الطاقة النظيفـــة والأمـــن البيئـــي:pdf

 الرهانات والتحديات

أ: فريــدة طاجين    

جامعة قاصدي مرباح- ورقلة( الجزائر )

الملخص:

تهدف هذه المداخلة إلى استكشاف موقع الطاقة النظيفة كبديل للطاقة المعتمدة على مصادر أحفورية في ظروف يتزايد فيها الطلب العالمي على الطاقات بمختلف مصادرها من أجل ضمان تحقيق واستمرارية التقدم الاقتصادي الذي تسعى إليه جميع دول العالم دون استثناء، كما تهدف إلى تحليل نقدي للإسهامات الطاقوية الجديدة وما يمكن أن تحدثه من تأثيرات على ترقية مستوى الأمن البيئي الذي أصبح مطلبا عالميا ويشكل في الوقت ذاته تحديا مهما يواجهه الإنسان المعاصر، وهو تحد ارتبط عضويا بالتنمية من خلال ما أصبح يصطلح عليه بالتنمية الاقتصادية الخضراء والتنمية المستدامة والتنمية النظيفة، وتسعى هذه المداخلة بشكل عام لمعالجة إشكالية الرهانات والتحديات الطاقوية النظيفة لتحقيق الأمن البيئي من خلال عرض الإرث البيئي الذي خلفه(ولايزال) توليد الطاقة ذات المصادر الأحفورية ثم تحليل الخيارات التي تتيحها الطاقات النظيفة وتراهن عليها لصالح البيئة، إضافة إلى مناقشة التحديات المواجهة للطاقة النظيفة أثناء تحقيق رهاناتها البيئية لنعرض في الأخيرة تأثير الأزمة المالية الأخيرة على توجهات الطاقة النظيفة عالميا.

 الكلمات المفتاحية:

الطاقة النظيفة، التنمية المستدامة، التنمية النظيفة، الأمن البيئي، الاقتصاد الأخضر.

Abstract :

This paper aimed to explore and show  the status of clean energy as an alternative for Fossil sources energy in time of growing international demand for energy from various sources to ensure continuity of economic progress by all countries around the world, it is also aimed to expose a critical analyze of what are the impacts of new energy on evolution of environmental security? This security kind is important challenge facing individuals in contemporary age, in the same time it is become a care issue in today world agenda.

This challenge has structurally linked with development process through new concepts; as green economic development (and green economy), sustainable development, and clean economy...

   In this paper we will discuss “the clean energy bets and challenges for achieving the environmental security” through the answers of three important questions, the first one is: what are the environmental heritages of fossil energy sources? The second one is: how can we analyzed the opportunities of clean energy for safekeeping the environment? The last question is: what are the major challenges in this process and what is the impact of international financial crisis on clean energy trends?

مقدمـة:

إن التغير الاجتماعي المستمر وازدياد تعقد النشاطات البشرية لاسيما الاقتصادية منها أدى بشكل تلقائي إلى تزايد الحاجة إلى قوى وطاقات متنوعة المصادر، وترافق ذلك مع ازدياد التناقضات الموجودة بين الإمكانيات المتاحة والطموحات المرجوة للبشرية في مجال إنتاج الطاقة، فمشكلات الطاقة اليوم لم تعد محل اهتمام الأكاديميين والاقتصاديين وحدهم، ولم تعد كموضوع دراسة حكرا على تخصص علمي أو حقل معرفي واحد، فأبحاث الطاقات المتجددة والنظيفة رغم أنها انطلقت صدفة* منذ ثلاثينات القرن الماضي إلا أنها لازالت حتى الآن مثار جدل واهتمام الكثيرين خاصة بعد أزمة الطاقة التي عرفها عالمنا المعاصر في السبعينات والتي أثرت في الحياة الاقتصادية والاجتماعية لغالبية الأفراد والمجتمعات، كما أثرت نفس الأزمة في اتجاهات اتخاذ القرار في مجالات كانت سابقا تبدو بعيدة كل البعد عن مجال الطاقة، فمشكلة النفط لـسنة 1973 ساهمت بشدة في توجيه دول العالم خاصة الصناعية منها للتفكير في بدائل النفط من اجل تحقيق الاستقلالية والأمن الاقتصاديين، وقد نجحت في ذلك نسبيا العديد من الدول في مختلف مناطق العالم كالصين و الدنمارك وألمانيا وايسلاندا وغيرها.    

