متغير النص، من نمطية القراءة إلى سلطة الفعل القرائيpdf

دور الذات القارئة في بناء النص

د.حسين دحو ـ أستاذ محاضر (ب)                 

قسم اللغة والأدب العربي ـ جامعة ورقلة- الجزائر

Résumé :

. L’insaisissabilité du sens du texte, la multitude et la diversité des approches consacrées ont toujours été cause et prétexte chez les premiers tenants de la textualité à une indéfinitude, paradoxalement unanime, du Texte. Ni simple linéarité graphique de l’écrire, ni tracé élémentaire du mouvement dynamique de la pensée auctoriale en gestation, pas plus qu’acte individuel et personnel  de lectorialité ; l’appréhension du sens primordial du Texte se fonde indubitablement sur une tripartite éternelle : a)le soi créateur, b) la connaissance-conscience humaine et, c)le soi récepteur, lecteur et interprétant.

C’est pourquoi nous mettrons ici davantage l’accent sur le dernier élément du triumvirat textuel, sans pour autant ignorer l’importance des deux premiers. Dans cette juste mesure, le soi récepteur-lecteur-interprétant, que caractérise un ensemble de perceptions et de représentations intimement liées à la genèse des textes écrits, ambitionne de saisir dans leur disparité les réseaux de compréhension qui participent et contribuent à l’émergence du sens du Texte et de ses significations afin d’asseoir les pratiques d’une critique académique et universitaire véritablement autonome.

الملخص:

إن ّزئبقية مفهوم النص، وتعدّد واختلاف المقاربات التخصصية له، سبّبا التشتت وعدم الاتفاق بين المشتغلين على حقل النصانية حول مفهوم محدّد وقار للنص. إذ ليس هذا الأخير، سيرورة خطية لفعل الكتابة، ولا حركة ديناميكية لصدى أفكار الكاتب، ولا فعلا قرائيا فرديا، بل إن مفهوم النص متأسس على ثلاثة ركائز أساسية هي: الذات أوالذوات المنتجة، والمادة المعرفية، والذات أوالذات المتلقية والقارئة.

وليس يعنينا في هذه الورقة البحثية التركيز على العنصرين الأولين إلا بقدر معلوم ،حيث نوجه عنايتنا إلى الذوات القارئة ،التي تتميّز بتصورات وتمثلات متباينة للنصوص المكتوبة، تُشكِّل في مجموعها ما يسمى بمفهومية النص أو الشبكة المفاهيمية للنص،باعتبارها رافد مهما من الروافد المهمة التي تعتمده االعملية النقدية للنصوص.

توطئة:

«إن تنمية الحركة التفكيرية عند المتعلم أهم بكثير من تراكم المعلومات وكثرتها واختزان المتعلّم لها، علينا أن نتجاوز ذلك، وأن تُحرّك اللغة في المتعلم عقله وتفكيره، فهو أداة للتفكير»[1].

إنّ ما شهده ويشهده العالم المعاصر من وتيرة متسارعة، وحراك غير اعتيادي في استخدام وسائط المعرفة، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك؛ أن الطوارئ الحاصلة في المجتمعات بغية تطويرها ورقيّها، مرتهنة بطريقة تفكير هذه المجتمعات ومنهجها في تحصيل المعرفة، حيث ظلت القراءة بمدلولها الواسع الذي يتخطى البعد الفردي الزائل، والأثر التعليمي المدرسي، ظلت الرافد الأساسي والمسبب الفاعل في طلب المعرفة،وتمكينها في أفراد المجتمعات،ذلك أن القراءة هي الوحيدة التي تسمح للفرد بإظهار تفاعله مع باقي مسببات المعرفة وأقطابها الأخرى، منخلال ما يستمده الفرد من مدخلات من فعل القراءة وما يزوده به من مخرجات.

وتأتي هذه الورقة البحثية،لتنظر في القراءة بالبحث والتحليل في مرتكزاتها وشبكة علاقاتها، وكيف تتحوّل من فعل عام عابر إلى سلطة متحكمة في الفرد والمجتمع، فالقراءة وإن تأسست بفرض وجود مكوناتها التقليدية: الكاتب والنص والقارئ، إلا أنها لا ترقى إلى صفة الفعاليةوالنجاعة إلا بعد ضمان التفاعل بين هذه العناصر الأساسية، ذلك أن «القراءة لا تتحقق لمجرد وجود هذه المتغيرات، بل تنتج بالأساس على التفاعل فيما بينها، ويعني مفهوم التفاعل هنا، تبادل التأثير والتأثر بين أطراف هذه العملية»[2]وجوهر العملية القرائية تلك العلاقة الحادثة بين النص الذي يمثل نتاج جهد كاتب ما، وبين الذات والذوات القارئة،فما دام «الكاتب موجودا يبقى النص غير مكتمل، وبعد أن يطلق الكاتب سراح النص يبدأ وجوده الذاتي الصامت، إلى أن يأتي قارئ ويقرأه، لذا فإن جميع الكتابات تعتمد على سخاء القارئ الذي يبديه اتجاهها»[3].

والحال هذه،هل هذا يملّك القارئ ويُسوِّده على النص؟ هل سلطان النص اقوى أم سلطان القارئ؟ وهل لهذا الأخير دور في صناعة النص؟.هي جزء من مجموعة تساؤلات تحاول هذه الورقة البحثية الإجابة عنها.

