بواكير الفكر السياسي عند المنبثقات الشيعية:pdf

من الاصطفاف العلوي إلى نشأة المجموعات الغالية القسمI

د. محمد الناصر صدّيقي

                                                     جـامعة تـونس 

الملخص:

يعد اجتماع " السقيفة" أول اجتماع سياسي في الإسلام بعيد وفاة النبي محمد  وقد خرج فرقاء سقيفة "بني ساعدة" بالمدينة بأراء متباينة وان كان هناك شبه إجماع أنصاري على تولي أبي بكر الصديق منصب خليفة النبي, بينما كان أفراد من عائلة النبي وعلى رأسهم ابن عمه وزوج ابنته فاطمة علي بن أبي طالب يجهزون النبي للدفن ونتج نوع من الانقسام السياسي ساهمت الأيام في تبلوره وتفاقم الأمر بعد حادثة مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان سنة 35ه/ 656 م وما أنتجه من صدع كبير في الصف الإسلامي  وما أفرزته من حرب أهلية بين خطين هامين في الإسلام , الأول كان على رأسه علي بن ابي طالب بما يحظى به من قرب من النبي وشرعية وارث عقائدي وسابقة في الإسلام , والثاني على رأسه والي الشام "معاوية بن أبي سفيان "الذي جعل من قميص عثمان والثأرات لدمه  أساس لمشروعه السياسي لمواجهة علي وكأننا نعود بهذه الفتنة إلى الصراع الهاشمي الأموي القديم* وما نتج عنه من اغتيال للخليفة الرابع علي بن أبي طالب سنة 40ه/661م إلى نشأة المجموعات الخوارجية أو حزب العثمانية الموالي للأمويين, وما انبثق عن الإجماع الشيعي السياسي من فرق خلطت بينما هو عقائدي وسياسي نجحت فيه نوع ما في اكتساب موطىء قدم في المجال العراقي الجنوبي ,موطن الملل والنحل عبر التاريخ والتي كان لها حسها الوجودي وتأثيرها الواضح في منشأ التفكير المذهبي في الاسلام الأول وما أنتجه من أراء سياسية عقدية مزجت فيها ماهو  " اسلامي مبكر" بما هو" محلي" و"وافد",وكان لها بذالك مألوفها الفكري المميز عن كل الآراء المتعارفة عند الاشاعرة والشيعة الأمامية.

Abstract

La réunion de Sakifat beni Saida  qui a eu lieu juste après le décès du Prophète Mohamed, est considérée comme la première conférence politique dans l’histoire de l’Islam. Les participants à cette conférence, malgré leurs divergences en sont sortis avec, un accord presque unanime pour la désignation d’Abou Bakr Asseddik come premier Khalife ; cette réunion qui a eu lieu à Médine en présence d’une majorité d’ Ansari en l’absence d’un nombre important des membres de la famille du Prophète et principalement de Ali Ibn Abi Taleb, cousin et gendre du prophète qui était en train d’organiser les funérailles de ce dernier. De là est né une sorte de division politique que le temps n’a fait que cristalliser pour aboutir à une aggravation des symboles après l’assassinat du troisième calife Uthman Ibn Affen en l’an 35 AH/ 656  et ce qui a provoqué une faille majeure parmi les  musulmans et une guerre civile opposant deux lignes importantes en Islam : d’un côté Ali Ibn Abi Taleb, bénéficiant du lien intime qu’il avait  avec le Prophète et de la ligitimité de l’héritage idéologique, de l’autre côté le gouverneur de Chem, Muawiya ibn abi Sofyen qui a fait  de l’affaire de la chemise de Othmen et de l’appel à la vengeance la base de son projet politique pour confronter Ali. Ce

vieux conflit entre les Beni Hachim et Beni Umayya a engendré la Fetna et l’assassinat du quatrième calife Ali en l’an 40CA/661. D’où l’émergence d’un côté de groupes de Khaouerej ou partis pro-Uthman et les Omeyyades et de l’autre du consensus politique chiite qui a donné naissance à plusieurs partis confondant convictions religieuses et politiques  et s’installant dans la région sud de l’Irak, lieu de toutes les minorités  dans l’histoire. Cette scission a eu ses conséquences au sens existentiel et une influence claire sur la naissance de la pensée islamique et la création des idées politico-religieuses qui sont tantôt « islamistes au début » tantôt « local » ou « importé ». Ceci a eu une influence intellectuelle certaine sur les pensées célèbres des Achairira et des premiers Chiites.

