القرار العام بين الإدارة والسياسةpdf:

أي دور للتكنوقراط في عقلنة السياسات العامة ) دراسة مقارنة(

 أ:خالد فريد

  أ:عبد اللطيف الهلالي        

 جامعة القاضي عياض-مراكش( المغرب )

Résumé

 

Dans les démocraties modernes, le technocrate se définit comme un spécialiste maîtrisant une technique et qui se met au service du pouvoir politique pour l’aider dans la conception, la réalisation et le contrôle de ses décisions. La France soigne ses technocrates à travers les écoles ( l’ENA notamment ), source des hauts fonctionnaires de l’Etat, capables de rendre les politiques publiques plus efficaces et faire face aux polémiques des élus.

Au Maroc, Les technocrates travaillent le plus souvent au gouvernement, dans les institutions de l’exécutif les mieux préservées des pressions publiques et donc les moins comptables sur le plan démocratique. La technocratie est en passe de devenir le plus creux des programmes politiques et politiques publiques, pour plus de rationalité et de rentabilité

Pour atteindre ces objectifs, et sous les effets de la crise de l’Etat de providence, l’élaboration des politiques est de plus en plus l’affaire de “technocrates”, soit de personnes ayant des connaissances et des compétences d’une grande technicité, dont les décisions ne sont pas soumises aux aléas des processuspolitiques
Mais, élaborer des politiques publiques, suivant des modes technocratiques pose un certain nombre de problèmes aux démocraties. Les structures de contrôle sont faussées car les gouvernements deviennent plus comptables de leurs actes devant les institutions multilatérales et les investisseurs que devant les institutions représentatives et le public. Ce type de politique affecte aussi les solutions apportées aux problèmes de l’emploi et de la protection sociale, de l’éradication de la pauvreté et de la gestion des conflits. Même s’ils contribuent de manière non négligeable à consolider les démocraties nouvelles, ces enjeux peuvent être supplantés par des objectifs politiques de stabilité macroéconomique. De plus, les citoyens peuvent perdre leur confiance dans le processus démocratique s’ils croient leur vote étranger aux décisions qui ont une incidence sur leur vie.

   Bref, la politique n’est pas uniquement le l’affaire  des technocrates mais aussi un métier des politiciens, et par conséquence, la rationalité en politique reste souvent limité ; une telle rationalité risque de rendre le sphère public totalement dépolitisé et fragile.

 مقدمة:

إن تسييس المجال الإداري من خلال الاعتماد المكثف على خريجي المدارس العليا للإدارة العمومية في مجال إعداد وتنفيذ السياسات العامة أعطى إحساسا للدولة بضرورة الاستثمار في المنطق التقني والتدبير، هذا الانسحاب  للدولة بمعناها السياسي، وانكماش العنصر التمثيلي قوى من دور التقنوقراط داخل الدوائر العليا لصناعة القرار، فشكلوا بذلك "نمطا تمثيليا" ذو مشروعية تقريرية على حساب مشروعية السياسي الذي تراجعت سلطه ومهامه، كفاعل استراتيجي في اللعبة القرارية. مما رسخ التواجد المكثف لنخبة إدارية أكثر كفاية ودراية بالملفات الكبرى والمتمثلة في الموظفين الكبار وخبراء الهيئات الكبرى للدولة خاصة مع تزايد الطلب على ما أصبح يعرف بالتدبير العمومي الجديد.

فالنظام الفرنسي خصوصا منذ سنة 1958، في ظل الجمهورية الخامسة عمل على تفعيل وتوسيع دور رجل الإدارة على حساب تعطيل فاعلية رجل السياسة، وذلك من خلال  عمليات تسييس المرافق والمؤسسات الكبرى. مما أدى في حقب زمنية عديدة إلى الحديث عن هيمنة وسيطرة التقنوقراط على مراحل ومراكز صنع القرار العام. مما يوحي أن الأنظمة السياسية من خلال فقدانها للمشروعية التمثيلية عملت على تقوية نفوذها عبر نخب إدارية تقنوبيروقراطية معلنة بدلك عن وفاة الفاعل السياسي.

إذن فهل الحديث عن نهاية السياسة، وأفول البرلمانية عزز بما فيه الكفاية فكرة سيطرة التقنوقراط على السلطة ومراكز القرار في الدولة مما منحهم مشروعية تدبير الشأن العام برؤى مستقبلية شكلت محطة للتداخل ما بين الإداري والسياسي في صناعة القرار؟ وما مدى مساهمة هدا التحول في عقلنة السياسات العامة المتبعة من طرف الدولة؟.

المحور الأول : دولة الرعاية ومنطق إخضاع الإداري للسياسي

 يحيل مفهوم "دولة الرعاية" إلى بداية اهتمام الدولة بالمسألة الاجتماعية، والاتجاه نحو تحقيق الحقوق الاجتماعية للمواطنين بعد الاعتراف لهم بالحقوق السياسية والمدنية1. خصوصا بعدظهور عدم كفاية الرأسمال الخاص في ك تحقيق دلك، فاتحة بذلك "طريق التدخل" حماية للنشاط الاقتصادي والاجتماعي، من خلال خلق مقاولات عمومية على أساسا سياسات التأميم والتمويلات المالية2، بهدف خدمة المصلحة العامة.

فالنموذج العقلاني للسيطرة حسب M.Weber، أثبت نجاحه في القطاع العام، بمعنى أن السيطرة البيروقراطية أبانت عن قوة مسيطرة أو مهيمنة على مستوى المؤسسات العمومية. فالحياة السياسية أصبحت إذا رهينة بالممارسة التي تقوم بها الإدارة البيروقراطية بشكل عقلاني من الناحية التقنية. فالبيروقراطية هي سيطرة بالمعارف التقنية المتخصصةإنها نتاج ليبرالي خالص وهي بذلك نموذج عقلاني للإنتاج الرأسمالي3. في إطار تراتبية إدارية مستمرة لفائدة مركزة القرار.

     فالنموذج البيروقراطي هو ادن ثمرة أسس الفعل العقلاني وهي :

-التعدد: أي تعدد المصالح.

-التبعية : أي بمعنى تراتبية إدارية في هرم السلم الإداري.

-الوحدة : أي وحدة القرار.

من هذا المنطلق إذن يبقى تناول موضوع الإدارة، هو رهين وحسب ما استند عليهG. Timsit   إلى مجموعة من الأبعاد التي ترسم المغزى السياسي للوظيفة الإدارية بكونها تمثل آلية للسيطرة السياسية4.من هنا تبدو طبيعة الفلسفة التي كانت سائدة من قبل وهي كون الإدارة تعد المشرف الوحيد على المصلحة العامة حيث الموظفون يعتبرون الساهرون على صيانتها والدفاع عنها كأساس لحيادهم.

فمشروعية البيروقراط تستمد من الخصائص5  التي تميزهم عن رجل السياسة كونهم لا يتمتعون بمشروعية انتخابية بل هم دائما في إطار البحث عن مشروعية خاصة بهم خارج إطار المشروعية التمثيلية. فالموظفون يظهرون أنفسهم في الغالب كمدافعين عن المنفعة العامة، عكس السياسي الذي هو دائما في البحث عن تحسين وضعه الانتخابي والتمثيلي، مما يجعل شرط الحياد شيء مطلوب أكثر في الإداري بعيدا عن كل مساومة سياسية قد تذهب إلى حد المساس بالمصلحة العامة والتي هي أساسية، لأنها عامة مادامت مرتبطة بالنظام والضبط (régulation) الوظيفي للدولة6.

كما أن الإداري يتميز بكونه يعمر طويلا في التسيير الإداري (gestion administrative)، للشؤون العامة للدولة مما يؤهله أكثر إلى أن ينضبط لمتغيرات التحولات الكبرى ومتطلباتها من خلال معارفه الوظيفية والشخصية، فهو المسؤول عن السير العادي للمصالح العامة7، والتي يجب أن تكون بعيدة عن مختلف الصراعات السياسية8. فحساسية الإداري اتجاه الوضع العام تجعله يستعجل كل شيء لأجل أخذ التدابير اللازمة لمعالجة هذه الحالة أو تلك من خلال قيامه بدراسات، ندوات، لقاءات الخ. فهو بالطبع المحرك الأساسي والفاعل لتحقيق المنفعة العامة، فالموظفون الكبار في فرنسا مثلا يعلنون بكونهم لا يمارسون السياسة وأن وظيفتهم تبقى فقط وظيفة إدارية محضة خدمة للمصلحة العامة.

لذلك فان فالحديث عن جدلية السياسي / الإداري يبقى سؤالا معقدا وصعب التحليل لأنه يتناول علاقة بين مجموعة من رجال السياسة المختلفين في الممارسة (وزير، عمدة، نائب...) ونخبة من الموظفين الكبار غير متجانسين وظيفيا (مدراء دواوين، كتاب عامين، مدراء مؤسسات عمومية، رؤساء مصالح جهوية...). ففكرة المصلحة العامة عملت على استقلال الإدارة عن السياسة وكانت بذلك سببا في فصل المجالين بحيث كان الاعتقاد السائد هو أن التقنوقراط هم أكثر وفاءا لقيم الجمهورية على أساس أنهم رمز للاستمرارية والكفاءة.

المحور الثاني:  الإدارة وحدود الحياد

إن الحديث عن فكرة الحياد ليس المراد منها ركون الإدارة وابتعادها عن الفعل العمومي والتأثير في القرار بل البحث في مدى مشاركة هذه الإدارة في العملية القرارية من الإعداد إلى التنفيذ حفاظا على خدمة المصلحة العامة من دون الاعتبار إلى المصالح الخالصة والفئوية. مما يجرنا كذلك إلى الحديث عن مناهج وفاعلية الفعل الإداري نفسه. من هذا المنطلق إذن فإن التنظيم الإداري برمته يشارك في صناعة السياسات العامة من خلال تدخله في تحديد المبادئ العامة التي تؤطر الظرفية التي تؤثر بشكل أو بآخر في السيرورة القرارية. لهذا نتساءل : كيف تؤسس الإدارة لفكرة إعداد وتنفيذ القرار باعتبارها سلطة توازي سلطة السياسي؟.

