pdfالتكامل الاقتصادي العربي وتحديات المنظمة العالمية للتجارة

                                                                        بلعور سليمان، جامعة ورقلة

ملخص : بعد مفاوضات شاقة ولدت منظمة التجارة العالمية لتكون الهيئة المشرفة على النظام التجاري العالمي الجديد القائم على التحرير الكامل للتجارة، ولا شك أن تنفيذ اتفاقات المنظمة سيكون له آثارا متباينة على اقتصاديات الدول، والدول العربية -باعتبارها دولا نامية- ستواجه تحديات عدة باندماجها في هذا النظام الجديد، مما يتطلب منها صياغة استراتجيات تنموية هادفة على المستوى القطري، أما على المستوى الإقليمي فإن التكامل يعتبر بديلا استراتيجيا حتميا باعتباره خطوة نحو التحرير النهائي للتجارة، ويتطلب إحياؤه وتطويره تجاوز الاتفاقيات الثنائية إلى الجماعية، وتفعيل التجارة العربية البينية، وتوجيه الاستثمارات العربية داخل الإقليم العربي.

 

الكلمات المفتاح: منظمة التجارة العالمية، التحرير التجاري، الاتفاقات متعددة الاطراف، التكامل الاقتصادي العربي، الاستثمارات البينية، التجارة البينية، التنمية التكاملية.

 

تمهيد : ولدت المنظمة العالمية للتجارة وكانت العمود الثالث في بناء النظام الاقتصادي العالمي الجديد إلى جانب كلا من البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، وقد تهافتت دولا عدة للانضمام إليها سعيا لتحقيق مكاسب منتظرة، ولم تقف الدول العربية بمنأى عن ذلك، فقد اتجه بعضها للاندماج في تيار التحرير التجاري الذي تنادي به المنظمة، وفي هذه الآونة تطرح قضية التكامل الاقتصادي العربي كونه خيارا استراتيجيا لازما في ظل التحديات التي يفرضها النظام التجاري العالمي الجديد الذي تشرف عنه منظمة التجارة العالمية.

 

1- ميلاد منظمة التجارة العالمية

 

أولا- التحولات التي دفعت إلى إنشاء منظمة التجارة العالمية :

  إن ميلاد منظمة التجارة العالمية بعد سنوات عديدة من المفاوضات الشاقة جاء ثمرة للأوضاع التي ميزت العالم منذ بدايةالتسعينات والمتمثلة في العولمة وتشابك اقتصاديات الدول، وارتباط مصالح العديد من الدول النامية بالدول المتقدمة والشركات الكبرى متعددة الجنسيات، وتنامي دور المؤسسات الدولية في رسم مسار التنمية للدول النامية والتحكم فيه، بالإضافة إلى سعي دول الشمال الغنية للسيطرة على النصيب الأوفر من الاقتصاد العالمي عبر شركاتها وفروعها المنتشرة في أنحاء العالم، والتي أصبحت تتحكم في جزء كبير ومتزايد من عمليات الإنتاج وتوزيع الدخل العالمي، وكذلك سعي تلك الدول لحل مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية ولو على حساب دول الجنوب.

  كما شهد العالم في تلك الفترة تفاقم التوترات التجارية بين الكتل والأقطاب الاقتصادية العالمية الثلاثة: الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان، الاتحاد الأوروبي مما أدى إلى ضرورة البحث عن إطار مؤسساتي يؤطر المبادلات التجارية ويحول دون النزاعات والإجراءات الحمائية بأشكالها المختلفة.

ثانيا- مهام و أهداف المنظمة التجارة العالمية :

    أوكل لمنظمة التجارة العالمية بعد إنشائها جملة من المهام عليها القيام بها و تنفيذها، و مجموعة من الأهداف ينتظر تحقيقها، من خلال تنفيذ تلك المهام التي نوجزها فيما يلي :

 

- الإشراف على إدارة وتنفيذ الاتفاقيات التجارية بين الدول الأعضاء؛

-  العمل على حسم المنازعات التجارية التي قد تنشأ بين الدول الأعضاء؛

-  مراقبة السياسات التجارية للتأكد من توافقها مع الأسس والقواعد الواردة في الاتفاقيات؛

-  تنظيم المفاوضات متعددة الأطراف؛

-  تحقيق التنمية، حيث تسعى المنظمة إلى رفع مستوى المعيشة للدول الأعضاء والمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية لجميع الدول وخاصة النامية منها.

 

2- منظمة التجارة العالمية وتنفيذ اتفاقيات جولة أوروجواي

  منذ قيام المنظمة التجارة العالمية في جانفي 1995، عملت على تنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها في جولة أورجواي و التي من أهمها :

 

أولا: أهم الاتفاقات متعددة الأطراف بشأن التجارة في السلع :

- الاتفاق بشان الزراعة :

  تمثلت العناصر التي تم الاتفاق عليها في مجال الزراعة فيما يلي(2):

-التعريفات الجمركية: ويقضي الاتفاق بتحرير التجارة الدولية في المنتجات الزراعية من القيود غير التعريفية*، بتحويلها إلى قيود تعريفية، وتخفيض الرسوم الجمركية تدريجيا.

-الدعم المحلي للمنتجات الزراعية: وشمل الاتفاق إلزام الدول الأعضاء بتخفيض الدعم المحلي للمنتجات الزراعية، غير أن الاتفاقية سمحت ببعض أنواع الدعم كالدعم المتعلق بالبحوث والتطوير والإرشاد الزراعي ومقاومة الأمراض.

-دعم الصادرات الزراعية: إذ قرر الاتفاق حضر أي دعم جديد للصادرات الزراعية بصوره المختلفة.

 

- الاتفاق بشأن المنسوجات و الملابس:

  تم الاتفاق على التخلص مرحليا في الاتفاقات متعددة الألياف على مدى فترة انتقالية مدتها عشر سنوات حسب الجدول التالي:   

 

جدول رقم -01) مراحل الإلغاء التدريجي لنظام الحصص في المنسوجات.

المرحلة

التاريخ

نسبة التحرير

الأولى

1/1/1995

16%

الثانية

1/1/1998

17%

الثالثة

1/1/2002

18%

الرابعة

1/1/2005

49%

المصدر : من إعداد الباحث بناء على ما ورد في الاتفاق

 

 

- الاتفاق حول الجوانب التجارية لإجراءات الاستثمار     ( TRIMs):

  لقد توصلت أطراف المفاوضات في جولة أوروجواي إلى اتفاق بشأن إجراءات الاستثمار الأجنبي المتعلقة بالتجارة ، ممثلة في إزالة كافة الضوابط والإجراءات السيادية للسياسة الاقتصادية المتعلقة بالاقتصاد الوطني، وذلك من خلال تقليص سلطة الدولة ودورها لصالح حرية المستثمر الأجنبي في التوطن الاستثماري على المستوى المكاني والزماني، والتصرف في العوائد.

