جــريمـة الإبــادة الجمـاعيــة pdf:

 دوافعــها وأشكـــالها

أ: سويسي محمد الصغير

جامعة باجي مختار,عنابة ( الجزائر )

 ملخص:

تناول موضوع هذه الدراسة بالتعريف جريمة الإبادة كجريمة من الجرائم الدولية الأشدخطورة على الكيان البشري، تعرضنا من خلاله إلى آراء مختلف فقهاء القانون الدولي كالفقيه " بيلا " و " جلاسير " و لومبواس " و " رايت " و غيرهم الذين حاول كل واحد منهـم التعريف بالجريمة الدولية باعتبارها إخلالا بمبادئ سامية للقانون الدولي و عدوانا علـى مصلحة أساسية للمجتمع الدولي.

و قد عد في هذا المضمار الفقيه البولوني الأصل " رفائيل لمكن" أول من أطلق مصطلح أي إبادة الجنس البشري على هذه الجريمة سنة 1945، و كيف لا و قد ابتلي الشعب البولوني بلاء شديدا بجريمة الإبادة التي سلطها النازيون الألمان على الأمة البولندية من خلال إفناء و إبادة زهاء سبعة ملايين بولوني خلال الحرب العالمية الثانية.

و عدت بذلك هذه الجريمة من أمهات الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية و حظيت بتبني الجمعية العامة للأمم المتحدة لها في 09/12/1948. كما تعرضنا بشيء من الإيجاز في هذه الدراسة المتواضعة إلى دوافع هذه الجريمة، الدينية و الاجتماعية و السياسية منها مدعمين عواملها و دوافعها تلك بشواهد تاريخية متوغلة في القدم و الأخرى ذات صلة بأحداث معاصرة، مبرزين بشاعة و فظاعة ما تسببت فيه هذه الجريمة الدولية الشنعاء من مجازر و مآسي من شأنها القضاء المبرم على وجود النوع الإنساني على أديم هذه البسيطة.

كما تعرضنا في ذات السياق إلى ركن جريمة الإبادة المادي بشكل أساسي و إلى ركنها المعنوي، العام و الخاص و كذا ركنها الشرعي، إضافة إلى ركنها الدولي الذي يضفي عليها طابع الجريمة الدولية.

و قد حاولنا قدر الإمكان الإحاطة و لو بشيء من الإيجاز بالآثار الوخيمة التي من شانها إفساد النسل و هلاك بني الإنسان من جراء هذه الجريمة.  

 Résumé

Cette  étude  à pour  objet  la définition  du  crime  de génocide  comme l’un  des plus  dangereux  crime  visant   l’existence  humaine, tout  en évoquant  les  différents  opinions  des  juristes «pella» ,« Glasser» , «Lombois» , «Wright» et  d’autres qui  ont  essayé de  définir  chacun selon sa doctrine le crime international  qui porte préjudice  aux  principes du droit  international  et  agressions  aux  intérêts fondamentaux de la communauté  internationale.

 Le juriste «Raphael Lemken»  D’origine polonaise, fut le premier à utiliser  l’expression «Génocide» qui veut  dire l’anéantissement  de l’espèce humaine, car  déjà 1945  le peuple  polonais  a  subit  les atrocités de ce crime par les nazis allemands a travers les massacres  d’environ  sept  millions de polonais celui-ci  est  inscrit  parmi  les grands crimes contre l’humanité, et  approuvé  par  l’assemblée  générale des nations unies le 09/12/1948.

 On a évoqué a travers cette étude modeste aux  mobiles  de ce crime, d’ordre  religieux, social et politique, et que  sont  traduit  par des  fais historiques et  contemporaines  vécu  en démontrant  ses atrocité  et  ses répercutions  a  travers  les massacres qui  visent  à anéantir  l’espèce  humaine  en  expliquant  principalement  l’élément  matériel, Général  et  spécial  ainsi  que  son élément  légitime, moral et international  qui  le caractérise comme tel, tout en essayant  de résumer ses répercutions  très néfastes vis-à-vis de la continuité de la vie humaine.   

مقدمة:

تعد الجريمة ظاهرة اجتماعية قديمة قدم البشرية ذاتها، سعت المجتمعات إلى مكافحتها بهدف نشر الأمن والطمأنينة، وقد تطورت طريقة ارتكابها بتطور العصر وتقدمه، إذ شهد العالم أنماطا جديدة من الإجرام الخطير كالجريمة المنظمة وجريمة الإبادة الجماعية، وتعتبر هذه الأخيرة من أخطر الظواهر الإجرامية التي تعاني منها الدول والمجتمع الدولي على حد سواء مما تلحقه من آثار خطيرة تمس بأمن المجتمعات واستقرارها، وقد أشار الفقيه البولوني " ليمكن Lemkein" إلى خطورة الإبادة الجماعية ودعا إلى تجريمها.