إن اتقان السيطرة على المعطيات التقنية والامتلاك الأوفر للمعلومات اللازمة، تظهر أهمية مدى خلق قنوات للتواصل وشبكات للتحالف، على المستوى التراتبي للمهام الإدارية، من أعلى الهرم الإداري إلى أسفله، من أكبر موظف إلى أصغر عون في السلم الإداري حتى تضمن الإدارة ذلك التدفق الهائل للمعلومات خدمة لمؤشرات العملية القرارية. ففي الديمقراطيات الغربية، وبحكم التقدم التكنولوجي والتطور الحاصل في آليات التواصل والاتصال، تكون مصادر المعلومات الأساسية للأجهزة الإدارية متوفرة ومتنوعة بشكل يعطي للقرار عقلانية وفاعلية أكبر.

ففي فرنسا مثلا نجد الكتابة العامة للحكومة،ورغم أنها حافظت على استقرارها منذ دستور 1958 حتى عقد الثمانينات9  إلا أنها بقيت وفية لمنهاج عملها في مجموعة من الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية10.

 إنها تعمل إلى جانب ديوان رئيس الجمهورية في مجموعة من المجالات، فهي تحتوي على مجموعة من مساعدين للرئيس مهمتها تهيئ الملفات تحت سلطة كاتب عام11، وكاتب عام مساعد، بالإضافة إلى مستشارين تقنيين والبعض منهم مكلف بمهمة، دورهم الرئيسي الإخبار المتواصل للرئيس بجميع الأنشطة الحكومية والبرلمانية، كما أنهم مكلفون بدراسة كل الملفات الواردة من الوزير الأول وكذلك الوزراء12.هكذا فدور الكتابة العامة للحكومة هو دور قوي في التراتبية الإدارية الفرنسية، فبالإضافة إلى الأجهزة الإعلامية والأمنية التابعة للإليزي التي تقوم من خلال أدوارها المتعددة بتبليغ رئيس الجمهورية بكل المستجدات الطارئة والتي تستدعي اتخاذ قرارات عاجلة ومصيرية.

أما في المغرب فالمرسوم الملكي لـ 26 يناير 1976 ينص على أنه: يعهد إلى وزير الداخلية بالإدارة الترابية للملكة في نطاق اختصاصه ويسهر على المحافظة على النظام العمومي ويزود الحكومة بالمعلومات الضرورية.

لكن وبعد أن كانت هذه الوزارة هي المصدر الوحيد للمعلومة بكل المشاكل الطارئة على الساحة الوطنية منذ السبعينات أصبحت الآن قناة من بين مجموعة من القنوات التي يعتمد عليها صانع القرار من خلال فصل مديرية التراب الوطني عن وزارة الداخلية، وكذلك التبعية الشكلية للمديرية العامة للأمن الوطني لوزارة الداخلية، مما أعطى لهذين الجهازين استقلالية أكبر لصرف المعلومات مباشرة إلى القصر، نظرا لما يقتضيه استغلال الوقت وسرعة النظر في المشاكل المطروحة خدمة للمفهوم الجديد للسلطة.

وعليه تبدو وظائف الإدارة متعددة، فهي جهاز للأخبار وهي كذلك جهاز للتنفيذ والإعداد، وتهيئ الملفات نظرا لتوفرها على نخبة مهمة من الموظفين ذات خبرات وكفاءات تقنية، والتي تعمل من خلال كل عملية قرارية اتباع اختيارات وسلوكات عملية وعقلانية، موجهة نحو هدف معين. من هذا المنطلق يكون الحديث عن تسييس الأمانة العامة للحكومة داخل النظام السياسي الإداري المغربي مثلا غير ذي جدوى نظرا لكونها تعتبر جزءا من النظام السياسي تعمل لأجل "غربلة" مشاريع القوانين ومراسيم القوانين في حياد تام خاصة تلك التي لا تتجاوب مع منطق الدولة أو تلك التي لا تحفظ للنظام السياسي توازنه سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي (مثل الاحتفاظ بمدونة الشغل لفترات طويلة أو عدم اعتماد مدونة الأسرة إلا بعد أخذ ورد بين مجموعة من الفاعلين السياسيين واللجوء في الأخير إلى طلب التحكيم الملكي الذي نتج عنه تكوين لجنة ملكية خاصة).

فالإدارة تعمل على التحليل المعمق لمشروع ما من خلال منهجية متصلة الحلقات. فقيمة القرار تكمن في الجهة التي عملت على الإعداد له وكذلك قوة الوسائل المتدخلة في صناعته سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سيكولوجية، على هذا الأساس، فالإدارة تقوم بدراسات دقيقة عبر أجهزة مركزية أو محلية للإحاطة بكل مقومـات القرار، تحديدا لهامش النجاح المرتقب على أرض الواقع، وذلك برفع تصوراتها إلى الرؤساء التسلسليين الذين يعملون من جانبهم إلى الانكباب على صياغة القرار قبل إحالته على السياسي والذي يقوم بدور التأشير النهائي عليه.

المحور الثالث : تسييس الإدارة العمومية13

منذ سنة 1979، أخذ هذا الموضوع يعرف جدلا واسعا بين مجموعة من المهتمين  خصوصا في فرنسا14 والتي خلص فيها الباحثون في هذا المجال إلى اعتماد العديد من المقترحات والتي بينت مستوى التداخل ما بين الإدارة والسياسة، من هنا تساءل E. Souliman، حول كيفية اندماج الإدارة في النظام السياسي؟ بمعنى هل الإدارة هي مجرد عنصر من عناصر السلطة السياسية؟

من الملاحظ أن العلاقة بين الإدارة والسياسة كما سبقت الإشارة إلى ذلك هي علاقة غير محددة فكما يقول "Quermonne" يبدوان كزوجين متباعدين….) (فتطور دولة الرعاية لم يجعل من العمل الإداري عملا إداريا خالصا بل هناك تداخلا ما بين السياسي والإداري في صناعة القرار، هذا الوضع إذن لم يخل من أسس تاريخية وأخرى دستورية.

1 ـ الأسس التاريخية :فانطلاقا من سنة 1940 عرفت فرنسا مقاومة قوية ضد حكومة Vichy الألمانية15، هذه الوضعية خلقت شروطا استثنائية لفرز نخبة حاكمة جديدة، مكونة خصيصا من الموظفين الكبار خاصة إنشاء المدرسة الوطنية للإدارة (E.N.A)16مما عجل بأفول النخب السياسية القديمة للجمهورية الرابعة وبداية الجمهورية الخامسة.

 كما أن مراجعات النظام الأساسي للموظفين منذ سنة 1946 والذي طور سنة 1959 ثم سنة 1983، تعد ضمانة قانونية لهؤلاء مما أهلهم إلى تكوين مجموعة مختارة. فمن الناحية القانونية، اعتمدت المادة 7 من قانون 13 يوليوز 1983 مبدأ حماية الموظفين من كل تعسف أثناء مزاولتهم للمهام الموكولة إليهم خصوصا في حالة الإلحاق.

كما أن عنصر المصلحة العامة أعطى قوة لدور الموظف العمومي ليصبح عون الدولة في ظل الجمهورية الثالثة، فاعل أساسي في عهد الجمهورية الخامسة من حيث تأثيره في هرم المؤسسات الكبرى (les grands corps). لتدخل فرنسا بذلك مرحلة جديدة في تسييس الإدارة العمومية حفاظا على أسس الجمهورية والإخلاص التام في خدمة النظام السياسي17.

أما في المغرب وبالرجوع إلى دراسات التاريخ الاجتماعي والسياسي حول النخب فمنذ أواخر 1945 وجهت مجموعة من الطلبة من شمال إفريقيا إلى فرنسا، كما أن سنة 1956 قد شكلت  بداية لتكوين قوة اجتماعية جديدة مؤهلة لتولي إدارة18 الملفات الكبرى من بعد الاستقلال، نظرا لكون السياسة التعليمية في الحقبة الاستعمارية طبعها فقط إرسال أبناء الطبقة المقربة من سلطات الحماية إلى المدارس والمعاهد العليا الفرنسية وذلك على شكل بعثات لمتابعة تعليمهم الثانوي والجامعي لإنتاج نخبة متوسطة وعلى دراية محدودة لإدارة الحياة اليومية19 للبلاد، وذلك بتعاون مع المقيم العام الفرنسي.

إلا أن التواجد الأمريكي في المغرب منذ سنة 1944 فتح المجال أمام الشباب المغربي الراغب في الانفتاح الثقافي والعلمي والرغبة في الحصول على تكوينات موازية باللغة الإنجليزية في إطار التعاون الجامعي. وقد كانت البداية في إطار هذا التعاون العلمي والثقافي مع ذهاب" أول دفعة سنة 201948.

2 ـ الأسس الدستورية : دستوريا يمكن الحديث عن فكرة تسييس الإدارة العمومية ـ إضافة إلى العامل التاريخي ـ عن طريق التعيين في المناصب العليا للدولة. فالدستور الفرنسي لسنة 1958 يؤكد ومن خـلال (المادة 13 الفقـرة 221، ودائما في إطار السلطات المخولة لرئيس الجمهورية، أن له الحق في التعيين بالمناصب العليا المدنية والعسكرية. فمن خلال (الفقرة 3 من نفس المادة)، فالرئيس يعين :

§     مستشاري الدولة.

§     كبار مستشاري الشرف.

§     السفراء.

§     مستشاري مجلس الحسابات.

§     الولاة.

§     ممثلي الحكومة في التراب وراء البحار.

§     الضباط العامين.

§     رؤساء الأكاديميات.

§     مدراء الإدارة المركزية الذين يتم تعينهم بمجلس الوزراء.

