pdfتحليل أثر التدريب والتحفيز على تنمية الموارد البشرية في البلدان الإسلامية

 

د/ الداوي الشيخ، جامعة الجزائر

ملخص : يحظى موضوع تنمية الموارد البشرية بأهمية قصوى اليوم، نظرا لاعتبار هذا النوع من الموارد كأهم مورد يسهم في نجاح أية مؤسسة على المدى البعيد ؛ كما يعتبر موضوع تنمية الموارد البشرية أحد المداخل الرئيسة والهامة- إن لم يكن الأهم- لتحقيق القدرة على التنافس، ومن ثم ضمان البقاء والاستمرارية، والمساهمة في تحقيق التنمية الشاملة في البلدان الإسلامية، نظرا لأن الموارد البشرية هي العنصر الأهم والأكثر تأثيرا مقارنة بباقي الموارد التي تملكها المؤسسات في البلدان الإسلامية، ففي ظل غياب الموارد البشرية لا تنشأ المؤسسات أصلا.

 

الكلمات المفتاحية : التنمية البشرية، الموارد البشرية، إدارة الموارد البشرية، الأداء، التحفيز، التدريب.

 

تمهيد : تشهد بيئة المؤسسات الاقتصادية في البلدان الإسلامية- على غرار باقي المؤسسات في العالم- تغيرات، وتحولات، وتطورات تقنية متزايدة بفعل تأثير المنافسة الحادة الناتجة بدورها عن ظاهرة العولمة، والهيمنة المتعاظمة للنظام العالمي الجديد؛ الأمر الذي جعل هذه المؤسسات في موقف صعب، لا يكفي معه الأداء العادي لمواجهة أثار تلك التغيرات، بل يستلزم منها الموقف العمل على تحسين أدائها إلى مستويات عالية تمكنها من التفوق على منافسيها، أي يتيح لها القدرة على التنافس على المستوى العالمي لكي تضمن البقاء وتحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها ؛  وقد حظي موضوع تنمية الموارد البشرية باهتمام متزايد من طرف الباحثين سواء على المستوى الكلي أو الجزئي، لما تلعبه هذه التنمية للعنصر البشري من دور هام في تحقيق التنمية الشاملة. وتثمينا لهذا الدور الهام للموارد البشرية دأبت المؤسسات على تنميته عن طريق تدريبه وتحفيزه وتطوير قدراته...الخ، كي يؤدي دوره بكل فعالية كفاءة ويساهم في تحقيق الأهداف والغايات المرسومة؛ والأكثر من ذلك أصبحت تنظر إليه وتتعامل معه من منظور إستراتيجي، وبذلك أصبحت أدبيات التسيير الحديث تحوي مفهوما جديدا، ألا وهو الإدارة الإستراتيجية للموارد البشرية. وتوجد العديد من العناصر التي يمكن للمؤسسات الاقتصادية في البلدان الإسلامية لتنمية مواردها البشرية، إلا أننا سنقتصر في هذه الدراسة على تحليل أثر عنصرين فقط على تنمية الموارد البشرية، وهما: التدريب والتحفيز؛ ومن ثم فإن هذه الدراسة تحاول الإجابة عن السؤالين التاليين:-

 

س1/ ما هو أثر التدريب على تنمية الموارد البشرية في البلدان الإسلامية ؟

س2/ ما هو أثر التحفيز على تنمية الموارد البشرية في البلدان الإسلامية ؟

 

أولا:- تعريف وشرح المفاهيم الأساسية المستعملة في الدراسة.

 

1-               تعريف التنمية البشرية:- هي توسيع خيارات الناس وقدراتهم من خلال تكوين رأس المال الاجتماعي، بحيث تتم تلبية احتياجات الجيل الحالي بأكبر قدر ممكن من العدالة دون المساس باحتياجات الأجيال القادمة".[1]

نلاحظ من هذا التعريف أن مفهوم التنمية البشرية يتضمن إتاحة خيارات متعددة وجعلها في متناول الأفراد من خلال توفير المناخ الملائم والمساعد على تحقيق أهداف الأفراد؛ كما يهتم هذا المفهوم من جهة أخرى بتشكيل القدرات البشرية من خلال تحسين مستويات المعرفة والصحة....الخ. كما تجدر الإشارة إلى أن محور التنمية البشرية يرتكز على الأبعاد التالية:[2]

أ‌-      تنمية القدرات البشرية عن طريق انتهاج أساليب التعلم والتدريب وزيادة القدرة على العمل والإنتاج عن طريق الرعاية الصحية.