ونظرا لأهمية موضوع الحماية الجنائية لحقوق الإنسان وأهمها الحق في الحياة باعتبارها موضوع الساعة في أحداث عالمنا المعاصر والتي حظيت باهتمام الهيئات والمفكرين ورجال العلم فقد جعلني ذلك أحاول الغوص فيه وذلك لعدة أسباب، منها:

1- أن جريمة الإبادة الجماعية تشكل أخطر الجرائم التي تهدد حياة البشرية واستقرارها ووجودها،

2- أن اهتمام المجتمع الدولي بهذه الجريمة لم يقابله إقدام الباحثين على إجراء الدراسات والبحوث الكافية التي تتناول هذا الموضوع من الناحية القانونية، وعليه فإنني سأحاول في هذه الدراسة الإجابة على بعض التساؤلات التي تتبادر إلى الأذهان.

إلى أي مدى يمكن للقضاء الدولي الجنائي أن يفلح في تحقيق الحماية الجنائية للشعوب والأفراد في ظل التخلف الذي تعاني منه الكثير من الأنظمة السياسية في العالم ولاسيما في بلدان العالم الثالث التي ما زال الكثير منها يئن تحت تأثير أنظمة استبدادية تغيب فيها حقوق الإنسان بسبب آثار الجهل وغياب الحرية والديمقراطية؟ وإلى أي مدى يمكن القول بأن الدول الكبرى ستلتزم هي ذاتها باستعمال سطوتها ونفوذها لمحاربة استشراء أي شكل من أشكال الجرائم المهددة لكيان البشرية في إطار القضاء الدولي الجنائي في ظل مجتمع دولي تحركه المصالح والأطماع الدولية، وفي سياق علاقات دولية تهيمن فيها المصالح الذاتية للدول العظمى على ما يعبر عنه بمبادئ حقوق الإنسان؟وإلى أي حد يمكن لمجتمع دولي هش أن يوفق في تحقيق الحماية الجنائية لحق الإنسان في الحياة ومكافحة الجرائم التي قد يكون عرضة لها وأهمها حماية حقه في البقاء والعيش الكريم في ظل تمسك الدول بمبدأ السيادة التقليدي وفي ظل انتهاك صارخ للدول الكبرى لسيادة الشعوب الصغيرة، باسم حماية البشرية وحقها في الحياة الآمنة؟ إن التدخل الأمريكي في العراق وأفغانستان لأبرز مثال على ذلك من خلال جرائم الإبادة التي يقترفها الأمريكان وحلفائهم ضد هذه الشعوب.

للإجابة على هذه التساؤلات التي تشغل بال الكثير من رجال القانون والسياسة والمضطلعين بحقوق الإنسان فقد اعتمدنا في هذه الدراسة على أسلوب الوصف والتعليق من جهة وعلى أسلوب المقارنة والتحليل من جهة ثانية، ومن ثمة فقد كان المنهج المعتمد هو المنهج الوصفي التحليلي إضافة إلى المنهج المقارن، آملين أن نكون قد وفقنا في الإجابة على مثل هذه التساؤلات التي من شأنها إزالة الغموض على أحد أكبر مواضيع الساحة الإعلامية والسياسية في عالمنا المعاصر ألا وهو حماية الإنسان من أي شكل من أشكال الاعتداء على سلامته أو التعرض إلى حياته.

 من أجل الإحاطة بهذا الموضوع فقد ارتأينا تقسيمه إلى مبحثين :

 تناولنا في الأول منهما، التعريف بهذه الجريمة وخطورتها على المجتمعات وآثارها الوخيمة عليها، كما تناولنا فيه أيضا مختلف الدوافع الكامنة وراء اقتراف هذه الجريمة، أما في المبحث الثاني فقد تطرقنا إلى أركان الجريمة الدولية بشكل عام وإلى أركان جريمة الإبادة بشكل خاص مستشهدين بذلك بأمثلة واقعية تعبر عن مدى بشاعة و فظاعة هذه الجريمة التي وصفها أحد الباحثين بأنها بحق أم الجرائم الدولية.       

المبحث الأول

تم التطرق في هذا المبحث إلى التعريف بالجريمة بشكل عام ثم عرفنا الجريمة الدولية وذلك بحكم أن جريمة الإبادة ما هي إلا صورة من صور الجريمة الدولية ثم انتهينا إلى التعريف بجريمة الإبادة الجماعية من خلال آراء فقهاء القانون الدولي الجنائي.

المطلب الأول: تعريف جريمة إبادة الجنس البشري

قبل التعرض إلى تعريف جريمة إبادة الجنس البشري ارتأينا التعرض في الفرع الأول من هذا المطلب إلى التعريف العام للجريمة وأركانها بشكل مختصر، ثم التعرض في الفرع الثاني إلى تعريف الجريمة الدولية وذلك اعتبارا إلى أن جريمة الإبادة ما هي إلا شكلا من أشكال الجرائم الدولية على أننا سنتناول في الفرع الثالث من هذا المطلب التعريف بجريمة إبادة الجنس البشري.

