pdfتقدير دالة الإدخار العائلي في الجزائر 1970-2005

أحمد سلامـي – جامعة ورقلة

د. محمد شيخي- جامعة ورقلة

 

ملخص : يعد الإدخار العائلي حجر الزاوية في ارتفاع الإدخار الوطني، وهو أحد الشروط الأولية اللازمة لتحقيق معدل معقول من النمو الإقتصادي. وسنسعى في هذا المقال إلى التعرف على النموذج الذي يفسر سلوك الادخار العائلي في الجزائر خلال الفترة الممتدة من 1970 إلى 2005.

 

الكلمات المفتاح : الإدخار العائلي، الدخل الدائم، الدخل النسبي، الدخل المطلق، الدخل المؤقت.

 

أولا: الإدخار في النظريات الإقتصادية

هناك دراسات عديدة تبحث في علاقة الادخار بالمتغيرات المفسرة له، و يمكن القول أن هذه الدراسات تدور حول ستة افتراضات، هي:

·             الافتراض الكلاسيكي

·             افتراض الدخل المطلق

·             افتراض الدخل النسبي

·             افتراض الدخل الدائم

·             افتراض دورة الحياة

·             افتراض تايلور

 

و لكل من هذه الافتراضات مسلماته. و سوف نستعرض في هذا المقال باختصار شديد لهذه المسلمات، و نوضح كيف يتأثر الادخار العائلي بمتغيرات كل نموذج مُفترض. و من ثم تصبح المشكلة تحديد نوع الافتراض الادخاري الذي يتبعه الفرد الجزائري. و هذا هو صلب البحث الحالي.

 

1- افتراض النموذج الكلاسيكي:يفترض الكلاسيك أن الأفراد يقومون أولا بتحديد ما يريدون إدخاره تبعا لمعدل الفائدة السائد، و بمقابل ذلك ينفقون ما تبقى على السلع و الخدمات. فالإدخار في تفسير الكلاسيك هو عرض لموارد نقدية و يرتبط بصورة مباشرة بمعدل الفائدة، و هناك علاقة طردية بينهما،  و عليه تكون معادلة الإدخار كما يلي: S=S(i) ، شرط أن يكون ،  يرمز إلى التفاضل.

 

تبين هذه العلاقة بأن الإدخار (S)هو دالة تابعة لمعدل الفائدة (i) كما يوضحها الشكل 1.

تقديـر دوال الإدخـار العائلـي فـي الجـزائـر 1970-2006

                                                                                                             أحمد سلامـي- جامعة ورقلة                                                                                                               د.محمد شيخي- جامعة ورقلة

 

 

 ومعدل الفائدة يُعرف على أنه "التعويض الذي يحصل عليه الفرد (المدخر) لقاء عدم استخدامه لأمواله في إستهلاك آني وتأجيل ذلك لفترة لاحقة. ومقدار التعويض هذا هو نفس المبلغ الذي يكون فرد آخر (المقترض)مستعداً لدفعه لحيازة المال الذي سيُمَكِّنه من إستهلاكه وصرفه آنيا في أي وجه يرغب به"1. وكلما ارتفع معدل الفائدة زاد إقبال الأفراد على الإدخار على حساب الإستهلاك، و يكون ذلك ابتداء من مستوى معين من الدخل المتاح، إذن يرى الإقتصاديون الكلاسيك تبرير معدل الفائدة كتعويض عن امتناع و انتظار الإستهلاك2، كما برروا الأجر كتعويض عن الجهد. و لهذا يبقى معدل الفائدة بالنسبة للنظرية الكلاسيكية هو المحدد الرئيس لقرارات الإستهلاك و الإدخار.

 

2- افتراض الدخل المطلق (النظرية الكينزية):إن الحديث عن الإدخار أو الإستهلاك يكاد يكون الحديث عن الشيء نفسه، ذلك أن العوامل التي تحدد الإستهلاك تحدد في نفس الوقت الإدخار. إلا أن الدخل الشخصي المتاح يعتبر المحدد الرئيس للإدخار الشخصي. و يعتبر الدخل الشخصي المتاح ذلك الأجر أو مقابل العمل الذي يبذله الفرد، و يكون غالبا موجه لإقتناء أو إستهلاك حاجيات إما دائمة أو غير دائمة. فعندما تنفق العائلة أموالها في الإستهلاك نقول أنها استهلكت دخلها تحت قيد ميزانيتها، لأن هذه العائلة لا تستطيع إستهلاك حاجيات أكبر من دخلها إلا في حالة الإقتراض من جهات أخرى. و الدخل العائلي هو أموال تتصرف فيها العائلة كما تشاء لأنها أموال متاحة، لذا نطلق على هذا النوع من الدخل بالدخل العائلي المتاح (revenu disponible des ménages)3.

 

إنَّ كينز يمثل الفكر الإقتصادي المعاصر، و قد سلم الإقتصاديون المعاصرون " أن الدخل هو العامل الأساسي الذي يحدد مقدار الإستهلاك والإدخار"4. كما ذكر كينز أن " الإدخار عبارة عن فضلة (résidu) متبقية من الدخل بعد الإنفاق على الإستهلاك"5، و منافيا لما قاله الكلاسيك، فقد اعتبر أن الدخل هو المتغير الأساسي و أن المدخرين ينظمون إستهلاكهم حسب الدخل المتحصل عليه؛ أي أن الفرد يستهلك حسب دخله و ما تبقى من هذا الأخير يدخره.وإذا سلمنا فرضا بالمقدمتين الأوليتين مع كينز والمعاصرين له من الإقتصاديين، يصبح للدخل تأثير في حجم الإدخار و الإستهلاك،فإذا ازداد دخل الفرد فلابد أنيزداد إدخاره الشخصي إذا لم يزد إستهلاكه، وكذلك إذا انخفض دخل الفرد فينخفض إدخاره إذا لم يقلل من إستهلاكه. كما اعتبر كينز أن حجم الدخل ليس ثابتا، بل إنه يتغير بتغير حجم الطلب الفعلي أي الإستثمارات.

 

ربطت النظرية الكينزية إذن الإدخار بالقدرة عليه، وذلك يتبع مستوى الدخل لا سعر الفائدة، فتكون ظاهرة الإدخار حاصلةً في المجتمعات ذات الدخل العالي. و الأبحاث قد أثبتت أن الميل للإستهلاك يرتفع لدى الطبقات منخفضة الدخل، مما يجعل الميل للإدخار ضعيفاً؛ وأن ذوي الدخول المنخفضة لا يستطيعون أن يدخروا إلا نسبة بسيطة من دخولهم، وربما لم يستطيعوا الإدخار مطلقاً أو استدانوا. وهذا بخلاف الحال في البلدان الغنية حيث يمكن الإدخار ويتحقق، لتكون نسبته أعلى من نسبة إدخار البلدان متوسطة الغنى، ثم الأدنى فالأدنى. وشأن كل ما سبق أن يدل على عدم ارتباط الإدخار بسعر الفائدة، بل بالقدرة المادية للمدخر ارتفاعاً وهبوطاً.