ب‌- الانتفاع من القدرات البشرية عن طريق خلق فرص عمل منتجة بما يتناسب مع القدرات البشرية المكتسبة.

ج-  تحقيق الرفاهية باعتبارها هدفا لمختلف الجهود الإنمائية.

2- تعريف الموارد البشرية : "هي مجموع الأفراد والجماعات التي تكوٌن المؤسسة في وقت معين، ويختلف هؤلاء الأفراد فيما بينهم من حيث تكوينهم، خبرتهم، سلوكهم، اتجاهاتهم، وطموحهم كما يختلفون في وظائفهم، مستوياتهم الإدارية وفي مساراتهم الوظيفية"[3]. نلاحظ من هذا التعريف أن الموارد البشرية تمثل مزيجا من المعارف، المهارات، الكفاءات، والاتجاهات، تستخدمها المؤسسة من أجل تحقيق أهدافها؛ كما أن هذه الموارد تختلف من مؤسسة إلى أخرى من حيث الخصائص بمقدار التباين في مستويات عناصر المزيج أعلاه.

 

 3- تعريف إدارة الموارد البشرية.

 لا يوجد اتفاق بين الكتٌاب فيما يخص تعريف مفهوم إدارة الموارد البشرية، ومن ثم فقد اختلفت التعاريف المعطاة لهذا المفهوم؛ غير أن ما تجدر الإشارة إليه هو أن أصحاب النظرية الحديثة في مجال علوم التسيير قد أعطوا هذا المفهوم أهمية كبرى، فبعدما كان أصحاب النظرية التقليدية ينظرون إلى هذا المفهوم من زاوية ضيقة تنحصر في كونه فقط نشاطا روتينيا يختص بأمور لا تأثير لها على إنتاجية المؤسسة، أصبحت إدارة الموارد البشرية إحدى الوظائف الرئيسة في المؤسسة ولها نفس أهمية الوظائف الأخرى، نظرا للدور الإستراتيجي الذي يؤديه العنصر البشري في التأثير على تحقيق أهداف المؤسسة؛ ومن بين التعاريف المعطاة لهذا المفهوم نورد ما يلي:

أ‌-      يعرف" SIKHULA " إدارة الموارد البشرية على أنها:" استخدام القوى العاملة داخل المؤسسة، ويشمل ذلك عمليات تخطيط القوى العاملة، الاختيار والتعيين، التدريب والتنمية، التعويض والأجور، العلاقات الصناعية، تقديم الخدمات الاجتماعية والصحية للعاملين، وأخيرا بحوث الأفراد".[4]

نلاحظ من هذا التعريف أن إدارة الموارد البشرية تتضمن مجموعة الأنشطة التي تختص بالعنصر البشري في المؤسسة من تخطيط، توظيف، اختيار، تدريب، تحديد الكمية والنوعية اللازمة من العمال، والبحث عن الإطارات المؤهلة من اليد العاملة، بما يحقق الاستخدام الأمثل الفعال للموارد البشرية.

ب‌-إدارة الموارد البشرية هي: "مجموعة الممارسات والسياسات المطلوبة لتنفيذ مختلف الأنشطة المتعلقة بحصول المؤسسة على احتياجاتها من الموارد البشرية وتطويرها وتحفيزها والحفاظ عليها مما يساعد على تحقيق الأهداف المرجوة بأعلى مستويات الكفاءة والفعالية"[5].