وكمرجعية تاريخية لازمات الطاقة عبر التاريخ الإنساني يرى بعض الباحثين من بينهم فلاديمير كارتسيف** وبيوتر خازانوفسكي*** أن انفجار أول أزمة للطاقة في تاريخ البشرية يرجع إلى النقص الحاد للطاقة الذي اكتشف عند حضارات الشرق القديم 3500 ق م (مابين النهرين وآشور ومصر...)، حيث كان اعتمادها الرئيسي على الطاقة الحية المعتمدة في توليدها على القوى العضلية للإنسان والحيوان في وقت بدأ يظهر فيه تنوع في النشاطات المهنية وازدهار في مجال الزراعة، كما أن متطلبات الحروب من إنتاج للسلع وتبادلها تزايد تدريجيا فلم تعد قوى العضلات الخاصة تغطي كل الاحتياجات الطاقوية.1

وللخروج من تلك الأزمة توجب أن يعمل احدهم لصالح الآخر عن طريق العبودية، وبهذا ظهرت مجتمعات  توفر احتياجاتها الطاقوية من خلال استعمال القوة العضلية للعبيد فاعترفت بالرق كحل لازمة الطاقة في المجتمع وسمح ذلك بالسير خطوات إلى الأمام خاصة في أعمال الري وشق القنوات ونقل المياه من مكان إلى آخر وصناعات النسيج وأعمال التعدين وأعمال البناء، حيث تم بناء المعابد والأهرامات والقصور باستعمال طاقات مئات الآلاف من العبيد لعدة سنوات.2

إن تحليل انعكاسات الحاجات الطاقوية للإنسان وتوفير تلك الاحتياجات تتوجب التركيز أيضا على مصادر توليد تلك الطاقة، ومن الواضح أن مصادر توليد الطاقة منذ القديم والى يومنا هذا تنوعت وتعددت فنجد على سبيل المثال انه رغم معرفة الإنسان بطاقات الشمس والرياح والمياه منذ القدم إلا أنها كانت في السابق تعرف استغلالا محدودا جدا لان قيمتها الحقيقية كانت مجهولة بسبب جهل الإنسان بالعلوم والتكنولوجيات التطبيقية التي أصبح يوفرها العلم للإنسان المعاصر، وتعد الطاقة النظيفة بتنوع مصادرها أهم البدائل المطروحة اليوم لمواجهة المشكلات البيئية التي خلفتها نشاطات الإنسان والمتمثلة أساسا في التلوث والاحتباس الحراري وما نتج عنه من تغيرات مناخية، ونسعى من خلال هذه الورقة البحثية إلى التحليل النقدي للرهانات والتحديات الطاقوية النظيفة لترقية مستوى الأمن البيئي.

لذلك نطرح التساؤل التالي : هل تشكل الطاقة النظيفة الآن بديلا حقيقيا لمواجهة مهددات الأمن البيئي؟ أم أنها لا تزال محاولات تهدف للخروج من الأزمة البيئية التي ساهمت المصادر الأحفورية للطاقة في إحداثها ؟ 

ونحاول الإجابة على هذا التساؤل من خلال معالجتنا للنقاط الثلاثة التالية: 

   I.     الإرث البيئي لإنتاج الطاقة ذات المصادر الأحفورية.

II.     الطاقة النظيفة... المفهوم والخيارات المتاحة من أجل البيئة.

III.     هل ترقى الرهانات الطاقوية النظيفة إلى مستوى التحديات ؟

I.     الإرث البيئي لإنتاج الطاقات ذات المصادر الأحفورية:

تتمثل المصادر الأحفورية للطاقة عادة في النفط والغاز الطبيعي والفحم إضافة إلى بعض المواد الزيتية في باطن الأرض وكلها مواد تستخرج وتحرق في الهواء أو الأكسيجين لإنتاج الحرارة المستخدمة في مختلف الأغراض، وقد اقترن الوقود الاحفوري بالمشاكل الاقتصادية العالمية التي هددت ولا تزال تهدد العالم بأكمله، ولا تقتصر تكاليف الوقود الاحفوري على سعر شراء برميل النفط  أو أطنان الفحم ولكن تدخل ضمن سعره التأثيرات البيئية والأضرار الناجمة عن إنتاجه. 3

وقد لعب الفحم في بدايات القرن العشرين دورا مهما كمصدر للطاقة إلا أن النفط والغاز لبيا تلك الاحتياجات في ما بعد وازدادت أهمية النفط في اقتصاديات الدول المنتجة والمستهلك له على حد سواء، وظهرت للنفط مساوئ مريعة خاصة التلوث البيئي الذي جعل العالم يفكر في إعادة النظر بخصوص استهلاكه، أما الغاز الطبيعي والذي يعد ثاني أهم مصادر الطاقة الأحفورية فقد تزايد استهلاكه منذ 1920بشكل متسارع.4