فالقانون التنظيمي رقم 1136ـ 58 (28 نوفمبر 1958) المتمم لهذه الترتيبات والذي خص بعض وظائف الإدارة العمومية والشركات العمومية، يجعل التعيين بهذه المناصب مفتوحا بين الوزير الأول ورئيس الجمهورية لكن تبقى كلمة الحسم في آخر الأمر مهمة من مهام رئيس الجمهورية.22 فبعض هذه التعيينات تتم بمراسيم رئاسية خصوصا فيما يتعلق بتعين القضاة، ضباط القوات المسلحة، البرية، البحرية والجوية23، والتي تبقى غير قابلة للتداول.

هكذا إذن يمكن القول بكون دور المدرسة الوطنية للإدارة يبقى دورا رياديا في تمويل مراكز الإدارة العليا بخرجين ذوي كفاءة عليا، أغلبهم أصبح وزيرا مما أدى بهم إلى اعتبار الإدارة كغرفة مضادة، فالكيفية التي تزداد فيها أعداد الموظفين الكبار سواء بالدواوين الوزارية وكذلك على رأس الوزارات مركزيا يبقى شيء ملفت للنظر نظرا لتزايد الحديث عن ظاهرة وظفنة السياسي       (fonctionarisation du politique)وذلك من خلال هجرة العديد من الكفاءات الإدارية العليا نحو الطبقة السياسية، مما جعل الحديث في فرنسا عن جيل جديد24 من مسؤولي الدولة، أتى أصلا من كبار الموظفين بمساعدة من الجنرال دوغول، وهذا ما عملE. Sulaiman على توضيحه حينما عبر عن كون الهيئات الكبرى (les grands corps) في فرنسا أصبحت تكون لوحدها نسقا مغلقا.25

كمـا أن أزمة 1968 عجلت بدخـول خريجي المدرسة الوطنية للإدارة E.N.A)) و(polytechnique) الفضاء السياسي للجمهورية كما أكد على ذلك: George POMPIDOU.26

أما التجربة المغربية فتؤكد من خلال دستور المملكة لسنة 1962، وكذا الدساتير المراجعة خصوصا دستور 1996 والذي ينص على ذلك في فصله 24 علـى كون التعيين في المناصب العليا للدولة يدخل في إطار سلط الملك27.

 كما له الحق في التعيين في المناصب المدنية والعسكرية.28 ويعتمد السفراء لدى الدول الأجنبية، كما يعين القضاة طبق الشروط المنصوص عليها في الفصل 84 من الدستور.

يلاحظ إذن أنه ومنذ سنة 1963 تدخلت السلطة لاختيار الأعيان، وعملت على توظيف النخب الإدارية من أجل تكوين شبكة جديدة لخدمة مصالح النظام السياسية، والاقتصادية. وقد تمكن العديد من أفراد هذه الشبكة من تسلق السلم الإداري إما عن طريق الترقي أو عن طريق تكوين شبكة علاقات وتحالفات (compromis) اجتماعية أو حزبية لعقود طويلة. هنا يمكن القول بأن المقترب الأمني، الذي انتهجه النظام السياسي المغربي وكذا الرغبة في الضبط والمراقبة هما عاملين رئيسيين تحكما أكثر في الاحتكار الواضح لسلطة التعيين من طرف الملك والتي توزعت إلى ثلاث تعيينات.29

هذا الوضع انعكس تماما على دائرتين أساسيتين للقرار العام وهي:

1 ـ  الدواوين الوزارية: تمثل الدواوين الوزارية قوة التداخل ما بين السياسي والإداري بحيث أنه من خلالها تم دخول الموظفين السامين في النسق القراري، فالدواوين ومن خلال مدرائها ذوي الخبرة، والكفاءة التقنية تم تحقيق برامج السياسيين الذين لا يمكن لهم في فترة وجيزة أن يكونوا ملمين بالقضايا والعمل على حل المشاكل. والديوان من الناحية العملية يعمل على تغطية نشاط الوزير ببعديه الإداري والسياسي، فهو المركز الرئيسي لإعداد القرار داخل الوزارات. وفي البعض منها يعد جوهر العمل الإداري30.

ففي فرنسا يعد الديوان مصلحة تدخل في إطار إدارة الهيئة العليا
(administration d’Etat-Major)31،  لنأخذ على سبيل المثال ديوان الوزير الأول الفرنسي فهو منظم بموجب مراسيم وزارية32، حددت أعوان وموظفي الديوان33، هؤلاء الأعوان والموظفين يعملون تحت إمرة مدير للديوان والذي يقوم إلى جانب مساعديه الأقربين بالتسيير الإداري والمالي لهذه البنية القرارية.

فعلى هذا الأساس عرفت سنوات السبعينات نسب مرتفعة لتواجد الموظفين الكبار على مستوى الدواوين الوزارية والتي وصلت في الأعلى حدود 90 % أغلبهم ينحدرون من الوظيفة العمومية:

 

50 %

الهيئات الكبرى للدولة

30 %

وظائف عليا بالإدارة

15 %

القطاع الخاص

5 %

أصل سياسي

الأصل المهني لأعضاء الدواوين الوزارية

الوظيفة الإدارية والسياسية للديوان: فالديوان يعمل جاهدا على تنوير الوزير أثناء أخذه للقرارات، فمدير الديوان إلى جانب معاونيه يعملون على تحضير:

§    المشاريع؛

§     بلورة الإصلاحات؛

§     مراقبة تنفيذ القرارات.

فمدير ديوان الوزير يقوم بمهمة التنسيق بين ديوان الوزير الأول ومجموع الدواوين الوزارية الأخرى عبر اللجان البيوزارية  comité interministérielle .

ثم إن وظيفة الديوان هي مهمة الهيئة العليا، فهو ذو سلطة سياسية يبحث عن تنظيم وقت الوزير وتوفير وسائل علاقاته العامة بترتيب ملفاته الأساسية، علما بأن الحديث عن الديوان ليس بالشيء الجديد، فقد تحدث G. Thuillierعن هذه الهيئة خلال الجمهورية الثالثة الفرنسية،  لكن منذ 1958 وفي ظل حكم الجمهورية الخامسة تغير دور الديوان وذلك بالانتقال من جهاز أكثر تسييسا إلى جهاز لإعداد وتنفيذ القرارات.

ـ بنية ديوان الوزير الأول : تعد الدواوين الوزارية نقطة قوية وأساسية في مهام الهيئات العليا فهي مكونة من نفس الأشخاص ذوي طبيعة منسجمة مكتسبة من خلال تكويناتها المختلفة والتي تلقتها في المدارس والمعاهد العليا.

فالديوان ظل على مر الحقب الزمنية وخاصة في فرنسا له أهمية داخل التراتبية السياسية والإدارية  للدولة الفرنسية فرغم الدعوات المتوالية لضرورة التقليص من أهمية الديوان 34 إلا أنها ظلت تتصدر أولويات رجل السياسية وذلك بتعيين مساعدين أقربين له لشغل مناصب هذه الهيئة ونفس الملاحظة تجري كما الحال في النظام الفرنسي على النظامين البريطاني والأمريكي.

إذن الأصل في أعضاء الديوان هو أن أغلبهم يعينون من قبل الوزير بحيث يتكونون من تقنيين مختارين، معظمهم خريجي المدارس الإدارية العليا، فهم يتواجدون كذلك وعلى سبيل المثال بداخل الهيئات الكبرى للدول بمجلس الدولة والمجلس الأعلى للحسابات، والمفتشية العامة للمالية أي أنهم ينتقون من ضمن الأعضاء المكونين لهذه الهيئات35، نظرا لمستوى تكوينهم وكفاءتهم العليا.

فمدير الديوان يتواجد إلى جانبه مدير مساعد إضافة إلى المكلفين بمهمة بالإضافة إلى سكرتارية وكاتب عام للوزارة، ثم ملحق برلماني وآخر صحافي.

كما أن العادة في فرنسا جرت على تعيين مستشارين خارج التراتبية الإدارية، هذه التقنية تمنح رئيس الحكومة مجموعة من الضمانات:

1 - تحرير مجموعة من المقربين للوزير من الأعمال الروتينية اليومية بقصد الانكباب فقط وبشكل مستمر على العمل السياسي سواء على المدى المتوسط أو البعيد.

2 - عدم مركزة الفكرة في محيط أشخاص محدودين بل الذهاب أبعد من ذلك إلى البحث عن رؤى مختلفة لإغناء عطاءات أعضاء الديوان في المجالات القطاعية العامة36. فحسب دراسة أجريت في سنة 1981 توضح بأنه في فرنسا ظلت نسبة 25% من المناصب تعود لخريجي المدرسة الوطنية للإدارة (ENA) حيث يشغل منها مدراء الدواوين الجزء الأوفر. هذا الوضع إذن يتناغم مع مسألة تسييس أجهزة الدولة مما أفرز تلاقيا مؤسساتيا بهذه الهيأة بحيث شكل ممثلو الجمعيات والشركات والمهن الحرة أكثر من 5/1 (خمس) الدواوين على عهد حكومة شيراك لسنة 1986 ثم حكومة Fabus وكذا حكومة Bérégovoy لسنة 1992 في الوقت الذي ارتفع فيه عدد ممثلي القطاع الخاص في عهد حكومة Alain Juppé بـ 22% في حين لوحظ ما بين سنوات 1984 و1996 ضعف تواجد ممثلي الهيئات الكبرى للدولة والممثلة في: (مجلس الدولة، الهيئات الديبلوماسية، مفتشية المالية ثم مجلس الحسابات) مما جعل من الدواوين كونها انتقلت من المحيط السياسي  إلى محيط إدارة الهيأة العليا (administration d'état major)37.

أما في العمل الحكومي المغربي وحسب B. Gaurnay، فإن للديوان مهام تتوزع إلى خمس أساسية.

1 ـ إخبار الوزير الأول وإدارة ملفاته.

2 ـ تحضير قرارات الوزير بما في ذلك تنظيم اللجان والاجتماعات الوزارية.

3 ـ وضع المشاريع على المدى المتوسط.

4 ـ تبليغ القرارات والتحكيمات.

5 ـ مراقبة وتنسيق نشاط الوزراء.