نلاحظ من هذا التعريف أن إدارة الموارد البشرية تمثل نظاما متكاملا لإدارة العناصر البشرية في المؤسسات، وهذا انطلاقا من أن العنصر البشري يمثل أم العوامل المؤثرة في أداء المؤسسة وتأقلمها مع بيئتها التي تتميز بالتغير والتعقد والتعقيد، الأمر الذي يقود في الأخير إلى تحقيق المؤسسات لأهدافها. ويتكون هذا النظام المتكامل للموارد البشرية من العناصر التالية: البيئة الخارجية، وظائف إدارة الموارد البشرية، البيئة الداخلية، الأفراد، الوظائف، نتائج العمل، والنتائج التنظيمية.[6]

 

4-               تعريف الإدارة الإستراتيجية للموارد البشرية :  هي عملية اتخاذ القرارات التي تعمل على تحقيق تكييف نظام الموارد البشرية مع البيئة التنافسية، وبالتالي فهو مجموع الإستراتيجيات والخطط الموجهة لإدارة التغيير في نظام الموارد البشرية والتي تعمل على تدعيم إستراتيجية المؤسسة لمواجهة التغييرات البيئية".[7]

نلاحظ من هذا التعريف أن الإدارة الإستراتيجية للموارد البشرية تمثل في أساسها نظاما يتكون من عدة عناصر مترابطة فيما بينها، وتتفاعل فيما بينها وبين البيئة الخارجية للمؤسسة، وتتمثل الغاية الأساسية لهذا النظام في تحقيق الاستثمار الفعال للموارد البشرية بالاعتماد على تبني إستراتيجيات مناسبة، وتنفيذ خطط وبرامج تعمل على تحسين أداء الموارد البشرية، وتمكين المؤسسة من تحقيق ميزة تنافسية على الأمد البعيد.

 

إضافة إلى ما سبق يمكن إدراج العناصر التالية كأبعاد لمفهوم الإدارة الإستراتيجية للموارد البشرية، وهي:-[8]

أ‌-     الاهتمام بالبناء العقلي والفكري والمعرفي للمورد البشري.

ب‌-                         المشاركة الايجابية في اتخاذ القرار وتحمل المسؤوليات.

ت‌-                         الاهتمام بمحتوى العمل.

ث‌-                         البحث عن آليات استثمار القدرات الفكرية.

ج‌-  الاهتمام بالحوافز المعنوية.

ح‌-  تركيز التنمية البشرية على تنمية الإبداع والابتكار وتنمية المهارات الفكرية واستثمارها.

خ‌-  تنمية العمل الجماعي والأداء الجماعي.

 

5-               تعريف الأداء.

رغم الدراسات العديدة التي أجريت حول موضوع الأداء، إلا أن الكتٌاب في هذا المجال لم يتوصلوا إلى إجماع حول مفهوم محدد له نظرا لتعدد اتجاهاتهم واختلاف الأهداف المتوخاة من دراساتهم. ويستمد مصطلح الأداء أصله من اللغة الإنجليزية وبالذات من الفعل "to perform" والذي يعني تنفيذ أو تأدية عمل.[9]

         كما يمكن أن يعٌرف الأداء على أنه:" انعكاس لكيفية استخدام المؤسسة للموارد المادية والبشرية واستغلالها بالصورة التي تجعلها قادرة على تحقيق أهدافها".[10]

نلاحظ من هذا التعريف أن مفهوم الأداء يتضمن مجموعة الأساليب التي تنتهجها المؤسسة في إطار استغلال الموارد المتاحة بغية تحقيق أهدافها وغاياتها المرسومة. وعند التعمق في تحليل هذا المفهوم فإنه ينبغي الإشارة إلى أنه كثيرا ما يقرن الأداء بمفهومي الكفاءة والفعالية، وعليه يعرف الأداء وفقا لذلك على أنه:" تعظيم المخرجات تحت قيد تدنية المدخلات". من هذا التعريف الأخير يمكن أن نلاحظ أن مفهوم الأداء يتضمن قدرة المؤسسة على تحقيق أهدافها بواسطة الحصول على أقصى مخرجات( ناتج) مع ضمان تدنية المدخلات.

 

ثانيا:- تحليل أثر التدريب على تنمية الموارد البشرية في البلدان الإسلامية.

1-               تحديد مفهوم التدريب.