في البدء.... كان النص

لم تستطع المقاربات التخصصية التي اعتنت بالبحث في مفهوم النص أن تضع له مفهوما واحدا جامعا، يوضّح حدود النص، ينظّم وظائفه ويعدد أهدافه«فتداخلت مصطلحات النص مع غيره من المصطلحات مثل الخطاب Discourse   والعمل أو الأثر Works، بيد أنّه تداخل لا ينفي حقيقة الفرق بين النص وغيره من المصطلحات التي تتاخمه أو تجاوره»[4]، فتلون الدراسات النقدية بألوان متطلبات عصورها وتأثرها بالعلوم العقلية والمنطقية، جعل مفهوم النص متراوحا بين تخمينات الدراس وما يوافق أفكار الاتجاهات التي تبنوها، فأصبح للنص عديد التعاريف التي «تعكس توجهات معرفية ونظرية ومنهاجية مختلفة، فهناك التعريف البنيوي، وتعريف اجتماعيات الأدب، والتعريف النفساني الدلالي، وتعريف اتجاه تحليل الخطاب...»[5] . فكان لزاما علينا أن ننظر فيما وقع بين أيدينا من هذه التعاريف، لتحليلها بغية استخراج العناصر الأساسية التي يقوم عليها مفهوم النص في هذه الاتجاهات جميعا.

بإدامة النظر واستطالته في الاتجاه البنيوي، يتوضّح لنا أن النص بنية ذاتية مغلقة، لا تسمح لأحد باختراقها إلا من خلال  وحداتها المكونة لها أو بالوقوع على البؤرة والنواة التي تشكّل محتوى النص، فالمؤلف الذي يعتبر الرحم التي أنتجت النص لا علاقة له به في نظر البنيويين، وليس له الحق في امتلاكه، إذ لا يعدو أن يكون مجرد «ناسخ ينسخ نصه، مستمدا وجوده من المخزون اللغوي الذي يعيش في داخله مما حمله على مرّ السنين»[6]، فالبنيوية أعلنت أن النص كيان مستقل بذاته يهدد القارئ بسطوته وسلطانه عليه، غير أن ما كان من تداخل بنى بعض النصوص وانغلاقها على نفسها أو تشابهها مع غيرها «فكل نص يقع في مفترق طرق نصوص عدة فيكون في أن واحد إعادة قراءة لها وامتدادا وتكثيفا وتعميقا»[7]، كل هذا، أكّد قصور المنهج البنيوي في اقتحام مجاهيل النصوص وسبر أغوارها، ولم تعد لسلطته من جدوى إلا في ظل صراعها مع سلطة القارئ ومقدار استفزازها له، لتنبثق العديد من المناهج الأخرى وعلى رأسها التشريحية أو التقويضية[8]التي اعتبرت نصانية النص تقع من خلال القراءة التي بفضلها «يكتسب النص أدبيته»[9]، ويتحول من مجرد وثيقة مكتوبة إلى كائن حي تدب الحياة في أوصاله بفضل الفعل القرائي وما يمارس على النص من نقود وتحاليل تختلف باختلاف طرائق ومناهج ممارسيه.

غير أن نظريات القراءة هي الأخرى، لم تسلم من الصدع الذي حلّ بها بفعل ممارسي هذا النشاط، إذ تباينت مستوياتهم واختلفت غاياتهم وتنوّعت وسائلهم في مقاربات النصوص وتحليلها، فمن القراء من يرى النص وثيقة تعينه على كشف نفسية المؤلف ليغدو صورة انعكاسية لحياته وسيرته، «ففي عالم النص يتم استدعاء معنى الكينونة وتثبيته بالكتابة لتتمكن الذات من تأويله وفهم رموزه»[10] ، وهو ضرب من القراءة السياقية التي «تجعل حياة المؤلف وسيرته شرطا أساسيا لتحليل النص، وعاملا مساعدا على تفسير إبداعاته»[11]لتسارع هذه الممارسة إلى تفسير النصوص بحسب ما جرى من مطابقات وقائعها لواقع حياة المؤلف الشخصية، مما يجعل التحليل النهائي صورة مشوهة عن حياة المؤلف، لذلك فإن القراءة السياقية «بالغت كثيرا في الإعلاء من سيرة صاحب النص على حساب النص نفسه، ولا سيما تطبيق نظرية الانعكاس على التحليل النصي وربطه ربطا ميكانيكيا بالمؤلف»[12]. لتتعدّد عقب هذا العقم أشكال القراءة وجماليات التلقي منتهية إلى البعد التداولي  والتأويلي الذي يُحدث اليوم ضجة عميقة في الدراسات اللغوية والنقدية، لنكتفي بتمثيله في الخطاطة الآتية[13]:

M060201

فالعملية التأويلية تخلص بالنص إلى أنّه انمحاء الظواهر الناتجة عن التفاعل والكتابة في دوال اللغة، وانمحاء الدوال في الأصوات والأصوات في العمليات المفاهيمية، لتجتمع كلها في نص مفتوح على التعدديات والمتواليات الدلالية.

ولعل من جملة التعريفات التي نضيفها إلى المفاهيم السابقة، ما جاء به بول ريكور، إذ يقول«لنسمّ نصاكل خطاب تبثّته الكتابة،.. يكون التثبيت بالكتابة مؤسسا للنص نفسه»[14]ويرى جاك دريدا أن النص «يقيم حدودا للعالم الذي يحمله من خلال صرامة الكتابة ومشروطيةتعبيريتها ، أي من خلال رابطة الدال والمدلول التي تختزن الكينونة إلى صيغة المعنى»[15]وأورد محمد مفتاح في مفهوم النص قوله: «النص إذن، مدونة حدث كلامي ذي وظائف متعددة»[16]، وقد جاء أيضا، في مفهوم النص أنّه «لا يمثّل بنية لغوية متسقة منطقيا، تخضع لتقاليد ثابتة يمكن الكشف عنها، بل يمثل تركيبة لغوية تعارض نفسها من الداخل، .. على نحو يجعل النص قابلا لتفسيرات وتأويلات لا نهاية لها»[17].