وقد تقوى دور الدواوين الوزارية بالمغرب ومن ضمنها ديوان الوزير الأول بإحداث منصب سام لمكلف بالدراسات بمختلف الوزارات بمقتضى مرسوم يناير 1985 (رقم 645-280) تناط بالمكلف بالدراسات مهام تقنية وإدارية تتصدرها أولويات البرنامج الحكومي الذي تقدم به الوزير الأول، أي أن مهمة هذا الموظف السامي هي بلورة الرهانات إلى مشاريع مبنية على معطيات ومعلومات اقتصادية واجتماعية دقيقة، إضافة إلى استحضار أولويات المخطط الاقتصادي، هذه المهام تتوزع على أساس قطاعي بين هذه النخبة من المكلفين إما بشؤون عامة أو اقتصادية أو سياسية وصحية الخ.

إذن فكل خيار لإنتاج قرار معين يتدخل فيه عدة فاعلين مما يعني أن القرار ظاهرة سياسية لا يمكن حصرها في إطار مؤسساتي. هذه الظاهرة هي في حاجة إلى المعرفة المتكاملة والمتوازنة فهي ضرورية  للفعل العمومي (action publique)، هكذا فالوقت السياسي ليس مستقلا عن الوقت المعرفي (التقني) لأنه يطرح مجموعة عناصر اختيار، فالفعل الحكومي لا يجيب عن فعل واحد بل عن مجموعة أفعال38. على هذا الأساس تتولى الأطر التقنية مهمة إنجاز رؤية ذات صبغة توفيقية، كما ينصرف عملها إلى تفعيل عمل اللجان وتزويدها بالدراسات والأفكار.

إذن فديوان الوزير الأول يعود إليه تهيئ ملفات التحكيم فيما بين الوزراء39، والفاعلين الاقتصاديين والمهنيين والتي يشرف عليه رئيس الوزراء بشكل مباشر بغية تدليل الصعوبات التي يمكن أن تعيق تحقيق أولويات البرنامج الحكومي خصوصا في علاقته مع باقي الفاعلين المؤثرين في العملية القرارية. علما بأن ديوان الوزير الأول لا يخضع إلى المقاييس العقلانية في تسطير الأجندة السياسية بل هو شبكة من العلاقات المبنية على الزبونية محددة بمدى ارتباط المساعدين بشخص الوزير الأول دون اعتبار موضوعي. ففي الحالة التي يكون فيها الوزير الأول تكنوقراطي "محايد" تكون الوزارة الأولى "منبتا" للتقنوقراط يؤسس لصعودهم على أكثر من مستوى.

أما في الحالة التي يكون فيها الوزير الأول رجل سياسة كما كان عليه الأمر بالنسبة لأحمد بلا فريج وعبد الله إبراهيم ثم لعبد الرحمن اليوسفي فالوزارة الأولى في هذه الحال تعد حلبة للصراعات الحزبية الضيقة الشيء الذي يؤدي إلى ضعف الأداء التمثيلي.

2- الأحزاب السياسية: فعلى مستوى السلطة التنظيمية ومع العلم بأن ولوج مناصب حكومية غالبا ما يسلك القنوات الحزبية فإنه على مستوى الأحزاب السياسية تم استقطاب شرائح من المجتمع على درجة مختلفة من التكوين والمؤهلات الفكرية والتقنية،

 ففي فرنسا يمكن ملاحظة ذلك منذ سنة 1959 حيث عرفت تولي للحكم من ثلاث رؤساء للجمهورية، وسبع وزراء أولين، هذه النخبة السياسية تنحدر أصلا من جذور تمتد داخل الإدارة العمومية.فالثلاثة رؤساء أساسا ينحدرون من المفتشية العامة للمالية، في حين نجد الأصل الوظيفي للوزراء الستة يعود إلى المؤسسات الكبرى في هرم الدولة40، في الوقت الذي يعود فيه السابع إلى المحكمة العليا للحسابات41 كالتالي:

شيراك (1) 1974

بومبيدو (2)

حكومة دغول 1958

 

62

50

69,5

موظفون

5,4

25

4,3

رؤساء شركات

5,4

14,8

8,7

محامون

8,1

3,5

8,7

صحافيون

2,7

ـ

ـ

فلاحون

2,7

ـ

ـ

أطباء

2,7

3,5

4,3

تجار

ـ

3,5

4,3

أدباء

8,1

ـ

ـ

آخرون

الأصل الوظيفي لحكومات الجمهورية الخامسة الفرنسية.

يلاحظ ارتفاع نسبة الموظفين الكبار من حكومة دغول (1958) حتى حكومة شيراك الأولى لسنة (1974)، والشيء يلاحظ كذلك بالنسبة للحكومات الأخرى المتعاقبة على حكم فرنسا وعلى وجه التحديد كل من حكومة دوبري وبومبيدو الأولى ثم دومغفيل و Delmas.

أما بالنسبة لحكومة شيراك الحالية لسنة 2004 يلاحظ بأن وظفنة الحزبي أو إن صح التعبير وظفنة السياسي، خصوصا على المستوى التنفيذي ظل مسيطرا حتى على أعضاء هذه الحكومة. فرئيس الجمهورية الفرنسية جاك شيراك عمد إلى تعيين وزراء ذوي أصول وظيفية أو تقنية، هذه الطبيعة التقنوقراطية للحكومة تظهر بوضوح  من خلال تعيينات الأشخاص / الوزراء – التقنيين الخ فنجد في الصحة الدكتورDouste-Blazy، وعلى رأس وزارة الخارجية  Michel Barnier، وهو خريج المدرسة العليا للتجارة، ثم على رأس وزارة المالية نجد Patrick Devedjian ، أما على رأس وزارة الدفاع تم وضع أستاذا للتعليم العالي وهو Michel Alliot-Marie، أما على مستوى العلاقة مع البرلمان فتم تعيين Henri Guy، والذي شغل منصب مدير لديوان شيراك لسنة 1979، وعمل أيضا مديرا للاستخبارات العامة في سنة 1972.

يلاحظ إذن من خلال هذا التراجع الذي سجلته الأحزاب السياسية الفرنسية لفائدة الإداري – التقني أن أغلب التعيينات الرئاسية وحتى على مستوى الأحزاب السياسية الفرنسية يمكن الحديث على أن هناك تداخل ما بين الإداري والسياسي وبالخصوص على عهد الجمهورية الخامسة الفرنسية حتى أصبح التمييز بينهما صعبا42.

أما في المغرب فالتشكيلة الحكومية الحالية برئاسة إدريس جطو تبدو ومن خلال التعيينات للوزراء بداخلها أنها يغلب عليها الطابع التقنوقراطي أكثر من الانتماء الحزبي، وفي الحالات التي نجد وزراء ذوي انتماءات حزبية فإن معظم أعضاء الحكومة الحالية جلهم منحدرين من مدارس عليا، تلقوا في أغلبهم تكوينات تقنية، رغم أن البعض منهم ناضل لفترة معينة أو تحمل مسؤوليات حزبية أو انتخب عدة مرات في جهة أو منطقة ما، إلا أن أصل التعيين أخذ يتأسس في الآونة الأخيرة داخل النظام السياسي المغربي على مبدأي الكفاءة والخبرة التقنية43.

فعلى سبيل المثال نجد:

§ وزير الداخلية مصطفى الساهل، تحمل وظيفة مراقب للمالية ثم رئيس قسم المالية والتجهيز ثم كاتب عام لوزارة المالية.

§ وزير الإسكان عمل رئيسا لمكتب التجهيز بوزارة المالية.

§ الأمين العام للحكومة، عبد الصادق ربيع تقلد عدة مناصب إدارية منذ 1974، خاصة في حكومتي كريم العمراني وعبد اللطيف الفيلالي، ثم  حكومة عبد الرحمان اليوسفي.

§ وزير التجهيز عبد الكريم غلاب، كان مديرا للبرمجة والدراسات بوزارة التجهيز (1996 ـ 1997) ومن سنة (1997 ـ 2001) شغل منصب مدير الطرق والسير على الطرقات، كذلك مديرا عاما للمكتب الوطني للسكك الحديدية.

§ وزير الصيد البحري محمد الطيب غافس شغل عدة مناصب مالية وبنكية من سنة (1977 ـ 1989)44.

أما من حيث مشاركة الموظفين الكبار على المستوى التشريعي من داخل البنية القرارية الحزبية، فالحديث على هذا المستوى من حيث وظفنة السياسي يجرنا إلى الحديث عن تواجد نخبة الموظفين الكبار داخل البنية الحزبية وبالخصوص على مستوى القيادات، فالمغرب شهد في فترة بداية السبعينات أي ما بين 1970 و1972 ارتفاع تمثيل الوظائف الكبرى على المستوى الحكومي هذه العملية استمرت بالخصوص في حكومة 1977، لكن أهم ما يميز هذه المرحلة هو دخول العديد من الأحزاب والتي وصفت بالأحزاب الإدارية  العمل السياسي، كالتجمع الوطني للأحرار (RNI) عقب انتخابات 7197 ثم الاتحاد الدستوري إثر الانتخابات التشريعية لسنة 1983 مما دعم من حضورها على مستوى البنيات الوزارية والفريق الحكومي.

أما في فرنسا يترجم هذا التواجد من داخل الجمعية العمومية45، فأمام تراجع نسب التواجد بالنسبة لباقي النخب خصوصا على المستوى التنظيمي عملت نخبة الموظفين السامين على تعزيز تواجدها أيضا داخل الجمعية العمومية، وذلك بتزايد نسبة الأطباء والأطر المتوسطة، وقد استمر هذا الأمر حتى انتخابات مارس 1978، حيث مثل الأطباء والوظائف القضائية والحرة نسبة 22,2 %داخل الجمعية العمومية إلى جانب رجال التعليم وأعوان القطاع العام بنسبة 41,2%46.

هذه الوضعية أثرت بشكل واضح في عملية إنتاج السياسات العامة، نظرا لكون طبقة الموظفين/المسيسين أو السياسيين/ الموظفين، عملت على إعادة النظر في وضعها وتعزيزه من داخل المشهد السياسي الفرنسي47.