 

يعتبر كينز أن الإستهلاك أهم من الإدخـار، لأن هذا الأخير ما هو إلا الجزء المتبقي مـن الدخل بعد عملية الإستهلاك. فكينز لم ير في الإدخار إلا عاملا ضارا، ذلك أنه عنصر انكماشي يقلّل الطلب على السلع. ونقص الطلب الكلي عن السلع الناتج عن زيادة الإدخار، يؤدي إلى نقص حجم ما ينتجه المنظمون، ومن ثم نقص حجم التشغيل، و بالتالي الوصول إلى البطالة. و قد ركزت هذه النظرية على أهمية الزيادة في الطلب على سلع الإستثمار بإنقاص الإدخار، و إنه لكي يتحقق التشغيل التام لا بد أن يوجد طلب إستثمار مساوٍ للإدخار الذي يحققه الإقتصاد كله عند مستوى التشغيل التام،  و أن يتم تحويل جزء من الإدخار إلى الإستثمار. و يرى كينز أن الأشخاص الذين يقومون بالإدخار هم ليسوا نفس الأشخاص الذين يقومون بالإستثمار، ولا يرى أن زيادة الإدخار تؤدي إلى خفض معدلات الفائدة فزيادة الإستثمارات. لأنه يعتبر أن معدل الفائدة يتحدد بطلب النقود وعرضها، كما أن زيادة الإستثمارات تتوقف على الكفاية الحدية لرأس المال، أي مقدار الأرباح التي تخلفها الأموال المستثمرة ومعدل الفائدة، فمثلا في الولايات المتحدة أثناء أزمة الثلاثينات انخفض معدل الفائدة إلى حوالي 1% في حين لم يوجد هناك طلب على الأموال6. كما اعتبر كينز أن الميل للإستهلاك والميل للإدخار - عدا في ظروف شاذة، وجود الحرب، تضخم نقدي، تغير فجائي في السياسة المالية -  يعتمدان على حجم الدخل.

 

وقد افترض كينز أن متوسط الإستهلاك يتناقص بينما يتزايد متوسط الإدخار مع زيادة الدخل7.و يتكون الدخل المتاح من عنصرين أساسيين هما الإستهلاك و الإدخار، و يمكن تمثيل ذلك بالصورة الجبرية التالية:

 

و بافتراض أن ، إذن تصبح معادلة الإدخار كالتالي:                                                          

حيث:

 : تمثل ذلك الجزء من الإدخار الذي لا يتبع الدخل، ويسمى إقتصاديا بالإدخار الذاتي أو التلقائي حيث، وتمثل رياضيا نقطة تقاطع مستقيم دالة الإدخار مع المحور العمودي (محور الإدخار).

: يمثل الميل الحدي للإدخار، ورياضيا يمثل ميل دالة الإدخار، ويكون محصورا بين الصفر و الواحد .

 

إن هذه المعادلة تعبر عن الفترة القصيرة لوجود الثابت ، كما تبين أن الدخل هو أهم عامل يدخل في تحديد مستوى الإدخار، و بهذا فإن دالة الإدخار تتزايد خطيا مع الدخل، مع ملاحظة أن الزيادة في الإدخار تكون بنسبة أقل ؛  ويمكن استنتاج منحنى دالة الإدخار بيانيا من خلال دالة الإستهلاك، وكقاعدة عامة تتقاطع دالة الإدخار مع المحور الأفقي عندما الإستهلاك يساوي الدخل، دلالة على أن الإدخار يساوي صفر عند هذا المستوى، و يتضح هذا عند النقطة dفي الشكل 2.

 

3- افتراض الدخل النسبي (دوزنبري) : يرى صاحب هذا الإفتراض، أن الإنفاق الإستهلاكي للأفراد يتحدد تبعا للمحيط الإجتماعي الذي تعيش فيه الأسرة. فإستهلاك العائلة يزداد إذا جاورت عائلات غنية عما إذا جاورت عائلات فقيرة؛ إذ أن النمط الإستهلاكي للعائلة سوف يتأثر بالنمط الإستهلاكي لجيرانها حرصا منها على الإبقاء على وضع أو مركز إجتماعي يناسب المحيط الذي تعيش فيه. و عليه، و طبقا لهذا الإفتراض، لا يتحدد الإنفاق الإستهلاكي بالدخل المطلق فقط، و إنما بالدخل النسبي السائد في المحيط الذي تعيش فيه الأسرة8. و لقد أظهر دوزنبري إختلاف سلوك الإدخار لكل من عائلات الزنوج و البيض في مدينة نيويورك وكولمبس، حيث وجد أن الزنوج يدخرون نسبة أكبر من البيض من نفس المستوى من الدخل. أي أن الميل المتوسط للإدخار للزنوج أكبر من الميل المتوسط للإدخار للبيض عند نفس مستوى الإدخار.

 

من أهم مسلمات هذا الإفتراض أن الميل المتوسط للإستهلاك لشخص ما، ما هو إلا دالة عكسية لوضعه الإقتصادي نسبة إلى الأفراد الذين يعيشون معه أو يجاورونه. فإذا كان دخل أحد الأفراد أقل من متوسط الدخل في المجتمع، فإنه يميل إلى إنفاق نسبة كبيرة من دخله حتى يحافظ على مستوى إستهلاكه متوافقا مع نمط الإستهلاك في المجتمع، و بذلك فإنه يتميز بارتفاع الميل المتوسط للإستهلاك.

 

من ناحية أخرى، إذا كان دخل أحد الأفراد أعلى من متوسط الدخل في المجتمع، فإنه سوف ينفق نسبة أقل من دخله لكي يحافظ على مستوى إستهلاكه متوافقا مع نمط الإستهلاك في المجتمع، أي أنه يتميز بانخفاض الميل المتوسط للإستهلاك، نظرا لأنه يتمتع بمستوى دخل يفوق متوسط دخل المجتمع9. و السبب في ذلك أن هذا الشخص يشعر بالطمأنينة و الإرتياح إذا كان إستهلاكه أكبر من إستهلاك الأشخاص الآخرين، لذا ربما يكون هذا دافعا له لتخفيضه، بينما لا يشعر بالطمأنينة و الإرتياح إذا كان إستهلاكه أقل من إستهلاك الآخرين لذا ربما سيرفعه10. و هكذا فإن الفرد وفقا لهذه النظرية لا يهتم بمستوى الإستهلاك المطلق و إنما يهتم بمستوى الإستهلاك النسبي، أي مستوى الإستهلاك مقارنة بمتوسط إستهلاك المجتمع الذي يعيش حوله.