إنّ تحليل هذه المفاهيم جميعا، يفضي بنا إلى أنّ مفهوم النص يتأسس على جملة ركائز هي:

 اللغة: يتأسس النص على جملة من المكوّنات والبنيات اللغوية، التي تمثّل في اجتماعها لغة النص العامة التي تصنع المعنى وتُحدِث الفرق بين معاني مختلف النصوص، فالبنيات اللغوية التي تتضمنها محتويات النصوص غير متماثلة أبدا، لكن هذا لا ينفي وقوع التشابه فيما بينها الذي يؤكد حقيقة وجود التناص، ولغة النص تنقسم إلى قسمين: لغة منتج النص (الكاتب) ولغة الذات القارئة، أما الأولى قد تحمل معاني موجّهة ومقيّدة بالفعل الكتابي والشكل الخطي الذي هي عليه، والثانية، لا يمكن حصرها ولا تمثيلها جميعا في آن واحد، للتفاوت الحاصل بين المقبلين على  عملية القراءة.

‚البعد الخطي: كل نص مقيد بالكتابة، ولسنا نريد بالتقييد سوى الشكل الأول والأصلي الذي يكون عليه النص بعد فراغ محبرة مؤلفه وكاتبه، إذ تقوم الكتابة بربط البنيات اللغوية التي تمثل الدوال بالمعاني المرصودة لها في شكل مدلولات قد تكون ظاهرة أو مختفية أو إيحائية، تحتاج للعديد من العمليات التفسيرية للوصول إليها. ولسنا في هذا الصدد نقصي البعد الشفوي للنصوص، إلا أنّ الشفوية تُذهِب وتتسبّب في ضياع الكثير من خصوصيات النص الأصلي عبر انتقاله الزمني، بعكس النص المكتوب الذي يحتفظ بجوهره وتتغير نقوده من زمن إلى آخر في متوالية قرائية جمالية.

ƒ التواصل: يمتاز كل نص بالبعد التواصلي الحاضر فيه، فاللغة تصنع التواصل والكتابة تحافظ عليه والقراءة دافع لحصوله، هذا التواصل الذي يتزيا مبدئيا في ثنائية (المنتج والقارئ)، غير أنه يتجاوزهما إلى التأثير في المجتمع الذي ينتميان إليه، فيغدو النص مدوّنة جماعية تنتقل عبر أزمان مختلفة، يمثّل فيها النص السيد الأول بما يمارسه من سلطة ظاهرية لا تفتأ تختفي تدريجيا أو تنمحي في الذوات القارئة، التي تمارس بدورها سلسلة من السلطات تكون سببا في إنتاج النص مرّات ومرات لكن من غير رحمه الأولى، فتبقى الخصوصية للنص والبحث والاستكشاف للفعل القرائي.

إن ما جاء في ذكر هذه الركائز الأساسية لتشكيل مفهوم النص غير كاف، ذلك أن النص لا يمتلك هذه الصفة إلا في وجود منتج، وقارئ وعلاقة تفاعلية بينهما، وإلا لن تكون للكتابة هوية ولا خصوصية. والخطاطة الآتية توضح ذلك:

M060202

يتميز النص بدورة حياة مثل أي جنين، فهو يحتاج إلى رحم تحتضن البويضة الناشئة عن التخصيب الحاصل بين نطاف أفكار المؤلف والمرامي والمقاصد التي يريدها، فيكون المؤلف الرحم التي تحتضن النص، الذي يتغذى بدوره من مشيمة الذوات القارئة بما تحمل إليه من مدخلات ومخرجات لنشاط القراءة، وأخيرا يخرج النص إلى الحياة بعد تكامل العلاقة التفاعلية بين منتجه وقارئه من خلال احتمالات التفسير والتأويل للمعاني المنبثقة عن المضامين والمحتويات.وبهذا تكتمل دورة حياة النص، ففي البدء كان النص، ثم القراءة.

والخطاطة الآتية تفصل دورة حياة النص:

M060203

إنّ تفرد القراءة واختصاصها بنظرية تبحث في متعلقاتها، لدليل قاطع على أهمية هذا الفعل في الأوساط العلمية والثقافية، ودوره في تشييد قلاع العلم وصونه وترقية المجتمعات وعصرنتها، ولسنا في هذا المقام نذكر فوائد القراءة ولا نجتر مفاهيمها التي لم يخلو منها بطن كتاب من الكتب اللغوية والنقدية، بل نحن نسعى لمقاربة هذا السلوك أي القراءة من زوايا تعالقه مع النص، بالنظر في ثلاثة أمور أساسية هي: العلاقة بين القراءة والكتابة، العلاقة بين القراءة والنص، والعلاقة بين القراءة والقارئ.

Œالعلاقة بين القراءة والكتابة:

«إن الكتابة تأسيس لوجود تُنتزع عناصره من حقول شتى، وتتراتب فيما بينها في ذات الكاتب عبر سبل المعاناة والمكابدة، حتى تتلبس صورا من التعابير والحساسية، يجسّدها فعل الكتابة في نظم ترميزية باردة. فإن القراءة لن تقتصر همها ـ والحال هذه ـ على الفك الميكانيكي للرمز، بل يشمل التفكيك كافة التقاطعات التي أحدثها النص مع الحقول الأخرى... فتكون القراءة قد حقّقت خطوها الأولى بتفكيك المكتوب...»[18].