إن الأمر إذن يرجع أساسا إلى تنامي العنصر الديمقراطي داخل الدول الغربية مما جعل من هذه الطبقة حقيقة وليس خرافة بل مثلت قوة سياسية فاعلة وذلك بتشكيلهم لمثلث السلطة القوي: الموظفين - الاقتصاد والسياسة، فتواجد الموظفين بهذه المستويات يؤهلهم أكثر إلى التأثير وبفاعلية كبيرة في بنيات ومراكز القرار العام كممتهنين للفعل الإداري.48

أما بخصوص التجربة المغربية، فقد سجل تراجع على مستوى العطاء السياسي للأحزاب بضعف التأثير في القرار العام وذلك إذا ما تم اعتبار الحزب السياسي هو الآخر مجرد بنية من بنيات النظام السياسي يعتاش من خلال الهبات والإكراميات في الوقت الذي يتعلق الأمر بالزعامات الحزبية. فمن حيث الوجهة النظرية، فالأحزاب لازالت تعتبر كبنية قادرة على إقامة برامج سياسية لكن عمليا قلما نجدها تعمل على تشكيل السياسة العامة للدولة بشكل مباشر. والسبب في ذلك هو التفاعل بين الإداريين وجماعة المصالح والتقنيين داخل دوائر اتخاذ القرار 49.

إذن ففي فرض القرار العام أو تطبيقه على العموم (les administrés)، لابد من الاحتكام إلى منطق الحكم أو السلطة50، سواء عن طريق سلطة التأثير والترغيب والإقناع، أو عن طريق سلطة الإكراه والعنف بقصد ضمان سبل نجاح القرار خصوصا حينما يكون الفاعل الرئيسي فاعلا ضعيفا بالمقارنة مع متدخلين آخرين ذوي قوة وتأثير في سبل وأهداف القرار وذلك عن طريق: 

أـ السلطة (l'autorité): من المعروف أن القرار هو مجموعة من  التوافقات بين فاعلين مختلفين ينطلق عبر قنوات متعددة ومشاورات حادة، لكن تعد المرحلة النهائية له هي مرحلة تطبيقه، مما يجد رجل السياسة والإدارة نفسهما معا أمام المدار51 administré)) في وضعية متعبة، الشيء الذي يفرض اللجوء إلى طرق مختلفة من خلال خلق قنوات للتواصل فيما بينهما أولا والمواطن ثانية قصد التأثير في الرأي العام إما عبر إقامة ندوات، أيام دراسية أو لقاءات.....

لكن حين يتم استنفاذ جل هذه الاختيارات من ترغيب ومحاولة لتفسير الوضع الذي من أجله اتخذ القرار وأمام القيام بكل هذه المحاولات "السلمية" فإن الإدارة ولجعل قرار "القرار" شرعيا، ومن أجل كذلك إعطائه القوة الإلزامية فهي تكون مضطرة لاستعمال السلطة لإكراه المجتمع على تقبل نتائج القرار، خاصة إذا كان (السياسي) تحت طائلة إكراهات خارجية من جهة52، وداخلية من جهة أخرى.

فالإدارة في أصل الأمر هي عصب السلطة، فهي تابعة قانونيا ومؤسساتيا للسلطة السياسية، هذه التبعية وطاعة رجل السياسة تجعله في موقف حرج في مواجهة المواطن مما يحتم عليه فرض وجهة نظره السياسية عن طريق طاعة أوامره53، وذلك بتفعيل قراراته، ونتساءل هنا هل لازال مكان في عالم معولم لفكرة السلطة (autorité)في زمن طغت عليه تقنية التواصل والحوار؟ تفاديا للحديث عن تسييس القرار (politisation de décision)نظرا لكون الإدارة مالكة للكفاءة والخبرة في خدمة استمرارية المرفق العام.

ب ـ الكفاءة : (la competence)

تعمل إذن الإدارة على شرعنة القرار العام من خلال كفاءة موظفيها الذين هم في غالبيتهم يملكون سلطة (le savoir faire)54 ، بوضع خلاصات والعمل على اقتراحات معينة خاصة لخدمة المصلحة العامة، فبممارستهم للشأن اليومي والاحتكاك الفعلي والمستمر بالمواطن هذا الالتصاق اليومي بهموم ومشاكل المدار (administré) ولد لديهم حدسا قويا لتجاوز مجموعة من الصعاب، هذا الوضع يجب الفهم على أساسه بكون الإداري ليس فقط ذلك المسير البسيط لروتين الشأن العام وهو في نظر البعض فاقد للمعرفة، لكنه في حقيقة الأمر نجده يتمتع بخيال واسع للخلق في المجال الذي يتحمل المسؤولية فيه55.

ج ـ الاستمرارية : (la continui)

في جل المرافق العامة للدولة يتسم الفعل العمومي (l’action publique) لرجل الإدارة بوضع خاص، فهو إلى جانب المعرفة والسلطة يضمن استمرارية سريان القرار في المرفق العام أو المؤسسة العمومية لفترة زمنية أطول، فهو إذن يؤثر في توجيه السياسات العامة، بفضل ضمان الاستمرارية، ومن دون توقف عن تقديم خدمات فنظرا لكون الإدارة تخضع إلى عدد من القواعد واللوائح والقرارات الإدارية كما تخضع إلى المراقبة القضائية56. فللمحكمة الحق في إصدار أحكام ضد موظف نظرا لأفكاره السياسية كما يمكنها كذلك أن تصدر حكما تأديبيا ضد موظف لا يحترم الحياد السياسي. هذا الوضع القانوني ساهم إذن بشكل واسع في إرساء روح الهيئة لدى الموظفين (l'esprit du corps)فهو إذن يؤثر في توجيه السياسة العامة بفضل ضمان استمرارية المرفق العام.

عكس رجل السياسة الذي يعمل فقط من خلال فترات انتخابية بحيث أن وضعه كممثل لطبقة شعبية لا تؤهله إلى متابعة الأمور اليومية للمواطن عن قرب وفي غالب الأحيان يكون غير ملم بمجموعة من الأمور الإدارية والتقنية، إما لضعف تكوينه أو عدم درايته وتخصصه، أو كذلك لعدم رغبته في إدراك ذلك مادام أنه يحمل هم حزب معين أو طبقة معينة فقط.

هكذا يمكن القول بأن الإدارة من موقعها هي حائزة للسلطة ومالكة للكفاءة والمعرفة التقنية وضامنة لاستمرارية المرفق العام، وهي بكل هذه المميزات المؤهلة لتأطير القرار من خلال جهاز تقنوبيروقراطي قادر على إعطاء القرار العام الصفة الشرعية وإلزام المتعامل بتقبل نتائجه.

1 ـ على مستوى المحافظة على النظام العام: وذلك من أجل ضبط الهزات السياسية التي يمكن للنظام السياسي التعرض لها، والتي عرفها المغرب في العديد من المحطات يضاف إلى هذا تقنيات وأساليب المحافظة على النظام والأمن57 وتتلخص في أمرين أحدهما يتعلق بمهمة الاستعلامات لمواجهة كل إضراب أو إخلال بالنظام، والآخر استعمال قوات الأمن والقوات العمومية لإقرار النظام وإعادة الأمور إلى نصابها. دون الرجوع إلى قرار حكومي58.

من هذا المنطلق إذن، تبقى مهمة مديرية الإدارة العامة بوزارة الداخلية مهمة ذات دور خطير، فيما يخص رصد علاقة المجتمع بالنظام الحاكم، وذلك بقياس درجة تململ أو خمول الرأي العام.

2 ـ على المستوى الاقتصادي والاجتماعي: يقوم رجال السلطة بتولي التدخل على صعيد الوحدات اللامركزية في المجال المالي والاقتصادي، خصوصا تلك المتعلقة بمراقبة الأثمان، ومؤسسة القرض الفلاحي، والميزانية المحلية، وكذلك أعمال التنقيب عن المعادن وغيرها داخل تراب العمالة أو الإقليم.

كما أنه في إطار السلطات المرتبطة بمختلف الجماعات المحلية، نجد وزارة الداخلية تتحكم تحكما مطلقا في بنية الجماعات المحلية والبلدية، بفرض سلطة المراقبة أو الوصاية طبقا لأحكام ميثاق التنظيم الجماعي الجديد،59 عن طريق المشاركة في إعداد وتنفيذ القرارات.

فالعامل يشارك مشاركة فعالة في أشغال لجنة الميزانية والشؤون الاقتصادية، والتخطيط والشؤون الاجتماعية والثقافية، مما يفتح له آفاق واسعة للسيطرة والتوجيه، ومن تم تزويد الوزارة بالمعلومات الضرورية هذه الأخيرة تعمل من جانبها وعبر قنواتها المركزية بتصريفها في شكل تقارير إلى الديوان الملكي لاتخاذ القرار بشأنها60.

2 ـ رسم التقنوقراط  للسياسات العامة للدولة: وذلك من خلال تدخلهم الواسع على أكثر من مستوى نذكر منها ثلاث أساسية:

أ ـ تحضير السياسة الاقتصادية للدولة: في هذه المادة يعد الفعل التقني أكثر فاعلية وقوة لأنه يهدف إلى استقرار الظرفية تمهيدا لنهوض اقتصادي بعيد المدى على المستوى الوطني والمحلي أخذا بعين الاعتبار التحملات العالمية للبلاد، سواء فيما يخص العمل على تقليص المديونية الخارجية أو استقبال مساعدات خارجية في الميدان الاقتصادي وكذلك التعاون التقني خاصة لدى الدول السائرة في طريق النمو.

لكن المناخ الذي ساعد التقنوقراط للسيطرة على المجال الاقتصادي ترجع أسبابه إلى ضعف التكوين عند أعضاء الجمعيات البرلمانية خاصة داخل اللجان القطاعية61
 (les comités sectorielles).