المقدمة:

ذكر أبو الفتح الشهرستاني في مصنّفه الملل والنحل عن الخلاف في الإمامة "وأعظم خلاف بين الأمة الخلاف عن الإمامة إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة بينة مثل ما سُل على الإمامة في كل زمان"1 بهذه المقدمة ستكون لنا وقفات حفرية على بواكير الفكر السياسي عند العرب منذ الاصطفاف الأول بدار فاطمة بُعيد تولي أبو بكر الصديق مقاليد الخلافة، ونشأة الجماعات بُعيد مقتل الخليفة عثمان بن عفان سنة 35 هـ واغتيال علي بن أبي طالب إلى انبثاق التيارات السياسية الكبرى في الإسلام وذاك الحَراك والجدل في الإمامة والسياسة، وبتلك المنبثقات الإسلامية في آرائها الخارجة عن المألوف الفكري والعقدي والاجتماعي وحتى السياسي إلى تأسيس منظومتها الحاكمة، وكانت أرض السواد مهدها الأول ومن هذه البُقعة كانت ولادة كل الثورات السياسية وخروج أغلب المقالات الإسلامية الغالية والموالية وطبعا كانت للمعارضة السياسية مفاهيمها التي مزجت فيها بين ما هو عقدي بتواشيح مهدوية إنقاذية وما عبر عنه بذلك الانفتاح التصالحي مع معتقدات الأسلاف. وهذا ما يدفعنا لمزيد الحفر والإبحار في آراء الأجداد السياسة.

I- إطلالة حفرية: نشأة الفكر السياسي في الإسلام المبكر:

قد تكون لنا في هذه الإطلالة نُبذ قرائية حول ما هو فلسفي سياسي في التاريخ الإسلامي، فقد عمل كل فريق في تدعيم آرائه ومرجعيته. منذ أسلمة الشعوب والمجتمعات التي انتشر فيها العرب المسلمون وأصبحت جزءا من دار الإسلام مع محافظة الأقليات الدينية على معتقداتها كاليهود والنصارى والمجوس والهندوس وغيرهم.

فالسياسة باعتبارها مجرد أحداث ووقائع تشترط علاقة معينة بين جميع أفرادها، يتحوّلون بموجبها إلى قوى توظف كل نشاط إلى تكريس هذه العلاقة، وإدامتها. فتخلق مجموعة ناشطة ومؤثرة. وأخرى موالية وهو ما يسمى بالملل والنحل. وفي مرحلة ثانية تتحول هذه الملل والنحل إلى شكل من أشكال المعارضة السياسية في الإسلام نتيجة ما انبثق عنها من أحداث ومواقف. وهذا يعتبر من السياسة والعمل السياسي. ولا يكتفي الفكر السياسي في المقابل بالحدث المجرّد ولا بالفكرة المنطقية وليس مجرد عقل على حد تسمية بعض المفكرين2، وإنما هو روح كلّية3، لأن وظيفته إنتاج المعرفة وممارسة السلطة معا4.

 فهو أوسع وأكبر من مجرّد التمذهب إذ تتجاوز السياسة مفهوم العمل السياسي، وتتجاوز مفهوم النجاح، أو الفشل السياسيين، لأن هذين المفهومين ينبنيان على الفكر السياسي نفسه الذي يُصبح بمثابة إبستيمية تلفّ كل شيء وتصنع كل شيء وتخضع إليها كل شيء.5

 بعد هذا التّمييز بين السياسة والفكر السياسي، وبين العقل السياسي وبين الفكر السياسي والتمذهب السياسي، فإن لا بد أن نتعمق في مميزات الفكر السياسي. فهو فكر يتميز عن أيّ تأملات سياسيّة مُتعلقة بالنظر في أسس الحكم والشرعيّة، وظهور الدّول، وأعراض نموّها، أو انقراضها، وهل بالإمكان القضاء على هذا الانقراض أو لا؟ وغيره مما يسمّى بفروع التفكير السياسي لأنّ المقصود بالفكر السياسي والرّوح السياسيّ هو نفسه ما حدث في الجمعيات العربية الإسلامية. وما حدث في المجتمع العربي الإسلامي منذ الفتنة الكبري سنة 35هـ إلى عام الجماعة سنة 41هـ. يعد سابقة وقد ظهرت مجموعات تسلّحت بما هو روحي للتصدي لذلك الخليفة "غير الشرعي" حسب وجهة نظرها.

