pdfدور الحكومة في تدعيم القدرة التنافسية للمؤسسات الوطنية

د/ عبد الله علي - جامعة الجزائر

 

ملخص:يعيش العالم عصرا أبرز ما يميزه بها تفاعلات وتحولات جذرية غير مسبوقة، أهمها تزايد الاتجاه المضطرد نحو تدويل النظام الاقتصادي بكامله وجعله متفتحا ومتحررا أكثر فأكثر، وبذلك أصبحت الدولة مطالبة أن تلعب دورا ايجابيا وفاعلا في إحداث التنمية وزيادة الدخل، وتحسين القدرة التنافسية من خلال خلق بيئة مواتية لذلك، ومن تم فان السؤال المحوري ما هو دور الحكومة "الدولة" في إحداث التنمية وتدعيم تنافسية المؤسسات الوطنية.                     

الكلمات الأساسية: الإصلاح الاقتصادي، التغيرات البيئية، الميزة التنافسية، التنمية المستدامة، الحكم الراشد، الخصخصة، إعادة الهيكلة، علاقات العمل.

 تمهيد : مر الاقتصاد الجزائري بتطورات عدة، وذلك بدءا من الاقتصاد الموجه، حيث كان تدخل الحكومة تدخلا شاملا ومعمقا، إذ كانت هي المالك والمستخدم والبنك، إلى نظام اقتصاد السوق، حيث دخل الاقتصاد مرحلة التحرير واعتماد آليات السوق. وهو ما يمثل تحولا راديكاليا في السياسة الاقتصادية والاجتماعية باتجاه التخلي عن الدور المعهود للدولة – سياسة الدعم للسلع المادية وغير المادية توفير فرص العمل للباحثين عنه، السكن الاجتماعي- كاستجابة لقوى خارجية، مما ولد الحاجة إلى إطلاق جيل جديد من الإصلاحات.

         في ظل التحولات التي يشهدها عالم الأعمال يبقى السؤال المحوري، ما هو دور الحكومة أو الدولة* في بناء وتحرير القدرة التنافسية وتحقيق النمو المستدام والمتقاسم؟ وهل التغير في ظل التحولات الخارجية والداخلية التي شهدتها وتشهدها بيئة الأعمال تؤثر تأثيرا واضحا على قدرتها على إنجاز دورها بكفاءة وفعالية ؟.

1- وضعية واتجاهات إصلاح الاقتصاد الجزائري.

لقد ساد الاقتصاد الإداري في فترة ما قبل التسعينات من القرن العشرين، حيث شهد الاقتصاد الجزائري مرحلة التخطيط المركزي، والاستثمارات الضخمة، وهيمنة القطاع العام وتقييد القطاع الخاص والحد من نموه وتوسعه. وتم الاعتماد على الإنفاق العام بهدف إعادة بناء البنية الأساسية والمؤسساتية لاقتصاد دمره الاستعمار واستنزف موارده. وقد وفق في تحقيق إنجازات اقتصادية حيث بلغ معدل النمو الاقتصادي بين 1974 و1979 قرابة %8(1) وتم تحقيق استقرار سياسي وامن وسلام اجتماعي. وقد حظي الجانب المادي للإنسان باهتمام عال من حيث التركيز على محاربة الفقر والتعليم والرعاية الصحية، وعدالة التوزيع، وإتاحة فرص عمل للراغبين. وهو ما يمثل إنجازات اجتماعية مرموقة، أما على صعيد القيم فقد فشل النظام في إتاحة المجال للممارسة الديمقراطية والحريات والتمتع بحقوق الإنسان. وإن كان تخصيص الموارد يتوافق ويتطابق مع سلم حاجيات الأفراد آنذاك، فإن المحقق من إنجازات لا يعكس مستوى التضحيات، مما أدى إلى إعتماد تغيرات هيكلية عدة مثل: التسيير الذاتي، التسيير الاشتراكي، إعادة الهيكلة، استقلالية المؤسسات دون التفات للمحيط. ولكن ظل يعاني في كل الأحوال من نفس المتاعب، بل كان لتوالي التجارب غير المدروسة أثارها السلبية على الجانب الاقتصادي والاجتماعي.

مع بداية التسعينات من القرن العشرين ظهر نموذج من الإصلاحات يقوم على الترويج إلى تطبيق الإصلاح الهيكلي، لاستعادة التوازن المطلوب، على متغيرات -المؤشرات الكلية- كانت مختلة لسنوات طويلة، سياسات استهدفت تحرير السوق وإلغاء القيود على المعاملات وإزالة الدعم قصد تحقيق الاستقرار الاقتصادي وضمان التوازنات المالية. وكانت نتائج الإصلاح في هذا الجانب إيجابية ومقبولة من نواحي عدة فقد عرفت الميزانية العامة تحسنا من-8.7% سنة 1994 إلى 2.4% سنة1997(2)

سجل معدل التضخم انخفاضا ملموسا إذ انتقل من 32% سنة 1994(3) إلى 6% سنة 1997 وتراجعت المديونية من 31 مليار دولار سنة 1995 إلى 05 مليار دولار سنة 2006 علاوة على تحقيق أكثر من 110 مليار دولار احتياط من العملات الأجنبية، وثم التأكيد على إعادة الهيكلة وأهمية إشراك القطاع الخاص وتشجيع الاستثمارات الأجنبية قصد الارتقاء بالقدرات الوطنية الإنتاجية والتسويقية، وكانت نتائج الإصلاح في هذا الجانب متواضعة رغم إنفاق الدولة على هذه الإصلاحات حوالي 25 مليار دولار أمريكي (4)إلا أن ما تحقق لا يكاد يعدو تعديلا في نصوص المنظومة التشريعية والتنظيمية، أما على المستوى التطبيقي فإن الأهداف المحددة وهي إعادة هيكلة المؤسسات، الخصخصة، تحرير التجارة الخارجية، تحرير نظام الصرف، زيادة تدفق الاستثمار الأجنبي، فعرفت تأخرا وتباطؤ يتضح من :

 

           1-1 إعادة الهيكلة: انطلاقا من النتائج المسجلة تم إقرار برنامج وطني لتأهيل المؤسسات بغية الارتقاء بقدراتها التنافسية ودمجها في الاقتصاد العالمي، غير أن السمة المميزة لإعادة الهيكلة هي أنها اقتصرة على :

- التطهير المالي الذي كلف الميزانية العامة للدولة أكثر من 600 مليار دج بين 1991-1998، دون أن تكون هناك نتائج معتبرة، حيث تم غلق وتصفية الكثير من المؤسسات وخصخصة القليل، كما أن البقية مهددة بمخاطر الإفلاس والزوال.

- تسريح العمالة: حيث تم تسريح أكثر من 800 ألف عامل بين 1994-2006 دون عناء البحث عن بدائل أخرى في الوقت الذي يعتبر فيه الأفراد موردا عندما تتم الحاجة إليهم و نتخلى عنهم فجأة.

 

1-2 الخصخصة: بالرغم من انقضاء قرابة عقدين من الزمن على البدء فيها إلى أنها مازالت تعترضها مشاكل وذلك: (5)

- لغياب معايير واضحة لتحديد المؤسسات القابلة للبقاء أو الخصخصة.

- غياب الإرادة السياسية الواضحة.

- خلق ضعف القطاع الخاص مخاوف من الخصخصة .

- مشكل التكفل بالعمال المسرحين.

كما تم الاعتماد في الخصخصة على مدخل التنازل عن القطاع العام، دون محاولة البحث عن بدائل أخرى لتشجيع القطاع الخاص.

 

لقد أخذت الخصخصة في الجزائر مدخل هدم الموجود و إستحداث البديل من هدم القديم، دون محاولة البحث عن بدائل لتشجيع القطاع الخاص فالحل ليس بالهدم أو تحويل المؤسسات من مجرد كيانات حكومية غير منتجة لكي تصبح مجرد كيانات غير حكومية غير منتجة، ولهذا لا يكون هناك تحول اقتصادي، ولإقامة اقتصاد السوق بل يستمر فقط ركود اقتصادي.

 

إن دواعي وجود القطاع العام ما زالت قائمة وبذلك لا يكمن الحل لا يكمن في خصخصة المؤسسات القائمة أو اختفاء دور الدولة كمعدل وكمستخدم وكمنظم بل، في وضع نظام تأشيري يحتوي على أهداف عقلانية واضحة المعالم والحدود، ومعايير موضوعية لتقييم ومتابعة الأداء وتحرير الإدارة من الضغوط وإيجاد إدارة احترافية. لقد كان اعتماد الخصخصة مطلبا خارجيا دون إشراك الأطراف المعنية وبذلك نرى أنه ينطوي على ضياعات وإهدار الموارد.