 فبالنسبة للفحم والذي يعد أكثر مصادر الطاقة الاحفورية وفرة، وكونه مشتق من الخشب والكتلة البيولوجية فإنه يتكون أساسا من عنصري الكربون والهيدروجين ولهذا ينتج طاقة عند حرقه كالنفط والغاز الطبيعي، ويعتبر الفحم من الطاقات غير النظيفة مقارنة بالنفط والغاز ويحتوي على الكبريت وبعض المعادن، وكانت مخاطر استخراجه المنجمي غير مرغوبة لهذا تم التركيز على استخدام النفط والغاز للحد من التلوث ومن مخاطر استعمال الفحم، لكنه عاد لينال اهتماما متزايدا من حيث الاستهلاك بمجرد استفحال أزمة الطاقة، وبفضل الاكتشافات العلمية يوجد حاليا في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية مصانع خاصة بتحويل الفحم إلى غاز أو سائل.5

أما التسربات البيتروكيميائية وانبعاث المصانع والتي كثيرا ما تحدث في أثناء النقل البري والبحري لتلك المواد وأثناء عمل المصانع فتعد من أسوء واخطر النتائج بيئية على الكائنات الحية بأنواعها، ومن بين اخطر واشهر تلك الكوارث كارثة 1930 ببلجيكا، التي كان سببها تلوث الهواء بالنفايات الكيميائية الناتجة عن المصانع، وأودت بحياة 60 شخصا وإصابة الآلاف بالتهابات العينين والرئتين، وكارثة 1952 بلندن، التي كان سببها ظهور سحابة متكونة من غاز ثاني أكسيد الكبريت والحبيبات الدقيقة في الجو جراء العمليات الصناعية وقد أدت إلى وفاة 4000 شخص وإصابة عدد آخر بمختلف الأمراض، وحدثت كوارث مماثلة في  دول أخرى من العالم  مثل اليابان 1970. 6

ولا يمكن تجاهل الكارثة البيئية التي شهدها العالم سنة 1990 أثناء الغزو العراقي للكويت والتي نتج عنها سحابة ضخمة ظلت لعدة شهور ووصلت توابعها إلى مختلف بلدان العالم فيما بعد وذلك بعد أن قام النظام العراقي من خلال قواته المسلحة بحرق أكثر من 700 بئر نفط، وآخر الكوارث النفطية التي أحدث أضرارا بيئية هي تلك التي تسببت فيها شركة بريتيش بتروليوم البريطانية في ماي 2010 على الساحل الممتد أمام شواطئ ولاية لويزيانا الأمريكية بخليج المكسيك بسبب تسرب ملايين الليترات من النفطمن منصة النفط "ديب ووتر هورايزون" بخليج المكسيك ويرجح بعض الخبراء أن أثارها البيئية الخطيرة والضارة  ستدوم لعشرات السنين.7

ووجدت إحدى الدراسات في الولايات المتحد الأمريكية أن لعوامل التلوث تأثيرات خطيرة على كريات الدم الحمراء لبعض سائقي سيارات النقل بسبب انبعاث أول أكسيد الكربون حيث بلغت 12%، وارتفعت نسبة الرصاص في دم الأطفال بسبب إضافة مركبات لتحسين أداء وقود السيارات، وينتج عن المصانع ومحطات الكهرباء والسيارات كما لاحظنا في الأمثلة السابقة غازات ناتجة عن حرق الوقود الاحفوري تنتشر في الجو وقد تأخذها الرياح إلى مناطق بعيدة عن مصادر التلوث وعند نزول المطر تذوب هذه الغازات الحمضية في الجو فتتأثر المياه العذبة بالحموضة وتصبح غير صالحة للشرب.8

 وفي بعض الأحيان تفقد البحيرات ثروتها السمكية ويذكر احد التقارير بهذا الخصوص أن 4000 بحيرة في السويد فقدت ثروتها السمكية تماما، وعملت الحكومة السويدية على ضخ الجير في بحيرات أخرى لإنقاذ الثروة السمكية لبقية البحيرات، وتفقد الولايات المتحدة الأمريكية 20%من ثروتها السمكية نتيجة حموضة المجاري المائية والبحيرات، كما تفقد 5% من محاصيلها الزراعية بسبب الأمطار الحمضية.9

 من خلال كل ما سبق يتبين انه رغم التزايد المطرد في الطلب العالمي على الطاقة والذي توفره بشكل كبير حتى الآن المصادر الأحفورية إلا أن التبعات السلبية لتلك المصادر على حياة البشر والكائنات الحية والتدهور البيئي يجعل الاستمرار في اعتماده كمصدر أول للطاقة مغامرة في ظل تزايد الاحترار العالمي وارتفاع أصوات الرأي العام العالمي وبعض الهيئات العالمية الرسمية وغير الرسمية لتخفيض انبعاث الكربون واعتماد بدائل نظيفة لتوليد الطاقة.