لقد آثرنا إيراد هذا النص المقتبس برغم طوله، لأنه يحدّد بدقة متناهية  ويرسم بشكل أنيق علاقة القراءة بالكتابة، هذه الأخيرة التي تعتبر تأسيسا وتجسيدا لوجود مخفي تم تركيبه في ذات الكاتب عبر سلسلة من الأفكار والعمليات العقلية العسيرة، إذ ليست الكتابة شكلا خطيا وحسب، ولا هندسة في رسم الحروف وضم الأصوات بعضها إلى بعض، بل هي الوعاء الحامل والمسؤول عن تحيين المعاني الخفية في لواعج الكاتب وإخراجها إلى الوجود، بتراسيم متنوعة من التعابير الموحية والرموز المختزلة لسيل الكلمات والأفكار، في مرحلة أولى، لتغدو بعد تحبيرها تصاوير لمعاني تحتاج إلى التفكيك والتفسير، ولا سبيل إلى تحقيق هذين العملين دون فعل القراءة، التي لا تكتفي بحل طلاسم الكتابة بل تتجاوزها إلى تكوين أفق آخر مع النص.

والجدير بالإشارة، أنّ فعلي الكتابة والقراءة متلازمان ومتداخلان، غير أن الكتابة تتقدم القراءة زمنيا، وهو ما لا ينفي لذة القراءة التي هي من صور لذة الكتابة «فلذة القراءة انعكاس للذة الكتابة، وكأن القارئ طيف للكاتب»[19]والخطاطة الآتية تلخص العلاقة بين القراءة والكتابة:

M060204

2-العلاقة بين القراءة والنص:

تنتهي العلاقة بين القراءة والكتابة، إلى قيام القراءة في مرحلة أولى بتفكيك عناصر المكتوب بما يمثله من محتويات النصوص، ثم إعادة كتابة الجزء المفكك في مرحلة ثانية، فالقراءة إذن، هي التي تمنح الكتابة صفة النصانية والبعد التداولي، وتحي النصوص ببعثها من مرقدها وتخليصها من أسر الرموز الجامدة التي قيدت حريتها، بالإضافة إلى ما تضمنه القراءة من بعد عمودي ممتد في التفاصيل الزمنية بين زمن الكتابة وزمن القراءة، لكن هذا، لا يعني في أي حال من الأحوال، استعلاء القراءة على النص ولا مزية لها في نفخ الروح، فيه إن كانت الكتابة قد ألقت النص جثة هامدة. فالقراءة والنص كيانين متصلين ومستقلين في آن معا، فلا وجود لنص من غير قراءة ولا قراءة من غيرنص، إذ يصنع النص الموضوع وتشكِّل القراءة بذواتها المختلفة الوسيلة والمنهج لطرق هذا الموضوع، فليست القراءة إلا «ذاتا فاعلة ومتفاعلة مؤثرة ومتأثرة، تمتلك وسائل ذهنية وحسية وحركية ووجدانية لتمكنها من الاشتغال على النص في سياق زماني ومكاني معيّن ومحدّد»[20]. ولعلنا، نستوضح العلاقة أكثر بين القراءة والنص، عند الاشتغال على كيفية القراءة ومراحلها عند القارئ فيما يأتي من عناصر.

Žالعلاقة بين القراءة والقارئ:

يعتمد ضبط العلاقة بين القراءة والقارئ، على تجاوز الحميمية القائمة بينهما كون القارئ الشخص الذي يمارس نشاط القراءة وحسب، فالقراءة «ليست عملية آلية تنطبع خلالها الكلمات أو العلامات في عين القارئ أو في وعيه تماما كما يحدث في عملية التصوير الفوتغرافي»[21]، ولأن هذا القارئ قد يكون «شاردا أو متعبا، فسوف تفلت منه جل العلاقات الدلالية النصية، ولن يتوصّل أبدا إلى دفع الموضوع إلى التشكل والتبلور»[22]، لذلك وجبت العناية والاهتمام بردات فعل هذه الذات أثناء نشاطها وفي مراحل ذروتها وخمولها، لأن هذا كفيل بضبط مميزات هذه الذات وتقييم مؤهلاتها التي تجعلها «تمارس فعل القراءة وتدرك الفرض الذي دفعها إلى الانخراط في هذا الفعل والدخول في علاقة تبادلية مع نص معين»[23]. فيا ترى من هي الذات القارئة؟

من يقرأ؟

إن سؤالنا هذا، لا يحتمل فرض وجود صفات نوعية تحملها الذات القارئة أو تُصنع بفضلها، بل يبحث فيما وراء صفات القارئ إلى قياس وعيه بذاته أثناء قراءة النصوص، وهل هذه الذات تتحقّق في خضم ذروة القراءة بين سطور النصوص؟ أم أنها تقاوم البنيات الدلالية في النص وتؤسس لبعد ووعي جديد خاص بها؟ أم أنها تكتشف فقط في كل مرة بعدا دفينا من أبعاد النصوص المقروءة؟ ويبدو أنه «من الصعب علينا أن نزعم أن الذات تمحو نفسها أثناء القراءة»[24]، لأن الذات القارئة تساهم إلى حد كبير في تجاوز النص لأزمة الزمن الفارق بين الكتابة والقراءة، فالنصوص تعاد قراءتها بديمومة متوالية فتنئ عن زمن كتابتها شيئا فشيئا، والأمر هاهنا منطقي، لأن النص «يتألف زمنيا جزءا بعد جزء ولا يوجد كليا بجميع أجزائه»[25]ففهم النص وإعادة تشكيل وحداته الدلالية بالنسبة للذات القارئة يأخذ منها حيزا زمنيا مهما، غير متوال ولا متناسق، فوضعية القراءة وغايتها وكيفيتها، مع ما اتفق من كفاية وكفاءة وجب توفرهما فيمن يقرأ، كلها جميعا متحكمة في مراحل العملية القرائية وفعاليتها، ولكي نعرف من يقرأ حقا، يكفي أن ننظر في دور الذات القارئة وعلاقتها بتشكيل النصوص المتمايزة والمتباينة.