 

طبقا للإقتصادي دوزنبري، يحاول الأفراد الإبقاء على مستوى معين من المعيشة. فمستوى الإستهلاك الجاري في نظره لا يتوقف فقط على الدخل الجاري سواء كان مطلقا أو نسبيا، و إنما يتوقف أيضا على مستوى الإستهلاك الذي تم الوصول إليه في الفترات القليلة الماضية. السبب في ذلك أنه من الصعب بالنسبة لإحدى الأسر تخفيض مستوى الإستهلاك الذي وصلت إليه، و لكن من السهل عليها تخفيض نسبة ما يتم إدخاره في أي فترة، من أجل الحفاظ على مستوى الإستهلاك الذي اعتادت عليه الأسرة. و هذا ما يسمى بأثر الموقف (effet de cliquet).

 

يمكن صياغة دالة الإستهلاك رياضيا كما إقترحها دوزنبري، مع العلم أن نظرية الدخل النسبي تأخذ أشكالا تطبيقية متعددة، و على سبيل التحليل الجزئي تكتب هذه الفرضية كما يلي11:

حيث أن:  a< 0 ، و b<1 ، و b لا يمثل الميل الحدي للإستهلاك.

: إستهلاك الفرد (i) في الفترة (t).

: دخل الفرد (i) في الفترة (t).

: متوسط دخل الفرد في الفترة (t).

 

 نلاحظ من العلاقة (1) أن انخفاض دخل الفرد  سوف يترتب عليه ارتفاع ميله المتوسط للإستهلاك، و هذا ما يؤكد وجهة نظر دوزنبري من حيث محافظة الفرد على مستوى إستهلاكه حتى عندما ينخفض مستوى دخله. و بضرب طرفي المعادلة (1) في  نحصل على:

 أي أن إستهلاك الفرد (i) في الفترة (t) دالة في مستوى دخله  و في مستوى دخل أقرانه (الوسط الإجتماعي الذي يعيش فيه) . و بتجميع الأفراد في مجموعة مستهلكين كما في العلاقة (2) نحصل على دالة تصلح لتحليل السلاسل الزمنية حيث:

و بقسمة الطرفين على (n) نحصل على:

 

ويجب أن نؤكد على أن سلوك دالة الإستهلاك في الأجل الطويل يعكس تزايد الإستهلاك بنفس نسبة الزيادة في الدخل وذلك عندما يطمئن المستهلكون إلى الزيادة الدائمة في الدخل، وينتقلون بذلك إلى نمط إستهلاكي أعلى. وهذا يعني أن الميل المتوسط للإستهلاك (PMC) والميل الحدي للإستهلاك (pmc) متساويان، أي: ؛ و هكذا تُمَكن فرضية الدخل النسبي من التمييز بين دالة الإستهلاك في الأجل القصير (بيانات مقطعية) في العلاقة (2) و يمثل فيها الحد الثابت ، و (a) تمثل الميل الحدي للإستهلاك. ودالة الإستهلاك في الأجل الطويل تمثلها العلاقة (4) حيث يساوي فيها الميلان الحدي والمتوسط للإستهلاك لـ K. و يلاحظ أن الميل الإستهلاكي في الأجل الطويل (a+b=K) أكبر من الميل الإستهلاكي في الأجل القصير (a). وبالتحليل على نطاق مجموعة من المستهلكين، و باستخدام الميل المتوسط للإستهلاك (PMC) للتخلص من وحدات القياس، يعتمد الميل الإستهلاكي للأفراد على نسبة أعلى دخل سابق إلى مستوى الدخل الحالي، أي أن:

حيث :

    : يمثل الدخل الجاري؛

 : يمثل أعلى دخل حصل عليه المستهلك في السابق؛

 : يمثلان الميلان الحديان للإستهلاك على الترتيب و  

و بضرب طرفي المعادلة (5) في  نحصل على:  و هذا يعني أن الإستهلاك في الفترة الزمنية (t) يتحدد بمتغيرين هما الدخل الجاري و أعلى دخل حصل عليه المستهلك في السابق.

و يمكن استنتاج دالة الإدخار كما يلي12

حيث  و هما الميلان الحديان للإدخار بالنسبة للدخل الجاري و الدخل الأعلى.

 

ويتوقع دوزنبري أن الإستهلاك لا يتطور تناسبيا مع الدخل، كما يبين الشكل 3. فعند التراجع أو التدهور في الدخل المتاح، يتناقص الإستهلاك لكن بأقل حدة من الدخل لأن الأفراد يحافظون على مستوى إستهلاكهم و ذلك بالإنقاص من إدخارهم (S). وعند بداية ارتفاع الدخل يتزايد الإستهلاك لكنأقل نسبة من معدل تزايد الدخل لأن الأفراد هنا يحاولون إعادة تكوين إدخارهم.

 

4- افتراض الدخل الدائم (فريدمان) : يرى فريدمان أن نظريتا الدخل المطلق و الدخل النسبي قامتا على مفهوم الدخل الجاري كأساس لدراسة العلاقة بين الدخل و الإستهلاك و بالتالي الإدخار. وكما سبق، فقد رأى كينز أن الجزء من دخل الأسرة الذي يخصص للإستهلاك إنما يتوقف على المستوى المطلق لهذا الدخل، في حين أن نظرية الدخل النسبي وجدت أن هذا الجزء إنما يتوقف على مستوى دخل تلك الأسرة بالنسبة لدخول الأسر المجاورة لها، و التي تماثلها على مقياس الدخل. كذلك يرى فريدمان أن الدالة الأساسية للإستهلاك و بالتالي الإدخار هي دالة تناسبية، مثله في ذلك مثل دوزنبري، إلا أنه يجد أن هذه الدالة ليست علاقة بين الدخل الجاري و الإستهلاك الجاري الذي أشار إليها كينز. و لكن العلاقة بين ما أسماه بالدخل الدائم و الإستهلاك الدائم، حيث تقوم نظرية الدخل الدائم على فرض أساسي، و هو أن الإستهلاك الدائم نسبة ثابتة من الدخل الدائم13.

 

و يشير الدخل الدائم إلى متوسط الدخل الذي يتوقع المستهلك الحصول عليه في المستقبل نتيجة لإستغلاله عناصر ثروته، سواء كانت ثروة بشرية أو ثروة مادية. فالفرد يحصل على الأجر من إستغلاله لمهاراته و خبراته و التي تمثل ثروته البشرية، و يحصل على فوائد أو أرباح من رأسماله المستثمر في أسهم أو سندات أو ودائعأوأصول مادية. و وفقا لذلك فإن الدخل الدائم مفهوم طويل الأجل لأنه يتحدد بعناصر الثروة التي تتكون عبر فترة طويلة من الزمن نسبيا. و يقاس الدخل الدائم كمتوسط للدخل المتولد من الثروة عبر عدد من السنوات السابقة و السنة الحالية، أما عن الدخل الجاري فهو يشير إلى الدخل المحقق خلال الفترة الحالية  ولذا فهو يعتبر مفهوم قصير الأجل14.