أ- التشكلات المبكّرة للتشيّع السياسي في الإسلام:

من الضروريّ أن تكون لنا إطلالة حفرية على المجموعات الإسلامية المبكرة وهي في حقيقة الأمر ذات طابع سياسي، وفهم الخاص لما هو عقدي ممزوج بما هو سياسي والعكس صحيح ولكل مجموعة من هذه المجموعات تأويلها الخاص للنص الديني.

 ونبدأ بأهم الفرق في الإسلام المبكر وأكثرها تأثيرا وإثارة للّغط والجدل وهي الشيعة،  ويطلق لفظ الشيعة "لغة على الإتباع والمقربين" ويطلق في العرف العقديّ عند أصحاب الملل والنحل والفقهاء وعلماء الكلام من الأوائل والأواخر على كل الذين انخرطوا في الخطّ السياسي لعليّ وبنيه6 وتعدّدت المقالات في أصل التشيع ومراحله ومقوّماته وتفرّعاته وكان الموضوع الرئيس لقرون عدة في أدبيات الفرق وعلم الكلام وكل هذا السيل العارم من الحبر يعود إلى أنّ الشيعة أكبر الفرق الإسلامية معارضة للخلافات القائمة وأخذت معارضتها طابعا دينيا أكثر منه سياسيّا، وتعود البواكير الأولى للتشيع لعليّ بن أبي طالب ابن عمّ النبيّ محمّد وختنه إلى يوم وفاة الرسول وإلى ما نتج عن اجتماع سقيفة بني ساعدة من ترشيح أبي بكر الصدّيق أوّل خليفة وحاكم للمسلمين بعد النبي مما حدا  بأحد أبرز رجالات السقيفة من الشق المهاجري وأعني به عمر بن الخطاب إلى التعبير عن بيعة أبي بكر الصديق بقوله: "كانت بيعة أبي بكر فلتة غير أن الله وقى شرها"7.

 كانت بعض الأصوات الأنصارية تفضّل شخصية علي بن أبي طالب خليفة للنبي8 إذ أننا نجد في أدبيات الحديث النبوي إشارات عدّة تنص صراحة على أن يكون الإمام (الأئمة) من قريش9 وقد اعتبر الماوردي (تـ 450هـ) هذا الحديث مرجعا سنديّا لتأكيد شرعية الخليفة ووضعه في المرتبة السابعة ضمن شروط الخلافة10. والظاهر أن الماوردي يشرّع لذلك بصحّة خلافة أبناء عمّ النبيّ من ذريّة العبّاس بن عبد المطلب.