تعددت التعاريف المعطاة لمفهوم التدريب، حيث لا يوجد تعريف واحد متفق عليه، وهذا نظرا لاختلاف وجهات نظر الكتاب المعرفين لهذا المفهوم؛ ولكننا سنقتصر في هذه الدراسة على تناول البعض منها بما يفي بالغرض، ومنها:-

أ- التعريف الأول:" التدريب هو إعداد الفرد وتدريبه على عمل معين لتزويده بالمهارات والخبرات التي تجعله جديرا بهذا العمل وكذلك إكسابه المعارف والمعلومات التي تنقصه من أجل رفع مستوى كفاءته الإنتاجية وزيادة إنتاجيته في المؤسسة".[11]

نلاحظ من هذا التعريف أن التدريب هو بالأساس عملية تعلم، يهدف إلى التمكن من مجموعة المعارف والمعلومات التي تقود في النهاية إلى الكفاءة والإنتاجية في المؤسسة.

    ب-  التعريف الثاني:" التدريب هو مجمل النشاطات، والوسائل، والطرق، والدعائم التي تساعد في تحفيز العمال لتحسين معارفهم وسلوكهم، وقدراتهم الفكرية الضرورية، في آن واحد، لتحقيق أهداف المنظمة من جهة، وتحقيق أهدافهم الشخصية والاجتماعية من جهة أخرى، دون أن ننسى الأداء الجيد لوظائفهم الحالية أو المستقبلية"[12].

يتضمن هذا التعريف العناصر الأساسية للتدريب والمتمثلة في النشاطات، الوسائل، الطرق، والدعائم، والتي يؤدي تفعيلها إلى حث العمال ودفعهم نحو صقل معارفهم ومواهبهم، واستنهاض ملكاتهم الفكرية، وهذا كله من أجل تحقيق المصلحة المشتركة بين المؤسسة وأعضاءها التي يسعى كلا الطرفين تجسيدها والاستفادة منها.

ج- التعريف الثالث:" التدريب هو مجمل العمليات القادرة على جعل الأفراد والفرق يؤدون وظائفهم الحالية، والتي قد يكلفون بها مستقبلا من أجل السير الحسن للمؤسسة بمهارة"[13].

نلاحظ من هذا التعريف أن التدريب يتضمن مجموعة من الأفعال والسلوكات التي تمكن العناصر البشرية في المؤسسة من أن يكونوا مستعدين بصورة دائمة ومتقدمة لأداء وظائفهم الحالية والمستقبلية أخذا بعين الاعتبار ظروف البيئة التي تنشط فيها مؤسستهم.

 

2-               دوافع تدريب العناصر البشرية في البلدان الإسلامية.

توجد مجموعة كبيرة من الدوافع تحتم على البلدان الإسلامية انتهاج أسلوب التدريب لعناصرها البشرية، وهذا نظرا لأهمية تفعيل عنصر التدريب، كذا بسبب الأهداف المتوخاة منه( وهو ما سنتناوله لاحقا)، وهذا كله يصب في خدمة الغاية الأهم ألا وهي تحقيق التنمية الشاملة؛ ومن بين أهم الدوافع نتناول ما يلي:-

أ‌-     الاستجابة للتغيرات الحادثة في بيئة المؤسسات، مما يعني التأقلم معها مثل القوانين والتشريعات الجديدة.

ب‌-                         ظهور منتجات جديدة، أو مواد إنتاجية جديدة أو بديلة لمواد أخرى.

ت‌-                        تطور الفن الإنتاجي، أي ظهور تطورات تقنية وتكنولوجية جديدة في مجال العمليات الإنتاجية، مما يعني مواكبة الإبداعات التكنولوجية.

ث‌-                         التكيف مع تطور حاجات الزبائن، الأمر الذي يقود إلى القدرة على التواصل مع حاجاتهم ورغباتهم وإشباعها بأفضل الطرق، مما يعني في النهاية ضمان رضاهم ووفائهم.

 

3-               أهمية وأهداف التدريب من منظور تنمية الموارد البشرية في البلدان الإسلامية.

تتجلى أهمية التدريب في أنه يتيح للعمال التأقلم مع التغيرات التي تحدث على مستوى العمل، نظرا لحالة التطور التي تمس أسلوب العمل( التقنيات والآلات) والتي تؤدي بدورها إلى تغيير طبيعة العمليات الإنتاجية، فضلا عن أن التدريب هو في حد ذاته صقل للمهارات والخبرات والمعلومات والمعارف؛ كما يمكننا أن نستشف أكثر أهمية التدريب بالنسبة لمسألة التنمية البشرية في البلدان الإسلامية من خلال استعراض أهم الأهداف المتوخاة من انتهاج أسلوب التدريب، وهي:-

أ‌-    يمٌكن التدريب المؤسسات من زيادة إنتاجيتها من خلال تحسين مهارات ومعارف عناصرها البشرية؛ الأمر الذي ينعكس في سرعة تنفيذ المهام والعمليات الموكلة إليهم، ومن ثم الحصول على الناتج المرغوب.