 

و قد فرض فريدمان أن الدخل الدائم يعتمد على ثلاثة عناصر أساسية هي:

 

·     أ(الدخل الجاري يحتوي على عنصرين أحدهما دائم و يسمى الدخل الدائم، و أحدهما مؤقت و يسمى الدخل المؤقت، هذا الأخير لا يتصف بالإستمرارية و هو إما أن يكون موجبا أو سالبا، فعلى سبيل المثال، إذا ارتفعت الأسعار السوقية للأسهم فجأة فإن الربح الرأسمالي المحقق من بيعها يعتبر دخلا مؤقتا موجبا، و في حالة انخفاض الأسعار نعتبره دخلا مؤقتا سالبا، و لذا فإن :

حيث:

          : يمثل الدخل الدائم

          : يمثل الدخل المؤقت

         : يمثل الدخل الجاري

و الدخل الدائم هنا هو عبارة عن المتوسط المرجح للقيم السابقة   و الحالية للدخل أي:

 

أي أن الترجيح متناقص. و عن كيفية قياس الدخل الدائم بشكل مبسط جدا، فقد افترض فريدمان أنه يعتمد على كل من الدخل الجاري و الدخل السابق عليه، بمعنى أنه يساوي دخل العام السابق بالإضافة إلى نسبة من الفرق بين دخل العام الحالي و دخل العام السابق عليه، و عليه يمكن اشتقاق المعادلة التالية:             

حيث:  : دخل العام السابق، و Y : الدخل الجاري.

 

والمُلاحظ أن حجم الدخل الدائم يعتمد بدرجة كبيرة على النسبة  حيث ، فإذا افترضنا أن فمعنى ذلك أن الدخل الدائم يساوي الدخل الحالي. كما أنه إذا افترضنا أن دخل العام الحالي يساوي دخل العام السابق فمعنى ذلك أن الدخل الدائم يساوي دخل العام الماضي و يساوي دخل العام الحالي،    و هذا يؤدي إلى نتيجة هامة و هي أن الفرد سوف يتوقع حصوله على نفس الدخل خلال الأعوام التالية15.

و بنفس الطريقة يقسم فريدمان الإستهلاك الجاري إلى عنصر دائم و عنصر مؤقت، أي أن:

حيث:

          : الإستهلاك الدائم

          : الإستهلاك المؤقت

         : الإستهلاك الجاري

 

و الإستهلاك الدائم  هو الإستهلاك الذي يتحدد بالدخل الدائم. أما الإستهلاك المؤقت  فإنه قد يُفسر باعتباره إستهلاكا غير متوقع، مثل فاتورة الطبيب غير المتوقعة، فإذا كان موجبا فإن الإستهلاك الجاري للأسرة يعتبر أكبر من الإستهلاك الدائم لها، و إذا كان سالبا فإن الإستهلاك الجاري يعتبر أقل من الإستهلاك الدائم.

 

ب( يمكن توضيح الإستهلاك الجاري في المعادلات الآتية التي توضح فروض نظرية الدخل الدائم و علاقات عناصرها بعضها البعض.

الدخل الدائم = معدل الفائدة  الثروة الشخصية (بشرية + مادية)؛

الإستهلاك الدائم = نسبة ثابتة  الدخل الدائم

 حيث لدينا:

 

و حيث أن K يمثل الميل الحدي لإستهلاك الدخل الدائم، و هو يعتمد على متغيرات متعددة، منها بشكل خاص معدل الفائدة (i)، الثروة غير البشرية إلى الثروة الكلية (البشرية+ المادية)(W)، و عوامل أخرى (u) مثل: العمر، الذوق، الجنس، العادات...إلخ، أي16:

 

والدخل الدائم  يرتبط بالثروة بالعلاقة النسبية ، فإنه يمكننا إعادة كتابة العلاقة السابقة بالشكل التالي:

 

وهذا يعني أن دالة الإستهلاك وفقا لفرض الدخل الدائم هي دالة نسبية، تشير إلى أن التغير في الدخل الدائم بنسبة معينة يؤدي لتغير الإستهلاك الدائم بنفس النسبة، و من ثم فإن الميل الحدي للإستهلاك ثابت عبر الزمن ويساوي الميل المتوسط للإستهلاك، كما يعني هذا أن تأثير الدخل المؤقت على الإستهلاك الدائم يقترب من الصفر. و منه فالميل المتوسط للإدخار عند جميع مستويات دخل الأسرة يكون ثابتا، بمعنى أن الأغنياء و الفقراء يخصصون نسبة واحدة من دخلهم للإدخار. لكن هذه النتيجة قد لا تتفق مع الواقع، ذلك أن درجة تفضيل الإستهلاك الحاضر على الإستهلاك المستقبل ربما لن تكون واحدة عند جميع مستويات دخول الأسر. فنحن نعلم أن تفضيل إستهلاك الحاضر على الإستهلاك المستقبل بالنسبة للأسرة الفقيرة يكون أكبر منه بالنسبة للأسرة الغنية. مثل هذا التفضيل يعمل على تخفيض نسبة إدخار الأسر الفقيرة بالنسبة لدخولهم و العكس صحيح بالنسبة للأسر الغنية.

 

         ويمكن التعبير عن فرض الدخل الدائم باستخدام الشكل4. فلو أن الدخل الدائم = Yp1، و الدخل الجاري = Y1، و هو ما يعني أن الدخل المؤقت = Y1Yp1 = EG، فإن الإستهلاك الدائم يتحدد على أساس الدخل الدائم عند النقطة E على دالة الإستهلاك النسبية Cp عند المستوى C1، و في هذه الحالة يزداد الإدخار بمقدار الدخل المؤقت EG. و لو أن الدخل الدائم = Yp2 والدخل الجاري = Y2، فإن الجزء المؤقت من الدخل يكون سالبا  ومقداره AD. و عندئذ يتحدد الإستهلاك الدائم عند النقطة D على دالة الإستهلاك النسبية Cp عند المستوى C2. و في هذه الحالة يتم سحب الجزء AD من المدخرات السابقة أو يتم إقتراضه لتمويل المستوى الدائم من الإستهلاك. أما إذا كانت EG زيادة دائمة في الدخل، فإن الإستهلاك الدائم يزداد بالمقدار FG، و إذا كانت AD نقص دائم في الدخل فإن الإستهلاك الدائم ينقص بالمقدارAB وفقا لدالة الإستهلاك الدائم Cp .