 

إن الخصخصة كأسلوب للإصلاح الاقتصادي رغم أهميتها وضرورياتها، لا يمكن لها النجاح في غياب إستراتيجية تحدد سلفا المعايير الواجب اعتمادها لانتقاء المؤسسات القابلة للخصخصة ثم التقنيات المناسبة لها باعتبارها ليس شكلا أو تقنية واحدة، ليأخذ منها كل مجتمع ما يتناسب وواقعه وأهدافه وإمكانياته وأولوياته، فهي ليست هدفا في حد ذاتها وإنما هي وسيلة من وسائل ترشيد الاقتصاد والانتقال إلى اقتصاد السوق. ومن ثم، يستدعي نجاحها توافر متطلبات السياسة الضرورية لتنفيذها، وبخاصة فيما يخص طبيعة السلطة السياسية والبني القانونية والنظام المصرفي والمالي و الجبائي المدعم والقيم الثقافية. ولا تنجح الخصخصة إلا إذا توفرت البيئة التنافسية وتم تهيئة الجماهير إعلاميا، مع ما يتطلبه ذلك من العناية بشكل خاص بالآثار الاجتماعية للإصلاحات.

 

1-3 الاستثمار الأجنبي: تعاني الجزائر من ضعف في استقطاب الاستثمار الأجنبي والمحلي –خارج قطاع المحروقات- مقارنة بقدرات السوق الجزائري، حيث تظل بعيدة عن المحفزات التي قدمتها نظريا قوانين الاستثمار. و لقد صنفت الجزائر من قبل الهيئات الدولية في الرتبة 94 عالميا في مجال تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الفترة الممتدة ما بين 2000-2003 أما في سنة 2004 فقد صنفت الجزائر 91 (6)وذلك بسبب أسلوب التعامل التي تمارسه الدولة مع المستثمرين. حيث بينت المؤسسة العربية لضمان الاستثمار، التي تعتني بالاستثمار في الدول العربية، أن الجزائر اكتفت فقط بإصدار القوانين واللوائح لجب الاستثمار دون القيام بعقد مؤتمرات أو ندوات ترويجية أو القيام بزيارات ترويجية لدول أخرى لعرض فرص الاستثمار على عكس جيران الجزائر، بل هناك أسوء من ذلك أسلوب البيروقراطية الذي تمارسه بعض الفئات في الدولة مما تسبب في ضياع استثمارات عربية بقيمة 20 مليار دولار (7). وتدعم ذلك بمحافظة الفرد الجزائري على القيم السلبية، فلم يشمله تغيير من داخل نفسه يحرك فيه التصرف الأمثل عبر مختلف العهود، إذ ظل مهمشا محايدا مما كان سببا في إجهاض مشروع التغيير.

 

أما على المستوى الجزئي فسجلت نتائج التقييم تراجعا في أداء كل القطاعات الصناعية –باستثناء قطاع المحروقات والخدمات الاتصالية والأشغال العمومية- وذلك لضعف الاستثمارات الموجهة للقطاع الصناعي، وذلك لغياب استراتيجية واضحة حول مستقبل القطاع العام يضاف إلى ذلك المنافسة للسلع الأجنبية المماثلة خاصة إذا ما علمنا أن الواردات القادمة من أوربا والصين وجنوب شرق أسيا وحتى بعض الدول العربية تتميز بجودة عالية وأسعار تنافسية، وهو ما تعكسه تقارير المنافسة العالمية بين عامي 2004-2005 فقد احتلت الجزائر مراتب 114، 80 على مستوى التكنولوجيا والقطاع العام. أما حسب مؤشر النمو للتنافسية فقد احتلت الموقع 71 من أصل 104(8)دولة والمركز الأخير من بين 7 دول عربية وبالنسبة لمؤشر الأعمال التنافسية فإنها تحتل المركز 89 دوليا والمؤشر الأخير من 7 دول عربية. وهذا ما يعني أن تنافسية الوحدات الاقتصادية في الجزائر ضعيفة حتى على المستوى العربي(9).

يمكن القول أن برامج الإصلاح الاقتصادي المعتمدة لم تتناسب مع قدرات الاقتصاد الوطني، مما ألحق أضرارا بالطبقات الاجتماعية الفقيرة مما يجعلنا نقول أن التحسن على مستوى مؤشرات النمو الاقتصادي يفتقر إلى الرحمة وغير منتج ولا يبعث على الاطمئنان. وتعزى هذه النتائج الهزيلة في الأساس إلى غياب استراتيجية واضحة وتقصير الحكومات في مسؤولياتها في المتابعة وفرض الالتزام والضعف في التصدي للعديد من المشاكل الاجتماعية. و هذا بالتزامن مع الثقافة الضعيفة وعقم نظام التعليم والبحث العلمي مما أوجد ظروفا غير ملائمة ومناخا غير صحي.

2 التحولات البيئية :

يتسم عالم اليوم بمجموعة من التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتسارعة، المتمثلة أساسا في تحرير التجارة العالمية وانكسار الحواجز وثورة الاتصالات والمعلوماتية، التي أصبح بموجبها العالم قرية واحدة مما يسهل انتقال الأصول من مكان لأخر وبسرعة هائلة. وقد تزامن هذا الاتجاه مع دخول اتفاقية الشراكة مع الإتحاد الأوربي حيز التنفيذ سنة 2005 والرغبة في الانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة وما يترتب عن ذلك من التزام بقواعد التجارة العالمية المبنية على حرية المنافسة وعدم التمييز بين الدول وبين الإنتاج الوطني والأجنبي والرفع التدريجي للقيود الجمركية تجد المؤسسات الجزائرية نفسها وجها لوجه في منافسة غير متكافئة.

2-1 انعكاسات التحولات البيئية :

من منطلق أداء وحدات الاقتصاد الجزائري متوقع أن يؤدي تحرير التجارة الخارجية إلى زيادة الطلب على الواردات، مع ما لذلك من تأثيرات سلبية حيث تشير الدراسات إلى أن حجم الطلب على الواردات من منتجات الصناعات: الغذائية المعدنية الكيماوية النسيجية الخشبية والورقية الالكترونية الاستهلاكية سيزيد على التوالي بـ: (10)

 

16.52%، 30.62%، 29.8%، 19.5%، 80%، 39.2%، 18%، وفق نسبة التخفيض الجمركي المطلوب من الجزائر الالتزام بها، لذلك تعد العديد من الصناعات مهددة خاصة في الأجل القصير والمتوسط وربما سيمتد هذا الأثر السلبي إلى المنتجات الأخرى في الأجل الطويل وذلك لعدد من الأسباب :

- غياب سياسة للدولة لتطوير القطاع الصناعي حيث يعتمد هذا القطاع على المهارات اليدوية باستخدام أجهزة ومعدات أقل تطورا من مثيلاتها العالمية. فالقاعدة الصناعية الجزائرية تم بناؤها في سنوات السبعينات من القرن العشرين، وهي بذلك تعتبر في غالبيتها في حكم القدم في ظل التطورات الهائلة التي تحدث في حقل التكنولوجيا.

- ضعف الاهتمام بالنواحي التنظيمية والبحوث والتطوير الذي يعد من أهم دعامات البقاء والاستمرار لهذه الصناعات.

عدم امتلاك المنتجات الوطنية لمجموعة الخصائص التنافسية (السعر، الجودة، التكلفة...)، مما يعرض النشاط الصناعي إلى خطر حقيقي سواء من حيث المنافسة أو من حيث القدرة على البقاء. 

مما سبق يتضح أن بعض الصناعات الوطنية مهددة بالزوال، وذلك لأن جاهزية الوحدات الاقتصادية في الجزائر ضعيفة ولا تواكب جاهزية الوحدات الاقتصادية الأخرى في الدول العربية وعلى المستوى العالمي، مما يتطلب إعادة النظر في السياسة الاقتصادية والصناعية على المستوى الكلي والجزئي. وهذا بوضع استراتيجية خاصة بتنمية وتطوير القطاع الصناعي ضمن مفهوم الاستراتيجية الاقتصادية العامة للبلاد. فتعزيز القدرة التنافسية للصناعة يتطلب توفر البنية التحتية للاستثمار، وتوظيف استثمارات طويلة المدى في القوى البشرية وفي المعرفة، وتفعيل البحث والتطوير العلمي و التقاني، وتحديث النظام المصرفي، تطوير وتأهيل مؤسسات القطاع العام، وتحسين العوامل الداخلية التي تؤثر على انتاجية وكفاءة الوحدات الصناعية و التخلي عن الأنماط السلوكية غير التنافسية مثل، الاعتماد على تصدير الموارد الطبيعية في شكلها الخام الذي يحول دون تطوير قدرتها على خلق مدخلات إنتاج جديدة.