ب‌-                         يهدف التدريب إلى رفع الروح المعنوية للعناصر البشرية، وهذا من خلال شعورهم بتقدير أهميتهم من طرف إدارة مؤسساتهم عندما يكونون محور البرامج التدريبية، مما يدفعهم إلى العمل بكامل قدراتهم.

ت‌-                         يهدف التدريب إلى تأقلم العمال مع المستجدات الحاصلة في البيئة الخارجية للمؤسسة، والمتعلقة بالمهام والوظائف المنوطة بهم.

ث‌-                         يقود التدريب إلى خلق القدرة لدى العمال المتدربين على تحمل المسؤولية والمبادرة.

ج‌-يؤدي التدريب إلى ضمان سلامة العمال من خلال تدنية حوادث العمل، وهذا بفعل تأثير التدريب على استخدام الآلات والتحكم في استعمالها من طرف العمال المتدربين.

ح‌-تهدف البرامج التدريبية أيضا إلى تحقيق وضمان استقرار ومرونة المؤسسات الاقتصادية، وهذا باعتبار أن العناصر البشرية هي بمثابة أصل هام من أصول المؤسسة؛ فالتدريب يقود إلى قدرة المؤسسات على الاستمرار والبقاء رغم التغييرات الحاصلة في البيئة الخارجية، كما يتيح لها التدريب كذلك القدرة على التكيف مهما كانت التهديدات والقيود المفروضة من بيئتها.

 

ثالثا:- تحليل أثر التحفيز على تنمية الموارد البشرية في البلدان الإسلامية.

 

1- تعريف التحفيز: توجد عدة تعاريف لمفهوم التحفيز، وهو : " عبارة عن مجموعة الدوافع التي تدفع الشخص لعمل شيء ما"[14].

كما يعرف التحفيز على أنه:" تشجيع الأفراد واستنهاض هممهم حتى ينشطوا في أعمالهم من أجل تحقيق أهداف المؤسسة، وتبدأ العملية بالتأثير الخارجي على الأفراد كأن يعرض عليهم أجرا أعلى من أجل القيام بعمل أكثر، لكن نجاحها يتوقف على عوامل داخلية تتصل بوضعية الفرد النفسية"[15].

نلاحظ من التعريف السابق أن الدوافع تنبع من حاجة أو ضرورة فسيولوجية، كما قد تنتج من عوامل نفسية كحاجة الفرد للشعور بأنه مقبول، أو مقيم من طرف الآخرين؛ وإذا نظرنا إلى عملية التحفيز من وجهة نظر إدارية فمن المهم أن ندرك الحقيقة التالية: وهي أننا لا نستطيع أن نحفز الأخرين، ولكننا نستطيع فقط أن نؤثر على ما يحفزهم لعمل شيء ما، أي كيف نوظف هذا التأثير بطريقة يمكن أن تقود إلى شعور العمال بأنهم محفزون على أعلى المستويات.

 

2-               أنواع التحفيز.

 ينقسم التحفيز إلى نوعين، تحفيز ذاتي( داخلي) وتحفيز خارجي؛ ويعتبر التحفيز داخلي عندما يشعر الفرد برغبة أو بدافع يدفعه لعمل شيء ما، ومن ثم يقوم بسلوك معين لإنجاز ذلك؛ بينما يعتبر التحفيز خارجيا إذا كان التحفيز للعمل يتأثر بعوامل خارجية كالمكافآت والعلاوات والترقيات الإدارية...؛ هذه العوامل الخارجية تؤثر بدورها على العوامل الذاتية للتحفيز، وغالبا ما يطلق على العوامل الخارجية مصطلح " القوى المحفزة" بشرط ارتباطها بالاهتمامات الذاتية[16].