وقد بات العالم مقتنعا اليوم أكثر من أي وقت مضى بضرورة استعمال طاقات نظيفة وخضراء، لهذا تتسابق دول العالم المدركة لأهمية ذلك لتحول هذه الحاجة العالمية إلى فرص استثمارية مربحة خاصة الدول المالكة لتكنولوجيات إنتاج الطاقة النظيفة.

  II.  الطاقة النظيفة... المفهوم والخيارات المتاحة من أجل البيئة:

كثيرا ما تستعمل مصطلحات الطاقة الخضراءgreen energy  والطاقة المتجددةrenewableenergy بشكل متبادل مع مصطلح الطاقة النظيفةclean energy ويشير المصطلح تحديدا إلى الطاقة المنتجة من مصادر لا تخلق آثارا سلبية للبيئة، وهناك تعريفات أخرى للطاقة النظيفة، حيث تعرف في بعض الحالات أنها عمليات إنتاج الطاقة التي تحدث تلوث اقل، كما تعرف أحيانا أخرى أنها تمثل فقط تلك الطاقة المنتجة من مصادر لا تلوث البيئة على الإطلاق ولا تستعمل المصادر التي لا يمكنها التجدد بسهولة.10

وتعد أكثر أشكال الطاقة النظيفة شيوعا الطاقة المنتجة من مصادر الرياح والمياه والشمس، لكن في حالات عديدة يعتبر مصنعي ومستخدمي الفحم أن الفحم يمكن أن يصبح مصدرا نظيفا للطاقة فيما تم تسميته بالفحم المزال الكربون أو الفحم النظيف clean coalلكن إثبات هذا الأمر يبقى محل خلاف بين علماء البيئة، وقد راهن  دعاة الطاقة النظيفة أن استخدام هذا النوع من الطاقة لاسيما عند استبداله بالطاقات النفطية مثلا يساعد على الحد من ظاهرة الانحباس الحراري وانبعاث غازات الدفيئة وخلق كوكب أكثر أمنا للبشرية،11ويمكن توليد الطاقة من مصادرة نظيفة متعددة كطاقة الكتلة البيولوجية biomass وطاقة النباتات وطاقة حرارة الأرض، وطاقة المد البحري.12

وفي الدنمارك مثلا عندما حلت أزمة النفط العالمية لجأت الدولة إلى وسائل للبحث عن طاقات بديلة للنفط فشهد قطاع الطاقة البديلة نموا بنسبة 80% خلال ثلاثين سنة الأخيرة وفي نفس الوقت وصلت نسبة نمو استهلاك الطاقة إلى ما يقارب 0%، وتم تحقيق ذلك من خلال الاستثمار في كفاءة الاستفادة من الطاقة سواء من حيث إنتاجها او توزيعها او استهلاكها، ويرى وزير البيئة الدنماركي ترولس لوند بولسن أن الشرطين الأساسيين لنجاح مثل هذه التجربة في مجال الطاقة البديلة والنظيفة هو وجود حكومة ذات رؤية وشركات مبدعة.13

وحسب التقرير السنوي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP لعام 2010 فإن الصين استخدمت الطاقة النظيفة لدعم التنمية الشاملة حيث حققت من خلال إستراتيجيتها للطاقة النظيفة الرتبة الثانية عالميا من حيث إنتاج طاقة الرياح والرتبة الأولى في إنتاج الألواح الضوئية المستخدمة لاستقبال الطاقة الشمسية، وتستخدم 10% من الأسر الصينية الآن سخانات المياه الشمسية للحصول على المياه الساخنة، ويعمل 1,5 مليون شخص في قطاع الطاقات المتجددة، كما تم فتح 300000 وظيفة في نفس القطاع سنة 2009 وحدها.14