 إذن كانت بواكير التشيّع لعلي بُعيد تجهيز النبيّ ودفنه في ذلك الرهط المعتصم ببيت فاطمة وكان جميعهم لا يشكون في أنّ عليّا هو الأجدر بالخلافة. وكان لسانهم الناطق هو الفضل بن العبّاس الذي خاطب المجموعة التي أرسلها الخليفة أبو بكر لأخذ بيعتهم بقوله: "يا معشر قريش إنه ما حقّت لكم الخلافة بالتمويه ونحن أهلها دونكم وصاحبنا أولى بها منكم".11 وتعد بواكير التشيّع الإسلامي لعلي بن أبي طالب تلك النواة الأولى للمعتصمين بدار فاطمة وأفضت لولادة أوّل تشكّل لتكتل سياسيّ في الإسلام هو "حزب" عليّ وشيعته الرافضين لكل تجاوزات السقيفة سواء في محدودية "الشوروية" أو غياب أفراد البيت النبوي أو إقصاء الجانب الأنصاري من العمل السياسيّ واعتبار قريش هي الوريث الشرعيّ والوحيد لخلافة النبي محمد، فالتشيع بمعناه العام ولد بين صفوف الصّحابة في المدينة12 وهذه المجموعة من الصحابة التي جاهرت بمواقفها تعد الجيل الإسلامي التأسيسي وقسم منها له حبّ وهوًى لشخص عليّ بن أبي طالب13 وقد لقّب هؤلاء الصحابة بشيعة علي ومن يرون برأيه، إن أول اسم لمذهب له نفس سياسيّ ظهر في الإسلام هو "الشيعة" وكان هذا لقب أربعة من الصّحابة هم سلمان الفارسيّ وأبو ذرّ الغفاري والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر، كان يُقال لهم شيعة عليّ وأصحابه14 إذن فالشيعة مذهب استمد شرعيته من الحراك السياسي الذي حدث منذ الساعات الأولى التي تلت وفاة النبي محمد بحججها السياسة التي أرتآها الصحابة المجتمعين بدار فاطمة وتطوّرت لاحقا إلى تكتل معارض قويّ له طروحاته الفكرية والسياسية مُطالبا بإعادة النظر في أمور حكم الأمّة واعتبار ما جرى في السقيفة وما نتج عنه من تطورات لاحقة تجاوزا في كل حكومات الخلافة الإسلامية15، وهذا ما يحفزنا للقول بأن أولى التشكيلات المبكّرة في الإسلام تعود إلى تلك الاصطفافات التي أفرزتها حادثة السقيفة وهذا ما نراه عند جَناحي الشيعة الإثني عشرية والإسماعيلي السبعي تقول بأن التشيّع حراكا عقديا سياسيا يرجع إلى ما بُعيد السقيفة إلى تلك الجماعة التي تخلّفت عن بيعة أبي بكر صاحب الغار مع النبي محمد رفيق الدرب والهجرة ولهذه الجماعة مرجعيتها وسابقيتها وأفرادها من الإسلام التأسيسي وليسوا بحديثي العهد أسلمة.16

 وتذهب هذه الفئة أو النواة الأولى للتشكل الشيعي السياسي في اعتقادها أن عليّا أكثر كفاءة وجدارة من جميع مرشحي السقيفة لخلافة النبي.17

 وقد كان لعامل الزمن دور في تكوّن تلك الجماعة من الصحابة المجتمعين بدار فاطمة وهو يرون أن عليّا أحق بميراث النبي السياسي وهم من أُطلق عليهم "الشيعة" كما نجد ذكرا في بعض المصادر لتسمية الشيعة بالإشارة إلى شيعة علي وأصحاب علي18 ليُعمّم بعد ذلك هذا اللقب ويلزم كل من قال بتفضيل عليّ بن أبي طالب على الشيخين (أبي بكر وعمر بن الخطاب) وبقية الصحابة19 وبالتالي اعتبر أيّ خروج معارض لعلي كان سببه تطورات سقيفة بني ساعدة.

وعندما حدثت تحولات كبرى في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان وبروز جماعات من "الطُلقاء" ولاة وشخصيات نافذة آنذاك وجدنا تكتلا كبيرا من مسلمي دار الخلافة (المدينة) والأمصار حول شخص "عليّ" باعتباره الممثل الأوحد في عصره لذلك الحس الوجداني الإسلامي والأقرب في أخلاقياته ومثله القيميّة للعهد النبويّ إضافة إلى نزاهته المادية والأخلاقية.

 وهذا ما جعل شخصية عليّ بن أبي طالب مميزة عند الجمهور الإسلامي منذ فجر الدعوة إلى بناء الدولة وبقية الأحداث الكبرى في تاريخ الإسلام السياسي كالسقيفة وحروب الردة ومشاكل هذه الحرب الأهلية حول مركزية الدولة وما تلاها من حركات فتح وانتشار إسلامي خارج شبه الجزيرة العربية وبالتالي سوف تستفيد الحركة الشيعية من الخزّان "الجماهيري" العريض في هذه الأمصار لتوسيع قاعدتها وكذلك الاستفادة من التراث الثقافي لشعوب هذه المناطق في حجاجها السياسي، وهذا ما سيجعل من تلك الأمصار مركزا دعويّا تأطيريا في مراحل لاحقة لكل الدعوات ذات النفس الشيعيّ للخلاص في التاريخ الإسلامي الوسيط.

ب- الاتجاهات السياسية والمعارضات للسلطة الخلائفيّة:

كانت الأطراف الموالية لعليّ والمندمجة معه في مساره السياسي تراقب الأوضاع والتطورات في المدينة أيام الخليفة الثالث عثمان بن عفان إلا أن المعارضات داخل الأمصار بدأت تبرز ضدّ سياسة ولاة عثمان من الأمويين وخاصة في الكوفة والبصرة. حيث تعالت أصوات هذه المعارضات ونتج عنها انطلاق شرارة الفتنة الكبرى في الإسلام وما ولّدته من أحداث جسام، كان أوّلها مقتل عثمان وآخرها اغتيال علي بن أبي طالب.