إذا يمكن اعتبار التحفيز الداخلي على أنه مجموعة العوامل التي تحفز الفرد من الداخل مثل المصلحة الشخصية والرغبة؛ بينما يمكن النظر إلى التحفيز الخارجي على أنه مجموعة العوامل التي تقع خارج ذات الفرد والتي تؤثر على حاجاته الداخلية ورغباته وما يترتب على ذلك من سلوكيات ومن أمثلتها المكافآت والترقيات.

 إذا نلاحظ مما سبق أن المؤسسة عندما تعالج موضوع تحفيز العمال فإنها في الحقيقة تحاول أن تجد وتفٌعل العلاقة بين الحوافز الداخلية- بما يلبي الحاجات والرغبات الشخصية لعمالها- وبين ما يتطلبه العمل من جهد ومهارة. ونظرا لأهمية التحفيز الداخلي( الذاتي) فإننا سنتطرق إلى العوامل التي تؤثر عليه بما يحقق أهداف المؤسسة.

 

3- العوامل المؤثرة على التحفيز الداخلي( الذاتي) للموارد البشرية في البلدان الإسلامية.

 توجد مجموعة هامة من العوامل المؤثرة على التحفيز الداخلي في البلدان الإسلامية، من أهمها[17]:-

أ‌-      التعاون بين العمال ومؤسستهم: ومعنى ذلك أن العمال في البلدان الإسلامية سيشعرون بتحفز أكثر للعمل حينما يدركون أهمية التعاون مع المؤسسات التي يعملون فيها من أجل النجاح المشترك لإنجاز عمل ما، فعندما يتم إزالة كل العراقيل التي يمكن أن تعترض شعور العمال بالمسؤولية تجاه نجاح أو فشل أهداف مؤسساتهم، فإن ذلك سيمكٌن من خلق تحفيزا طبيعيا للعمل المشترك.

ب‌- الاقتناع: ويعني ذلك أن العمال في البلدان الإسلامية عندما يدركون ويقتنعون بأن ما يقومون به من عمل يشكل إضافة نوعية إلى عمل مؤسساتهم سيتحفزون للاستمرار بنفس الوتيرة والعزيمة، لأنهم يشعرون بالرغبة والاعتزاز بعملهم؛ الأمر الذي يقود في النهاية إلى زيادة الفعالية في العمل.

ت‌- الاختيار: سيشعر العمال في البلدان الإسلامية بالتحفيز أكثر للعمل عندما تعطيهم إدارة  المؤسسات التي يعملون فيها الصلاحية لاتخاذ القرارات أثناء العمل، أي انتهاج أسلوب التسيير بالمشاركة.

إذا يجب على المؤسسات في البلدان الإٌسلامية أن تركز على العوامل التي تؤثر على حماس العمال أثناء العمل، خاصة العوامل الكامنة في داخل كل واحد منهم.

 

4-               تحليل طرق التأثير على تحفيز العمال في البلدان الإسلامية.

توجد ثلاثة طرق يمكن لمسيري المؤسسات في البلدان الإسلامية اعتمادها للتأثير على تحفيز العمال، مع التذكير بأنه مثلما لهذه الطرق من نتائج إيجابية، فإنها لا تخلو أيضا من النتائج السلبية، وهذه الطرق هي[18]:-

أ‌-     التحفيز عن طريق الخوف: تستعمل هذه الطريقة غالبا في حالات الركود الاقتصادي،  وعندما يكون عدد العمال الأكفاء أكثر بكثير من فرص العمل المتوفرة، فعلى سبيل المثال عندما  تكون فرص العمل في مؤسسات البلدان الإسلامية مهددة بالخطر يبذل معظم العمال جهودا استثنائية لزيادة الإنتاج، والالتزام الصارم بالحضور مبكرا، أو حتى البقاء بعد انتهاء أوقات العمل. ويجدر التذكير هنا، بأن العمال المتحفزون في هذه الحالة- من جراء الخوف على مصالحهم - لا يقومون بانجازات مبدعة، وإنما يحاولون الاحتفاظ بوظائفهم فقط ؛ هذه الطريقة هي في الواقع طريقة آنية( ظرفية) ورغم أنها تسهم كثيرا في زيادة معدلات الإنتاج إلا أنها لا يمكن أن تستمر طويلا، وسرعان ما ينتهي تأثيرها بانتهاء الظرف الذي أوجدها وفرضها؛ أما إذا رغب مسيرو المؤسسات في الاستمرار بتحفيز العمال عن طريق الخوف فإن ذلك سيولد الحقد والصراع، كما قد يؤدي لاحقا إلى النفور من العمل بسبب فك أواصر التعاون والتواصل بين العمال من جهة والإدارة من جهة أخرى، وقد يؤدي هذا الوضع في أسوأ الحالات إلى انتهاج العمال أسلوب التخريب والإضرار بالمؤسسة.