 

         والإعتقاد الراسخ بين الإقتصاديين المحدثين هو أن فرضية الدخل الدائم تتسق مع نتيجتين بالغتي الأهمية، أمكن التوصل إليهما من خلال التجربة العملية:

 

-  أن الميل الحدي للإستهلاك في المدى القصير أقل من الميل الحدي للإستهلاك في المدى الطويل؛

 

-   أن الميل المتوسط للإستهلاك في المدى الطويل يميل إلى أن يكون ثابتاً.

 

ج( افترض فريدمان أنه ليس هناك علاقة بين:

         الدخل المؤقت و الدخل الدائم؛

         الإستهلاك المؤقت و الإستهلاك الدائم؛

         الدخـل المؤقت و الإستهلاك المؤقت.

 

يدل الإفتراض الأول على أن الدخل المؤقت عشوائي بالنسبة للدخل الدائم. بينما يشير الإفتراض الثاني إلى أن الإستهلاك المؤقت يعتبر مستقل عن الإستهلاك الدائم. أما الإفتراض الثالث يدل على أن الإستهلاك المؤقت عشوائيا بالنسبة للدخل المؤقت،  و هذا يدل أن الميل الحدي للإستهلاك من الدخل المؤقت يساوي صفراً. و هذا يعني أن الأسرة المحظوظة التي تحصل على دخل مؤقت موجب لن تغير إستهلاكها (الذي يعتمد على الدخل الدائم) و إنما سوف تدخر الدخل الصافي. و كذلك إذا كانت الأسرة غير محظوظة بما فيه الكفاية و تحصل على دخل مؤقت سالب، فإنها لن تخفض إستهلاكها، و إنما سوف تلجأ بدلا من ذلك إلى تخفيض مدخراتها ؛ وفقا لفرض الدخل الدائم فإن إستهلاك الفترة الحالية قد يتأثر بدخل الفترة السابقة (في حالة السحب من المدخرات)، كماقد يتأثر بدخل المستقبل (في حالة الإقتراض و السداد من دخل المستقبل). مما تقدم و بإعادة كتابة المعادلة رقم (1) نجد:

بتعويض العلاقة (5) في العلاقة رقم (4) ينتج:

 

و بتعويض العلاقة رقم (6) في العلاقة رقم (2) نجد الصيغة العامة لدالة إستهلاك فريدمان:

 

العلاقة الأخيرة تبين بأن الإستهلاك الجاري ما هو إلا جزءا من الفرق بين الدخل الجاري و الدخل المؤقت زائد إحتمال حدوث إستهلاك مؤقت (سلبي أو إيجابي). أما  دالة الإدخار فهي باقي الدخل بعد عملية الإستهلاك. و يمكن صياغتها كما يلي:

حيث : ثابت قيمته أقل من الصفر، و  أقل من الواحد الصحيح.

 

5- افتراض دورة الحيـاة (فرانكو موديجلياني): يرى موديجلياني أن سلوك الأفراد يتصف بأنهم يخططون لمستوى إستهلاكهم وإدخارهم على مدار فترة زمنية طويلة، بحيث يتحقق لهم أفضل توزيع ممكن للإستهلاك خلال فترة حياتهم بالكامل، التي يمكن تقسيمها إلى فترة اللانشاط؛ فترة النشاط  و فترة التقاعد. هذه النظرية ترى أن الإدخارما هو إلا إنعكاس لرغبة الأفراد في الإستهلاك في المستقبل عندما ينتقلون إلى التقاعد. و قد أظهرت أهمية بعض العوامل التي تؤثر في الإدخار و التي لم يتناولها التحليل الكينزي من قبل، مثل الهيكل العمري للسكان17. و الإفتراضات التي تقوم عليها هذه النظرية هي:

·          إفتراض أن الفرد يبدأ العمل في سن العشرين دون أن يكون له ثروة، و أن فترة العمل تستمر إلى سن 65 عاما ثم يموت الفرد عندما يبلغ من العمر 80 عاما؛

·          يفترض أن الفرد يحصل على دخل ثابت خلال فترة العمل؛

·          أن الفرد لا يرغب في ترك ثروة لأحد بعد أن يموت، أي أنه يستهلك كافة الأصول في نهاية حياته؛

·          أن الفرد يفضل استقرار مستوى الإستهلاك خلال حياته، أي أنه لا يرغب في حدوث تقلبات شديدة في مستوى الإستهلاك؛

·          عدم وجود سعر فائدة على المدخرات.

 

     اعتمادا على هذه الإفتراضات المبسطة التي تقوم على درجة كبيرة من التأكد سواء بشأن مستوى الدخل أو عمر الفرد، فإننا نستطيع القول بأنه عند أي نقطة زمنية، يوجد في المجتمع ثلاثة فئات من العمر، و النظرية تنص على أن إستهلاك الشخص و إدخاره يختلف خلال فترات عمره، حيث نجد أن فترة شبابه تتميز بإستهلاك كبير     و ربما يفوق إستهلاكه الدخل المتحصل عليه في بعض الأحيان فيلجأ إلى الإقتراض، أما في فترة متوسط العمر فإن إدخاره يصبح أكثر من إستهلاكه، و هذا محاولة منه للمحافظة على نفس مستوى الإستهلاك، لأن هذه المدخرات سوف تُكَوِّن دخله الوحيد بعد تقاعده إلى أن يموت. و هذا ما يوضحه الشكل 5.

 

     وفقا لنظرية دورة الحياة، فإن العائلات في إستهلاكها لا تعتمد على مدخولاتها الجارية فقط، بل تأخذ في اعتبارها أيضا أمورا أخرى، و منها الثروة التي في حوزتها. و تقودنا هذه الفرضية إلى صياغة دالة الإستهلاك كما يلي:

حيث:

 : الميل الحدي للإستهلاك من الثروة الحقيقية؛

 : الميل الحدي للإستهلاك من الدخل المتاح؛

 : يمثل مستوى الأسعار.

و من العلاقة (1) يمكن استخلاص دالة الإدخار نظريا، فتكون كالتالي:

حيث: :  يمثلان الميلان الحديان لإدخار الثروة الحقيقة و الدخل المتاح على التوالي.

 

     إذن بالنسبة لهذه الفرضية، لكي يكون هناك إدخار معتبر في المجتمع، فلابد من توفر هذا الأخير على تشكيلة ديموغرافية شابة. أي أن تكون نسبة الشباب تفوق نسبة الكهول و الشيوخ.

 

6- افتراض تايلور: اقترح تايلور نموذج لدالة الإدخار على الشكل  وربط تايلور إدخار الفترة الحالية بإدخار الفترةالسابقة و بالتغير الحاصل في الدخل بينهاتينالفترتين، و يمكن صياغة الدالةعلى الشكل التالي: ، حيث هما الميلان الحديان للإدخار لكلمن   و  على التوالي.