أما البرتغال فقد أوضح رئيس وزرائها جوزيه سقراط جرفالهو في قمة طاقة المستقبل المنعقدة في ابو ضبي في جانفي 2011  أن بلاده خلال الست سنوات الماضية تمكنت من توفير 32% من إجمالي الطاقة المستهلكة من مصادر نظيفة محققة أقل مستوى من الانبعاث الكربوني معتبرا أن الطاقة المتجددة هي مفتاح التصدي لمحاربة تغير المناخ، كما اوضح رئيس وزراء جورجيا أن 90% من استهلاك الطاقة في بلاده يأتي من مصادر طاقة خضراء نظيفة وأشار إلى أن بإمكان دولته أن تلعب دورا بارزا في مجال الطاقة البديلة، وأكد في نفس الوقت ان تحديات الطاقة المتجددة كبيرة للغاية ولا يمكن لأي دولة أن تواجهها بمفردها.15

وفي أحدث الابتكارات في هذا المجال توصلت شركة "جيرنهاسن"  السويدية  في مشروع "التدفئة بحرارة الجسم" إلى تطبيق تقنية جديدة لتوفير الطاقة النظيفة انطلاقا من استغلالها لحرارة جسم الإنسان، وتعمل هذه التقنية الجديدة على تجميع حرارة أكثر من 250 ألف شخص يترددون على محطة قطارات ستوكهولم يوميا، واستغلالها لتسخين كميات كبيرة من المياه لتأمين ما بين 15 إلى 30 % من احتياجات التدفئة للمباني المجاورة.16

 ويشير كارل ساندهولم مدير المشروع إلى أن هذه الطاقة متجددة ورخيصة، ولكن المصاعب التي تقف أمامها تتمثل في صعوبة نقل الهواء الساخن بفعل حرارة أجسام البشر لمسافات بعيدة دون أن يفقد حرارته، ما يفرض أن تستخدم التقنية في أبنية متجاورة، وقد شرح التقنية المستخدمة في العمل بالقول إن أجهزة التهوية المستخدمة في محطة قطارات العاصمة السويدية تعمل كل صباح على سحب الهواء الساخن بفعل الحرارة الناجمة عن حركة المسافرين ونشاطهم، واستخدامه لتسخين خزانات مياه في المحطة والتي تنتقل إلى المكاتب المراد توفير التدفئة بها عبر أنابيب خاصة، وأكد باحثون ألمان أن الهواتف المحمولة في المستقبل قد يمكن تشغيلها بالكهرباء المولدة عن حرارة جسم الإنسان، خصوصا أنهم نجحوا في تصنيع أجهزة تعمل علي فولتات صغيرة.17

وقد اعتمدت الحكومة ومجموعاتحمايةالبيئةفي الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الأخيرة تقنية التوليد الثنائي للطاقة - طبقها توماس إديسون لتوليد الطاقة الكهربائية- من اجل تحسين الكفاية الطاقوية وتخفيف تلوث الهواء، وتقوم هذه التقنية عبر أنظمة خاصة بتحويل الوقود الاحفوري إلى طاقة قابلة للاستعمال لتزود بعض الأبنية التجارية والمرافق الصناعية بالطاقة الكهربائية وميزة هذه التقنية الأساسية هي أنها تقوم بتحويل ما نسبته 80% إلى 85 % من محتوى طاقة الوقود المستعمل إلى طاقة قابلة للاستعمال علما أن محطات توليد الطاقة الحرارية التقليدية تحول ما نسبته 50% فقط من طاقة الوقود المستعمل وهو ما يعني أن تقنية التوليد الثنائي تخفض حجم ما يستهلك من وقود احفوري لإنتاج نفس الكمية من الطاقة التي تنتجها الطرق التقليدية.18

ورغم أن هناك العديد من المصادر النظيفة الأخرى المولدة للطاقة إلا أن تحديد عددها الدقيق لا يزال في غير متناول الجميع كون المرحلة الحالية تتسم بالتنافس البحثي الشديد بين مختلف الدول والشركات والمراكز البحثية المهتمة بابتكار تكنولوجيات الطاقة النظيف لايجاد حلول لمشكلات البيئة والأمن الطاقوي.