1-ظهور التيار الخوارجي:

تشكل منذ ذلك الحين تيار إسلامي آخر خرج عن صفوف شيعة عليّ وقد عُرف اصطلاحا بالخوارج وأطلقت عليهم عديد التسميات حسب الأحداث والمواقع كـ: "المحكمة"20 و"الحرورية"21، و"أهل النهروان"22 وبالتالي لا يمكننا أبدا تبني آراء معارضيهم في تكفيرهم والتشنيع عليهم لأن أصل الخلاف بينهم وبين علي بن أبي طالب سياسي بحت، لذلك أوردنا التسميات الأولى التي أطلقت عليهم. ولم يكن مروقهم أو خروجهم عن ربقة الإسلام إنما لرأيهم المخالف لرأي علي وأتباعه فاعتزلوا صفوفه ونزلوا بحروراء في أوّل أمرهم، وسموا بالشراة لقولهم شرينا أنفسنا في طاعة الله أي شراة الجنة23 وأطلق عليهم أعدائهم مارقة وتحجّجوا بالنصوص النبوية24، لكن (الخوارج) رفضوا هذا اللقب، ودحضوه بشكل عملي بما عُرف عنهم من العبادة والتقوى حتى عُرفوا بذلك.

 ولكن اللقب الذي شاع لدى المؤرخين وأصحاب الملل والنحل وأدبيات العقائد هو "الخوارج" وقد تمسك به الخوارج وأعداؤهم على حدّ سواء، ولكل منهما هدفه وغايته من ذلك. فقد استخدم الأعداء هذا اللقب للتشهير بهم بينما رأي "الخوارج" في هذه التسمية معنى يتوافق مع عقيدتهم وأفكارهم وشبّهوا خروجهم بهجرة الرسول من مكة إلى يثرب25

2-الموالاة: حزب العثمانية:

خرج من خضم هذه الأحداث الدامية التي عرفتها دولة الخلافة الراشدة في الخمس سنوات الأخيرة (من 35 إلى 40هـ) حزب من الموالاة للسلطة عُرف "بالعثمانية" وهم أنصار عثمان بن عفان، والمتصدّين لكل الأطراف السياسية الطاعنة فيه وفي سياساته من الشيعة وغيرهم، وكان حزب العثمانية من أشد الأطراف السياسية مخالفة لعلي بن أبي طالب، وكان الشيعة أشد الناس لهم عداوة26 باعتبارهم قد طعنوا في سياسة عثمان والخلفاء السابقين. ومرد الخلاف بين الطرفين هو موضوع الإمامة في تجلياتها الدينية السياسية27 وتطور الخلافة بعد اغتيال الدولة الراشدة وتحوّل سدة القيادة إلى الجيل الثاني من المسلمين من غير المهاجرين والأنصار وبقاء السلطة بيد قريش فقد اتجهت دولة معاوية بن أبي سفيان اتجاها انقلابيا تطورت معه الخلافة إلى مُلك28 أو من "الثيوقراطية" الدينية إلى "الأتوقراطية" السياسيّة حسب التعبير الإغريقي، وتعدّت هذه التغييرات الجذرية، مضمون السلطة إلى مظاهرها، التي اقتبست نظامها من المُلك البيزنطي والفرس بوجه خاص29 واستولى معاوية من ناحية أخرى على الخلافة في ظل أجواء غير طبيعية30، لم تصل إليه السلطة عبر "الشورى" أو الجماعة أو "الانتخاب" بل جاءته بقوة السيف والخديعة السياسية والتآمر في أعقاب حرب أهليّة أفرزت اتجاهات سياسية موالية للسلطة ومعارضة لها. والأنظمة التي تؤسس بقوة السلاح، تبقى مستندة إلى قوته لحفظ وجودها واستقرارها، أو كانت عرضة للانهيار والتهاوي.