الفرع الأول: تعريف الجريمة بشكل عام:

لم يقع الاتفاق على تعريف واحد للجريمة، إذ ذهب كل فريق من العلماء إلى تعريفها من منطلق بحثه وصميم تخصصه، ذلك أن تعريف علماء الإجرام لها يختلف عن تعريف علماء الاجتماع أو السياسة أو علماء الدين، حيث عرفها " الماوردي " بأنها: " محظورات شرعية زجر الله عنها بحد أو تعزيز".(1)  ويتضح من تعريف " الماوردي " أن الفعل المجرم محرم في الشرع، وعليه فلا يصدق إسم الجريمة على الأفعال المباحة بالنص أو بالأصل، كما أن هذه الأفعال المحظورة قد خصت بعقوبة نص عليها إما  بالحد بأن تكون العقوبة مقدرة شكلا ومعنى، أو بالتعزيز بأن  يوكل للقاضي أو الحاكم يوقعها بشروط وضوابط محددة، مما قد يفيدان المحظورات غير المنصوص على العقاب عليها ، لا تعد جرائم حتى وإن كانت حراما كالغيبة والنميمة مثلا.(2)

ويتضح من ذلك أن الجريمة سلوك يتسع لأن يكون فعلا ينهى عنه القانون، أو امتناعا عن فعل يأمر به القانون، على أن يكون هذا الفعل أو السلوك مما يمكن إسناده إلى فاعله أي صادر عن إنسان يمكن الاعتداد بإرادته قانونا، أي أن تكون تلك الإرادة سليمة مدركة ومميزة وغير مكرهة مع وجود صلة مابين هذه الإرادة والواقعة المرتكبة، كما يجب أن يكون للسلوك المكون للواقعة الإجرامية (فعل أو امتناع عنه)، نص قانوني يمنع مثل هذا السلوك. ذلك أن الإضرار بمصلحة غير محمية جنائيا لا يترتب عليه صفة التجريم، وإن كان من الممكن أن يشكل فعلا غير مشروعا في نطاق فرع آخر من فروع القانون العام .(3)

وللجريمة أركان عامة يمكن إيجازها فيما يلي:

أولا: الركن الشرعي: ويقصد به الصفة غير المشروعة للفعل بأنه غير مشروع وذلك استنادا للنص المجرم له مع عدم توافر سبب من أسباب الإباحة التي تنفي عن الفعل صفة عدم المشروعية.

ثانيا: الركن المادي للجريمة: وهو المظهر الخارجي للجريمة ويشمل ثلاثة عناصر هي:

أ- النشاط الإجرامي: وهو عمل نهى المشرع على ارتكابه، أو امتناع عن عمل أوجبه المشرع.

ب-النتيجة: وهي الاعتداء على الحق الذي يحميه القانون.

ج-العلاقة السببية: وهي الرابطة التي تربط بين الفعل المجرم والنتيجة المترتبة عنه، بحيث تكون هذه النتيجة بسبب الفعل الإجرامي المرتكب.

ثالثا: الركن المعنوي: ونعني به القصد الجنائي الذي يصدر عن شخص مسؤول جنائيا، أي متمتع بالتمييز والإدراك وحرية الإرادة. (4)

غير انه يمكن الإشارة إلى انه لكل جريمة أركانا خاصة بها تميزها عن غيرها من الجرائم الأخرى، فالركن المادي في جريمة القتل يختلف عن نظيره في جريمة الضرب أو الإجهاض أو التعذيب، فالأركان الخاصة إذا هي التي تميز جريمة عن أخرى، وهي تطبيق للأركان العامة بالنسبة للجريمة بذاتها ومن ثم فإن مجال دراسة الأركان العامة للجريمة مجاله هو القسم العام، بينما يتحدد موضوع الأركان الخاصة في دراسة كل جريمة على حده. (5)

الفرع الثاني: تعريف الجريمة الدولية

إذا كانت التشريعات الوطنية لم تضع تعريفا للجريمة تاركة أمر ذلك للاجتهادات الفقهية، فإن الأمر هو كذلك بالنسبة للجريمة الدولية، إذ لا توجد ثمة قاعدة تعرف وتحدد ماهية الجريمة الدولية. في هذا السياق فقد عرف الفقيه " بلاpella  " الجريمة الدولية "بأنها فعل أو ترك تقابله عقوبة تعلن وتنفد باسم الجماعة الدولية "، بينما ذهب الفقيه " جلاسر Glaser" إلى :"أن الجريمة الدولية هي الفعل الذي يرتكب إخلالا لقواعد القانون الدولي ويكون ضارا بالمصالح التي يحميها ذلك القانون مع الاعتراف له قانونا بصفة الجريمة واستحقاق فاعله العقاب ".كما عرفها الأستاذ " رايت