ب‌-                        التحفيز عن طريق الحوافز : يتم تفعيل هذه الطريقة عندما يعلن مسيرو المؤسسات عن مجموعة من الجوائز والمكافآت ويضعونها في متناول العمال لشحن هممهم وبهذا يحفزونهم للعمل ويحثونهم عليه عن طريق التنافس لنيل هذه الجوائز، ولكن السؤال المطروح في هذه الحالة هو ماذا بعد الحصول على هذه المكافآت من طرف العمال، وإلى أين سيقود ذلك؟ وعليه فإن الخطر الكامن في هذه الطريقة هو أن العمال سيستمرون في توقع المكافآت كلما أنجزوا عملا في مؤسستهم، وبذلك ستكون مهمة المسيرين هي التفكير في استحداث مكافآت جديدة لحث العاملين على إنجاز ما يوكل إليهم من عمل، وعندما تعجز المؤسسة عن توفير هذه الحوافز فلن ينجز العمال إلا الحد الأدنى من العمل.

ث‌-                        التحفيز عن طريق فرص التطور الذاتي : إذا أرادت المؤسسات في البلدان الإسلامية أن تفٌعل هذه الطريقة في تحفيز عمالها ينبغي عليها أن تفكر منذ البداية بالكيفية التي تمكنها من تغيير أسلوب تفكير عمالها ووجهات نظرهم تجاه العمل،  أي يجب عليها بتعبير أخر أن تخلق لديهم القدرة على تفهم الغاية الحقيقية من تفضيلهم واختيارهم العمل في هذه المؤسسة دون سواها، وهذه الغاية تتمثل في سعيهم نحو بناء مستقبلهم وترسيخ كيان لهم، الأمر الذي يقود في النهاية إلى اقتناعهم بأن نمو وازدهار مؤسستهم سيؤدي بالضرورة إلى نتائج تؤثر إيجابا على نموهم وازدهارهم، ومن ثم سيبذلون جهودا مضاعفة لأجل تحقيق تلك الغاية.

إذا يمكن القول مما سبق أن تفعيل العلاقات الإنسانية في مؤسسات البلدان الإسلامية يعد بمثابة العامل الأساس لضمان أفضل أداء، لأن المؤسسات لا تستطيع أن تتعامل مع عمالها كما لو أنها تتعامل مع أصولها وعناصرها المادية، ومن ثم فإن طبيعة العلاقات التي تبنيها مع عمالها هي التي تِؤثر على ما يحفزهم للعمل.

 

خلاصة :  بعد تحليل المفاهيم الأساسية المكونة لموضوع الموارد البشرية، وكذا تحليل عنصري التدريب والتحفيز وأثرهما على تنمية الموارد البشرية في البلدان الإسلامية، يمكننا إدراج النقاط التالية لخاتمة لموضوع هذه الدراسة، وهي:-

1- تغيرت النظرة للموارد البشرية، حيث أصبح ينظر إليها على أنها العامل الرئيس في تنافسية المؤسسات، الأمر الذي حتم على المسيرين إدارتها من منظور إستراتيجي.

2- الوصول إلى تحقيق هدف التنمية الشاملة للبلدان الإسلامية يحتم مؤسساتها الاقتصادية تبني إستراتيجيات لتنمية مواردها البشرية؛ ومن ثم تحسين أدائها.

3- يعتبر التدريب والتحفيز أحد أهم الأساليب لتنمية الموارد البشرية في البلدان الإسلامية، لأنهما يِؤديان إلى تنمية مشاعر الولاء والانتماء والالتزام.