لقد كان مفهوم القارئ الضمني لردح من الزمن، مدعاة للاختلاف بين المشتغلين على حقل النصانية، في إمكانية وجود هذا النوع من القراء في كل كتابة وفي كل نص «ففي عملية الكتابة نفسها هناك جمهور ضمني يمكن أن يتخذ أشكالا مختلفة بالنسبة للمؤلفين»[26]، وقد لا يكون هذا القارئ إلا صدى نفس الكاتب وهي تعيد قراءة وصياغة ما تنتج، تجويدا وتصحيحا، فأي أديب «عندما يكتب يستحضر في وجدانه جمهورا ما ولو لم يكن إلا هو نفسه»[27]، فالعلاقة بين النص والقارئ عميقة ووطيدة الصلة، فالقارئ موجود في النص في مراحل نشأته وقبل الفراغ من إنتاجه، وبعد الفراغ وأثناء القراءة، ولكنه متغيّر غير قار ولا مستقر، فقد يكون قارئا افتراضيا أول الأمر، ثم لا يلبث أن يصير ذاتا واقعية تمارس العملية القرائية.فكل الصور والهيئات التي تكون عليها النصوص، وأنواع الطباعة والتصفيف والتنضيد، مع اختيار الألوان والأوراق وحجم الغلاف، وسائر فنون التصميم والتسويق، كلها تستجلب القارئ وتسعى لجذب اهتمامه نحو بنياتها الدلالية التي تمثل القيمة المعنوية للنصوص، أو التحصيل الاقتصادي الذي يصبح فيه القارئ مستهلكا لسلعة تُعرض لتباع بشيء من المغريات التي تداعب شهوة القراءة الدفينة والكامنة في وجدان القارئ ووعيه.

إن إقبال الذات القارئة على قراءة النصوص، ليس فعلا اعتباطيا تلقائيا، بل هو موجه معلوم الدوافع، ومحدّد الغايات، مبني على اختيارات قبلية غيّرت مفهوم القراءة نحو نطاق أوسع من التلقي السلبي والمتعة المؤقتة التيتنتهي بالفراغ من السطر الأخير للنص، لقد تحوّل إلى جدلية تفرض حضور القارئ، وتمنحه فسحة من السلطة على النص تصنع ثنائية حوارية بين المعاني والأبنية اللغوية مع هذه النفسية المستعدّة للتحليل وإعادة البناء دون أن تُفقِد النص جوهريته، ولا أن تصيبه بالتشويه في أبنيته بترميمه أو هدمه وإعادة بنائه من جديد، لقد ساعد القارئ القراءة النصية وجعلها تتجاوز كونها «القراءة التقبّلية التي نكتفي فيها عادة، بتلقي الخطاب سلبيا اعتقادا منّا أنّ معنى النص قد صيغ نهائيا وحُدّد فلم يبق إلا العثور عليه كما هو أو كما كان في ذهن الكاتب»[28]. ولعلّ هذا، يتوضح أكثر في كيفية القراءة.

كيف يقرأ؟

عندما نناقش كيفية القراءة، فإننا لا نريد بذلك وصفة سحرية لكيفية معيّنة يصح تطبيقها عند كل ممارسة للقراءة، ولا أن نؤسس لنموذج فائق للفعل القرائي، لأن ذلك مما ينتفي ومعادلة المنطق البسيطة المفضية إلى التباين الحاصل في مستويات القراءة واختلاف أنواع النصوص مما يمنع اتحاد الذوات القارئة وتمثلها لمنهج واحد أثناء القراءة، فلسنا نسعى إذن إلا لتحصيل مراحل عامة لا غنى لكل ذات قارئة عنها، تمرّ بها وتسِمُها ببصمتها الخالصة المتعلقة بكفاءتها في ممارسة التحليل والبناء، «فعندما نتساءل عن الكيفية التي يقرأ بها الفرد، فإننا نتساءل في الواقع، عن أهم المراحل التي يعتمدها لتحقيق هذا النشاط، وذلك بغض النظر عن الاختلافات في مواصفات ومستويات القراء، وعن أنواع الوثائق والنصوص المقروءة»[29].

انطلاقا من الوضعية السابقة، التي تحدّد علاقة النص بالقارئ، فإننا نقسم المراحل التي تمر بها العملية القرائية إلى أربعة مراحل تتوزع بالتساوي بين النص والقارئ، فأما المرحلتين الأولى والثانية تبرزان سلطة النص ودوره في توجيه القارئ والعبث به أحيانا، والثالثة والرابعة تصنعان الذات القارئة بفعل قدراتها الخلاقة ومنهجيتها الصارمة في مقاربة النصوص، وفيما يأتي بيان تفصيل هذه المراحل[30].