ب ـ على مستوى الدفاع الوطني : إن سياسة الحكومة على هذا المستوى الدفاعي هو رهين بالتحولات العالمية نحو تعزيز القدرات العسكرية للدولة القطرية في مواجهة الأخطار الخارجية داخل عالم مشحون بالصراعات إما من أجل الدفاع أو الغزو أو السيطرة، مما جعل من الدول أن تستثمر وبشكل مفرط في المنطق التقني والتجريبي تطويرا لترسانتها العسكرية خدمة لأهداف استراتيجية.

فكل تقنية وخبرة في الاختيارات العسكرية يؤثر فيها الضباط دوي الاختصاص التقني، وبالتالي فإن المظهر التقنوقراطي يوجد على مستوى تنظيم مجال الدفاع62 لما لهذا القطاع من خصوصيات معينة، سواء على مستوى التمويل والبرامج الإستراتيجية وميكانيزمات العمل.

ج ـ توجيه التعليم والبحث العلمي: فكل الدول تطمح إلى الرفع من جودة ومردودية تعليمها باستعمال وسائل حديثة تستجيب إلى ضرورات الوضع الراهن.

فإذا كان هذا يحدث في المجتمعات الغربية، فإن دول العالم الثالث لازالت سياساتها التعليمية تتخبط في مشاكل الملائمة، وقد حدث هذا ويحدث الآن في المغرب من خلال محاولة إصلاح المنظومة التعليمية، بحيث أن مستشاري الملك وعلى رأسهم السيد عبد العزيز مزيان بلفقيه، قد لعبوا دورا حاسما كتقنوقراط في اعتماد مشروع تعديل المسار التعليمي بالمغرب بناء على معطيات وبتوجيه من فاعلين آخرين نذكر على سبيل المثال لا الحصر:

1 ـ توصية البنك الدولي.

2 ـ اللجنة الملكية لإعداد الميثاق.

1) ـ فالبنك الدولي كما تمت الإشارة إلى ذلك سابقا يعد المحرك الأساسي والمؤثر الفعلي لرسم هذه السياسة التعليمية من خلال اعتماد التوصية الصادرة سنة 1995 والتي تعد المرجعية الأساسية التي بنيت عليها بنود الميثاق63. فقد عمل البنك من خلال خبرائه العمل على وضع خطوط عريضة يجب تضمينها في السياسة التعليمية الوطنية، برؤى ومعايير جديدة في إغفال الأخذ بقدرات البلاد المادية والاجتماعية لمواكبة هذا التطلع، وفي غياب كذلك لأي استراتيجية مشتركة بين جميع الفاعلين المتدخلين نحو إقامة إلتزام شامل يحفظ للمغرب خصوصيته وهويته.

2) ـ اللجنة الملكية الخاصة لإعداد ميثاق التربية والتكوين: في 8 مارس 1999، وبعد فشل مجموعة من المحاولات لإصلاح هذا القطاع خاصة منذ سنة 1994، قام الملك الحسن الثاني وبناءا على رد رئيس البنك الدولي، بتوجيه رسالة إلى مستشاره عبد العزيز مزيان بلفقيه رئيس اللجنة الخاصة لإعداد ميثاق وطني للتربية والتكوين يحدد فيها التوجهات والمواصفات في اختيار أعضاء64  اللجنة ومعالم وغايات وأهداف الإصلاح من خلال رسم توجيهات محددة:

أولها : العمل على تأهيل الكفاءات العلمية الوطنية باللغة العربية ومن ذلك الإعداد لفتح اختيارات التعليم العالي العلمي والتقني والتكوين المهني65.

أما التوجيه الثاني للميثاق فيتمحور حول ضرورة إتقان اللغات الأجنبية وهو ما يطرح إشكالا عميقا في وجه الطلبة نظرا لتلقيهم تعليما معربا على مستوى التعليم الثانوي ليصطدموا بواقع مر على المستوى العالي وخاصة في المواد العلمية التي لازالت تدرس باللغة الأجنبية.

وهذا خلل لم تقم اللجنة الإحاطة به في وقته مما يفسر غياب التواصل ما بين وزارتي التربية الوطنية والتعليم العالي وكذلك كون الميثاق غيب بشكل واضح مسألة التنوع الثقافي داخل البلاد الشيء الذي كاد أن يثير في الواجهة المسألة الأمازيغية وذلك في طرح رؤى لضرورة اعتماد اللهجة الأمازيغية كلغة دستورية يجب تدريسها66.

فحقيقة تدارك تصحيح الوضع التعليمي خلال هذه العشرية أصبح أمرا حتميا حتى لا يبقى المجال التعليمي فقط حقلا للتجارب " والإصلاحات " الغير الملائمة لا مع وضع المغرب الاقتصادي ولا الاجتماعي.

لهذا فإشراك ذوي الاختصاص من أساتذة وأطر تربوية من داخل القطاع هو شيء ضروري لأجل تصحيح وتقويم الاعوجاج الذي خلفته مجموعة من الدراسات والمعطيات صادرة عن هيئة بعيدة عن مجال وخصوصيات القطاع التعليمي العمومي بالمغرب.

نخلص إذن إلى أن تقوية هيمنة التقنوقراط والبيروقراط من خلال هذا التواجد المكثف على رأس مؤسسات وطنية أو دولية يقلل من حظوظ رجل السياسة ويضعف من هامش المناورة عنده مما يؤدي إلى الحديث عن تواجد أزمة67  في السياسة أو بالأحرى أفول دور السياسي ونهايته؟.

وفي هذا السياق نجد J.C. Thoening، يؤكد فعلا على قوة السلطة القرارية للتقنوقراط والموظفين الكبار بقوله: «... إن تأثير فئة خريجي المدارس العليا تظهر جد مهمة حتى وقبل اتخاذ القرار السياسي وكذلك على مستوى تنسيق الجهود المتتالية التي تترجم إلى برامج واقعية بالفعل.

فالهيئة تحمل مجموعة من الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فهي بذلك لابد لها أن يتم تأطيرها داخل وضع خاص بها بدعم من جهاز الدولة.فهي بذلك تطرح نمدجة لمجموعة من الحلول والوسائل وتعمل على تحويل الرهانات التقنية إلى تدابير إدارية والتي يكون المجتمع في أمس الحاجة إليها من حيث كونها ضرورية ومهمة للفعل السياسي...»

إن الطبيعة التقنية للمشاكل الاجتماعية التي تتسم بها جل القطاعات الإنتاجية في البلاد جعلت الموظفين السامين يعتبرون أنفسهم المدافعين الحقيقيين عن المصلحة العامة، بحكم كونهم بعيدين عن جميع التقلبات الظرفية، هذه القناعة تولدت لدى طبقة الموظفين الكبار من خلال عاملين أساسيين:

من جهة كون جل المشاكل أصبحت واسعة ومعقدة بفضل تدخل الدولة في جميع الميادين وتكفلها بتنمية المجتمع برمته، ومن جهة ثانية فإن  توالي التقدم التكنولوجي وأشكال التنظيم والتسيير، جعلت هذه المهمة خطيرة، وللاضطلاع بها لابد من توفر صانع القرار على تكوينات تؤهله لإيجاد الحلول المناسبة تجنبا لارتكاب الأخطاء، وهذا ما جعلهم يتدخلون لوضع الخيارات الجماعية68.

فتعقد المشاكل التي يطرحها البحث عن الرفاه المادي والرغبة في عقلنة الاختيارات، بفضل التخطيط والتوقعات، ساعد على بروز نخبة من الخبراء والتقنيين سيطرة بشكل واضح على المراكز القرارية في الدولة، وبفضل هذا الطابع التقني لتكوينهم فهم القادرون على تقديم المعارف العلمية والتقنية والمشورة الضرورية لدعم آراء الفاعل السياسي69، الذي أصابه الفتور رغم أنه يتمتع بمشروعية تمثيلية.

إذن فتأثير الموظفين الكبار على السيرورة القرارية داخل الدواوين الوزارية يظهر من خلال مستويات: أهمها لجنة المستشارين التقنيين، وذلك من خلال مهامهم اليومية التي تتلخص أساسا في مراقبة مصالح الوزارة70.

فالظاهرة الطائفية (Corporatif) هي أيضا عملت على تقوية دور الموظفين الكبار، بتسييج الفضاء الطائفي، أو بشكل أدق عملها على تكوين مركز قراري خاص بهم في مواجهة التمثيلي المنتخب على مستوى قمة الدولة71  فظهور النزعة الحرفية أو القطاعية في أسلاك الإدارة العمومية هو تعبير وبالملموس عن مدى الرغبة في بلورة القرارات كمرتكز أساسي ومهم من داخل الدوائر القرارية كوضع المخططات وتتبع تنفيذ البرامج.

فالتقنوقراط أو سامي الموظفين هم الذين يدفعون بالقرارات وما الوزراء والساسة إلا آخر حلقة في شرعنة القرار بوضع التأشيرة عليه.

نخلص إذن إلى فكرة مفادها بأن الانفلات الذي عرفته سلطة القرار من بين يدي الممثلين والمنتخبين عرض الديمقراطية التمثيلية إلى الانكماش على ذاتها والتراجع عن مواقعها لفائدة الإداري الذي أثبت مقدرة على السيطرة داخل مراكز القرار.هذا الوضع هو ما يجعلنا نتجاوز الخطاب الديمقراطي والمقاربة القانونية والمؤسساتية، التي لا تساعدنا على الغوص في قلب الآلة القرارية بشكل من الوضوح والدقة من حيث حصر الفاعل الأساسي وذلك بكون القرار تتدخل فيه وتتقاسمه مجموعات غير مسؤولة ديمقراطيا والتي إن صح القول هي المؤثر الحقيقي من خلال سهرها على إعداد وتنفيذ أهداف القرارات العامة على أساس كون الكلمة الأخيرة تعوذ في هذا المجال لسلطة الخبرة والمعرفة.

خلاصة:

في ظل العولمة، وارتفاع ضغط الرأسمالية الصناعية العالمية وسيادة منطق السوق والمقاولة، أفقد السياسة جزء من دورها كفاعل أساسي في صنع السياسات العامة، ذلك الدور المنوط بها تقليديا في حماية حقوق الأفراد والجماعات من خلال كون المجالس النيابية المنتخبة تجسد إلى حدود اللحظة الوسيلة الديمقراطية للمشاركة وتحقيق الإرادة الجماعية.