 

  وقد نص الاتفاق في هذا المجال على تطبيق مبدأ المعاملة الوطنية التي تقضي بالمساواة بين المشروعات المحلية والاستثمارات الأجنبية، كما يقضي الاتفاق بتطبيق مبدأ الشفافية الذي يلزم الدول الأعضاء بالإعلان عن كافة تدابير الاستثمار ذات الصلة بالتجارة(3).

 

ثانيا: الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات (GATS) :

تشمل الاتفاقية جميع الخدمات ذات الطابع التجاري التي تدخل ضمن وظائف الدولة الرئيسة وأهمها:الخدمات المالية، خدمات النقل، الاتصالات، الخدمات الاستشارية والمقاولات، السياحة، الخدمات المهنية وخدمات أخرى(4). لقد تضمنت الاتفاقية التزامات وضوابط عامة هي في معظمها تأكيد على تجسيد قواعد النظام التجاري متعدد الأطراف، مثل تعميم مبدأ الدولة الأولى بالرعاية، ومبدأ الشفافية وزيادة مشاركة البلدان النامية، إضافة إلى تشجيع الأعضاء على إقامة تكتلات إقليمية لتحرير التجارة في الخدمات وخاصة بين البلدان النامية، والالتزام بإزالة العوائق التمييزية.

 

  ثالثا: اتفاق الجوانب التجارية المرتبطة بحقوق الملكية الفكرية (TRIPS):

 تركزت مناقشات حماية الحقوق الفكرية المتعلقة بالتجارة حول تحقيق توازن بين حماية أصحاب هذه الحقوق والأهداف الوطنية للدول النامية والمتمثلة في نقل التكنولوجيا وتجنب دفع رسوم عالية مقابل براءات الاختراع، وبعد مشاورات مطولة تم التوصل إلى اتفاق حول الجوانب المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية، والذي شمل سبعة أنواع من حقوق الملكية الفكرية وهي: براءة الاختراع، حقوق المؤلف، المؤشرات الجغرافية*،العلامات التجارية، التصميمات الصناعية، التصميمات التخطيطية للدوائر المتكاملة**، المعلومات غير المفصح عنها ( السرية ) ؛   كان نفاذ اتفاقية تريبس في أول جانفي 1995، وعرفت فترات انتقالية تفاوتت طبقا لمستوى النمو الاقتصادي السائد في الدول الأعضاء و تتمثل العناصر الأساسية التي تقوم عليها الاتفاقية في ما يلي(5): تطبيق مبدأ المعاملة الوطنية، ومبدأ المعاملة الخاصة بحق الدولة الأولى بالرعاية، تحديد معايير ومستويات الحماية، توفير أسلوب لتسوية المنازعات، الفترات الإنتقالية.

 

3- آثار النظام التجاري العالمي الجديد على اقتصاديات الدول العربية

أولا: الآثار الكلية

  أشارت دراسة أعدتها جامعة الدول العربية إلى الآثار السلبية المتوقعة لتطبيق اتفاقيات النظام التجاري العالمي الجديد على الاقتصاديات العربية ، و تتلخص أهم تلك الآثار فيما يلي(6):

-        ارتفاع أسعار الواردات العربية من المواد الغذائية ثلاثة أضعاف؛

-        اختلالات في الموازين التجارية العربية بسبب إلغاء نظام حصص استيراد الملابس؛

-        مصاعب صناعة البتروكيماويات العربية بسبب المنافسة الحادة؛

-        ارتفاع تكلفة الواردات من المنتجات الكيماوية؛

-       ارتفاع نسبة البطالة في قطاع الصناعة، الذي يستوعب 24% من العمالة العربية؛

-       عدم استفادة الدول العربية من تحرير قطاع الخدمات كونها مستوردا صافيا لها؛

-       تأثر المنتجات الفكرية العربية تأثرا سلبيا من خلال ارتفاع أسعار تلك المنتجات وتزايد تهديدات الغزو الثقافي.

 

  وترى الدكتورة " ريما خلف" الأمينة العامة المساعدة للأمم المتحدة ومديرة المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة أن مكاسب الدول العربية ستفوق خسائرها، كما ترى أن مخاوف الانضمام لمنظمة التجارة العالمية لا مبرر لها. من جانب آخر أكد معظم المشاركين في ندوة الدار البيضاء ( نوفمبر1994 بإشراف الأنكتاد*والجات وUNDL**) أن الدول العربية سوف تتحمل على الأمد القصير أعباء تحرير التجارة ، ويكون وضع الدول التي شرعت في تنفيذ برامج إصلاح هيكلي وسياسات اقتصادية كلية فعالة، أفضل من غيرها، ولكن يمكن للدول العربية تعويض ما تفقده على الأمد المتوسط والبعيد، وأضاف المشاركون إلى أن الدول العربية المصدرة للمعادن والبتروكيماويات ستكسب على المدى البعيد فوائض تصل إلى 500 مليار دولار سنويا بعد عام 2005، بناء على تقديرات سكرتارية منظمة التجارة العالمية، أما بالنسبة للدول المصدرة للمنتجات الزراعية فتستفيد على الأمد البعيد من خلال نمو الصـادرات وتحسين القدرة على النفاد إلى الأسواق(7).

وفي دراسة لديوان ويانج ووانج أكدت أن الدول العربية ستشهد خسارة في برامج الرعاية الصحية تصل إلى حوالي 2.6 بليون دولار أمريكي سنويا ، والسبب يعود إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وزيادة المنافسة في قطاع المنسوجات والملابس ،وارتفاع سعار السلع المصنعة.

  وعلى العموم ستواجه الدول العربية آثارا سلبية من جراء انضمامها لمنظمة التجارة العالمية وتنفيذ اتفاقاتها، تنجم عن(8):

-        تآكل الأفضليات التجارية الممنوحة لبلدانها من البلدان المتقدمة ( مثال الدول ذات الاعتماد التجاري على دول اتحاد الأوروبي والمرتبطة معه باتفاقات تفضيلية – اتفاقيات شراكة- ثنائيا أو إقليميا)وذلك نتيجة لمنافسة  هذه البلدان من قبل بلدان نامية أخرى.

-        ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية المستوردة نتيجة تخفيض الدعم الممنوح للزراعة في البلدان المنتجه المصدرة.

وتتمثل المزايا والآثار الإيجابية التي يمكن أن تحققها الدول العربية من خلال اندماجها في النظام التجاري العالمي الجديد والتزامهاباتفاقاته فيما يلي:

-        الاستفادة من النفاذ لأسواق الدول المتقدمة، إذ يتوقع أن تنموا تجارة العالم بفضل بروتوكول النفاذ للأسواق بمعدل يصل إلى 5% سنويا، وسوف تتحقق المكاسب لبعض منتجات الدول العربية نتيجة زيادة صادراتها(9).