III.           هل ترقى الرهانات الطاقوية النظيفة إلى مستوى التحديات؟:

على الرغم من أن فكرة استبدال الطاقة الاحفورية بطاقة نظيفة اقل ضررا بالبيئة وأكثر استدامة صارت من الأفكار التي اعتمدتها العديد من الدول ذات الاقتصاديات الكبرى كإستراتيجية لتأمين الطاقة في المستقبل، إلا أن هناك العديد من التحديات التي تقف دون تحقيق الطاقة النظيفة لأهدافها المنشودة من ضمن تلك التحديات نجد : 

على المستوى المالي تواجه جهود إنتاج الطاقة النظيفة مشكلة تتعلق بعدم وجود قدرة تنافسية لأسعار الطاقة النظيفة، وقد أكد ذلك بعض المهتمين بالمجال الطاقوي من بينهم  رئيس قطاع الطاقة البديلة مانفريد انغيلهارد وهو خبير في مجموعة M+W النمساوية حيث ذكر أن المشكلة الأساسية للطاقة البديلة عموما هي عدم قدرتها على منافسة وسائل إنتاج الطاقة الأخرى من حيث الأسعار، فعلى سبيل المثال يقدر سعر إنتاج الكيلواط/ساعة من الكهرباء من خلال الطاقة الشمسية حوالي 20 سنتا/يورو بينما سعر الكيلواط/ساعة من خلال الطاقة النووية يقدر بـ 10 إلى 12 سنتا فقط.19

كما أن هناك تحد مرتبط بمخاطر تقلبات سعر الصرف لان الطاقة بشكل عام من المنتجات السريعة التأثر بتقلبات سعر الصرف الأجنبي، وبالنسبة للاستثمارات في مجال الطاقة النظيفة فهي عادة مرتبطة إما بالشركات المنتجة للطاقة أو بمشاريع الدول، وعلى الرغم من ان الاجماع الآن تحقق حول التغيرات المناخية التي سببها الانبعاث الحراري والغازي وتحقق ايضا حول ان أبحاث الطاقة النظيفة هي السبيل لحل هذا المشكل الا ان القليل من التقارير فقط هي التي تحدثت عن الطريقة التي ستمول بها مشاريع تطبيقات هذه الحلول التكنولوجية الامر الذي يزد من تراجع جدوى مثل هذه المشاريع، وقدرت وكالة الطاقة الدولية أن العالم في حاجة لاستثمار 17 تريليون دولار لتمويل التوسع العالمي للطاقة بما في ذلك مشاريع الطاقة النظيفة على مدى 25 سنة.20  

وعلى المستوى السياسي فإن هناك مخاطر تواجه مشاريع الطاقة النظيفة تتمثل في احتمالات ان تتراجع البلدان عن اتفاقيات شراء الطاقة التي تؤمن العائدات على المدى الطويل لمشاريع الطاقة والتي يتم مقابلها تقديم القروض، كما هناك عدم نضج في البيئة القانونية الخاصة بإنتاج الطاقة النظيفة مما يزيد من المخاطر التعاقدية، كما أن مجال الطاقة قد يخضع لتغير في المواقف السياسية مما ينعكس سلبا على هذا النوع من المشاريع.21

كما تتعرض هذه المشاريع إلى العديد من التحديات الفنية لندرة مشغلي الطاقة الذين اثبتوا حنكتهم في المجال من حيث الأداء الفني،والافتقار إلى الخدمات الهندسية المتخصصة وعدم التأكد من العناصر المتوفرة كأداء الرياح مثلا وتجهيزات الصيانة إضافة إلى مشكلة سرقات حقوق الملكية الفكرية التي تتعرض إليها الأسواق الناشئة في مجال الطاقة النظيفة.22

ولا شك أن الطاقة شأنها في ذلك شأن عدة مجالات تتأثر بشكل كبير بالأزمات الاقتصادية التي يمر بها العالم إن لم نقل أنها تدخل في بنية تلك الأزمات. ويوضح الرسم البياني الموالي اتجاهات الاستثمار في مجال الطاقة النظيفة خلال الفترة الممتدة بين 2004 و2009 ومدى تأثرها بالأزمة المالية الأخيرة بالنسبة لدول مجموعة العشرين مجتمعة وباقي دول العالم مجتمعة ايضا، فقد تراجع حجم الاستثمارات في هذا القطاع بشدة نظرا لتأثرها بتراجع الاستثمارات في مجال الطاقة عموما بعد الأزمة بسبب عدم استقرار استهلاك الطاقة عالميا.

المصدر: G-20 CLEAN ENERGY FACTBOOK, WHO’S WINNING THE CLEAN ENERGY RACE? Growth, Competition and Opportunity in the World’s Largest Economies p6.