لكن التوغل الإداري في حقل الطبقة السياسية جعلها أمام أزمة في بلورة الفعل التقريري في إطار توجه لبيرالي مما تقلص معه هامش المناورة عند السياسي وانحصر دوره فقط في مجرد التأشير وشرعنة القرار، كما انكمش دور الدولة حسبBernard-Eberlein  72، واختزل في مجرد التسوية بين المصالح وضبط قواعد اللعبة السياسية اصبح يوازيه تراجع على مستوى اتخاذالقرارات العامة، في شتى مجالات مناحي الحياة.

فالتمركز القراري في دوائر إدارية ومالية معينة  جعل السيطرة بيد الخبراء والتقنوقراط، مما قوى من دور هذه الأخيرة وعزز مواقع "حكمهم" سواء على المستوى المركزي أو المحلي، في شكل بنيات تقنية  "les technostructures"  حيث القرارات أصبحت تفرض دراسات معمقة، مشاورات، تتناول لوجهات النظر وتبادل المعلومات (خصوصا على مستوى التخطيط والبرمجة). هذا الوضع وسع من دائرة السؤال حول من يقرر ؟

فالانتلجنسيا السياسية الحالية، أصبحت تعتبر أن السلطة الحقيقية ليس في يد النواب المنتخبين لكن في يد قوى أخرى من الطبقة المالكة لرأس المال (Le grand capital)، وخريجي المدارس العليا للإدارة (Les Enarques)73. إذن فإيجاد الحلول أصبح منوطا ومفوضا للتقنوقراط لتحقيق تدبير معقلن وفاعل للاختيارات العامة.

 التهميش:

[1] -Yves Meny, Jean Claude Thoening/ Les politiques publiques/ coll. Thémis,1989, pp:26-27.

2 - Pierre Rosanvallon / la crise de l’Etat providence/ Ed. Seuil, 1981, P 59.

3 - Jaques Chevalier et Danielle Lochak /  La science Administrative / que sais-je ?/ Ed. PUF/ 1980 / p.73.

4 - Gérard Timsit/ l’administration / in "Traité de science politique", (T.2) PUF, 1985.p. 455.

5 - J. Louis Quermone et de Baecque (F) / Administration et politique sous la V république/ éd. presse de la F.N.S.P.O, 1982.p. 167.

6 - Guy Thuiller et Robert Catherine /Introduction à une philosophie de l’administration/ éd. Armand Colin, 1968, p.27.

7- فعلى رأس كل المؤسسات الاقتصادية نجد مدارء عامين في أغلبهم ليسوا منتمين سياسيا بل هم منحدرون من شبكة التسيير الإداري معينين خدمة للمصلحة العامة في هذه المناصب (بقرارات رئاسية في فرنسا) وفي المغرب عن طريق ظهائر ملكية.

8- هنا يكمن دور المعاهد والمدارس العليا للإدارة في إعداد نخبة إدارية غير مسيسة خدمة للمصلحة العامة بقصد ضمان الحياد الإداري وذلك من خلال قرارات مدراء المؤسسات العمومية.

9- نظرا لأن فترة الثمانينات عرفت فيها فرنسا تعايشا سياسيا بين رئيس دولة يساري ووزير أول يميني. للمزيد راجع: عبد الرحيم السليمي: التعايش السياسي والدستور: قراءة تأويلية لبنية النظام السياسي المغربي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، مراكش، فبراير 1997، ص ص : 1-5.

10- Jacques Fournier/ Le Travail gouvernemental / Ed. Dalloz /1987 / p.138.

11- فالكتاب العامين لقصر الإلزي، يعتبرون موظفين كبار بحكم انتمائهم أصلا إلى الأجسام الكبرى للدولة فهم منبثقون إما من :

-  الدبلوماسية

-  مجلس الدولة

-  المحكمة العليا

-  المفتشية العامة للمالية.

ففي سنة 1981 ظهر منصب المستشار الخاص، وهو عضو مجلس الدولة مكلف بتحضير القمم العالمية.

كما أن بعض الكتاب العاميين وبمجرد مغادرتهم لوظيفتهم أصبحوا من بعد وزراء مثال:

Pierre Bergovey ; Jean François Poucet ; Michel Jobert  Elisabeth Guigou.

12 - J.L. Quermonne/ L’appareil Administratif de l’Etat / Ed. Seuil,  1991, p.39-40.

13- نعتمد في هذه النقطة  مقولة لـ:  François Bloch Laineحيث يقول:

« Je pense que l’Etat, dans sa permanence, doit faire agir jusque sur les sommets des hommes qui ne sont pas obligés d’avoir une appartenance politique ou qui peuvent avoir indépendamment de leurs fonctions, les appartenances qu’ils veulent ».

14-  فتسيس الإدارة العمومية كموضوع عقدت حوله موائد مستديرة نوقشت بصدده مواضيع كثيرة خصوصا المائدة المستديرة بتاريخ 30 نوفمبر والأول من دجنبر 1979.

15 - Jaques Chapsal/ La vie politique en France depuis 1940/ éd. PUF, 1966, pp : 49-50.

16 - Marie Christine Kesler/ Les grands corps de L’Etat/ que sais-je ? PUF, 1994.p.44.

17 - Marc Olivier Baruch et Vincent Duclert / Serviteurs de L’Etat une histoire politique de L’administration française 1875-1945 / éd. la découverte,  Paris 2000,  p. 151.

18 - Pierre Vermeren/ Ecole, élite et pouvoir/ éd. Alizés/ Février 2002 Rabat/ p.6.

19- هذه المهام تبقى مهام ثانوية في الإدارة الفرنسية، إما أن هؤلاء المغاربة يشتغلون كمترجمين  أو ككتاب ضبط في المحاكم إلى حدود الثلاثينات حيث خصص ظهير 14 مارس 1939 عدد معين من المناصب في الإدارة العمومية للمغاربة، لكن الظهير لم يتم تطبيقه حيث أن المغاربة أقصوا من كل مسؤولية إدارية.

20- بهذه الصورة تم فتح مكتب مؤقت ما بين سنوات (53،52) بمقر الأمم المتحدة، كما تم فتح  مكتب آخر للأخبار والوثائق بواشنطن برئاسة الدكتور المهدي بنعبود(حاصل على دكتوراه من جامعة باريس عين مباشرة بعد الاستقلال أول سفير للمغرب ب و.م.أ.).

21-« … le Président nomme aux emplois civils et militaires de l’Etat… », constitution du 4 octobre 1958, art.13 al. 2.

22 - Francis Chauvin/ Administration de l’Etat/ 6ème éd. Dalloz, 2002, p. 35.

23 - Constitution du 4 octobre 1958/ art.13, al. 4 et la loi organique N.1136-58 du 28 Novembre/ 1958, article N.3.

24- F. de Bacque et J.L. Quermonne/ Op. cit. pp : 340-344.

25 - Ezra N. Soleiman/ Les élites en France, grands corps et grandes écoles/ éd.  Seuil, 1978, p.98.

26- جورج بومبيدو، كان رئيسا للجمهورية الفرنسية لفترتين رئاسيتين متتابعتين ما بين سنة 1962   و1966، كما شغل منصب أستاذ للأدب إلى حدود 1944 من بعد مكلف بمهمـة في ديوان الجنيرال دغـول (1944-1946) ثم محام بمجلس الدولة (1946-1954) فمدير لأكبر بنك للأعمال (56-62) للمزيد من التوضيح أنظر:

Roger-Gerard schwartzenberg/ La droite absolue /Flammarion, 1981, pp: 278-295.

27- الفصل 24 (فقرة 1و2) من الدستور المراجع لسنة 1996.

28- الفصل 30(ف.2) من الدستور المراجع لسنة 1996.

29 – وهي على الشكل الآتي :

  أ ـ تعيينات دستورية (منصوص عليها دستوريا)، وتشمل:

  ـ تعيين عشر شخصيات في مجلس الوصاية (ف21 من الدستور).

  ـ تعيين الوزير الأول والوزراء (ف 24)

  ـ تعيين ستة أعضاء في المجلس الدستوري بما في ذلك رئيس المجلس (ف 79).

  ـ تعيين القضاة باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء (ف 84).

   ب ـ تعيينات بمقتضى نصوص عامة: ـ المرسوم الملكي 20 نوفمبر 1963

ـ الظهير الصادر في 24 غشت 1971 رقم 141ـ71ـ1. منشور بالجريدة الرسمية عدد 3069 لسنة .1971        

  ج ـ تعيينات بموجب نصوص خاصة:

ـ الفصل 5 من ظهير 27 ماي 1958، الخاص بالوضعية المتعلقة بضباط القوات المسلحة.

ـ الفصل 2 من ظهير 16 ماي 1956، المتعلق بالإدارة العامة للأمن الوطني.

ـ الفصل 6 من ظهير بمثابة قانون الصادر في 25 فبراير 1975 المتعلق بتنظيم الجامعات.

 ـ الفصل 14 من المرسوم الملكي بتاريخ 9 مارس 1967، بمثابة النظام الخاص بالموظفين   الدبلوماسيين والقنصليين.

ـ للمزيد راجع: دة. الصروخ مليكة: القانون الإداري،. دراسة مقارنة، مطبعة النجاح الجديدة ط.4، سنة 1998، ص: 117 ـ 119.

30- Thuiller (Guy) / Les cabinets ministériels / que sais-je ? PUF,  Paris/ 1982, P. 3.

31- نستعمل هنا معنى إدارة الهيئة العليا (administration d’Etat-Major ) بالمعنى المدني وليس المعنى العسكري، والتي انتشرت في قمة هرم الدولة بغية تنسيق العمل الحكومي.