Œالمرحلة الأولى:

وهي التي تتهيأ فيها الذات القارئة لاستقبال النص، بأن تستحضر خبراتها السابقة وتجاربها الماضية قبل أن تباشر قراءة النص، لذلك يمكن اعتبارها مرحلة التوقع أو الانتظار، وتشكيل الهندسة الأولية لمحتوى النص، فأية ذات قارئة لا تقف خاوية الوفاض أمام ما تحاول أن تقرأ«فأمام أية وثيقة أو نص مكتوب يقف القارئ بذهن بعيد عن أن يكون عبارة عن صفحة بيضاء، فهو ذهن محشو بجملة من التمثلات والتصورات والخبرات الماضية التي تجعله يدخل منذ الوهلة الأولى في تفاعل مكثف مع النص الموجود بين يديه»[31]. وقد يحصل للذات القارئة بعد شروعها في القراءة كسر لهذه التوقعات والانتظارات، حيث يتعمّد النص استفزاز هذه الذات وترويعها بما هو غريب عن تجاربها السابقة وخبراتها المستهلكة، فتجد نفسها مرغمة على الانصياع لسلطة النص، قبل التملص منها بعد تأسيس التصور العام في موضوع القراءة.

المرحلة الثانية:

في هذه المرحلة تشرع الذات القارئة في استكشاف خفايا النص، متوسلة بما يثير انتباهها من مثيرات مدسوسة، تستعين بها في تشكيل أولى خطوات العملية القرائية، حيث يبسط النص في هذه المرحلة سطوته على القارئ ويستلبه قدراته المعرفية بتوجيهها نحو منهج معين ونمط مخصوص في القراءة، بما تقع منه الذات القارئة على المدسوسات التي وزّعها الكاتب في النص، محدثة اضطرابا وتوترا مستمرا للذات القارئة ترغمها في كل مرة على تصحيح وجهة نظرها وتعديلها بما يتناسب مع محتويات النصوص المقروءة، «ذلك أننا نقرأ النص وننساب مع خطيته أحيانا على فقرة كاملة، ثم فجأة نتعثّر على شيء ما مزروعا فيها غير متوقع، فتحدث الرجة التي تنبه القارئ وتنفض عن العقل خضوعه وتخديره»[32] .

إنّ ما يفعله النص بالذات القارئة كلما توغلت فيه، فعل مقصود وغير بريء ولا عفوي، يضمن به النص الحضور المتواصل لوعي القارئ، بانتباهه إلى المزالق الأسلوبية والانحرافات الدلالية من أجل الانتهاء إلى تشكيل بعد مفاهيمي سليم يعين على التأويل المقبول لمضامين النصوص المقروءة، فرغبة النص في الاستحواذ على القارئ وكسر شوكته نابعة من رغبة كاتبه في التفوق على هذه الذات التي توقّع شهادة حياة ما ينتجه، فيسعى الكاتب في مرحلة مبكرة إلى جذب اهتمام القارئ واستحضاره إلى جانبه بشكل متسمر، إذ «يحاول جذب اهتمام القارئ باستبعاد القراءة المسترسلة من خلال مضاعفة المثيرات الضرورية لفك مجمل النص»[33]، ليسجل الكاتب في الخطوة الثانية إقرار القارئ واعترافه بالسيادة عليه، وأسبقية الكاتب وأفضليته، وما هذا الإقرار إلا بفعل المثيرات التي صارت مطبات دفينة في النص تنهك الذات القارئ وتستنفذ مخزونها المعرفي وتجاربها القرائية السابقة، فتصل في أقصى غايات قراءتها إلى ما وضعه الكاتب أو اعتقد أنه وضعه وعبّر عنه من هدف، ولكن هذه «الأفعال غير البريئة التي يعمد إليها الكاتب وهو ينتهك القواعد لإحداث الرجة المأمولة والتي تضمن له حضور القارئ في نصه، والطريقة التي يجب أن يلتفت بها القارئ لعلامته»[34]، إلا أن هذه الأفعال لا تحقق مبتغى الكاتب في جميع الأحوال، لأنه يجهل نوعية الذات القارئة ومستواها وكفايتها في التعاطي مع نصه، هذا الجهل الذي يدفع إلى التهور المفضي إلى القضاء على العملية القرائية وزوالها، لأن النص في نظر الذات القارئة أصبح جزءا من عملية مفاهيمية معقدة لا تستطيع المضي قدما في بنائها، فما يجب أن يقلق لأجله الكاتب أكثر هو «غياب القارئ وعدم توقعه، لأننا لا نضمن أبدا أن أي مثير سيوقفه، بل الكيفية التي سيلتفت بها إليه فيفككه وهي مغامرة يُقبل عليها بقلق شديد، وكذا الناشر الذي يتحمّل تبعات الانتهاكات المتكررة في النص»[35].

المرحلة الثالثة:

وهي التي تقع مباشرة مع ملامسة الذات القارئة لكوامن النص والوقوع منه على بنيته الأسلوبية المنزاحة والمتحرّفة عما تبدو عليه، إذ تعتبر بمثابة نقاط النفاذ إلى بنية النص الأساسية، وإلى بؤرته التي تتوسط سلسلة من الدوائر المعنوية النابعة من الأساليب اللغوية الظاهرة والمختفية، وهي إيذان بانتهاء سلطة النص وتأسُّس ملامح الذات القارئة بشكل بارز، فتتدفّق تصوراتها الناشئة عن تفجير بواطن النص، ويصبح لتكوين الذات القارئة ومستواها، الشأن الأعلى في ممارسة سلطتها على النص وترويض معانيه وتحويلها نحو تصورات القراء شيئا فشيئا، لترغم النص على التنازل عن غاية كاتبه ورؤيته إلى غايات الذوات القارئة ورؤاها على اختلافها وتنوعها، ذلك أن الكاتب لا يرى في نصه إلا نفسه، «إن المؤلف لا يستطيع أن يرى في عمله الأدبي غير الأشياء التي وضعها بنفسه فيه، إنه لا يلتقي في أي جزء من النص سوى بمعرفته هو، وبإرادته هو، وبمشاريعه هو، وباختصار بنفسه ذاتها، ... أما الموضوع الذي أبدعه بنفسه، فلن يبلغه أبدا»[36].