 

2-2 الأدوار الجديدة للدولة :

لقد حققت دول جنوب شرق أسيا والصين حالة تنمية عجزت عن تحقيقها دول نامية كثيرة، غير أن خبرات الدول الأسيوية لا تقدم أي سند تاريخي لتبرير الأخذ بسياسات التحرير الاقتصادي والخصخصة كمأخذ للتنمية. وكان التسليم بأن السوق والقطاع الخاص لهما مكان هام في التجربة التنموية، (11) فالنجاح كان محصلة مجموعة من السياسات الاقتصادية التي رسمتها الحكومة ونفذتها باقتدار، باستخدام مجموعة من الأدوات -الجمع بين الكفاءة الاقتصادية والكفاءة المجتمعية- بغرض توجيه السوق إلى المسارات المرغوب فيها (12) (الطريق الثالث)، غير أن هذا لا يعني أن الدولة بإمكانها أن تقود قاطرة التنمية الاقتصادية بمفردها، لأن العالم تغير، إلا أن الحرية الاقتصادية لا تعني تغييب الدولة –فالدولة هي المسؤولة عن المؤشرات الكلية وعن التشريع والإلزام به والتعليم والصحة...-فعدم قيام الدولة بذلك يؤدي إلى التحول من احتكار الدولة إلى احتكار القطاع الخاص. فإن كان للقطاع الخاص دور، فإنه يؤدي دوره في إطار قوانين تمنع الاحتكار. و من ثمة لا يتحقق الإصلاح في الدول النامية إلا بقيام الحكومة بدور هام ومتزايد لإحداث التنمية. ففي ظل العولمة يمكن النظر إلى الحكومة على أنها منظمة أعمال تمارس دورها في بيئة تنافسية، ومن ثم تقع عليها مسؤولية بناء وتعزيز القدرة التنافسية وتحقيق التنمية المستدامة وتهيئة البيئة الملائمة والمناسبة للأعمال، وضمان قدر من المساواة الاقتصادية والاجتماعية من خلال تطوير المنظمات والسياسات والتشريعات وإصلاح النظام الإداري، لتهيئة الإطار السليم للقطاع الخاص ليلعب دورا محوريا في التنمية. ويتحول من الشريك الأصغر الضعيف الذي يحتاج إلى الدعم والتوجيه إلى الشريك الكامل، مع ترسيخ ثقافة محفزة ومدعمة للاستثمار والإنتاج.

 

في ظل التحولات والتطورات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والإفرازات المتعددة للبيئة الحالية بأبعادها المختلفة، أصبح الخيار الحقيقي لحكومات الدول النامية من منظور التنمية، هو ليس مجرد زيادة النمو والاندماج الكامل في الاقتصاد الرأسمالي المعولم أو الانعزال الكامل عنه، بل هو اعتماد سياسات تكفل التوازنات الاقتصادية الضرورية لنمو وازدهار ينسجم مع خصوصياتها، ويعطي الأولوية للتنمية الاقتصادية الكفيلة برفع القدرة على تقديم إنتاج متميز قادر على المنافسة في الأسواق العالمية، وتحسين المستوى الثقافي والمعيشي للأفراد وتهيئة البيئة الملائمة والمناسبة للأعمال، ولا يقتصر دور الحكومة على دعم القدرة التنافسية للقطاع الخاص، وإنما يعتمد على إصلاح مؤسساتها وأجهزتها الاقتصادية والإدارية المختلفة، حتى تتمكن هذه المؤسسات من دعم القدرة التنافسية للقطاع الخاص من جهة ورفع كفاءة الأجهزة والمؤسسات الحكومية ذاتها وذلك بتطبيق الجودة الشاملة على منظمات الأعمال (13) وتبني فكرة الحكومة الالكترونية و حوكمة الشركات لكي تحقق سرعة الاستجابة للاحتياجات العامة، وتوفر المرونة الكافية والخدمات المتميزة لتهيئة البيئة والإطار السليم للقطاع الخاص، ليلعب دورا محوريا في التنمية وجذب الاستثمار المحلي والأجنبي وإرساء ثقافة محفزة وداعمة للإبداع وثقة بالنفس.

 

3 الدولة والقدرة التنافسية :

 في ظل الملامح والتوجهات التي أسهمت في تكوين نظام الأعمال الجديد سعى الاقتصاد الجزائري منذ منتصف التسعينات من القرن العشرين إلى التوجه نحو الاعتماد على قوى السوق وآلياته بتطبيق برنامج إصلاح اقتصادي وزيادة الانفتاح العالمي، نتيجة الالتزام باتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوربي والسعي للانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة.

 

نتيجة لهذه التغيرات تأتي قضية تعظيم القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالتنمية الصناعية لتحل في الصدارة، حيث تمثل التنافسية السمة الأكثر وضوحا في النظام العالمي الجديد، فهي تشكل الإطار العام الذي تتم في نطاقه كافة العمليات والأنشطة التي تمارسها منظمات الأعمال. ويواجه الاقتصاد الجزائري تحديا يتمثل في رفع كفاءة أدائه بشكل عام لزيادة صادراته من السلع الصناعية عن طريق تدعيم قدراته في الأسواق المحلية والدولية.

 

3-1 القدرة التنافسية : يعد بناء وتنمية القدرة التنافسية منطلقا أساسيا للدول النامية لمجابهة تحديات النظام العالمي الأمر الذي يتطلب جهودا جادة للقيام بتعديلات وتغيرات جوهرية في منظومة متكاملة من العوامل: (14)

- البيئة الاجتماعية والثقافية والتي تفرز مؤثرات على السلوك وعلى رأسها القيم والاتجاهات والدوافع.

- بيئة داعمة للإبداع والابتكار والإنجاز.

- توفير المناخ لخلق الاستثمار من كفاءة إدارية واستقرار سياسي، كفاءة السياسات الحكومية الداعمة والمساندة للاستثمار العام والخاص والربط بين السياسة والاقتصاد.

- توفير هياكل البيئة سياسية بمفهومها الشامل، بمعنى إقامة مختلف المؤسسات التي بإمكانها أن تساهم في تحقيق الميزة التنافسية.

يقصد بالقدرة التنافسية مجموعة المهارات والمعارف والقيم ثقافية والقدرات وتاريخ الدولة التي تتفاعل مع بعضها بشكل يحقق القدرة على المواجهة و البقاء في صناعة معينة أو مجموعة من الصناعات، و الميزة التنافسية بطريقة أخرى هي عبارة عن الإطار المؤسسي والبيئة الأساسية، سواء انعكس ذلك في السياسة الاقتصادية والمالية والنظم التشريعية أو في شبكات الاتصالات والمواصلات أو نظم التعليم والتدريب التي تعظم القدرة التصديرية لدولة ما. وبالتالي يتم تحقيق الميزة التنافسية من خلال تدخل الدولة بمجموعة من السياسات المتناسقة التي تعمل على تحسين الإطار الاقتصادي والسياسي والقانوني والتعليمي لتدعيم الصناعات أو الخدمات التي تتمتع بميزة رئيسية.

 

إن المرور من وضعية اقتصادية حمائية إلى اقتصاد السوق عملية شاقة وصعبة، ولا يمكن أن ينجح برنامج إصلاح، دون وجود دور فعال للحكومات، على الرغم من أن فلسفة الإصلاح تؤكد على تقليص دور الحكومات، ففي الإصلاح تظل الحكومات تتولى مسؤولية تهيئة البيئة والإطار السليم الذي يكفل ويؤمن تطبيق آليات السوق وزيادة المنافسة، فالمنافسة الحرة غير موجودة، ولهذا تخلق الحكومة الظروف التي لا يمكن لأي مسير اقتصادي وسياسة تنموية أن تنجح إذا لم يوازها شروط ضرورية تضمن نجاح تلك السياسات.وهو ما يتطلب تدخلا حكوميا نشطا و فعالا في المجالات التالية:

1) النظام الإداري :في ضوء تنامي الحاجة إلى الإصلاح الاقتصادي يجب التأكيد على أهمية تقديم الإصلاح الإداري على الإصلاح الإقتصادي في عملية التطوير فأي إصلاح اقتصادي لا يمكن أن يحقق الأهداف المرجوة منه دون وجود نظام إداري تتوافر فيه مجموعة العناصر والمحددات التي تحقق الميزة التنافسية. (15)

 

تمارس الإدارة دون سابق تحضير بالرغم من الضعف، فلقد ورثت الجزائر عشية الإستقلال أجهزة ضعيفة كما و نوعا، ولم تعمل على تدارك هذا الضعف وتقوية إدارتها. يحتاج النظام الإداري إلى إصلاح على مستوى الحكومة وعلى مستوى منظمات الأعمال، باستيعاب كامل لطبيعة العوامل التي أعاقت التنمية، وكانت سببا في التسيير السيئ للإدارة، مع إصلاح النظام وعدم وقوف الحكومة على الحياد بل يجب أن يكون متابعة و مسؤولة على فرض النظام والانضباط والالتزام به. لأن غيابها يتسبب في فساد إداري واقتصادي وهدر للإمكانيات، وتعطيل العديد من آلياتها(16)، فالحكومة ملزمة بالتدخل حينما يكون ذلك ملائما للاستثمار في الهياكل الأساسية للتسيير، تنمية القطاعات الإنتاجية وتهيئة بيئة صالحة للاستثمار، وإقامة شبكات مناسبة للأمان الاجتماعي والتنمية البشرية والبيئة، مع التأكيد على أهمية الحاجة إلى أن تكون الحكومة ذات رسالة، فالحكومة التي تعمل من خلال رسالة تعتبر أكثر فعالية من الحكومات التي تعمل باللوائح والنظم الجامدة، ومن ثم يجب أن تدار الحكومة بالأهداف.