-        زيادة الطلب على صادرات الدول العربية نتيجة انتعاش اقتصاديات الدول الصناعية والذي يعود لزيادة حجم وحركة التبادل الدولي.

-        مكافحة سياسة الإغراق التي تمارسها مؤسسات القطاع الخاص للدول المتقدمة في الدول العربية، والتي تسعى إلى الهيمنة على الأسواق وتعزيز قوتها التنافسية تجاه الصناعات الناشئة(10).

-        الاستفادة من برامج الإصلاح الاقتصادي والتجاري: حيث تتمتع الدول العربية بدعم منظمة التجارة العالمية والمؤسسات الدولية الأخرى والخاص بتنمية ورفع استجابة الاقتصاد المحلي لمواجهة متطلبات تحرير التجارة العالمية من خلال برامج الإصلاح الاقتصادي، وبرامج التكييف الهيكلي(11)

-        الحق في اتخاذ الإجراءات الفعالة سواء لوقف أو الحد من تدفق الواردات الضارة بالصناعات الوطنية.

-        زيادة معدل التدفقات الرأسمالية إلى الدول العربية، نتيجة تعديل التشريعات المنظمة للاستثمار في الدول العربية.

-        تنمية قطاع التصدير وتنويعه سواء في الدول النفطية أو حتى غير النفطية.

 

ثانيا : الآثار على الزراعة والصناعة

- الآثار على قطاع الزراعة :

- ارتفاع تكلفة الواردات من المنتجات الزراعية: نتيجة إلغاء الدعم في البلدان المتقدمة، وتقدر الأمم المتحدة الزيادة المتوقعة في أسعار السلع الغذائية الأساسية بنسب تتراوح من 24% إلى 33% وفقا لمتوسط أسعار السنوات 1986-1988، مما يجعل خسائر الدول العربيـة تصل إلى حوالي 887 مليون دولار سنويا(12).

- زيادة معدلات التضخم: نتيجة ارتفاع أسعار الواردات الزراعية.

- تخفيض الدعم للمنتجات الزراعية قد لا يؤدي إلى زيادة صادرات الدول العربية بنسبة كبيرة، وذلك لأن التزام الدول المتقدمة بتخفيض الدعم المحلي للمنتجات الزراعية، قد يكون في السلع التي ليست لها أهمية بالنسبة لها، وفي ذات الوقت تبقى الدعم المقدم للسلع الهامة الأخرى والتي ترغب في حمايتها من المنافسة الأجنبية عموما والعربية خصوصا، وذلك لأن الاتفاق لم يلزم بتخفيض الدعم في كل منتج وإنما ألزم تخفيض الدعم بنسبة إجمالية(13).

- ستتأثر برامج التنمية الزراعية بتنفيذ اتفاقية الملكية الفكرية التي ستحد من إمكانية الحصول على البذور والشتلات المحسنة والهندسة الوراثية وغيرها من الأساليب التكنولوجية الجديدة بسبب ارتفاع تكلفتها.

- تخفيض قيمة احتياطات النقد الأجنبي والإيرادات العامة للدول بسبب ارتفاع أسعار الواردات الزراعية والخفض التدريجي للتعريفات الجمركية المقررة للمنتجات الزراعية.

  ورغم الآثار السلبية التي تمس خصوصا جانب الواردات، إلا أنه على مستوى الصادرات من الممكن للدول العربية المصدرة للمنتجات الزراعية الاستفادة من التخفيضات في التعريفة الجمركية على الواردات من هذه السلع في الدول المتقدمة. كما يمكن للدول العربية الملتزمة باتفاقات منظمة التجارة العالمية الاستمرار في دعم جوانب مهمة من زراعتها، وكذلك صناعتها الغذائية الناشئة دون التعرض لإجراءات وتدابير انتقامية من جانب الدول الأخرى.

 

- الآثار على قطاع الصناعة :

من المتوقع أن ترتفع تكلفة بعض المصنوعات العربية سبب إلغاء الدعم الإنتاجي، وإلغاء دعم الصادرات، وارتفاع تكلفة الفحص قبل الشحن ،وارتفاع تكلفة القيود الفنية الأخرى، إضافة إلى ارتفاع تكلفة التقنيات والاختراعات. كما أن تزايد حدة المنافسة الدولية نتيجة الالتزام بقواعد فتح الأسواق سيؤدي إلى اختفاء بعض الصناعات نتيجة عدم قدرتها على مواجهة المنافسة الدولية، سواء كانت منافسة سعرية أو منافسة مرتبطة بجودة السلعة وكفاءة استخدامها، مما سيزيد معدلات البطالة في الأجل القصير. من ناحية أخرى تستفيد الصناعات القائمة في العديد من الدول العربية من قواعد النظام التجاري العالمي الجديد المتعلقة بمكافحة الإغراق والدعم وإجراءات الوقاية من الواردات، فطالما عانت الصناعات العربية من منافسة غير عادلة من قبل واردات السلع المدعمة أو منخفضة السعر بشكل مبالغ فيه خاصة من الدول الأسيوية.

 

وباعتبار قطاع المنسوجات والملابس من الفروع المهمة في الصناعة العربية لبعض الدول، فإن الآثار على هذا القطاع تتمثل في(14):

- ازدهار صناعة الغزل والمنسوجات والملابس في البنود التي لا يتم تحريرها والتي يستمر فرض حصص عليها من الدول المستوردة، حيث تتمتع الدول العربية بمعاملة تفضيلية في تصدير هذه البنود، لكن سيكون هذا الازدهار مرحليا؛

- دخول تجارة الغزل والمنسوجات والملابس العربية في منافسة حادة وخطيرة مع باقي الدول المصدرة، وهذا في البنود التي يتم تحريرها؛

- فقدان الشركات الأجنبية الدافع الرئيسي للاستثمار في البلدان العربية، نظرا للتوجه نحو إلغاء نظام الحصص والقيود الكمية، ذلك أن الاستثمار الأجنبي في البلدان كان وسيلة الهروب من القيود الكمية ونظام الحصص المفروضة على صادرات البلدان  من المنسوجات والملابس.

 

وإلى جانب صناعة المنسوجات والملابس، ستواجه صناعة الأدوية في الدول العربية تحديات كبيرة نتيجة تنفيذ الاتفاقية التجارية المرتبطة بحقوق الملكية الفكرية، وبالرغم من أهمية هذه الاتفاقية في تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر ونقل التقنية بواسطة رخص استخدام براءة الاختراع، إلا أنها ستتسبب في ارتفاع رسوم اقتناء براءات الاختراع التي تدفع للشركات العالمية مما يؤثر سلبا على تكاليف إنتاج الدواء في الدول العربية(15)، كما أن تأثير تنفيذ تلك الاتفاقية على صناعة الدواء في البلدان العربية سيكون من خلال تضييق فرص البحث والتطوير لمنتجات نهائية تتمتع ببراءة اختراع سارية المفعول ، ومن خلال إمكانية قدوم منافسين أجانب بمنتجات مثيلة وأسعار أقل ومواصفات أوقى ، وكل هذا يهدد صناعة الدواء العربية والتي تعتبر صناعة ناشئة.