 

ثانيا: واقع إدخار العائلات الجزائرية

الجزائر كغيرها من بلدان العالم الثالث تتطلع إلى التنمية، و هي تعتمد دائما على تدفقات مداخيل الدولة من الموارد النفطية، و في حالة تراجع هذه التدفقات فإنها تلجأ إلى الإستدانة أو الإقتراض الخارجي. و هذه في الحقيقة لا تُعد سياسة إقتصادية بعيدة المدى و لا يمكن أن نعتبرها بأي حال من الأحوال بأنها حل دائم لتمويل الإستثمارت، نظرا للتكاليف الإقتصادية و الإجتماعية      و حتى السياسية، و يبقى اللجوء إلى المصادر الخارجية كآخر حل و مخرج يُتخذ، و ذلك بعد الإستغلال الأمثل و العقلاني لمصادر التمويل الداخلية. فكل مسار للتطور الإقتصادي يجب أن يقوم أولا على تراكم محلي لرأس المال، و إن مثل هذا التراكم لرأس المال يفترض للوهلةالأولى تعبئة فعالة للإدخار الوطني، و الذي يتضمن إدخار العائلات، ليأخذ على عاتقه تمويل الإقتصاد الوطني و تقليص إلى أقصى درجة اللجوء إلى الموارد الخارجية.

 

في هذا الجزء الذي نتاول فيه حالة الجزائر، يمكنإعطاء تحليل لتطور إدخار العائلات الجزائرية على مستوى الصندوق الوطني للتوفير و الإحتياط باعتباره بنك رائد في استقطاب المدخرات العائلية في الجزائر. و هذه المدخرات في اعتقادنا هي المصدر الطبيعي و الأساسي لتمويل الإستثمارات ؛ وبملاحظة الشكل 6 نجد أن الإدخار منذ سنة 1970 و هو يتطور بطريقة بطيئة جدا، وهذا مرده إلى الدوافع الضعيفة للإدخار على مستوى الصندوق؛ نسبة فائدة على الودائع قليلة،  و وعود سكن لا جدوى منها. إضافة إلى انخفاض الدخل المتاح. في سنة 1979 عرف إدخار العائلات إرتفاعا محسوسا نتيجة لإرتفاع الدخل المتاح من جهة ولتطبيق شعار (إدخار-سيارة) من طرف الصندوق من جهة أخرى. كما تم بيع السكنات للمدخرين، و استمر الإدخار في الزيادة لغاية سنة 1989.  في سنة 1990 كان إدخار العائلات قد انخفض، و ذلك راجع إلى التطور الحاصل في الإقتصاد الوطني و ما ساد آنذاك من تحولات و مشاكل إجتماعية و أمنية التي تحد في بعض الأوقات من إدخار الأفراد. لكن بعد سنة 1990 ارتفع الإدخار من جديد حتى سنة 1994 أين عاود الانخفاض، و الأسباب في ذلك تتعدد، و منها شدة التضخم بالإضافة إلى وصول مؤشر البطالة لمستويات خطيرة. بداية من سنة 1995 نلاحظ تحسناً كبيرًا في مستوى الإدخار نتيجة تحسن في الدخل المتاح الذي أخذ ينمو بشكل سريع خاصة مع تراجع مؤشر التضخم إلى مستويات مريحة. و بلغ الإدخار العائلي أقصاه في سنة 2005.

 

إن نمو الإدخار العائلي على مستوى الصندوق بصورة ملفتة خلال الفترة (1995-2005) يرجع كذلك إلى دافع رئيسي يتمثل في "أمل الحصول على  عقارات" ؛ سكن أو ملكية عقارية.

 

ثالثا: النماذج القياسية :

من خلال دراستنا النظرية للإدخار قمنا بحصر عدد من المتغيرات المفسرة له، حيث كانت في شكل معطيات سنوية، ابتداءا من سنة 1970 إلى غاية 2005. و بهذا تكون المتغيرات الإقتصادية الخاضعة للدراسةكما يلي:

: الدخل العائلي المتاح(الإسمي)؛                                    : الدخل العائلي المتاح(الحقيقي)؛

: إدخار العائلات الإسمي؛                           : إدخار العائلات الحقيقي؛

: معدل الفائدة؛                                   : معدل الفائدة الحقيقي.

 

و يظهر جليا أن المتغيرات الإقتصادية تظهر في شكلين؛ أحدهما إسمي و الآخر حقيقي. بالنسبة للمتغيرات الحقيقية تشير إلى المتغيرات الإسمية مصححة من أثار التضخم،     و قد اعتمدنا هذا التقسيم لغاية مهمة، و هي معرفة ما إذا كانت العائلات تتأثر بخداع النقود؛ أي تأخذ قرارها بالإدخار على أساس القيم الجارية، و هذا يعني أخذ المعطيات بقيمها الجارية، أم أنها تعتمد في قرارها على التغيرات التي تطرأ في القيم الحقيقية للمتغيرات، و هذا يتطلب أخذ المعطيات بالقيم الحقيقية. و المعطيات الإحصائية للمتغيرات الإقتصادية موجودة في الجدول رقم 1. و يمكن تلخيص هذه النماذج في الأتي:

 

·  افتراض النموذج الكلاسيكي:

 1)

            2)

3)

·  افتراض النموذج الكينزي:

1)

2) 

  3)

4) 

·  افتراض نموذج الدخل النسبي:

1)

2)

3)

4)

 

 

·  افتراض نموذج الدخل الدائم:

1)

 2)

3)

4)

·  افتراض نموذج دورة الحياة:

1)

2)

3)

4)

·   افتراض نموذج تايلور:

1)

2)

 3)

رابعا: تقدير دوال الادخار

 لقد تم اختبار النماذج السابقة باستخدام طريقة المربعات الصغرى، و لما كان الهدف هو الوقوف على نموذج الادخار الذي يناسب سلوك إدخار الفرد الجزائري، فإننا قمنا باختيار أفضل نموذج بناسب البيانات، و قد تم هذا الاختيار باتباع عدد من المعايير الاقتصادية و الإحصائية و القياسية. و باستخدام المعايير المذكورة سابقا استنتجنا أفضل النماذج الإحصائية و يوضحها الجدول2. حيث تبين نتائج الإنحدار في هذا الجدول أن افتراض الدخل الدائم أعطى أفضل النتائج في صورته اللوغاريتمية عند استخدام الأسعار الجارية (الثابتة)، و قد تحصلنا على المعادلة المقدرة التالية:  ؛ هذا النموذج يوضح أن المتغيرات التي تسهم و بدرجة عالية من الثقة في تحديد الإدخار هي : الإدخار السابق    و الدخل الحالي المتاح، حيث قدر كل من الميل الحدي للإدخار الحالي من الإدخار السابق و الدخل المتاح الحالي على التوالي بـ 0.89 و 0.09. و بهذا يمكننا اعتبار كل من الإدخار السابق و الدخل الحالي المتاح أهم المحددات المسؤولة عن سلوك الإدخار لدى العائلات الجزائرية، وقد استنتجنا بأن هذا النموذج هو الأفضل إحصائيا من خلال النقاط التالية :