 

يقلل التركيز على الأهداف الحاجة إلى البيروقراطية والجمود الذي يعد من الأسباب الرئيسية لإخفاق الاستثمار والخصخصة مما يظهر أهمية تطوير الأساليب الحكومية كمنح الحوافز واستخدام نظام المكافآت لفرق العمل بدلا من الأفراد والتحول إلى الإدارة بالأهداف وإدارة الجودة الشاملة وإعادة الهندسة والهدم البناء و حوكمة الشركات(17) وغيرها من أساليب التطوير،كالتخلص من السلوكيات والممارسات البيروقراطية وتغيير الثقافة بما تتضمنه من قيم ونماذج سلوكية ومفاهيم قائمة تحكم المنظمات وتوجه سلوك الموظفين بدلا من مكافأة الجمود والتحجر لا بد من الانتقال إلى ثقافة المبادرة والمخاطرة والإبداع من خلال(18):

 

أ‌-        تغيير العادات ويتأتى ذلك من خلال تعريض الموظفين لخبرات جديدة مثل حركة التنقلات بين الوظائف مما يكسبهم خبرات جديدة.

ب‌-شحذ الهمم من خلال التشجيع على الإبتكار والتغيير وتوظيف أواصر التعاون بين فرق العمل. فلا يجب الاكتفاء بتغيير الثقافة القديمة بل يجب ترسيخ ثقافة جديدة.

ت‌-ترسيخ صورة واضحة لمستقبلها وذلك بالنظر إلى الحكومة كمنظمة أعمال تمارس دورها في بيئة تنافسية، تحاول أن تحقق ميزة تنافسية لمنظماتها المختلفة، من خلال استخدامها الفعال لمواردها الاقتصادية المحدودة، غير أنذلك لا يتحقق إلا بنظرة دائمة إلى المستقبل بعيد المدى. فبدون التخطيط يتعذر الوصول إلى نتائج، كما لا يمكن أن نتوقع نتائج دون فكر يقودها.

ث‌-تمكين المجتمع بدلا من إلقاء جميع المشكلات على كاهل المنظمات الحكومية، بما يسمح له من حل مشاكله بنفسه من خلال إدارة منظماته.

ج‌-  تمكين الموظفين وهو ما يعني منح الموظفين القدرة على إتخاذ القرار والاستجابة العاجلة للعملاء والمبادرة لحل المشكلات بطريقة مباشرة دون الرجوع للمركز.

2) تأهيل المؤسسات: لا يمكن تصور نجاح الإصلاح و الإنتفاع من الفرص التي تتيحها العولمة دون إعادة هيكلة جهازها الإنتاجي وتفاعلها بإيجابية مع المتغيرات الدولية القائمة على أساس المنافسة. فلا بد من إعادة تأهيلها لتحقيق أفضل إندماج ممكن في النظام التجاري العالمي، فالدعم الحكومي للمؤسسات من أجل الرفع من أدائها و نجاعتها وترقية تنافسيتها يبقى جد مهم، غير أن المبادرة والمسؤولية تقع على المؤسسات نفسها أولا فالحكومة يجب أن تتولى مهمة خلق مناخ مواتي للاستثمار، وتقديم الدعم المالي وغيره من التسهيلات التي تشجع المؤسسات وتحفزها على السير نحو تحسين تنافسيتها، تأهيل وتحديث وسائل الإنتاج أو هياكل الدعم الصناعي كالهيئة الاستشارية والمؤسسات الوطنية للجودة والحصول على المعايير العالمية للجودة، و وضع القواعد العامة المنظمة للاقتصاد الجزائري من خلال مسايرة التطورات التكنولوجيا ومحاولة استحداث أكثر الفنون الإنتاجية حداثة وملائمة(19). و يمكن الاستفادة من البرنامج الخاص بتطوير القطاع الخاص بالتعاون مع الاتحاد الأوربي في إطار الشراكة الذي دخل حيز التنفيذ إبتداءا من سبتمبر2005. فالجزائر مطالبة ببذل مجهود أكبر، في ظل هذا التعاون حتى تتمكن المؤسسات الجزائرية من الاستفادة من الخبرات الفنية والتنظيمية لإدارة الوحدات الإنتاجية بكفاءة في جميع النشاطات.

 

3) القطاع الخاص : تكمن معضلة القطاع الخاص في الدول النامية في تكوينه فهو عبارة عن مؤسسات فردية عائليةصغيرة الحجم تعاني من ضعف رأس المال المستثمر، قلة المؤهلات الفنية لليد العاملة، و يستخدم تكنولوجيا أقل تطورا. حيث إتجه إلى تلك المجالات التي تتميز بارتفاع الربح ولا تخضع لأي رقابة سعرية أو تنظيمية من جانب الدولة –كالمشروعات ذات الطابع الخدمي في مجال الاستيراد والمضاربة في العقار والتوزيع.     أما القطاع الخاص الذي يعمل في مجالات الإنتاج السلعي وخاصة في الصناعات التحويلية فإن الإجراءات الليبرالية المصاحبة لبرامج التثبيت الاقتصادي –وبالذات حرية الاستيراد وتخفيض قيمة العملة وتحرير سعر الفائدة وعدم فرض القيود على المدفوعات الخارجية – دمرت نشاط القطاع تحت تأثير إرتفاع تكاليف الإنتاج والمنافسة الشديدة غير المتكافئة بين منتجاته والمنتجات المماثلة الواردة من الخارج. (20)

 

لقد دخل الأفراد مجال الاستثمار لا تتوفر لديهم قيم الأعمال والمعرفة الخاصة بقواعد وفنون الاستثمار ويفتقرون إلى ثقافة التفاؤل، فمنهم من يطلب خدمات بالدينار الرمزي وإعفاءات من الديون، و إذا أقدم على شراء ممتلكات القطاع العام يطلب –من الحكومات التي يتعامل معها- ضمانات ضد تدني الطلب على الخدمة أو التغيرات التي يمكن أن تحدث في المجتمع من سياسية مالية ونقدية، وما إلى ذلك من أمور. وهو ما يتنافى مع الفلسفة الحقيقية للخصخصة وقيم اقتصاد السوق التي تقوم على:

- الاعتراف بالسوق وآلياته باعتباره الأساس في نجاح الإدارة وفشلها بقبول أحكامه، فهو الفيصل في تقييم أداء الإدارة.

- قبول المنافسة كواقع ضروري والسعي إلى تحقيق السبق.

- رفض المبادئ والمسلمات في الإدارة، وإحلالها بمفاهيم ومتطلبات إدارية حديثة ثبت جدواها.

- الإيمان بأهمية العنصر البشري ودوره في إنجاح العملية الإدارية.

يفرض إنفتاح الأسواق تحديات خارجية وداخلية، تتمثل في مخاطر تفكيك القطاع الخاص، نتيجة العلاقاتالعائلية التي تنجم عن تعاقب الأجيال على امتلاكه، كما يواجه صعوبة أكبر من ذي قبل، في توفير التمويل الضروري واللازم لإدخال التكنولوجيا المتقدمة والأساليب الإدارية والتسويقية النشطة والفعالة لمواجهة المنافسة العالمية، حيث أن %83 من تحويلات البنوك العمومية تذهب إلى القطاع الخاص. مما يعني أن الشركات تواجه نقلة نوعية كبيرة نتيجة التغير المفاجئ للأطر والسياسات المختلفة التي تحكم النشاط التجاري المطلوب في ظل التحولات العالمية.