إن النص والحال هذه، يصبح عاجزا يحتاج إلى طرف ثان يستكشفه ويبعث الحركة في كوامنه، فيتفجر إبداعه استعدادا للانفتاح على تعدد الدوال والمدلولات، ولا سبيل للنص في تحقيق هذه الغايات إلا الركون والخضوع إلى سلطة الذات القارئة التي تعتبر«مشاركتها ضرورية لأنها هي التي تبدع أو تخلق الموضوع الجمالي المرجأ»[37]، دون أن تتسبّب سلطة الذات القارئة في هدم الأبنية النصية، بل تتوسل بها في تأسيس وهندسة آفاقها التصورية وتمثلاتها الآتية لما تقرأه وتسعى إليه.

المرحلة الرابعة:

وفيها نسجل «شروع القارئ في النأي بفكره عن النص»[38] أي الانتقال إلى التأويل بعد عمليتي التفسير والتحليل، فتتحد فيها رغبة القارئ ومحتوى النص، وتنتهي العملية القرائية إلى كشف مواطن الإبداع والجمال في النص، ليس تلك التي أرادها الكاتب وحسب، ولا تلك التي توصلت الذات القارئة إليها فقط، بل مجموع العلاقة التفاعلية بين النص والقارئ وما ينتج عنه من أبعاد دلالية كثيرة، تتيح انفتاح النص أفقيا وعموديا أي باختلاف زمن القراءة ومستواها.

 وفي هذه المرحلة أيضا، تتساوى سلطة النص وسلطة الذات القارئة فيحدث نوع من التوازن والتكافؤ بينهما، يزيل التفاضل والتفاوت الحاصل بين النص (الكاتب) والذات القارئة، ويجعل العلاقة التواصلية مضمونة الحدوث وزاخرة النتائج بين القراءة والكتابة «إن فعل القراءة مضافا إليه فعل النص، يولّد أثرا، وهي نطفة أمشاج بين القارئ والكاتب يشتركان في إيجادها، بتزاوج مقصدية الكاتب وغرضية القارئ، يتكوّن اللقاء وسطا بين هذا وذاك»[39]، فتتغير أبنية النص الدلالية بفعل القراءة وتنقلب إلى غايات جديدة ومعاني دخيلة على معاني النص الأصلية وذلك«بتحوّل اللغة من خطاب قولي إلى فعل بياني، وتخييل الواقع الإنساني بانقلابه إلى سحر إبداعي»[40]، فتتوحد الذات القارئة مع النص وتشكل صورة دقيقة للتلاحم بين دوال الكاتب ومدلولات القارئ، وبالتالي يصبح سلطان النص وسلطان الذات القارئة سلطانا واحدا يتحقق فيه وجودهما بالتناوب.

الخاتمة:

مما سبق طرحه في عرض هذه الورقة البحثية، وطرقه من عناصر تكفّلت بتوضيح العلاقة الناشئة والحاصلة بين الكاتب والنص والقارئ، فإنه يتبدّى لنا بشكل جلي أنّ بناء المعرفة المعنوية والجمالية لا يكون إلا بحصول التوافق والانسجام بين أطراف العملية القرائية (مؤلف، نص أو أثر أدبي، متلقي وقارئ) «فعناصر الموقف هاهنا ثلاثة: كاتب، وكتاب، وقارئ، فلولا الكاتب وكتابه (وفي هذا يدخل الشاعر وقصيدته) لما كان قارئ، وبالتالي لما كان ثمّة ناقد، وكذلك لو كتب كاتب كتابا لغير قارئ ــ في حاضر الأيام أو مستقبلها ــ كأن يستخدم  رموزا لا يفهمها سواه، لفقد الكتاب أخصّ خصائصه، وبطل بهذا أن يكون كتابا بالفعل والأداء، فعملية التوصيل من الكاتب إلى القارئ ــ عن طريق الكتاب ــ شرط ضروري لتكتمل للموقف عناصره»[41]، ذلك أن ما يعرضه النص من أفكار وأبنية لغوية ورؤى معرفية، لا يريد منه إلا بناء علاقة تواصلية مع الذوات المستقبلة والقارئة لهذه العناصر، ثم إن ما تستلهمه هذه الأخيرة من مقاربتها لمحتويات النصوص والنظر فيها بالتدقيق في التفسير والتحليل، يدحض كل شك وينفي كل مزعم باطل يرى وجود حيّز للمفاضلة بين النصوص والذوات القارئة، إذ لا يحصل للنص تعريف ولا بيان إلا بفضل ردّات فعل الذوات القارئة، ولا يكون لهذه الذوات رؤى ولا توجه معلوم إلا من خلال ما تقع عليه من درر وجواهر في كوامن النصوص ومحتوياتها.