 

ü       أن إشارات و قيم المعاملات المقدرة للمتغيرات التفسيرية تتناسب و إفتراضات النظرية الإقتصادية و الإحصائية؛

 

ü       أن قيم ستودنت T لجميع المعاملات تختلف معنويا عن الصفر؛

 

ü       أن قيم R2 و فيشر Fمرتفعة جداً، الأمر الذي يفيد جودة التوفيق، فقيمة معامل التحديد تدل على أن الدالة تشرح العلاقة الأصلية بنسبة 98,26%. أما قيمة احصاءة F فتبلغ 1863,676 مما يؤكد على وجود علاقة بين التغير في قيم الإدخار و المتغيرات المستقلة الداخلة في تكوين النموذج، و بالتالي النموذج ككل ذو معنوية إحصائية عالية؛

 

ü       أن قيم  DW  و  Breusch-Godfrey  تشير إلى عدم وجود مشكلة ارتباط ذاتي بين الأخطاء العشوائية؛

 

ü       أن قيمH.White و Arch-Lm تشير إلى تجانس التباين و التباين الشرطي للبواقي؛ و هذا ما يمكن أن نراه من خلال تمثيل السلسلة المقدرة و مقارنتها مع بياناتها الأصلية في الشكلين7 و 8

 

ü       أن اختبار (Jarque-Bera) يشير إلى أن البواقي تتوزع توزيعا طبيعيا، كما يبينه الشكل9.

 

بمعنى أن الفرضيات التي وضعناها سابقا كانت كلها محققة في هذا النموذج.

 

خامسا: الآفاق المستقبلية لقيم الإدخار العائلي:

         بعد تحديد النموذج و اختبار صلاحيته تطرقنا إلى المرحلة الأخيرة و هي مرحلة التنبؤ بمكونات دالة الإدخار العائلي. و بملاحظة المتغيرات المفسرة المكونة لهذه الدالة  وجدنا أن عملية التنبؤ ستتوقف على المتغيرY الذي يمثل الدخل المتاح، و للقيام بهذه العملية استخدمنا طريقة بوكس جينكينز، حيث تطرقنا إلى النقاط التالية:

 

·  دراسة استقرارية السلسلةln_Y

بتدقيق النظر في الشكل10 لاحظنا أن السلسلة ln_Y أخذت ميلا موجبا خلال كل فترة الدراسة، و هذا منشأنه أن يؤثر على استقرارية السلسلة. و بملاحظة الجدول3 وجدنا أن دالة الإرتباط الذاتي AC للسلسلة ln_Y تسمح لنا باستنتاج سريع بأن السلسلة ذات مركبة إتجاه عام نظرا لوجود تدهور أسي في هذه الدالة و بالتالي فهي غير مستقرة.

 

·  إزالة مركبة الإتجاه العام

لأجل ذلك أجرينا الفروقات من الدرجة الأولى للسلسلة الأصلية ln_Y حيث أصبحت هذه الأخيرة مستقرة كما يوضحها الشكل11 و الجدول 4.

 

·  التعرف على النموذج:

بعد تفحص منحنيات دوال الارتباط البسيطة و الجزئية للسلسلة  وجدنا أن النموذج يوافق الانحدار الذاتي من الدرجة الأولى. 

 

·  تقدير النموذج:

عند تقدير نموذج هذه السلسلة نحصل على النتائج التالية:

·  إختبار النموذج:

         باستعمال اختبار ستودنت اتضح لنا أن المعالم المقدرة لها معنوية إحصائية كما أن اختبار فيشر أكد على المعنوية الكلية للنموذج، و كذلك بقية الاختبارات الأخرى مثل اختبار توزيع البواقي وغيره أوضحت لنا أن النموذج جيد لا يستدعي تصحيحه وعليه فهو صالح للتنبؤ. فبالنسبة للسنوات الأربع القادمة يمكن إظهار قيم التنبؤلقيم الدخل العائلي المتاح في الشكل12 و هو يظهر بالخط المتقطع.و من ثم يمكن تلخيص نتائج التنبؤ بقيم الإدخار إلى غاية 2009  في الجدول 5.

Zone de Texte: الجدول رقم (5):قيم الإدخار المتنبأ بها

 

 
 

المصدر: من إعداد الباحث.

 

 

 

ونتوقع أن تصل قيمة الإدخار في سنة 2009 إلى حدود 380673.210 مليون دج، و هي قيمة معتبرة يساهم بها القطاع العائلي، و على الدولة أن تسعى لإستثمار هذه الموارد.

 

سادساً: أهم نتائج البحث

يمكن تلخيص أهم نتائج إحصائيات جداول المخرجات فيما يلي :

§         إن افتراض النموذج الكلاسيكي لا يتماشى  والسلوك الإدخاري للعائلات في الجزائر، و لعل من الممكن تفسير ذلك بأن العائلات الجزائرية و بحكم ديانتها الإسلامية فإنها حين تقوم بالإدخار لا تعطي نفس الأهمية التي يعطيها الآخرون لمعدل الفائدة الذي تحرمه الشريعة الإسلامية.

 

§         بالنسبة للدخل المطلق لم ينجح في أن يكون مفسرا للسلوك الإدخاري. كما أن استخدام صيغة لوغاريتمية لم يحسن من أداء هذا الإفتراض. و عليه فإن افتراض الدخل المطلق قد لا يكون بالضرورة أنسب أسلوب إدخاري يتبعه المدخر الجزائري.

 

§         افتراض الدخل النسبي يُعتبر كذلك من الإفتراضات التي لا تتماشى مع سلوك الإدخار لدى العائلات الجزائرية. و يمكن تفسير هذا الإخفاق في أداء هذا الإفتراض؛ إلى أن الجزائر بشكل عام تعاني من انخفاض في مستوى المعيشة، و عليه، فإن "ظاهرة المحاكاة" لا تؤدي دورا كبيرا بين غالبية العائلات.