 

ثالثا: آثار اتفاقيات الخدمات والجوانب المتعلقة بالاستثمارات والملكية الفكرية

- آثار تحرير تجارة الخدمات:

    لقد اتضح من استعراض التزامات الدول العربية بالبدء في فتح السوق المحلية لموردي الخدمات الأجانب، أن الدول العربية الأعضاء في منظمة التجارة العالمية منحت حق التواجد لعدد من أنشطة الخدمات التي تفي باحتياجات التنمية الاقتصادية فيها، والتي تستطيع من خلالها نقل التقنية والمهارات مما سيؤدي إلى(16):

-       السماح للشركات الأجنبية الموردة للخدمات بتأسيس فروع ومكاتب لها في الدول العربية ، الأمر الذي سيتيح لمنتجي السلع الاستفادة من المنافسة الأجنبية التي قد تساعد في توفير خدمات ذات نوعية أفضل وبتكلفة أقل.

-       تحسين القدرة التنافسية للمنتجين المحليين للسلع في الأسواق الخارجية، نظرا لارتباط قطاع الخدمات بالقطاع السلعي.

  من ناحية أخرى يؤدي تحرير قطاع الخدمات إلى زيادة الأصول الأجنبية التابعة للدول المصدرة لرأس المال، ومن ثم فلا تعتبر صك مديونية على الدول المضيفة، وذلك طالما من حق المالك نقل ملكيته أو سحبها أو تحويلها إلى أنشطة أو مناطق مختلفة، وعليه فإن العلاقة بين تحرير الخدمات وميزان المعاملات الرأسمالية يمكن أن تمارس أثرها الإيجابي في الحصيلة الوطنية من عوائد الخدمات وفقا للتعاقد القائم(17).

  ورغم تلك الآثار الإيجابية إلا أن تحرير قطاع الخدمات سيؤثر تأثيرا سلبيا بسبب(18).

-       إمكانية أن يمارس منتجوا الخدمات تمييزا في الأسعار، نظرا لعدم إمكانية تخزين الخدمات بعد إنتاجها؛

-       أنه من المحتمل أن يتشكل جزء كبير جدا من التجارة الدولية في الخدمات بواسطة الصفقات التجارية فيما بين الشركات، مما قد يتيح ممارسة التلاعب في الأسعار؛

-       زيادة المديونية في حالة المشروعات الوطنية المقترضة من الخارج بمقتضى سندات متفاوتة الآجال مستحقة الفوائد سنويا؛

-       نقل تدفقات رأس المال من داخل الدول العربية إلى خارجها، وخاصة حين تتركز الخدمات في القطاع المالي إذ تساعد كفاءة الشركات المصرفية والتأمينية الأجنبية في تسويق خدماتها في السوق المحلية، بينما تتجه استثماراتها إلى المنافذ الأجنبية ذات الربحية العالية؛

-       تسهيل عمليات تحويل الواردات الاستهلاكية بسبب تواجد البنوك الأجنبية مما سبب ضغطا مؤكدا على الميزان التجاري، بل وقد يؤدي إلى مضاربة على سعر العملة الوطنية، فيضعف من القدرات التصديرية للدولة.

 

- آثار اتفاقية الاستثمارات المرتبطة بالتجارة:

  إن التزام الدول العربية بأحكام اتفاقية الاستثمارات المرتبطة بالتجارة، سيكون له أثر إيجابي على معدل التدفقات الرأسمالية إلى الدول العربية، لما يتضمنه ذلك من تعديل للتشريعات المنظمة للاستثمار في الدول العربية بصورة تؤمن لرأس المال سواء الأجنبي العربي أو الوطني، حرية التدفق والحركة وسهولة إعادة تدوير رأس المال وتصديره وحرية التصرف في الأرباح وفق ضوابط اقتصادية وموضوعية، والأهم من ذلك هو ما توفره أحكام هذه الاتفاقية من مناخ ملائم لعودة الاستثمارات العربية المهاجرة إلى أسواق الاستثمار في داخل الوطن العربي.

 

  من ناحية أخرى يؤدي الانضمام لاتفاقية الاستثمار إلى آثار سلبية على زيادة معدلات البطالة وخفض معدلات الأجور، والتأثير بالسلب على مقومات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، كون هذه الاتفاقية تهدف إلى تكريس هيمنة الدول المتقدمة، وشركاتها متعددة الجنسية باعتبارها النموذج الوحيد لتمويل وإدارة الاستثمارات وتوسعاتها بعيدة عن تصـورات الهوية أو مفهوم الخصوصية المحلية(19). وتزيد المخاوف من تلك الشركات عند استخدام الأدوات المالية الجديدة مثل المشتقات وغيرها، وكذلك التعاملات في النقد الأجنبي داخل أسواق الوطن العربي، وعند تكوين احتكارات في الأسواق المحلية،أو قيامها بممارسات تجارية لتقييد الأسعار أو الدخول إلى الأسواق و غيرها من الممارسات غير المشروعة، وهو ما يمكن أن يحد من أو يلغي تماما فاعلية السياسات الاقتصادية في الدول العربية.

 

  أما على صعيد المنافسة فإن الاتفاق بشأن الاستثمار يشكل خطورة على المستثمرين المحليين الذين سيضطرون للخروج من السوق بسبب صعوبة المنافسة، ولن تستطيع الدول العربية كبح جماح الاستثمار الأجنبي في هذه الحالة، طالما لم يكن لديها قوانين فعالة لتنظيم المنافسة ومنع الاحتكار و منع تحطيم الشركات داخل الدول العربية.

 

- آثار اتفاقية الجوانب المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية :

  تتنوع الآثار المتوقعة للالتزام بأحكام اتفاقية الجوانبالمتعلقة بحقوق الملكية الفكرية من سلبية إلى إيجابية، فأما الآثار السلبية فتتمثل في:

-ارتفاع تكلفة بعض المنتجات في الدول العربية بسبب ارتفاع تكلفة الحصول على براءات الاختراع، أو حقوق التصنيع المحلي؛

-تأثر صناعة الأدوية في العالم العربي التي هي في حقيقتها من أصل أجنبي، فالدول العربية الأعضاء أمامها خيارين: إما أن تدفع تعويضات مستمرة للشركات صاحبة براءة الاختراع أو تتوقف عن الإنتاج، يقود الخيار الأول إلى ارتفاع أسعار الأدوية ويؤدي الخير الثاني إلى تبعية شبه كلية للسوق الخارجية(20)؛

-تعميق الفجوة التكنولوجية بسبب حرمان المنطقة في حقها في الحصول على المعرفة التكنولوجية، أو حتى إجراء الأبحاث العلمية والمعرفية ، نتيجة ارتفاع تكاليفها.