 

لقد أصبحت إعادة هيكلة القطاع الخاص ضرورة، ليستطيع المساهمة في التنمية الاقتصادية ومواجهة التحديات، مما يستدعي من الشركات الفردية العائلية طرح أسهمها للاكتتاب العام إذا كانت بحاجة إلى زيادة رأس مالها، بدلا من زيادة الاعتماد على الاقتراض.

 

تخلق العولمة فرصا وتهديدات الأمر الذي يتطلب تصميم استراتيجيات ملائمة مع التوجه نحو التحالف الاستراتيجي الذي أصبح أحد سمات بيئة الأعمال الإقليمية والعالمية. فالتحالف الاستراتيجي يمثل نضجا في الإدارة الإستراتيجية (21)، ويمكن للحكومات المعاونة في ذلك من خلال دعم وتسهيل إقامة تحالفات بين صغار المنافسين مع إعطاء مزيد من الاهتمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. و التشجيع على الفصل بين الملكية والإدارة، إذ أن استخدام مديرين محترفين يسهم في تكامل وتطوير الرؤى الإدارية، ويعظم فاعلية القرارات الإدارية، مع استثارة الحاجة إلى تبني إدارة الجودة الشاملة.

4) أسلوب الحكم:لقد تنامى في التسعينات من القرن العشرين الاهتمام بأسلوب الحكم والتنمية لما له من أهمية ولما بينهما من ترابط. و قد تزايدت أهمية موضوع أسلوب الحكم بعد أن أظهرت الدراسات العديدة أن النجاح والإخفاق في دفع عملية التنمية بأبعادها المختلفة، يتوقف بدرجة كبيرة على مدى الرشادة في تسيير الموارد، الالتزام بالقانون، مدى الاستجابة لرغبة العملاء، الفعالية في بلوغ الأهداف فضلا عن الخضوع لقواعد واضحة ومحددة للسلوك والمحاسبة. (22)

 

يرجع اختلاف الكفاءة الاقتصادية بين الدول إلى تباطؤ الإنتاجية الكلية، و من ثم اختلاف معدلات النمو الطويل المدى إلى اختلاف كفاءة أطرها المؤسساتية، حيث تلعب الدور الأكبر في تفسير فشل تجارب معظم الدول النامية.

        يعتبر أسلوب الحكم الديمقراطي من المتغيرات المكونة للأبعاد المؤسسية للدولة يتكون مؤشر الديمقراطية من متوسط مجموعة مؤشرين(23): وهما مؤشر الحقوق السياسية (ويعكس مدى وجود بيئة سياسية مفتوحة تنطوي على آليات المنافسة والشفافية والمساءلة)، ومؤشر الحقوق المدنية( ويوضح مدى وجود قواعد مدعمة للحقوق والملكيات ووجود نظام قضائي عادل ومستقل). تحدث البيئة السياسية المفتوحة تأثيرا موجبا على معدل نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، كما تساهم في تحسين معدل النمو الاقتصادي. بينما للبيئة السياسية المنغلقة تأثير سلبي على النمو، وكذلك الحال بالنسبة للمؤشر الثاني. و للقواعد المدعمة للحقوق والملكيات وحفظ النظام تأثير إيجابي على النمو والعكس بالنسبة للدول التي تتسم بهشاشة حماية الحقوق ووجود نظام قضائي متحيز وغير مستقل، ذلك أن الحكم الراشد يرتبط بكافة مجالات التنمية الشاملة المستدامة والمتقاسمة. و لا يعني الحكم الراشد في جوهره إلا الارتقاء بالتنمية إلى أعلى مستواها.

 

         إن مفهوم الحكم الراشد قادر على تفسير ووصف الإخفاق في التنمية باعتبارها مفهوما متعدد الأبعاد يمس الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسة والثقافية. و هو مدفوع بقوى داخلية، و ليس مجرد استجابة لرغبات قوى خارجية(24). يأخذ الحكم الراشد البعد السياسي في الصدارة وليس كما فعلت برامج الإصلاح الاقتصادي التي قامت على إعطاء الأولوية للبعد الاقتصادي وأهملت البعد الاجتماعي، وأكدت على انسحاب وتهميش الدولة.

      ترتبط رشادة الحكم أساسا بعملية صنع القرار من حيث مدى عقلانيتها، بل أن تدقيقا أكثر في العلاقة بين التنمية والحكم الراشد يفضي إلى إدراك أنها علاقة تبادلية من ناحية، إن يؤدي الحكم الراشد إلى تنمية مستدامة، ذلك أن أسلوب الحكم يقوم على مشاركة كل الأفراد – رجالا ونساء – دونتهميش في التخطيط والتنفيذ والتقييم لمخطط ومشروعات وسياسة التنمية. و من ناحية أخرى، تعد التنمية مدخلا للحكم الراشد لأن من شأنها تحقيق المشاركة والعدالة والتمكين. وحتى تتحقق هذه العلاقة فإن الخطوة الأولى هي سد الفجوة النوعية التي تضعف قدرة الدولة(25). و نقطة الانطلاق في ذلك هي تطوير نظام التعليم وتحديثه لتوليد النشاط والحيوية وتعبئة الطاقات للتغيير.

 

يؤدي وجود أطر مؤسسة ديمقراطية إلى تقليل الفساد البيروقراطي و يجعل المؤسسات العامة للدولة أكثر مصداقية في تنفيذ قواسمها و تطبيق القواعد المدعمة للحقوق والملكيات، خوفا من المساءلة والمحاسبة و هذا بعد أن تأكد أن العوامل الأساسية و المساعدة على النجاح في المنافسة في ظل العولمة تنتمي لعالم الإدراك والقيم والسلوك، لا لعالم المال و عالم التكنولوجيا، بل أن الإنسان الذي كان سببا في التحول من الميزة النسبية إلى الميزة التنافسية. و من ثم فإن تنمية القدرة التنافسية لا تتم من خلال نقلالتكنولوجيا و إنما من اكتساب العنصر البشري للعوامل المطلوبة من خلال التعليم بصورة منهجية منظمة ؛ ولهذا تكون الدول النامية معنية بتعزيز القدرات التنافسية لمؤسساتها و حوكمة شركاتها التي لا تزال تخضع لهيمنة الأفراد، لإحجام ذويها عن اقتسام السلطة وافتقادها لقواعد التنبؤ و تتنافس على أساس السعر وتفتقر إلى الموارد الإدارية والتكنولوجية والحوكمة السليمة.(26)

كثيرا ما يجد مقدموا رأس المال الصغار أنفسهم عرضة لمخططات التسريب الممارسة من أصحاب المراكز والنفوذ لاستخلاص منافع مفرطة، مما يولد إنتكاسات اجتماعية واقتصادية.

 

تكسب حوكمة شركات القطاع الخاص القدرة على المساهمة في تحقيق نمو اقتصادي مستدام ومتقاسم، وجذب الموارد البشرية ورأس المال المحلي والأجنبي، ولكن بصفة خاصة المحليين الذين كثيرا ما يقعان أسرى للنظام ويواجهان مخاطر خاصة في مناخ يحابي ذوي الجاه والنفوذ والرسميين ورجال الأعمال على حساب الأقلية من حملة الأسهم والمجتمع. إن حوكمة الشركات أمر صعب. فالمصالح داخل الشركات تتعارض مع زيادة الشفافية والإفصاح عن المعلومات(27). و من ثم فإن حكومات الدول النامية التي تمر بمرحلة انتقال مدعوة إلى دعمها ومساندتها ورفع كفاءة الأجهزة والمؤسسات الحكومية.

 

5) التنمية البشرية لقد حظي الإنسان في الجزائر في عقد الستينات والسبعينات من القرن العشرين باهتمام خاص حيث تم التركيز على الفقر والتعليم والرعاية الصحية وعدالة التوزيع وفرص عمل لجميع الراغبين في العمل، وهو ما يمثل إنجازات اجتماعية مرموقة، أما على صعيد القيم فقد فشل النظام في إتاحة المجال للممارسة الديمقراطية والحريات والتمتع بحقوق الإنسان وإن كان تخصيص الموارد يتوافق ويتطابق مع سلم حاجيات الفرد آنذاك.

