ستينيات القرن العشرين كانت فكرة التنمية مرادفة لاجمالى النمو المحقق،وكانت تعبر عن عملية تراكم لرأس المال المادي والبشرى بهدف زيادة الدخل القومى.ومع منتصف الستينيات أصبحت فكرة التنمية أكثر التصاقا بعملية التغير الاقتصادي والاجتماعي.وفى السبعينيات، قام البعض بوضع استراتيجيات من أجل النمو مع إعادة التوزيع.وحدثت تطورات بعد ذلك أدت الى خلع الناتج القومى عن عرشه،وبرز اتجاه القضاء على الفقر باعتباره الهدف الحقيقى للتنمية.ومنذ تسعينيات القرن العشرين تم الربط بين القضاء على الفقر وبين النمو بحيث لم يعد يعتبر خصما له.ويعد تقرير التنمية فى العالم الصادر عن البنك الدولى لعام1990 نقطة تحول رئيسية فى هذا المجال ،حيث عرف التنمية على أنها