  وبالنسبة للآثار الإيجابية للاتفاقية فإنها تنحصر في:

- تشجيع الاستثمار الأجنبي وتقل التكنولوجيا، من خلال الترخيص والمشروعات المشتركة؛

- تشجيع الابتكار والإبداع التكنولوجي والفني، وتطوير المنتجات الجديدة؛

- حماية المستهلك، وذلك بحماية العلامات التجارية للشركات وعلامات الخدمة وغيرها من الإشارات المميزة.

 

ورغم تلك الآثار الإيجابية إلا أن الآثار السلبية قد تكون أشد أثرا نتيجة الأوضاع التي تعيشها الاقتصاديات العربية ، فالحقيقة أن مناقشة الملكية الفكرية في إطار النظام التجاري العالمي الجديد لم تكن إلا محاولة من قبل الدول الصناعية لحماية نتائج ابتكاراتها واختراعاتها، أي حماية التكنولوجيا الغربية، والعمل على الانفراد باستغلالها لأطول مدة ممكنة، ومحاولة وضع العقبات أمام الدول العربية للحيلولة دون استخدام تلك التكنولوجيا إلا بالشروط التي تضعها الدول الصناعية.

 

  وعموما يشكل انضمام الدول العربية لمنظمة التجارة العالمية، واندماجها في تيار التحرير تحديا كبيرا، من خلال الآثار المتوقعة التي أشرنا إليها، ورغم الآثار الإيجابية والمكاسب التي قد تحققها الدول العربية، إلا أن المخاوف تزيد من تغلب الآثار السلبية نتيجة الأوضاع التي تعيشها اقتصادياتها، وبينما نضع التقييم العام لآثار اتفاقيات النظام التجاري العالمي الجديد على الاقتصاديات العربية، هناك العديد من الآراء التي ترى في إحياء جهود التكامل الاقتصادي العربي مخرجا ملائما، وربما وحيدا لتلاشي الآثار السلبية المحتملة وتحقيق الاستفادة الكاملة من الفرص والمزايا.

 

4- تقييم جهود التكامل الاقتصادي العربي

تكاد معظم التحليلات تتفق في هذا الشأن على نتيجة واحدة مؤداها أن محاولات التكامل الاقتصادي العربي لم تكلل بالنجاح المطلوب، لكن وعلى الرغم من التباين الكبير بين الآمال والطموحات من جهة والواقع العربي المعاصر من جهة أخرى، إلا أنه يجب عدم إغفال إنجازات التكامل الاقتصادي العربي التي وبالرغم من محدوديتها إلا أنها مهمة ولها انعكاساتها الإيجابية على توسيع دائرة العلاقات الاقتصادية العربية البينية، لذا ولتحديد الواقع الموضوعي للتكامل الاقتصادي العربي لابد من النظر إلى كل مظاهر النجاح والإخفاق.

 

أولا: مظاهر النجاح في مسار التكامل الاقتصادي العربي:

  تبرز مظاهر نجاح مسار التكامل الاقتصادي العربي في المجالين التاليين :

- إنشاء مشروعات عربية مشتركة: وتكتسب المشروعات العربية المشتركة أهمية خاصة, بوصفها إحدى أدوات التشابك والتلاحم الاقتصادي العربي, ولقد تطورت هذه المشروعات في الوطن العربي خلال العقود الثلاثة الماضية تطورا سريعا, إذ يقدر عددها بنحو 856 مشروعا, ويكشف هذا الرقم عن ظاهرة اقتصادية جديدة يمكن أن تؤدي دورا هاما ومؤثرا في متغيراتالتنمية العربية, وفي السعي نحو التكامل(21).

- تدفق العون الإنمائي العربي: وذلك من خلال الصناديق الإنمائية العربية الوطنية والإقليمية، ويعتبر هذا العون وسيلة فاعلة للانسياب المساعدات الإنمائية الميسرة التي تقدمها البلدان العربية المانحة, كما أنه صورة مهمة من صور التعاون الاقتصادي العربي, نظرا لما يتميز به من انخفاض سعر الفائدة و طول فترة السماح و السداد, وارتفاع عنصر المنح فيه(22).

 

ثانيا: مظاهر الإخفاق في التكامل الاقتصادي العربي :

  أما إذا اتجهنا إلى مظاهر الإخفاق في التكامل الاقتصادي العربي فنجدها تتمثل فيما يلي :

- بالنسبة لاتفاقية التبادل التجاري وتنظيم تجارة النزانزيت عام 1953 فقد ظل أثرها محدودا, لأن تطبيقها كان كثيرا ما يخضع لتغيرات المزاج السياسي لبعض الأطراف، ومرور البضائع كان يخضع للتغيرات المفاجئة لفترات التوتر والهدوء التي تعم المنطقة.

- وبخصوص اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية عام 1962، فإنها في غاية الطموح إذا ما قورنت باتفاق 1953، وفي الواقع لم يكن من السهل تطبيق هذه الاتفاقية نظرا لتعارض الأنظمة السياسية وتنوع الأنظمة الاقتصادية، فضلا عن تأخر توقيعها, فقد تمت مصادقة المجلس الاقتصادي للجامعة العربية على هذه الاتفاقية في عام 1957 ولم يتم توقيعها من طرف الدول الأعضاء إلا في عام 1962، كما أن ما يميز هذه الاتفاقية هو محدودية أعضائها، فقد صادق عليها فقط كل من: مصر وسوريا والعراق والأردن والكويت والمغرب.

- أما عن السوق العربية المشتركة, فإن قرارها في حقيقة الأمر لا يتجاوز في مفهومه منطقة التجارة الحرة عن طريق الإلغاء التدريجي للرسوم الجمركية والقيود الإدارية أمام السلع العربية المتبادلة، ولم تفلح جهود مجلس الوحدة الاقتصادية العربية في تطوير هذه المنطقة الحرة إلى اتحاد جمركي عن طريق فرض جدار جمركي موحد, كما لم تفلح في ضم أعضاء جدد.

 

إذا سلمنا بأن قرار السوق العربية المشتركة لم يرق حتى الآن إلى درجة الاتحاد الجمركي وأنه عبارة عن منطقة تجارة حرة، فإننا نجد أيضا أن هذا التحليل قاصر عن فهم طبيعة ومكونات منطقة التجارة الحرة والتي تعني تحرير التجارة الإقليمية من القيود الجمركية وغير الجمركية المفروضة عليها، ولتوضيح ذلك فإننا سنسجل عددا من الملاحظات التالية(23):

* إن اتفاقية السوق العربية المشتركة لم تتضمن تحرير انتقال السلع من القيود الكمية والإدارية, وهذا يؤدي إلي تقليل فاعلية القرار في مجال تحرير التبادل بين الدول الأعضاء.

* إسراف الدول الأعضاء في طلب الاستثناءات التي ينص عليها قرار السوق.