 

لقد قامت سياسات الإصلاح الاقتصادي أساسا على فصل مزعوم بين ما هو اقتصادي وما هو دون ذلك، وعلى محاولة علاج الآثار الاجتماعية باعتبارها آثارا جانبية ((النمو دواء لكل داء))، والتأكيد على تحييد الدولة وانسحابها من مسؤولياتها، وإعطاء الأولوية للبعد الاقتصادي مما انعكس سلبا على أبعاد التنمية البشرية في الجزائر فقد تدحرجت حسب تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2004 إلى الرتبة 108 مقابل الرتبة 106 لسنة 2000 والرتبة 97 سنة 1999 حسب نفس التقرير لسنة 2003. مما يعكس أن الجزائر تراجعت في ترتيبها الدولي رغم التحسن الذي تعكسه مؤشرات الاقتصاد الكلي خلال الفترة 2002-2005 لكن الملاحظ هو استمرار الفوارق الاجتماعية والاختلال الكبير في توزيع الثروة والدخل، واتساع رقعة الفقر. فقد صنفت الجزائر في الرتبة 43 في مؤشر الفقر ولقد أشار تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2004 إلى أن أكثر من 12.2 مليون من السكان يعيشون على عتبة الفقر، وأن 29% في حالة بطالة وأن الفجوة بين الأغنياء والفقراء اتسعت لتصل حوالي 32 مرة سنة 2005.  يعزى استخدام السياسة الانكماشية التي أفضت إلى التراجع المسجل إلى ظروف اقتصادية وسياسية من قبل الحكومات المتتالية كاستجابة لرغبات قوى خارجية سعت إلى فرض نموذج تنموي موحد على الدول النامية.

 

لا يمكن الانتقال إلى اقتصاد السوق إلا بالتقليل إلى أدنى حد من التكاليف الاجتماعية، حيث أن الشروط الأساسية لنجاح التكيف مع اقتصاد عالمي يسير في اتجاه ظاهرة العولمة هو إدراج العنصر الاجتماعي في برامج الإصلاح الاقتصادي، من خلال الاعتناء بالتعليم والرعاية الصحية وعدالة التوزيع وإيجاد فرص العمالة البديلة والحرية والمشاركة. و هذه التدابير ضرورية ليس لأسباب تتعلق بتحقيق العدالة فحسب، و إنما لضمان القبول السياسي والاستدامة الاجتماعية للإصلاحات الاقتصادية. لا يتأتى بناء الإنسان المواطن المشارك والمتفاعل مع الحياة أخذا وعطاء إنتاجا واستهلاكا وحقوقا وواجبات إلا بالاعتماد على التنمية البشرية الصحيحة –فالتنمية البشرية منظومة متكاملة ومترابطة ومتداخلة ومنسجمة- فالتنمية تتطلب بالضرورة الارتقاء بالمعرفة وتطبيقها، ويتمثل المصدر الرئيسي لإنتاج المعرفة في التعليم والارتقاء بجدواه، بالنسبة للمجتمعات التي اقتنعت أن التعليم هو المشكلة وهو الحل في حين لازالت مجتمعات العالم النامي لم تملك القناعة والإحساس بذلك بعد، والملاحظ أن الجهود التي بذلت في التعليم أوجدت فردا مقيما في الأرض يفتقد إلى حس الانتماء إلى أمة. فليس هناك سوى أرض يجب استغلالها بسرعة بسبب ثرواتها. ومن ثم لا جدوى من نظام تعليمي عجز عن تهيئة الفرد سلوكيا لكي يوازن بين مصلحته الشخصية ومصلحة المجتمع، لكي يدفع بمصلحة المجتمع أولا.

إن ملامح العولمة تقع في صميم رسالة التعليم حيث وظيفة التعليم هي إيجاد أفراد قادرين على متابعة المعرفة والحصول عليها و إنتاجها ، وتوظيفها لخدمة المجتمع. غير أن بلوغ المعرفة يستلزم معالجة فجوة الحرية على نحو جذري، ودون ذلك فإن الحصيلة لن تكون أكثر من مجرد تجميل مظهري.

 

يعيش مجتمعنا فجوتين متلازمتين وكلتاهما تقود للأخرى، و إصلاح إحداهما بدوره يقود إلى الأخرى، إذ لا يمكن لبلد أن يعيش ثورة معرفية ويعاني في الوقت نفسه قصورا في الحريات، فالقصور في الحريات يضعف التنمية البشرية.

 

6)النظام التعليمي : يلعب التعليم دورا أساسيا في تدعيم وتطوير المهارات والكفاءات والطرق العلمية والتفكير في حل المشاكل وتنمية المعرفة كمحك للتقدم التكنولوجي وتطبيقاته. ويرتبط تقدم الإدارة بتقدم التعليم باعتباره مصنعا لتفريخ الإطارات، لذا يعتبر التعليم المفتاح الرئيسي المؤثر في الميزة التنافسية. ربما كان نظام التعليم النقطة الوحيدة التي يتفق جميع من يتناول التحولات الجديدة، أي كانت مدارسهم ومذاهبهم، على أن كفاءته هي المحدد الحاسم في بناء القدرة التنافسية للمجتمعات المختلفة(28). و عليه فإن الحكومة مطالبة بتخطيط وتوجيه وتنفيذ عملية تطوير واسعة ومستمرة لنظم التعليم والتدريب والبحث العلمي. لقد أصبحت المعرفة القوة المحركة في النظام الاقتصادي العالمي، ومن ثم فهي قلب الصراع العالمي الجديد، لكونها المورد الحقيقي لإنتاج الثروة في المنظمات المعاصرة ؛ تعتمد الثورة التكنولوجية على المعرفة العلمية المتقدمة، فهي ثورة عقول مبدعة، فالعلاقة بين تكنولوجيا المعلومات ونظام التعليم علاقة وثيقة، والبشر هم أداة الالتقاء بين الثورة التكنولوجية ونظام التعليم بالمجتمع. إن المستوى الفكري والتقني هو الأساس الذي يتم فيه إنتاجها وتوظيفها في الاستفادة منها، و لذا أصبح عصر الثورة الصناعية الثالثة عصر الثورة التعليمية(29).

 

يتمثل المصدر الرئيسي لإنتاج المعرفة في التعليم والبحث العلمي لقد اعتمد التطور العميق للدول المتقدمة في المقام الأول على نشر التعليم، وتغيير محتواه وتشجيع البحث العلمي، والبحث والتطوير و تفسر الفوارق في التعليم والتدريب ومخصصات البحث العلمي والبحث والتطوير والبيئة المشجعة لتراكم المعرفة والابتكار والإبداع، الفوارق في معدلات التنافسية. و تحصل الدول التي تخصص استثمارات ضخمة لتطوير شعوبها في النهاية على أكثر الاقتصاديات نجاحا. وهذا ملمح من الملامح المرتبطة بالعولمة التي يقع في صميم رسالته التعليم.

 

يعتبر التقدم العلمي والتقني أحد العناصر الأساسية لتطور المجتمعات، كما أن التفوق العلمي والتقني هو ثمرة الاختراعات في شتى المحالات والميادين المرتبطة بحياة الفرد والمجتمع من جهة، ونتاج الجهود الضمنية والدعم المادي والمعنوي للمؤسسات العلم والتعليم والتدريب والبحث العلمي بشقيه الأساسي والتطبيقي من جهة أخرى. و يمثل التحدي العلمي والتقني من المنظور العالمي عمق الهوة أو الفجوة التعليمية أو التقنية بين الدول المتقدمة والدول النامية، ولهذا فإن التعليم والتدريب والبحث العلمي والبحث والتطوير مفتاح للتقدم في كل المجتمعات. ففي أثناء رئاسة ريجان أصدر تقريرا مشهور وهو–أمة في خطر-يحذر من التخلف في النظام التعليمي، كما كان شعار كلينتون في حملته الانتخابية "نريد أمة متعلمة و ضرورة إيجاد مقعد لكل طالب قادر وراغب في التعليم بالجامعة "ولما سئلت رئيسة فنلندا عن السر في احتلال فنلندا المرتبة الأولى في تقرير التنافسية العالمية لسنة2005، فالإجابة كانت التعليم، التعليم، التعليم (حصة بلا حدود المقدمة من طرف السيد/ أحمد متصور - الجزيرة 2006) ؛ و السؤال الذي يطرح نفسه إذا كان العالم يرى أن التعليم هو المشكلة والتعليم هو الحل في نفس الوقت، فهل يعتبر التعليم مشكلة بالنسبة للعالم العربي؟ إن غياب الجامعات العربية من خريطة التصنيفات الدولية الصادرة عن ترتيب الجامعات العالمية أو احتلالها مؤخرة هيكل الجامعات العالمية في هذا التصنيفات يؤكد عدم القناعة والإحساس بذلك ؛ تعاني العملية التعليمية في الجزائر – شأنها شأن باقي الدول العربية- من تشوهات في بنية النظام التعليمي(30):

-  غياب الرؤية التكاملية بين العمليات الرئيسية المتمثلة في التعلم والتعليم والتقويم، فواقع الممارسة الحالية يشير إلى انفصال التعليم عن التقويم الذي يشكل جزءا لا يتجزء من المنظومة التعليمية، و ينبغي أن يكون خادما للتعلم والتعليم. الأمر الذي أدى إلى فقدان التقويم وظيفته الأساسية المتمثلة في التغذية العكسية.