 وكان هذا السيف المسلّط في وجه كل الحركات المناوئة والمعارضة لنظام الحكم سببا في تأجّج الصراعات واشتداد حركات المعارضة الخوارجية أو الشيعيّة التي تحوّلت إلى النشاط السياسي المعارض بقوة بعد مجزرة كربلاء في العاشر من محرم لسنة 61هـ. وأودت بحياة الحسين بن علي بن أبي طالب حفيد النبي محمد، وقد اهتزت لها ضمائر المسلمين وأفئدتهم واهتزت أركان النظام الأموي ومعه الخليفة يزيد بن معاوية نفسه الذي حاول التنصّل من هذه الفاجعة الكبرى وإلصاقها بواليه على العراق ابن زياد31 كانت حركة الحسين بن علي، أول انتفاضة ذات مرجعية شيعيّة ضد السلطة الخلائفية في ثوبها الأموي الاستبدادي وذلك لاستئثارها بالخلافة وتحويلها إلى مُلك وراثي32 متجاهلة الأكثرية المغلوبة على أمرها مكرهة أيّاها على تقبل هذا الواقع السياسي بالبطش والقمع المسلطين على الرقاب وجور الولاة.

3-  فاجعة كربلاء وولادة التيارات السياسية الغالية:  

يعد الحسين الممثل الطبيعي للاتجاه الإسلامي الإصلاحي، كان صوت جمهور المسلمين المفجوع بأمانيه ومكانته التي كانت له أيام النبي وإبان خلافة عمر بن الخطاب، وحاولت استرجاعها في خلافة عليّ، تلك التي التزمت نهجه وخطه الفكري في أجواء القهر والبطش.

لقد شحنت ثورة الحسين الفكر السياسي في الإسلام بنفس جديد من التحدي والتضحية والاستشهاد من اجل المبدأ، فكانت حدثا جللا في التاريخ العربي الإسلامي مازال صدى فرقعة سيوفه إلى زمننا الحاضر يتجدد في كل عاشوراء.

وما قبل عاشوراء يجبّ ما بعدها حيث تطوّر المشهد السياسي والعقدي في العراق بشكل مذهل انعكس على الحركة الشيعية بجميع روافدها التي اشتدت عليها وطأة الملاحقة، وأثقلتها عقدة الذنب والخذلان لحفيد النبي مما افرز حركة "التوابين" بقيادة سليمان بن صُرد الخُزاعي33 وحركة المختار الثقفي التي تعدّ أوّل ثورة شيعية ناجحة تمكنت من الوصول إلى السلطة والثأر من قتلة الحسين وأصحابه عند نهر الخازر34 فبلغ بذلك المختار قمّة مجده السياسي، في أعقاب أول هزيمة للأمويين ومقتل أحد أكبر وأبرز المسؤولين عن فاجعة كربلاء، مما كان له صداه العميق في قواعد الحركة الشيعية وقياداتها في الكوفة والحجاز35 وتعدّ حركة المختار الثقفي أوّل حركة شيعية مسلحة في وجه الأمويين من أجل استلام الحكم. وقد واتته اللحظة التاريخية لقيادة هذه الحركة السياسية، مسجّلا بذلك سابقة فريدة، ولعل من أبرز ثغرات هذه الحركة أنّ القاعدة الشيعية في العراق وقاداتها يرفضون أية زعامة غير علوية.

 فقد شكلت هذه المسالة إحدى أهم الثوابت المتلازمة مع التحرك السياسي والثوري إلى ما بعد سقوط الدولة الأموية، فكانت الزعامة معقودة بلا أدني جدل للبيت العلوي ولا تصح إلا لمن دماؤه بنويّة ولعل هذه النظرية قد انبثقت عن المفهوم العام للسلطة عند كل المجموعات الشيعية، كما تبلور في وقت لاحق. جاعلا من الإمام الخليفة - الظل - المؤهل على الدوام لاستلام الحكم، والجامع بين دوره الديني ومهامه السياسية الدنيوية.