- وعن منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى, فبقدر التفاؤل الذي قوبل به قرار إنشائها، إلا أن الإحباط بدأ يتسلل إلى الدول العربية وأخذت الشكوك تتزايد حول إمكانية استمرارها ونجاحها، ولعل السبب في ذلك الإحباط وتلك الشكوك هو تلك المشاكل التي اصطدم بها تنفيذ بنود هذه الاتفاقية والتي من أهمها: 

* انخفاض معدلات التجارة والاستثمارات العربية البينية؛

* غياب العدالة في توزيع المكاسب والتكاليف الناتجة عن منطقة التجارة الحرة؛

* غياب الشفافية والمعلومات حول التعامل التجاري؛

*لم تشمل اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى عددا من الجوانب هي: الخدمات وبالذات المرتبطة بالتجارة, التعاون التكنولوجي والبحث العلمي, تنسيق النظم والتشريعات والسياسات التجارية, حماية حقوق الملكية الفكرية؛

* مشكلة الاستثناءات السلعية وقواعد المنشأ؛

* مشكلة القيود غير الجمركية والتمييز في المعاملة الضريبية.

 

من خلال ما تقدم يمكن الحكم على جهود التكامل الاقتصادي العربي بعدم النجاح، إذ لم يتم تحقيق التنمية الشاملة المترابطة والقائمة على التكامل، كما لم تنجح الاتفاقيات الجماعية في حل مشاكل انتقال رؤوس الأموال بين البلدان العربية، وحل مشاكل انتقال القوى العاملة, وهو ما يدعونا إلى التساؤل عن الأسباب والمعوقات التي واجهت مسيرة التكامل، وأهم العقبات التي حالت دون تطبيق أهدافه.

 

5- مزايا التكامل الاقتصادي العربي في ظل النظام التجاري العالمي الجديد

    يتيح التكامل الاقتصادي العربي في الوقت الراهن العديد من المزايا والفرص التي تؤهل الدول العربية لاندماج ناجح في تيار التحرير التجاري وتجعله يستفيد من آثاره الإيجابية ويدرؤ ما أمكن من انعكاساته السلبية، وتشمل تلك المزايا على ما يلي:

 

أولا: التكامل الاقتصادي العربي خطوة نحو التحرير النهائي للتجارة:

    رغم تعارض الآراء حول تأثير التكتلات الإقليمية على تحرير التجارة العالمية، إلا أن تكوين تكتلات إقليمية يعتبر انتصاراً لتحرير التجارة ضد الحماية التجارية، حتى ولو كان ذلك في إطار إقليمي، و من ناحية أخرى سوف تدفع التكتلات الدول الأخرى غير الأعضاء في النظام متعدد الأطراف إلى تحرير تجارتها - في مرحلة أولى- مع عدد من الدول، وفي مرحلة تالية تصبح تلك الدول أكثر قابلية ومقدرة على تحمل نفقات تحرير تجارتها مع كافة دول العالم في إطار التحرير متعدد الأطراف، وهو ما يمكن أن ننصح به الدول العربية ليكون دفعها لمسار التكامل الاقتصادي مشجعا ومحفزاً على الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، وخطوة ضرورية للتخفيف من تحدياتها.

 

ثانيا: استقرار الاقتصاد الكلي وإصلاح السياسات الداخلية:

  يعمل التكامل الاقتصاد العربي على استقرار الاقتصاد الكلي وعلى إصلاح السياسات الداخلية بوجه عام، فهناك توافق في الرأي بين الاقتصاديين على أن الاستقرار الاقتصادي الكلي أمر ضروري لإنجاح أية استراتيجية إنمائية، ورغم أن الاستقرار الاقتصادي الكلي وإصلاح السياسات الداخلية يمكن أن يتحققا دون تكامل اقتصادي عربي، إلا أن احتمالات المكاسب من الاستثمار الأجنبي ونقل التكنولوجيا، وتحسين الكفاءة وتحقيق وفورات الحجم والتوسع في الأسواق تتضاعف في ظل التكامل الاقتصادي، والذي يملي على الدول الأعضاء تطبيق التدابير الضرورية لتيسير التجارة والاستثمار، وهي بدورها عوامل لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي وخطوة نحو إصلاح السياسات الداخلية.

 

ثالثا: استثمار المدخرات وتهيئة البيئة الاستثمارية العربية:

  تشكل إزالة العوائق التي تحول دون انتقال رؤوس الأموال عبر حدود الدول أعضاء التكامل أحد أركان التكامل الاقتصادي العربي، وهو ما يتيح فرصا أفضل لاستثمار المدخرات الوطنية على نحو يعزز التكامل الإقليمي، بدلا من جعلها أسيرة الحركة في الأسواق المالية الدولية، ويجعل من الوطن العربي منطقة استثمارية موحدة، تتيح حرية انتقال رؤوس الأموال الوطنية بين الأقطار العربية، وتهيئ البيئة الاستثمارية العربية لاستقبال رؤوس أموال خارجية مع ضمان حسن إسهامها في التنمية العربية المشتركة.

 

رابعا: تحقيق الرفاهية:

  يؤدي تحرير التجارة دوراً هاما في تحقيق مزيد من الرفاهية لأفراد المجتمع، وذلك من خلال عدة وسائل أهمها: تحسين النفاذ للأسواق الخارجية عن طريق تخفيض أو إلغاء القيود الجمركية التي تفرضها دول تلك الأسواق على وارداتها، تشجيع الصناعات المحلية وتنميتها، توسع حجم المؤسسات تحت ضغط المنافسة الدولية، انخفاض الأسعار نتيجة إلغاء القيود الجمركية، تنوع المنتجات وتوافرها...إن هذا الوضع لا يمكن أن يتوصل إليه من خلال تنفيذ الاتفاقات التجارية المتعددة الأطراف فقط كما يعتقد البعض، وإنما يمكن أن يتحقق أيضا على المستوى الإقليمي، وعلى الدول العربية أن تبحث عن تحقيق مزيد من الرفاهية لمجتمعاتها داخل الإقليم العربي أو لا قبل أن تبحث عنها خارجه.

 

خامسا: توفير الخدمات الضرورية للنمو الاقتصادي:

  تمثل خدمات النقل، التمويل، التامين، الاتصالات، الخدمات المهنية... عاملا أساسيا للاندماج في الاقتصاد العالمي وتحقق النمو الاقتصادي، وتتيح الاتفاقات الإقليمية في المنطقة العربية فرصة لإعادة النظر في القيود التنظيمية وتحرير قطاعات الخدمات الرئيسية، كما يسمح التكامل الاقتصادي العربي بالتوسع الجغرافي للأسواق واستحداث شبكات محورية للخدمات ذات طابع متعدد الجنسيات العربية، وهو ما يسمح ببروز خدمات ذات جودة وكفاءة أفضل في شتى القطاعات الخدمية.