-  التركيز على الكم دون الكيف وضعف الارتباط بالأهداف والسياسات التعليمية.

 - سوء فهم دور المعلم في العملية التعليمية، حيث لا يزال ينظر إليه على أنه مفاتيح المعرفة وأنه حجر الزاوية فضلا عن عدم مواءمة النظام التعليمي لمتطلبات التنمية واحتياجات سوق العمل.

 -عدم مواكبة مؤسسات إعداد المعلم وتأهيله وتدريبه لمتطلبات التجديد والتطوير المهني، ناهيك عن استمرار تسرب أعضاء هيئة التدريس، لتردي الوضع المادي لشاغلي الوظائف التعليمية، مما حال دون تمكن النظام التعليمي عن إستقطاب الكفاءة البشرية والكوادر الفنية المؤهلة.

-  قتلت المركزية الشديدة في إدارة النظام التعليمي حرية المبادرة، وجعلت قرار تطوير التعليمي يأتي من أعلى، ولا تلعب المدرسة دورا رئيسيا في تخطيط أنشطة التطوير وتنفيذها.

-  إفراغ التعليم من مضمونه السلوكي الشامل. فإذا كان التعليم هو تغيير السلوك، فإن السلوك لا يقتصر على السلوك المعرفي وإنما يشمل أيضا السلوك القيمي و المهاري.

 

من خلال العرض السابق لأهم الاحتياجات والمشكلات التي تواجه النظام التعليمي نرى أن أي محاولة لتخليصه من ضعفه عليها أن تسعى إلى:

-            تطوير العملية التعليمية بأبعادها الثلاثة التعلم والتقويم و التعليم، من منظور تكاملي شمولي،

-           تمهين التعليم وتمهين المعلم الذي يعيد لمنسوبي القطاع التعليمي المكانة الاجتماعية التي تليق بشرف المهنة وعظم الرسالة،

-     تبني استراتيجيات وتقنيات التطوير التنظيمي الفعال لتحسين أداء المنظمة التعليمية، وتحقيق معايير الجودة والنوعيةللتعليم من أجل بناء المهارات وتنمية القدرات التي يحتاجها رأس المال البشري في عالم الاقتصاد الكوني

-      ضرورة مجاراة المنظومة التعليمية للتقدم التقني والتعليمي، لا سيما في مجال تكنولوجيات المعلومات والاتصالات، والإفادة من التطبيقات التقنية والبحث العلمي في المجالين التعليمي والإداري،

-     توطيد العلاقة بين المنظومة التعليمية والمجتمع وصولا إلى تحقيق مفهوم الشراكة الحقيقة التي تخدم المصلحة العامة، وتحقيق المصالح المختلفة بين المنظومة التعليمية وسائر منظومات المجتمع الحكومية والأهلية على حد سواء،

-     غرس قيم تربوية جديدة، من أهمها التعلم الذاتي والتعلم المستمر، تنمية القدرات العقلية وتوجيهها للمشاركة والإسهام وتوطيد التقنية واستنباتها بما يتلاءم و ظروف واحتياجات المجتمع، مع تعظيم روح التلاحم والترابط والمواطنة،

 

لقد أخذ البحث العلمي منحى التعليم، فنشأ على شاكلته ويسير وفق لمقتضياته ويتبع نفس لوائحه. و من ثم تحددت وظيفته الأساسية في كونه آلية من آليات التعليم، و هي بهذا تختلف عن وظيفة البحث العلمي المعاصرة كآلية للتنمية الاقتصادية(31) ؛ على الرغم من أهمية الدور الذي يؤديه البحث العلمي والبحث والتطوير في اطراد التنمية والإبداع فإن الإحصائيات تشير إلى انخفاض النسبة التي تخصصها الدول العربية من مواردها لهذا البند، فمثلا نصيب الإنفاق على البحث والتطوير في الولايات المتحدة حوالي 600 دولار للفرد بينما نجد هذه النسبة تتراوح بين 28دولار في الكويت كحد أعلى، 0,3 دولار كحد أدنى في السودان(32) كما أن مخصصات البحث العلمي جد متدنية  حيث تمثل 0,6 من الناتج المحلي الإجمالي ، وأن (70% منها يخصص للأجور والنفقات الإدارية.

 

إن كثيرا من الإنتاج العلمي في العالم العربي لم يعالج مشاكل تنموية، ولم يرتبط بمشكلات حقيقية لها أصحاب يبحثون عن حلول، وهو في الغالب غير تراكمي بل مرتبط بجوانب نظرية معظمها بغرض الترقية والحصول على درجة علمية، للانفصال بين الصناعة والبحث العلمي.

 إن القدرة التنافسية مرهونة بالدرجة الأولى بفعالية تحرك الدولة نحو تنمية المعرفة كمحك أساسي للتقدم التكنولوجي بوضع أسلوب متسق بين أنشطة منظومة التعليم والتكنولوجيا وسياسة العلم والتكنولوجيا من ناحية، و السياسة التعليمية في كافة مراحلها من ناحية أخرى وبما يحقق مستقبلا توفر نخبة متميزة من المتواجدين حاليا في مراحل التعليم وفي نفس الوقت الارتقاء بمستوى العلماء والمهندسين والتعرف على الاحتياجات الحقيقية في قطاعات الاقتصاد من وسد الفجوة تباعا خلال فترة التحول التكنولوجي القادمة(33).

 

علاقات العمل: للتحولات الاقتصادية والسياسية أثار على علاقات العمل فالتحول من النظام الموجه والقطاع العام إلى اقتصاد السوق والقطاع الخاص، يترتب عليه صورة جديدة من علاقات العمل، تتفق وعناصر هذا التحول التي تؤكد على ظهور مفهوم جديد للدولة. فهي لم تعد الإدارة والنقابة وصاحب العمل، أي لم تعد الممثل الوحيد للأطراف الثلاثة. فالنقابة لم تعد جزءا من الدولة، فلها مهمتها الجديدة، و يصبح صاحب العمل شخصا من أشخاص القانون الخاص، ولكن ذلك لا يعني أن الدولة لن يكون لها دور ولكن دورها يختلف عما كان عليه من قبل، فالدولة تقوم بدور الحكم المحايد بين طرفي علاقات الإنتاج، و تحافظ على السلام الاجتماعي بين الطبقات، وهو مايقتضي منها أن تقوم بالمهام التالية:(34)

-     وضع الحد الأدنى اللازم لتحقيق حماية اجتماعية للطبقات الضعيفة اقتصاديا، وإلزام أصحاب الأعمال بهذه الحدود الدنيا التي يراعى فيها اللاتماثل عبأ زائد على أصحاب الأعمال، خشية أن يؤدي ذلك إلى إحجامهم عن الاستثمار.

-     على الدولة أن تشجع الأطراف على المضي قدما في طريق التفاوض القائم على تحديد قواعد "اقتسام الربح"، الناشئ عن جهد العمال ودور صاحب رأس المال، وفقا للقواعد التي يحددها اتفاقهم الجماعي.

-      على الدولة أن تتدخل لإجبار أحد الأطراف، على الدخول في مفاوضات، أو تنفيذ عقد العمل المشتركالمبرم بين العمال وصاحب العمل، ولو اقتضى الأمر تنفيذه بالقوة في سبيل تجنب الاضطرابات الجماعية.

 

2-2 دور أصحاب الأعمال :

يتمثل دور أصحاب الأعمال أساسا في استخدام أموالهم في مجالات استثمارية تساعد على خلق فرص عمل للمتعطلين، وبنفس الدرجة عليهم أن يدركوا أن طبيعة المرحلة القادمة تتطلب المزيد من الديمقراطية في التعامل مع العمال، و من حق هؤلاء العمال في المشاركة وإبداء الرأي في الموضوعات العامة التي تهم حياتهم جميعا.دون افتئات على حق صاحب العمل في إدارة منشأته.

 

3-3 دور النقابات العمالية :

- لم يعد ممكنا، في ظل التحول الاقتصادي أن يبقى دور النقابة كما هو عليه من قبل، فالنقابة لم تعد (جزءا من الحكومة) تابعة لها ومنفذة لتعليماتها، وتنتظر أن تمنح الحكومة للعمال ما يتطلعون إليه من مزايا، فإذا أرادت النقابة أن تؤدي دورها على وجه صحيح، عليها أن تتمسك بالمبدأ الديمقراطي في تشكيلها و إدارتها، و أن تأخذ بزمام المبادرة فيما يتعلق بالمشاكل العمومية دون انتظار قيام الحكومة بحل تلك المشاكل في غيبة من ممثلي العمال.