32- مرسوم 28 يوليوز 1948، الذي أعطى لرئيس الحكومة حق تعيين عدد مناسب من أعضاء الديوان. للمزيد أنظر" Francis Chauvin Francis Chauvin/ Administration de l’Etat/ 6ème éd. Dalloz, 2002 p40                    

33- تراوحت نسبة موظفي ديوان الوزير الأول ما بين عشرين وخمسين شخصا، لكن إحصاء الأعداد المتوالية. بالنسبة للدواوين من فترة "ميشيل دوبري"، مرورا  "بمشيل روكار" فالعدد في ارتفاع مستمر ما بين موظف وأعوان التنفيذ نظرا لأهمية الديوان التقنية.

34- خصوصا التقريري حول إصلاح مؤسسات الدولة المقترح سنة 1994 والذي دعا إلى تحويل الدواوين الوزارية إلى مجموعات صغرى سياسية مع إلغاء مهام مدير الديوان. للمزيد راجع :

Luc Rouban / La fin des technocrates / éd. P.S.P.O, 1998, pp: 25-26.   

35 - Marie-ChristineKesler/op.cit..P.57.

36 - Francis Chauvin.op/cit..p.41.

37 - Luc Rouban ; op. Cit, pp: 27-29.

38 - Jean Leca/ Sur le rôle de la connaissance dans la modernisation de l’Etat et le statut de l’évaluation/ in Revue Française d’administration publique / Paris, N.66 Avril-Juin 1993,  PP : 185 –188.

39- حسن دغيمر: الموظفون السامون بالمغرب، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، الرباط 1995، ص. 243.

40 - J. Claude Thoening/  L’ère des thechnocrates / Ed. Harmattan , 1987 , P.27.

41- De Baecque F et J.L. Quermonne/ Administration et politique sous la V république / op.cit. p 23.

42 - Journal le Monde du 2 Avril 2004, pp :  10-11.

43-  تجدر الإشارة إلى كون أغلب الوزراء في الحكومة الحالية، حكومة إدريس جطو جلهم منحدرين من الوظيفة العمومية رغم أن البعض منهم أعضاء لأحزاب سياسية.

44 - Le nouveau Gouvernement Marocain/ site web, internet, www.map.co.ma،du 27/4/2004.

45 - Roger-Gerard Schawartzenberg/ La droite absolue/ éd. Flammarion 1981 pp : 225-227.

46- نشير هنا إلى كون الجمعية العمومية عرفت سنة 1978، 100 نائب موظف من أصل 141 نائبا (أي 20,30 %) من رجال التعليم، توزعت كما يلي:15,3 % من رجال التعليم العالي،8,7 % ثانوي و 6,3 % أولي.

47 - Revue administrative, Janvier/Fev.1996 N.289-49eme annee.pp.25-26.

48 - Pierre Birmbaum /  La logique de L’Etat / Fayard 1982 / p 79.

49- أرنولدج مايد نهايمر وآخرون: السياسات العامة المقارنة: سياسات الخيار الاجتماعي في أمريكا   وأوربا واليابان، مؤلف جماعي، ترجمة أمل المشرفي، مراجعة فاروق منصور، ط.1 1999، مطابع الأهلية للنشر والتوزيع، ص. 472.

50- نعني بالسلطة هنا سلطة فرض واقع القرار اعتمادا على الظرفية والمرجعية التي أفرزت أو كانت من وراء هذا القرار قصد الحد من ردود الفعل. للمزيد يراجع:

محمد شقير/ القرار السياسي في المغرب/ دار الألفة 1992، ص.89 – 90.

51- Jacques chevalier / Communication Administration   Administrés / PUF 1983, pp :30-31.

52- مثل قرار إصلاح منظومة التعليم، حيث تم القبول بشروط البنك الدولي من خلال مذكرته حول المغرب لسنة 1995.

53 - Herbert Simion / Administration et processus de décision /Economica , 1983, pp :115-116.

54 - Robert Catherine et Guy Thuiller/ introduction a une philosophie de L’administration / Ed. Armand Colin 1968 p.257.

55 - Ibid. pp: 267 – 268.

56- هنا إشارة واضحة إلى ضمان استمرار المرفق العمومي في أداء وظيفة إسداء خدمات وبدون انقطاع، بمعنى أن التوقف الجماعي للعمل وكيفما كانت أسبابه يعرض الموظف العمومي إلى المساءلة القضائية أمام المحاكم الإدارية. فمبدأ استمرارية المرفق العام ينطبق على المرفق نفسه كنشاط كما ينطبق على مسيريه كساهرين عليه واستمرارية المرفق العمومي تعني استمراريته في الزمان والمكان طبقا للقواعد القانونية الضابطة لنشاطه وأي تقصير في الاستمرارية تنتج عنه مسؤولية الدولة وللمتضررين من جراء ذلك الحق في المطالبة بالتعويض.

57- ينص الفصل 102 من دستور المملكة المراجع لسنة 1996، على أن العمال يمثلون الدولة في العملات والأقاليم والجهات، ويسهرون على تنفيذ القوانين، وهم مسؤولون على تطبيق قرارات الحكومة كما أنهم مسؤولون لهذه الغاية عن تدبير المصالح المحلية التابعة للإدارات المركزية.

58- مثال فك اعتصام الشباب الحاصل على الشهادات، والمعطلين المكفوفين من أما مقر مجلس النواب سنة 2001.

59-  الميثاق الجماعي الجديد: منشورات المجلة المغربية لقانون الأعمال والمقاولات، النجاح الجديدة، 2004، ص. 96.

60- جريدة النهار المغربية: عدد 71، مرجع سابق.

61 - Jean Meynaud / La technocratie Mythe ou réalité / Ed. Payot, 1964 p.90.

62- هذا ما تفشيه برامج التسلح الغربية، خاصة الأمريكية والتي ترصد لها سنويا ملايير الدولارات، فالوكالة الأمريكية لغزو الفضاء أثبتت قدرات تقنية واسعة في المجال المدني والعسكري باستغلالها التقنية الرقمية وإدخال تعديلات على برامج تطوير أسلحة الدمار الشامل، مستغلة هيمنتها وعجز الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

فالبانتاغون يؤثر من خلال الخبراء بشكل أكبر في اختيارات الدولة وخير ذليل على ذلك غزوها للعراق الذي أبان عن تفوق المنطق التقني وسيطرته على القرار، سواء فيما يخص إقرار اعتمادات إضافية أو مؤقتة وكذا إرسال تعزيزات عسكرية.

63- يقول جيمس دوو لفينسون رئيس البنك الدولي في رسالة وجهت للملك الحسن الثاني بتاريخ 15 شتنبر 1995 ردا على رسالة بعث بها الملك إلى رئيس البنك طالبا فيها مشورة هذا الأخير موقعة بتاريخ 21 يونيو 1995:"... لقد تم بذل مجهودات هامة بالمغرب طوال العشرين سنة الماضية من أجل تحسين النظام التربوي، وخطابكم الذي ألقيتموه في 8 يوليوز الأخير يدل على إرادتكم في المضي على هذا السبيل ... قد انطلقنا من نفس وقفة التأمل التي انطلقتم منها في صياغة هذا التقرير... اسمحو لي يا جلالة الملك بإبراز ما نراه أولويات.. المناهج البيداغوجية، وبنيات البرامج ومضمون الدروس ومحتويات الكتب، وميكانيزمات التقييم...".

64- فاللجنة الملكية الخاصة لإعداد ميثاق التربية والتكوين تشكلت في سنة 1994 مباشرة بعد التوقيع على اتفاقية " الغات " وقد بدأت أشغالها في نفس السنة مشكلة من 330 عضو يمثلون مختلف الهيئات السياسية، النقابية والاجتماعية في مناخ اتسم بسيادة خطاب الأزمة داخل هذا القطاع.

وقد تكونت اللجنة الخاصة من السيد عبدالعزيز مزيان بلفقيه رئيسا و34 عضوا، يمثلون جميع التوجهات الفكرية والأيديولوجية والسياسية داخل البلاد.

وقد اشتغلت اللجنة من خلال 30 دورة ثم من خلال الندوات ومناقشة نقط مهمة أطرت تطبيق الميثاق فيما بعد سواء على المستوى الابتدائي، الثانوي، والعالي.

65- بحيث أن الاستثمار في هذا الاتجاه يقدم مصلحة رأس المال الخاص، سواء للدولة (وشركات عمومية) وللقطاع الخاص من خلال توفير يد عاملة كفئة لأجل مسايرة السوق ومتطلبات الجودة والسرعة في الإنجاز، مما يقوي من دعم فئة التقنوقراط التي ترسم الأهداف ورهانات الدولة في المستقبل.

66 - هذا ما دفع بالملك محمد السادس إلى إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وتحت إشرافه المباشر ليخرج المؤسسة الملكية من المساءلة الدستورية  عاملا حقه الدستوري من خلال استثمار الفصل التاسع عشر كأمير المؤمنين لكون المغرب بلد متعدد وبلد تتعايش فيه مجموعة من الطوائف (ثقافية، لغوية ودينية).

67- نعني هنا بالأزمة ليس خلق قطيعة نهائية ما بين السياسي والإداري من خلال التصور النظري للفصل بينهما، ولكن نعني بالأزمة وحسب ما ذهب إلى ذلك Alain Accardo et Philippe Corcuff  ذلك النمط داخل مجموعة من العلاقات أي بكونها ظرف يتوالى عبر أسباب مستقلة أي القول بتواجد عالمين مفترقين لكن يتفاعلان داخل نفس العالم من خلال مبادئ وظيفة معينة.

68-  حسن الدغيمر: مرجع سابق، ص. 210.

69- نفس المرجع، ص. 211.

70 - Frediric Sawicki / Les membres des cabinets ministériels Socialistes en France  1981-1993 recrutement et reconversion / 2ème partie ; in Revue française de Science politique. N° 2, Avril 1999,  pp. 230-231.

71 - J.L. Quermonne / L’appareil administratif de l’Etat / Op. cit. p. 132-133.

72 - Bernard Eberlein "L’Etat régulateur en Europe", In "Revue Française de science politique", vol 49, N°2,  Avril 1999, pp : 205-230.

73 - Jean-claude thoening "Qui décide en politique" ; in "Revue de sciences humaines", N° 2,  Mai, 1993.