 

سادسا: خفض التكاليف:

  يعمل التكامل الاقتصادي العربي على خفض التكلفة، فبالنظر  إلى اعتماد الدول العربية على استيراد الكثير من مستلزمات الإنتاج والاستهلاك من الخارج، فإن ثمة مجالا للحصول على هذه المستلزمات بتكلفة أقل من خلال التعاون في إقامة مؤسسات عامة أو خاصة مشتركة للاستيراد الجماعي لاحتياجات الدول العربية منها، مما يخلق فرصة لتحسين القدرة التفاوضية والحصول على شروط أفضل، وهو ما سيؤدي إلى خفض تكاليف التمويل من خلال التعاون المصرفي العربي في مجال تمويل المشروعات الإنتاجية والخدمية الكبيرة، وكذا في مجال تمويل التجارة العربية البينية.

 

6- سبل تطوير مشروع التكامل الاقتصادي العربي

    أولا: تجاوز الاتفاقيات الثنائية إلى الاتفاقيات الجماعية:

وهذا لكون أن الاتفاقيات الثنائية تشمل على العديد من النقائص منها(24):

-            أن السياسات المفروضة في الاتفاقيات الثنائية لا تمثل مصالح اقتصادية قطاعية بشكل رئيس، ولا تتعامل مع استراتيجيات اقتصادية بعيدة الأمد؛

-             تفتقر تلك الاتفاقيات إلى معالجة كافية لقضايا مهمة مثل قواعد المنشأ، وتدابير الصحة والمواصفات، وبقية العوائق الإدارية اللاجمركية؛

-             تفتقر إلى معايير الشفافية والوضوح، حيث أن الهيكل الضريبي على الحدود غير واضح بالقدر الذي يكفي لضمان وجود سوق بينية ثابتة، وتتسم بدرجة من الاستمرارية؛

 

 تخلوا معظم الاتفاقيات من معالجات لقضايا الممارسات التجارية غير المصنفة على شاكلة الإغراق والدعم، أو ترتيبات الوقاية، كما تخلوا من وسائل لحسم المنازعات التجارية.

 

 ثانيا: تفعيل التجارة العربية البينية:

وذلك من خلال مجموعة من الآليات من أهمها:

- ربط جميع الغرف التجارية ببعضها البعض لتبادل المعلومات؛

- إستكمال عملية توحيد المواصفات العربية وضرورة التزام الجميع بها؛

- العمل على الإسراع باعتماد قواعد منشأ تفصيلية موحدة بين الدول العربية والالتزام بها؛

- إنشاء هيئة تحكيم عربية للفصل السريع في القضايا والنزاعات التي تنشأ بين الدول؛

- دعم المؤسسات المالية العربية التي تقوم بضمان ائتمان الصادرات والواردات بين الدول العربية؛

- ترشيد إلغاء الرسوم الجمركية بين الدول العربية وتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه بشأنها من جانب المنافذ الجمركية العربية وذلك بغرض تسهيل انسياب السلع العربية؛

- إنشاء منطقة عربية خاصة بالترويج للمنتجات العربية داخل أسواق الدول العربية.

 

ثالثا: تفعيل مشروع منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى:

إن منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى سوف توفر مزايا إضافية للصادرات العربية وتفسح مجالا أكبرا للتجارة البينية وتفتح سوقا واسعة للمنتجات العربية، كما أنها سوف تمكن الدول العربية من الاستفادة من الاستثناءات التي قررتها اتفاقيات التجارة العالمية، إضافة إلى أنها تشكل ضرورة في ظل انتشار التكتلات التجارية الدولية التي جعلت من إقامة مناطق تجارية حرة التحدي الأكبر أمام الدول العربية، حيث يعتقد ان هذه التكتلات تضيق الأسواق المتاحة أمام الصادرات العربية مما يزيد الصعوبات التي تواجه أية صادرات أخرى منافسة داخل تلك المناطق التجارية الحرة، لاسيما الصادرات من السلع والمنتجات العربية ذات القدرة المحدودة على المنافسة، ومن ثم لا يتيسر أمام الدول العربية سوى أسواقها المتبادلة.    

  

ولدفع مشروع منطقة التجارة الحرة العربية يتوجب معالجة القضايا الفنية التي لم يتم معالجتها بعد وهي: قواعد المنشأ التفصيلية للسلع العربية على أساس تفضيلية، وتطبيق التخفيض التدريجي على الرسوم والضرائب ذات الأثر المماثل، إضافة إلى إزالة القيود غير التعريفية الجمركية وغير الجمركية، والالتزام بتطبيق المعاملة الوطنية.

 

رابعا: التنمية التكاملية بالموازاة مع التحرير التجاري:

  لا نعني هنا بالتنمية مجرد تحقيق تزايد في الناتج المحلي الإجمالي وفي نصيب الفرد منه، بل نعني بها زيادة الطاقات الإنتاجية للاقتصاديات العربية وتنويعها، مستهدفة في ذلك أساسا إشباع الحاجات الأساسية المتطورة للأفراد في الوطن العربي، ومستهدفة أيضا تخليص الاقتصاديات العربية من قيود التبعية للخارج(25)، إن هذه التنمية التكاملية هي التي تفتح الباب أمام تزايد التبادل التجاري بين الأقطار العربية، ولذلك حتى يقوم المدخل التبادلي بدوره التكاملي لابد أن يطبق من منظور شمولي بعيد المدى يربط بينه وبين عملية التنمية التكاملية، وكلما كان البدء بهذه التنمية مبكراً كلما أدى ذلك إلى توسيع التبادل التجاري على نحو أسرع وأقوى في المستقبل.

خامسا: توجيه الاستثمارات العربية داخل الإقليم العربي:

  يتحقق ذلك بحث مؤسسات القطاع الخاص العربي على توجيه استثماراتها داخل الدول العربية مع تقديم ضمانات كافية وعوامل جذب تجعل المستثمر العربي أكثر ميلا إلى الاستثمار في المنطقة العربية، ولعل الآلية المناسبة لذلك هي إنشاء منطقة استثمارية عربية تكون عضويتها لكل الدول العربية لتفتح كل القطاعات الاقتصادية أمام المستثمرين العرب، وتشجع انتقال المستثمرين العرب والعمالة الماهرة والفنية المهنية بين الأقطار العربية، ويقوم على تنفيذ أهداف هذه المنطقة عدة برامج: برنامج للتسهيل والتعاون والترويج للاستثمارات المباشرة، برنامج للترويج والتوعية بفرص الاستثمار المرشحة كمشروعات عربية مشتركة، وبرنامج يستهدف تحرير مجالات الاستثمار العربية المقيدة.