 

الخلاصة : إن دور الحكومة في خلق الميزة التنافسية أمر مؤكد، ولا يمكن للإصلاح الاقتصادي أن ينجح إلا في ظل رؤية ورسالة واضحة للتطورات العالمية ؛ إن تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي في البلدان النامية وإتباعها سياسة حمائية ملائمة يعتبر ضروريا لدعم عملية التنمية. فالبنية الاقتصادية لهذه الدول تؤكد الحاجة إلى الإصلاح بصورة جادة ومنتظمة تؤهل الدولة ومؤسساتها للتفاعل مع المتغيرات والمستجدات و لعل أهم الجوانب التي يتوجب أن يتوجه إليها الإصلاح هي:

- الإطار المؤسساتي والقانوني بما يشجع تطور اقتصاد قائم على مؤسسات أكثر فعالية،

- خلق بيئة تنافسية تجعل السوق أكثر نجاعة،

- ضمان شفافية أكبر لنشاط المؤسسات الاقتصادية،

- تدعيم القطاع المالي لدعم ورفع كفاءة الاقتصاد وتحقيق الاستقرار الكلي،

- تحفيز الاستثمار وتوفير تسهيلات التمويل ووضع القوانين، والأنظمة المتصلة بالمالية العامة، والنقد والتسليف، وتعزيز القدرة الاقتصادية الريادية،

- تنمية الموارد البشرية من خلال التأكيد على أهمية التعليم والبحث العلمي والبحث والتطوير في عملية التنمية الصناعية إذ بدون ذلك يتعذر تحقيق تنمية مستدامة وكذلك من خلا توظيف استثمارات طويلة المدى في التنمية البشرية وذلك للعلاقة العضوية الوثيقة بين التنمية البشرية والتنمية الشاملة والتنمية المستدامة،

 

            تتطلب التنمية بالضرورة المعرفة وتطبيقها و يتمثل المصدر الرئيسي لإنتاج المعرفة، في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا. و لهذا فإن عائد التعليم، وعائد التبادل والابتكار في المعارف، يميل دائما نحو صالح من استثمر في التعليم والبحث العلمي والبحث والتطوير وبعث المبادرات والانفتاح الفكري.

 

المراجع والهوامش :

 

1-  Y.BENABDELLAH. Croissance économique et dutch disease en ALGERIE les cahiers du CREAD N75/2006.P.65

2-              صندوق النقد الدولي، الجزائر. تحقيق الاستقرار في اقتصاد السوق، ص21.

3-              نفس المرجع ص22.

4-      ابراهيم العيسوي، المسار الاقتصادي المصري وسياسات تصحيحية، "بحوث وملتقيات"، ندوة عقدت بالكويت، فيفري 1988 ، المعهد الوطني للتخطيط، ص7.

5-              عبد الله علي، أثر البيئة على أداء المؤسسات العمومية الاقتصادية حالة الجزائر أطروحة دكتوراه.غير منشورة، جامعة الجزائر،1999.

6-      محمد زايد بن غبوة، الأثار الاقتصادية لإنضمام الجزائر إلى منظمة التجارة العالمية على قطاع الصناعة دراسة تحليلية، "أطروحة دكتوراه دولة، كلية التجارة والأعمال قسم الاقتصاد والتجارة، جامعة حلوان، القاهرة 2005/2006/،ص267.

7-              جريدة الخبر 06/05/2006.

8-      بوكماش عبدالله، التفكك الجمركي وأثره على تنافسية المؤسسات، حالة الجزائر، مقارنة مع تونس والمغرب، مذكرة ماجيستر كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير جامعة الجزائر 2006، ص14-18.

9-              المؤسسة العربية لضمان الاستثمار، تقرير مناخ الاستثمار في الدول العربية، 2004 ص99.

10-         محمد زايد بن رغبوة مرجع سابق، ص....

11-    ابراهيم العيسوي، التنمية بقوى السوق أم بقيادة الدولة للسوق، بحوث اقتصادية عربية،مجلة تصدرعن الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية، دار المستقبل العربي، ........ص153.

12-    علي الدين هلال، بناء العدالة والنزاهة والمساءلة وسياسات التنمية الإدارية، ندوات ومؤتمرات أفاق جديدة في تقوية النزاهة والشفافية والمساءلة الادارية منظور استراتيحي وموسمي، ،2001 ص97-119.

13-    منصور سليمان عبد الرحمان، الدور المشترك للحكومة والشركات المصرية في خلق الميزة التنافسية من خلال برامج الجودة الشاملة والأيزو، اكاديمية السادات للعلوم الإدارية، المعهد القومي للإدارة العربية، ص10-18.

14-    أقنيني عقيلة، إدارة المعرفة، قمة التميز في المؤسسة المعاصرة،مذكرة ماجيستر، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير جامعة سعد دحلب-البليدة، جوان 2007 ص18.

15-    عبد المطلب عبد المجيد، أبعاد العلاقة بين التنمية الاقتصادية والتنمية الإدارية والإصلاح الإداري والإصلاح الاقتصادي، مجلة البحوث الإدارية، أكاديمية السادات، ص 4-5.

16-         سيد عبد القادر السيد،سلسلة إدارة القدرة التنافسية، دار النشر، الأهرام 2001 ص50.

17-         منصور سليمان عبد الرحمان مرجع سابق ص19.

18-         منصور سليمان عبد الرحمان، نفس المرجع، ص 16.

19-    بوشارب أحمد، تأهيل المؤسسات الاقتصادية في ظل منطقة التبادل الحر الأور متوسطي، رسالة ماجيستر كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير جامعة الجزائر ،2008 ص104.

20-         محيازيتون، الصراع حول القمة مستقبلا المنافسة، بحوث اقتصادية العدد 6، خريف 1998، ص ص 159-163.

21-         الملتقيات والمؤتمرات الدولية والإقليمية حول الرشادة، أنظر

Mohamed cherif belmohoub gvernance et role économique et social de léta etre exigence resistance iddara revue de l’école national d’administration Algérienne 21 vole 11 2001 p 14.

22- معايير الحكم الراشد أنظر التقرير عن التنمية في الشرق الوسط وشمال افريقيا الجيد لأجل التنمية في الشرق الأوسط إفريقيا، تحسين التنمية والمساءلة ( واشنطن البنك الدولي، 2003، ص3.

23- نيفين محمد طريح أثر حجم وكفاءة الدولة على النمو الاقتصادي دراسة مقارنة، دكتوراه دولة في فلسفة الاقتصاد والتجارة الخارجية جامعة حلوان 2005 ص 62-65.

24- أيمن الدسوقي، الحكم الراشد والتنمية، النهضة مجلة فصلية تصدرها كلية العلوم الاقتصادية والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2006 ص134.

25-منصوران سهيلة، الفساد الاقتصادي واشكالية الحكم الراشد وعلاقتها بالنمو الاقتصادي، مذكرة ماجيستر، جامعة الجزائر كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير 2007، ص ص25-35.

26- حفصي الطيب العولمة والقدرة التنافسية للشركات ومنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، المنتدى المتوسطي الثالث، ص ص 92-94.

27- صبيحة فوزي، تقييم مباديء حوكمة الشركات، وجمهورية مصر العربية، ورقة عمل رقم 82، أفريل 2003 ،سلسلة أوراق العمل، ص ص07-05.

28- منصور سليمان عبد الرحمان، مرجع سابق ص 17.

29- محمد نبيل نوفل، تأملات في العمالة والتعليم في العالم العربي، ندوة التعليم والتدريب وسوق العمل مكتب اليونسكو الأقليمي بالدول العربية القاهرة 23-25 يناير 1999، ص 14.

30- التطوير الشامل للتعليم بدول مجلس التعاون دراسة حول التوجهات الواردة في قرار المجلس الأعلى، الدورة 23 ،الدوحة سبتمبر 2002.

31- بناء وتنمية القدرات البشرية المصرية، القضايا والمعوقات الحاكمة، سلسلة قضايا التخطيط والتنمية، رقم 174 يوليو 2003.

32- نفس المرجع، ص 65.

33- نفس المرجع، ص 67.

34- أحمد حسبن البرعي، الدولة في عالم متغير نظرة على علاقات العمل وعالم متغيبر مركز دراسات وبحوث الدول النامية، العدد 2، أكتوبر 2004، ص ص 43-46.


*يستخدم مصطلح الدولة أو الحكومة على أنهما مترادفان ومن ثم حينما يرد مصطلح دور الحكومة أو دور الدولة فإن المعنى لا يختلف رغم أن مفهوم الدولة أوسع من مفهوم الحكومة.