 

§         لقد أخفق افتراض دورة الحياة في تمثيل سلوك الإدخار، و يمكن لنا تفسير هذا الإخفاق إلى أن الكثير من المستهلكين في مرحلة الشيخوخة يعيشون على نفقة ذويهم حيث ارتباط الأسرة و توصية الشريعة برعاية الوالدين و الأقارب، و بالتالي فهؤلاء ربما لن يفكروا في استهلاك الشيخوخة بنفس الأهمية التي تتعلق في ذهن الآخرين (غير المسلمين) و بالتالي لعلهم لن يدخروا لهذه المرحلة، وعليه فإن افتراض دورة الحياة في صيغته التي أوردها موديغلياني قد لا يتناسب مع سلوك إدخار العائلات في الجزائر.

 

§         بالنسبة لنموذج تايلور لم ينجح أيضا في تفسير إدخار العائلات الجزائرية.

 

§         إن افتراض الدخل الدائم قد أعطى أفضل النتائج وبهذا يمكننا اعتبار كل من الإدخار السابق و الدخل الحالي المتاح أهم المحددات المسؤولة عن سلوك الإدخار لدى العائلات الجزائرية.


ملحق الجداول و الأشكال البيانية

       
 
 
   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Zone de Texte: الجدول رقم (2): تقدير نموذج الدخل الدائم

 

 

 

 

Zone de Texte: المصدر: من إعداد الباحث بمساعدة برنامج Eviews

Zone de Texte: الجدول رقم (3): دالة الإرتباط الذاتي البسيطة و الجزئية لـ Zone de Texte: الشكل رقم (10): منحنى الدخل العائلي في صورته اللوغاريتمية                                                                                                                

                                                                                           

 

 

 

 

 

 

 

Zone de Texte: المصدر: من إعداد الباحث بمساعدة برنامج Eviews

 

       
 

الشكل رقم (11) : منحني السلسلة 

 
 

الجدول رقم (4) : دالة الإرتباط الذاتي البسيطة و الجزئية لـ 

 

 

 

          

 
 

Zone de Texte: المصدر: من إعداد الباحث بمساعدة برنامج Eviews

 
 

 

 

 

                                  

 

الشكل رقم (2): دالة الإدخار الكينزية في المدى القصير

 

Zone de Texte: الشكل رقم (1): منحنى الإدخار

 
 

الإستهلاك

و الإدخار

 

 

C

 

                                                                           

 

a

 

الدخل المتاح

 

Y

 

45°

 

0

 

d

 

- a

 

Zone de Texte: المصدر: عبد القادر محمد عبد القادر عطية و رمضان محمد أحمد مقلد، النظرية الإقتصادية الكلية، الناشر قسم الإقتصاد بكلية التجارة جامعة الإسكندرية، مصر،2005. ص 76.

Zone de Texte: La source : Bernard Bernier, Yves Simon, initiation à la macroéconomie, 8ème édition, Dunod, Paris, p243, 2002.

 

 

 

 

 

 

 

الشكل رقم (3): نظرية الدخل النسبي

 

Zone de Texte: الشكل رقم (4): فرض الدخل الدائم

 

 

 

 

 

Zone de Texte: La Source : Bernard Bernier, Yves Simon, ouvrage précédent, page 107.Zone de Texte: المصدر: عبد القادر محمد عبد القادر عطية، و رمضان محمد أحمد مقلد، مرجع سابق، ص 103

Zone de Texte: الإدخار العائلي

الشكل رقم (6): تطور الإدخار العائلي في الفترة (1970-2005)

 

المصدر: الصندوق الوطني للتوفير و الاحتياط و بتصرف من الباحث

 

Zone de Texte: الشكل رقم (5): الرسم البياني لدورة الحياة

 

La Source:Patrick Villieu, macroéconomie consommation et épargne, Edition la découverte,

                Paris, 2002, p43

 

                                                                                 

 

       
   
 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                   

المصدر: من إعداد الباحث، بمساعدة برنامج E-viewsو برنامج Statistica

 

 

الشكل(12): قيم الدخل العائلي المتاح المتوقعة للسنوات الأربعة القادمة

 

الشكل رقم (9): معاملات التوزيع الطبيعي للبواقي

 

                                                                          

 

 

 

 

المصدر: من إعداد الباحث بمساعدة برنامج Eviews

 

المصدر: من إعداد الباحث، بمساعدة برنامج RATS 5.04 .

 

المراجع و الاحالات:

 

1 مفلح عقل، "أسعار الفائدة و اتجاهاتها"، (25/12/2006)، [على الخط]،

http://www.muflehakel.com/part%20one/as3ar_elfa2eda_wa_etejahatha.htm 

2 سامويلسون، علم الإقتصاد، الجزء5، المغرب، 1992، ص 191.

3  طالي خيرة، نمذجة قياسية لسلوك إدخار العوائل الجزائرية في ظروف التضخم، (مذكرة ماجيستير في العلوم الإقتصادية- غير منشورة، جامعة الجزائر)، الجزائر، 2000، ص 38.

4 خزعل البيرماني، الدخل القومي والاستخدام، الدار الجامعية، الإسكندرية، دون سنة نشر، ص 141.

5Michel Herland, Keynes et la macroéconomie, Economica, Paris, 2000, p 32.

6 خزعل البيرماني، مرجع سابق، ص 147.

7 أحمد حامد نقادي و وليد عرب هاشم، دالة الإستهلاك في الإقتصاد السعودي- دراسة قياسية (1970-1989)، مجلة جامعة الملك عبد العزيز، الإقتصاد و الإدارة، الرياض، 1991، ص 54.

8 أسامة بن محمد باحنشل، مقدمة في التحليل الإقتصادي الكلي، مطابع جامعة الملك سعود، الرياض، 1999، ص 87.

9 أحمد رمضان نعمة الله، إيمان عطية ناصف و محمد سيد عابد، النظرية الإقتصادية الكلية، الدار الجامعية، الإسكندرية، 2003، ص 75.

10 عمر صخري، التحليل الاقتصادي الكلي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2000، ص 152.

11 مجيد علي حسين و عفاف عبد الجبار سعيد، مقدمة في التحليل الإقتصادي الكلي، ط1، دار وائل للنشر، الأردن، 2004، ص147.

12متولي مختار، النظرية الإقتصادية الكلية مدخل رياضي، عمادة شؤون المكتبات، الرياض، 1993، ص 293.

13 مجيد علي حسين و عفاف عبد الجبار سعيد، مرجع سابق، ص 155.

14عبد القادر محمد عبد القادر عطية، و رمضان محمد أحمد مقلد، النظرية الإقتصادية الكلية، قسم الإقتصاد بكلية التجارة جامعة الاسكندرية، مصر، 2005، ص 101.

15محمد فوزي أبو السعود، مقدمة في الإقتصاد الكلي مع التطبيقات، الدار الجامعية، الإسكندرية، 2004، ص 50. 

16عمر صخري، مرجع سابق، ص 155.

17أحمد رمضان نعمة الله، إيمان عطية ناصف و محمد سيد عابد، مرجع سابق، ص 48.