 

ورغم انه لا يمكن تجاهل النتائج العلمية والميدانية التي حققتها وأتاحتها مبادرات تفعيل تكنولوجيا الطاقة النظيفة والبديلة والمتجددة حتى الآن، إلا أن الكثير من الباحثين يشيرون إلى أن هناك تغييرات عميقة وممتدة ينبغي على المجتمعات اتخاذها لتحقيق تقدم حقيقي في مجال خفض الانبعاث الحراري، فالتحول إلى الطاقة النظيفة أو الخضراء سوف يبقى محورا جوهريا للجهود وسوف يتطلب ذك تفعيل إجراءات واسعة على المستويات التكنولوجية والاقتصادية والسياسية خصوصا في ظل سيطرة الوقود الاحفوري في الوقت الحالي على 80 % من حصة توفير الطاقة العالمية المستخدمة،23 وفي كتاب نشره صمويل فورفاري Samuele Furfari****سنة 2007  بعنوان " العالم والطاقة الرهانات الإستراتيجية" يتوقع صامويل ارتفاع حصة استهلاك مواد الطاقة الأحفورية والمتمثلة في البترول والغاز والفحم إلى 88% من مجمل مصادر الطاقة في العالم.

الخاتمة:

رغم الجهود الدولية والإقليمية بخصوص إعادة نظر جميع الدول في سياسات إنتاجها وتوزيعها واستهلاكها للطاقة وهي في تطور مستمر حيث كان آخرها اجتماع رؤساء الدول والحكومات في القمة العالمية لطاقة المستقبل واتفقوا على ضرورة جعل قضايا البيئة محورية لتطوير مشاريع الطاقة المتجددة على المستوى العالمي، وتعزيز دور الحكومات في مواجهة التغيرات المناخية وما ينتج عنها من كوارث بيئية تهدد الأرض وتوفير مصادر بديلة للطاقة تحد انبعاث الكربون المسبب للانحباس الحراري، إلا أننا نلتمس من خلال كل ما تم ذكره في النقاط البحثية الثلاثة أن هناك ارتباط بنيوي بين بحوث الطاقة ومسألة تنفيذ سياسات الطاقة النظيفة ومدى ربحية المشروعات والاستثمارات المرتبطة بها ومدى وضوح رؤية الدول الراغبة في تبني استبدال الطاقة الأحفورية بطاقة نظيفة إضافة إلى قوة جذب المصادر الاحفورية للطاقة لرؤوس الأموال الموجهة للاستثمار في مجال الطاقة عالميا.

 وتدل توقعات خبراء الطاقة الواردة بخصوص المصادر الأحفورية للطاقة أن مكانة هذا النوع من مصادر الطاقة تتزايد حصتها في الأسواق العالمية للطاقة في الوقت الذي تسعى فيه سياسات الطاقة النظيفة إلى تقليص حصة المصادر الاحفورية، ويعود ذلك كما هو موضح في النقطة البحثية الأخيرة إلى قوة التحديات التي تواجهها الطاقة النظيفة لمنافسة الطاقة ذات المصادر الاحفورية إضافة إلى ازدياد صعوبة هذه المنافسة في ظل الأزمة المالية الأخيرة .

  وجميع هذه المؤشرات تجعلنا نصل إلى أن الطاقة النظيفة رغم أهميتها الاقتصادية والسياسية في تحقيق الأمن الطاقوي والاستقلالية الاقتصادية للدول ورغم أهميتها الأخلاقية المتمثلة في خفض الانبعاث المضر بالبيئة والإنسان، ورغم إجماع العالم حول ان الإنسان هو المتسبب الأول في التغيرات السلبية لكوكب الأرض وعليه السعي لتقليل تلك الأضرار، ورغم وجود الحلول العلمية الممكن انتهاجها للخروج من هذا المأزق، إلا انه لا يمكن حتى الآن الحديث عن دور حقيقي تلعبه الطاقة النظيفة كبديل لطاقة الوقود الاحفورية من أجل تحسين البيئة بشكل عام لان التجارب الناجحة في اعتماد الطاقة النظيفة وتحويل اقتصاداتها إلى اقتصادات خضراء والتي سبق ذكرها لا يمكنها تحقيق هذا الهدف منفردة، فالمشكلات المتعلقة بالبيئة ينبغي النظر إلى معالجتها في إطار تفعيل جميع دول العالم دون استثناء لسياساتها في هذا المجال نحو تحقيق هذا الهدف ومن الواضح أن قادة العالم الآن مدركين أكثر لهذه الحقيقة.