الخلاصة :

  لقد كان من أهم نتائج جولة أوروجواي قيام منظمة التجارة العالمية، لتصبح بمثابة الإطار المؤسس الذي يشرف على التجارة الدولية، ولتكون الإطار العام لتسوية المنازعات التجارية بين الدول الأعضاء، ومنذ قيام هذه منظمة في جانفي 1995 عملت على تنفيذ الاتفاقيات التي تم التوصل إليها في جـولة أوروجواي، ويثار جدال كبير حول آثار العمل بهذه الاتفاقيات على اقتصاديات الدول العربية، وتكاد تجمع أغلب الدراسات على أن الآثار السلبية تتغلب على الآثار الإيجابية، لذا تبرز أهمية التكامل وضرورته في ظل هذه التحديات التي تفرضها منظمة التجارة العالمية والتي جعلت الاحتكاك كبير ومتواصل بين الدول العظمى والتجمعات الإقليمية من جهة، والدول العربية المتشتتة من جهة أخرى.

 

  يبقى التكامل الاقتصادي العربي في ظل هذه الأوضاع حتمية وضرورة بالنسبة لكل للدول العربية حتى تحسن من أدائها الاقتصادي على الساحة الدولية من جهة، وتجعل من اندماجها في النظام التجاري العالمي الجديد اندماجا موفقا يعود عليها بكثير الفوائد لا الخسائر، وهذا نظراً للمزايا العديدة التي يتيحها والفرص الكثيرة التي سيوفرها للإقليم العربي، لذا يبقى على دول الإقليم العربي – من خلال هيئاته فوق القطرية- العمل على دفع مسار التكامل بدءاً بتفعيل المحاولات السابقة والانطلاق في مشاريع تكاملية جديدة.

الهوامش والمراجع :

 

(1)أنظر : - بسام الحجار، "العلاقات الاقتصادية الدولية"، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 2003، ص 232،233 .

          -عبد الله المعجل، " التكامل الاقتصادي العربي في ظل تحديات العولمة الاقتصادية"، المجلة العلمية للبحوث والدراسات التجارية، 4.3، جامعة حلوان بالقاهرة 2001، ص ص7،8.

(2) أنظر :- عبد الستار سلمي، "سياسات منظمة التجارة العالمية لتحرير التجارة الدولية في السلع وأثرها على الاقتصاد المصري"، المركز الأكاديمي للدراسات الاستراتيجية، القاهرة 2001، ص ص 22-29.

         - أسامة المجدوب، "الجات ومصر والبلدان العربية من هافانا إلى مراكش"، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة1997، ص ص 99-102.

* من أمثلتها: نظام الحصص، الحصص الموسمية، الحد الأدنى للأسعار، حظر الاستيراد، تراخيص الاستيراد.

(3) نفس المرجع، ص ص114،115.

(4)  عاطف السيد، " الجات والعالم الثالث"، مجموعة النيل العربية، القاهرة 2002، ص59.

* تحدد المكان الذي نشأت فيه السلعة، حيث تنسب النوعية ، أو السلعة أو السمات الأخرى لها.

** هي منتجات ذات وظيفة إلكترونية تتكامل فيها بعض العناصر لتكون منتجا.

(5) انظر- :سمير اللقماني، "منظمة التجارة العالمية  آثار السلبية و الإيجابية على أعمالنا الحالية والمستقبلية بالدول الخليجية و العربية"، المكتبة الوطنية ،الرياض2003، ص ص88،89.

       -خالد شويرب، الملكية الفكرية في ظل المنظمة العالمية للتجارة (رسالة ماجستير غير منشورة )، جامعة الجزائر، 2003، ص80-82.     

 (6) – أنظر:- عاطف السيد، مرجع سابق، ص 184 ، 185.

          - نبيل حشاد،" الجات ومنظمة التجارة العالمية  أهم التحديات في مواجهة الاقتصاد العربي"،دار ايجي مصر، القاهرة1999، ص 312- 314.

  *تأسست عام 1964، وتهدف إلى التعبير عن احتياجات التجارة والتنمية للدول النامية والدفاع عن مصالحها في مواجهة الدول المتقدمة.

**United  Nations Development Programme.

(7)- ناجي التوني، "قياس آثار النظام الجديد للتجارة العالمية على البلدان العربية"، مجلة آفاق اقتصادية،98، اتحاد غرف التجارة والصناعة في

الامارات2004، ص 34،35.

 (8)نفس المرجع، ص 35.

 (9)محمد ناجي حسن خليفة، "اتفاقية منظمة التجارة العالمية وأثرها على الدول النامية "، الملتقى العلمي الدولي الأول حول أهمية الشفافية ونجاعة الأداء للاندماج الفعلي في الاقتصاد العالمي، جامعة الجزائر، 31ماي-02جوان2003، ص21.

(10)- عبد الله معجل، مرجع سابق، ص 13.

( 11)- محمد ناجي حسن خليفة، مرجع سابق، ص20.

(12)- سليمان المنذري،"السوق العربية المشتركة"، مكتبة مدبولي، القاهرة2004، ص 229.

(13)- نفس المرجع ، ص 42.

(14)هناء خير الدين،" انعكاسات دورة أوروجواي على الدول العربية"، دار المستقبل، القاهرة 1997، ص 78- 80.

(15)- جمال الدين زروق ،" واقع السياسات التجارية العربية وآفاقها في ظل اتفاقية منظمة التجارة العالمية "، مجلة التنمية والسياسات الاقتصادية، 1، المعهد العربيللتخطيطبالكويت1998، ص 31.

 (16)- نفس المرجع ، ص 32.

(17) حسن عبيد،" الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات "، أوراق اقتصادية، 20 ، مركز البحوث والدراسات الاقتصادية والمالية بجامعة القاهرة 2002 ، ص 39.

(18)عاطف السيد، مرجع سابق، ص 187.

(19)- عبد الرحمن صبري،" مستجدات الاستثمار الدولي و العربي في علاقته بالتجارة "، ورقة مقدمة إلى الاجتماع القطاعي بين جامعة الدول العربية والأمم المتحدة.

(20)- صباح نعوش، العرب ومنظمة التجارة العالمية على الموقع]www.aljazeera.net/NR/exeres [(25/12/2007)، ص6.

 (21)- زياد علي عربية ، " المشروعات العربية المشتركة "، المال والصناعة ، 20، بنك الكويت الصناعي، الكويت2002، ص ص 59-61.

 (22)سميح مسعود وآخرون، "هموم اقتصادية عربية: التنمية – التكامل – النفط – العولمة"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت2001، ص 118.

(23)– سامي عفيفي حاتم،" التكتلات الاقتصادية بين التنظير والتطبيق"، دار وبلد النشر مجهولين،2003، ص ص301, 302.

(24)– أحمد يوسف أحمد وآخرون،" التعاون الاقتصادي العربي وآفاق المستقبل"، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت2001، ص ص 97، 98.

(25)– محمد لبيب شقير، "الوحدة الاقتصادية العربية تجاربها وتوقعاتها"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، دون تاريخ، ص 47.