4- لتمكين الموارد البشرية في مؤسسات البلدان الإسلامية من أداء دورها في مجال التنمية الشاملة يجب تدريبها عن طريق تصميم البرامج التدريبية وتنفيذها، وتحفيزها بما يتلاءم مع أدائها.

5- توجد علاقة متينة بين تنمية الموارد البشرية وأداء المؤسسة، وتتمثل هذه العلاقة في أن تنمية الموارد البشرية تعتبر عنصر مؤثر في الأداء.

6- يتحفز العمال في مؤسسات البلدان الإسلامية لأداء ما يعتقدونه الأكثر ارتباطا بمصالحهم، ومن ثم لا تستطيع هذه المؤسسات أن تحفز عمالها، وإنما تستطيع فقط أن تؤثر على ما يحفزهم للعمل.

7- التحفيز الخارجي ما هو إلا مجموعة عوامل خارجية تؤثر على التحفيز الداخلي( الذاتي) للعمال.

8- يمكن للعمال في مؤسسات البلدان الإسلامية أن يتحفزوا للعمل عندما يدركون أهمية التعاون مع مؤسساتهم، أو عندما يضيفون قيما جديدة، أو عندما يشاركون في عملية اتخاذ القرارات.

 

- المراجع والإحالات المعتمدة :

 

[1]- برنامج الأممالمتحدة، تقرير التنمية البشرية، 1990.

[2]- قدي عبد المجيد، إشكالية تنمية الموارد البشرية في ظل العولمة، مداخلة في الملتقى الدولي حول التنمية البشرية، جامعة ورقلة، الجزائر: 2004، ص02.

[3]- حمداوي وسيلة ، إدارة الموارد البشرية، مديرية النشر لجامعة قالمة 2004، ص25.

[4]- عبد الباقي صلاح و حنفي عبد الغفار ، إدارة الأفراد والعلاقات الإنسانية، المكتب العربي الحديث، الإسكندرية، بدون سنة نشر، ص04.

[5]- قديد فوزية، المورد البشري وتحسين أداء المؤسسة، دراسة تطبيقية لبنك الفلاحة والتنمية الريفية، مذكرة ماجستير( غير منشورة) في علوم التسيير، تخصص: إدارة الأعمال، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير- جامعة الجزائر، الجزائر: 2006، ص74.

[6]- لمزيد من التفصيل أنظر/ مرسي جمال الدين محمد ، الإدارة الإستراتيجية للموارد البشرية، الدار الجامعية، الإسكندرية، 2003، ص18.

[7]- سملالي يحضيه، أثر التسيير الإستراتيجي للموارد البشرية وتنمية الكفاءات على الميزة التنافسية للمؤسسة الاقتصادية، أطروحة دكتوراه دولة (غير منشورة) في العلوم الاقتصادية، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير- جامعة الجزائر، الجزائر: 2004، ص83.

[8]- السلمي علي، إدارة الموارد البشرية الإستراتيجية، دار غريب، القاهرة، 2002، ص45.

[9]- ECOSIP , Dialogue autour de la performance en entreprise, éditions Harmattan, paris :1999, p.18

[10]- الحسيني فلاح حسن عداي، الإدارة الإستراتيجية، دار وائل للنشر، عمان، 2000، ص231.

[11]- الشرقاوي علي، إدارة النشاط الإنتاجي في المشروعات الصناعية، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بدون سنة نشر، ص353.

[12]-  SEKIOU Lakhdar, Gestion du personnel, les éditions d’organisation, paris : 1986, p.153.

[13] - VATIER Raymond, Développement de l’entreprise et promotion des hommes, entreprise moderne d’édition, paris : 1984, p.203.

[14]- بروس آن وبيبتوني جيمس ، فن تحفيز العاملين، تر: زكي مجيد حسن، بيت الأفكار الدولية، عمان، 1999، ص 15.

[15]- الطيب محمد رفيق، مدخل للتسيير: أساسيات ووظائف وتقنيات، الجزء الثاني، ديوان المطبوعات الجامعية، 1995، ص10.

[16]- بروس آن وبيبتوني جيمس، مرجع سابق، ص18.

[17]- نفس المرجع، ص ص19-21.

[18]- المرجع السابق، ص ص25-28.