 وعن حركة المختار في الكوفة انبثقت مجموعات شيعية ذات ألوان عقدية متنوعة منفتحة على معتقدات الأجداد والتراث الشرقي القديم، وكانت الكوفة وسوادها مجالا خصبا لكل هذه الحركات ذات الهوس العلوي في أثواب متعددة، وكان للأعاجم من الموالي دور بارز في قوة هذه الحركة قبل القضاء عليها نهائيا على أيدي الزبيريين في العراق36 ومنها بدأنا نسمع بحركات شيعيّة ذات توجهات مختلفة فبرزت الكيسانية وهم شيعة امتدا لحركة المختار37 وظهرت المختارية والخشبية وكلاهما من نفس المنبع العقدي.38

وإن شكلت المختارية نقلة نوعية ومروقا عن الخط الشيعي التقليدي إلا أنها نجحت في استقطاب الموالي وتحولهم إلى الخط الشيعي السياسي والولائي لآل البيت النبوي ويعد ذلك توسعة في قاعدة الإسلام الاجتماعية وفي حراكها الثقافي والفكري والمذهبي، مما أضاف آليات جديدة للتفكير وأثرى المنسوج المعرفي للفرق الكلامية،39 كما لا يفوتنا أن ننوه بأن الموالي هم من سيكُونون رواد الحراك السياسي والمذهبي في مراحل قادمة من تاريخ الخط الشيعي الأرثوذوكسي أو المارق الذي انبثق منه الغلاة الناقمون وانشطروا إلى مجامع لها مناهج ونظم فكرية، إضافة إلى تلك الأرضية الثمينة التي تمدّ حركات المعارضة بالأنصار والموالين.

الخاتمة:

انطلاقا من ذلك الحراك السياسي في أرض السواد العراقي انبثقت مجموعات تعددت قياداتها ونشطت في صفوف الموالي الذين تبنوا المظالم التي لحقت بآل البيت النبوي سواء في غدر أهل الكوفة بهم أو ما لحقهم من السلطة الأموية بفرعيها السفياني والمرواني.

ومن الأكيد أن الحراك السياسي في القرن الأول الهجري وما رافقه من نشاط حربي لم يحقق أي نجاح بالرغم من أن السواعد العراقية هي التي خططت له وهذا ما سوف يدفع إلى خروج عن المألوف الفكري والسياسي لرسم مشهد جماعاتي جديد في الفلسفة العقدية والسياسية في الإسلام الذي نجح في استقطاب "مؤمنين" بدعوته وتأسيس مقر لها وفرض مشروعه للحكم مخالفا عن الحاكمية المجاورة له سواء كانت عباسية أشعرية أو فاطمية/"عبيدية" ذات الخط الشيعي الإسماعيلي (للبحث صلة).

التهميش:

[1]- تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت/لبنان، (د.ت) مI، ص24.

2- الجابري (محمد عابد)، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 1990، ص 6.

3  Hegel (GWF) la phénoménologie de l’esprit, traduit par Hyppolit (J),  ed Montaigne/paris 1977 T II . PP 293- 313.

4- الكبسي (د.محمد علي)، نشأة الفكر السياسي عند العرب، حفريات في مسلّمات الفكر العربي، دار الفكر، دمشق ، سورية، 2005، ص16-ص17.

5- الكبسي، المرجع نفسه، ص17.

6- ابن خلدون (عبد الرحمان)، المقدمة، طبعة دار الشعب، القاهرة/مصر (د.ت)، ص175

7- ابن الجوزي، مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، دارسة وشرح وتقديم سعيد محمد اللحام، منشورات دار مكتبة الهلال، بيروت/لبنان، 1409هـ/1989م، ص83.

8- الزبير بن بكار، الأخبار الموفقيات، تحقيق د.سامي مكي العاني، عالم الكتب، بيروت/لبنان، 1416هـ /1996م، ص467

9- النجاري (محمد بن إسماعيل)، صحيح البخاري، طبعة الحلبي، القاهرة/ مصر (د.ت)، جII، ص265.

10- الماوردي (أبو الحسن علي بن محمد)، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة/مصر، 1393هـ/1973م، ص6.

- 11  اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، تحقيق عبد الأمير مهنا، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت/لبنان، 1993م/1413هـ، جII، ص8.

-12 الغريفي (السيد عبد الله)، التشيع، نشوءه –مراحله –مقوماته، دار الملاك، بيروت/لبنان الطبعة الخامسة، 1417هـ/1997م، ص25 –ص26؛ DAFTARY (Farhad), A short History of the Ismailis, Edinburgh University Press U.K 1998 PP 23-24.