فقد ارتفعت أصوات عديدة قبل واثناء وبعد مؤتمر كوبنهاغن في 2010 لتذكر المجتمع الدولي بالحاجة الى مقاربة جدية للتعامل مع قضايا الاقتصاد والبيئة، وهو ما يعني إعادة النظر في علاقة جديدة للإنسان مع البيئة، ونجد اعترافا من طرف العديد من قادة العالم من بينهم ولي العهد البريطاني أن السبب الأساسي وراء التحدي المناخي ليس عدم وجود سياسات أو تكنولوجيات مناسبة للتعامل مع المشكلة ولكن الإشكال متعلق بغياب الرؤية الصحيحة التي تدرك أن الاقتصاد هو مجرد فرع من فروع الطبيعة، فالطبيعة هي الأساس وليس الاقتصاد وهي رأس المال الذي قام على أساسه التطور الاقتصادي.  

التهميش:

* حيث  تركزالتفكيرحينذاكعليإيجادموادوأجهزةقادرةعلى تحويلطاقةالشمسإلىطاقةكهربائيةوقدتماكتشافمادةتسمىالسيلينيومالتيتتأثرمقاومتهاالكهربائية لمجردتعرضهاللضوءوقدكانهذاالاكتشافبمحضالصدفة لان أساسالبحثكانلإيجادمادة عالية المقاومة الكهربائيةبغرضتمديد كابلاتللاتصالاتفيقاعالمحيطالأطلسي.

دكتور في العلوم التقنية وعضو في اتحاد الكتاب السوفييت **

***  مختص في مجال الطاقة الكهربائية ومتانة النظم التقنية.

1- فلاديمير كارتسيف وبيوتر خازانوفسكي، آلاف السنين من الطاقة، (تر: محمد غياث الزيات)  عالم المعرفة عدد 187  يوليو 1994، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ص ص 13-19.

2- نفس المرجع، نفس الصفحات.

3 - محمد رأفت اسماعيل رمضان وعلي جمعان الشكيل،الطاقة المتجددة،القاهرة وبيروت:دار الشروق ط2، 1988،ص21.

4- نفس المرجع، ص 23.

5- نفس المرجع، ص 26.

 

6 - مجد جرعتلي، أجندة التغيرات المناخية والكوارث البيئية ، 15- 02-2011

http://theenvironment.maktoobblog.com/7141

7- محمد رأفت اسماعيل رمضان وعلي جمعان الشكيل، مرجع سابق، ص 27.

8 -نفس المرجع، نفس الصفحة.

9- wisegeek, what is clean energy ? 15- 02- 2011 in  http://www.wisegeek.com/what-is-clean-energy.htm

10 - Ibid.

11 -محمد رأفت اسماعيل رمضان وعلي جمعان الشكيل، مرجع سابق،ص ص 10- 14

12 - آفاق المستقبل، وزير البيئة الدنماركي متفائل بمبادرة المدينة الخضراء، آفاق المستقبل العدد 04 مارس / افريل 2010 ص 107.

13- United Nations Environment Programme, ANNUAL REPORT 2010,UNON publishing services section,February 2011,p 19.

14 - مروة كريدية، قمة المستقبل تبحث تحديات التغير المناخي والطاقة البديلة، 15- 02- 2011 :

www.elaph.com

 -15مروة رزق، حرارة البشر مصدر جديد لإنتاج الطاقة النظيفة، بتاريخ 15- 02- 2011 :

www.moheet.com

16- نفس المرجع.

17 - لويس ميلفورد واليسون شوماكر ، حلول نظيفة لتوليد الطاقة، e jurnal USA وزارة الخارجية الأمريكية يوليو 2006 ص 35.

18-بشار حميض ومحمد المهدي عبد الوهاب، بلد الثورة الصناعية الثالثة، آفاق المستقبل العدد 04 مارس / افريل 2010، ص 107

19- ستيفن باري و مارك سيريلي ومارتن ويتاكر، خريطة طريق في الاستثمار في الطاقة المستديمة،e jurnal USAوزارة الخارجية الأمريكية يوليو 2006 ص40

20- نفس المرجع ، ص 42.

21- نفس المرجع نفس الصفحة

22- كارن ابو الخير، البيئة..قضية القرن الحادي والعشرين، السياسة الدوليةالعدد 179 يناير 2010 ، ص 39.

**** ، د.صموئيل فورفاري  ايطالي الجنسية يعمل منذ ربع قرن في إطار المفوضية الأوروبية وتحديدا في إدارة الطاقة والنقل، كان أحد المساهمين الرئيسيين في صياغة السياسة الأوروبية في هذا الميدان، وهو أيضا أستاذ مادة جيوستراتيجية الطاقة في جامعة بروكسل الحرة حصل على شهادة الدكتوراه عن أطروحة حول "تحول الفحم إلى غاز".

23-نفس المرجع، ص 38