13- الغريفي، المرجع نفسه، ص35

14- الرازي (الشيخ أبو حاتم أحمد بن حمدان)، كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية العربية، القسم الثالث طُبع في آخر كتاب الغلو والفرق الغالية في الحضارة الإسلامية، حقق هذا القسم، د. عبد الله سلوم السامرائي، دار واسط للنشر، بغداد لندن، ط III، 1988، ص259.

15- صديقي (محمد الناصر)، القرامطة من القرن الثالث إلى القرن الخامس هجري، (أطروحة دكتوراه مرقونة)، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس 1429هـ 2008م، جI، ص155

16- اليعقوبي، المصدر نفسه، جII، ص11.

17- الزبير بن بكار، الأخبار الموفقيات، ص463 –ص464.

18- الرازي (أبو حاتم)، كتاب الزينة، قIII، ص259

19- الرازي (أبو حاتم)، كتاب الزينة، قIII، ص259

20- استمد هذا اللقب في الأساس من حادثة التحكيم، حيث رفع المعارضون لهذا التحكيم شعار "لا حكم إلا لله" وهو من أقدم الألقاب التي أطلقت على الخوارج، إحسان عباس، شعر الخوارج، دار الثقافة، بيروت/ لبنان، 1974، ص10 من المقدمة.

21- ربما كان هذا الإسم من أقدم الأسماء التي عُرف بها الخوارج ويعود إلى معركة "صفين" وانفصال الخوارج عن جيش عليّ ونزولهم بحروراء، فنسبوا إليها وسُموا "الحروريّة" وتشير المصادر إلى أن علي بن أبي طالب هو من سماهم حرورية، إحسان عباس، المرجع نفسه، ص32

22- وهم الذين حملوا عليّا على القبول بالتحكيم وفرضوا عليه تغيير ممثله في التحكيم عبد الله بن عباس وحملوه على بعث أبي موسى الأشعريّ فجرى الأمر على خلاف ما رضي به، فخرج هؤلاء من جماعته عليه وقالوا: "لِمَ حكمت الرجال، لا حكم إلا لله، وهم المارقة الذين اجتمعوا بالنهروان".البخاري، صحيح البخاري، شرح مصطفى ديب البُغا، دمشق 1976، جII، ص863.

23- الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار النهضة المصرية القاهرة/مصر، 1969، جI، ص206.

24- ابن عبد ربّه (أحمد بن محمد)، العقد الفريد، دار الكتاب العربي، بيروت/لبنان، 1965، جI، ص104.

25- معيطة (د. أحمد)، الإسلام الخوارجي: قراءة في الفكر والفن ونصوص مختارة، دار الحوار اللاذقية/ سوريا، 2000م، ص21.

-26الجاحظ، كتاب العثمانية، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت/لبنان، 1411 هـ /1991م، ص5 من المقدمة.

-27الجاحظ، كتاب العثمانية، ص153.

-28السيوطي، تاريخ الخلفاء، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، القاهرة/مصر، 1969، ص199.

29 -بيضون (د. إبراهيم)، تكوّن الاتجاهات السياسية في الإسلام، من دولة عمر إلى دولة عبد الملك، دار اقرأ للنشر والتوزيع، بيروت/لبنان، 1405م/ 1985م، ص146.

30  Sanhoury (A), Le Califat, Paris 1926, T : iv p2.

-31الدينوري، الأخبار الطوال، تحقيق عبد المنعم عامر، القاهرة/مصر 1960، ص261.

32بيضون (إبراهيم)، المرجع نفسه، ص189.

33 الطبري، تاريخ الطبري، تحقيق أبو الفضل إبراهيم، طبعة دار المعارف، القاهرة/مصر 1969، ج5، ص559 وما بعدها.

-34الطبري، تاريخ الطبري، ج 6، ص86 وما بعدها

-35بيضون (إبراهيم)، المرجع نفسه، ص207.

-36الطبري، تاريخ الطبري، ج 6، ص94 –ص116.

-37 الخربوطلي (علي حسن)، تاريخ العراق في ظل الحكم الأموي، دار المعارف، القاهرة/مصر 1959. ص151.

-38عاقل (د.نبيه)، دراسات في تاريخ العصر الأموي، جامعة دمشق، 1992، ص101.

-39 صديقي (محمد الناصر)، القرامطة، (أطروحة دكتورا في التاريخ الوسيط) غير منشورة، جامعة تونس كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، 1429هـ/ 2008م، جI، ص201.