فليست المسألة باستعلاء وتسويد أحد أطراف العملية القرائية، بل الجوهر كل الجوهر في كيفية تحصيل العلاقة التفاعلية بينها، فقد يمارس النص سلطته في أحايين كثيرة بفضل ما يشحنه به كاتبه وهو حق مكفول له في العملية القرائية، وأيضا، تمارس الذوات القارئة في أحايين أخرى سلطتها على النص لمحاولة تفتيت أبنيته الدلالية وتأسيس خرائط مفاهيمية خاصة بها تساعد في حصول الفائدة وعمومها.

إذ ليس يعادل سلطة النص ويوازيها إلا سلطة الذات القارئة، فبالأول يكون الثاني، وبالثاني يحصل الأول، وبهما جميعا تتأسس العملية القرائية، كما هو موضح في الخطاطة الآتية:[42]

M060205

من خلال الخطاطة السابقة، يتّضح أن العملية القرائية محاطة بمجموعة من السياقات المتوزّعة على أركانها بشكل منتظم، تسمح بتجسيد نسق قرائي مرن ذو بنية فضفاضة لا تحدّ من حركية العناصر المكوّنة لكل سياق وتموضعها تبعا للمتغيّرات التي تطرأ عليها، وهو ما يؤكّد عمل النظرية السياقية على تجاوز الأحادية المضروبة على العملية القرائية بفعل التركيز على أحد  أطرافها في الاهتمام النقدي، ممّا يتسبّب في عدم نضج الطروحات النقدية المنفصلة والمنعزلة بفعل هذه الأحادية، وإن كنا ندعو إلى ضرورة التفاعل بين النص والقارئ، فلسنا نقصي ما يجب أن يكون عليه كل طرف منها من جاهزية وتأثيث معرفي، فالنص يزوده منتجه بما يراه لازما وضروريا لاستقامته وتوجيهه نحو مستقبليه، ويجب أن يمتلك القارئ مجموعة من البنياتلتساعده في بناء قاعدة نقدية صارمة غايتها فقه المقروء والوقوف على بواطنه وما يحويه من عناصر ومعاني أساسية، تجسّد المرجو من فعل القراءة، فالبنيات هي «الخصائص التي تميّز القارئ في استقلال تام عن سياق القراءة»[43]، فالمعرفية منها تشتمل على المعارف اللغوية المكتسبة والمتراكمة طيلة مراحل تعلم القارئ، بما فيها الخبرات الشخصية التي تسبق سن التمدرس أو الوعي التعليمي، إضافة إلى اجتماعها بمعرفة المحيط التي تهيء له التواصل مع العالم الواقعي وما يوجد بين يديه من مادة معرفية يستغلّها في عقد الصلة بين المقروء والعالم الخارجي.

  وتترتب المعارف اللغوية في مستويات أربعة الغاية منها التحكم التام، في عملية القراءة من مختلف جوانبها، الصوتية، بالتعرف إلى خصائص أصوات النظام اللغوي الذي يقرأ فيه مادته، ليسلمه بدوره إلى النظام التركيبي الجُملي الخاضع لقواعد نحوية موضوعة واستعمالات لغوية متداولة تفيد الجانب الدلالي وتتكفل بنقل المعنى نقلا أمينا وصحيحا، دون إهمال البعد التأويلي الذي يشارك فيه القارئ مجموعة من الذوات القارئة تجمعهم نفس الغاية وتفرق بينهم الأداة والاستراتيجية التي تمنح كل واحد خصوصيته القرائية.

  كما يجب أن تتوافر إلى جانب هذه البنيات مجموعة من العمليات يقوم بها القارئ أثناء ممارسته لفعل القراءة، تحدّد كيفية استخدامه لمهاراته المكتسبة والضرورية في تلقي النصوص والتعامل معها، ابتداء بالقراءة الأولية للتعرف إلى المضمون، ثم الشرح والتحليل للوقوف على أبنيتهالأساسية ومن ثم مقاربتها بما توفر للقارئ من مادة سابقة مختزنة في ذاكرته طويلة المدى، وأخيرا إعادة بناء النص دون إهمال معارفه الأولى. لتوضّح الخطاطة الآتية سيرورة هذه العملية.[44]

M060206

إن المواظبة على ممارسة الفعل القرائي بوعي تحليلي وحس نقدي، تُسهم في رفع مستويات الإنتاجات الأدبية، وتضمن لها الاستمرارية الفكرية المصاحبة للفعل التداولي عليها، بمقاربتها من مختلف الزوايا والرؤى التي تنتهي إلى قراءتها بأشكال مختلفة ومتميزة، يجمع بينها رابط التذوق الفني مع العمل على فهم المقروء بشكل استفزازي يسمو بالذوات القارئة نحو إعادة هيكلة النصوص وفق أدواتها الإجرائية التي استعملتها في فعلها القرائي لتحصيل الفهم العام الكفيل بشحذ همم المتعلمين والمقبلين على القراءة بنهم معرفي كبير، ولا يحصل ذلك إلا بتلك العلاقة الرفيعة والحميمية التي توجدها القراءة بين النص والقارئ فيستمر كل منهما باستمرار ووجود الآخر.

هوامش الورقة البحثية:



[1] سعيد جاسم الأسدي، مقال موسوم بـ:القراءة الأدبية الناقدة، نقلا عن الموقع الالكتروني:         http://www.boutiquedz.com/joomla/index.php/article/77-2011-11-30-18-07-37

[2] عبد اللطيف الجابري، عبد الرحيم أيتدوصو، المصطفى حاجي، تدريس القراءة الكفايات والاستراتيجيات دليل نظري، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2004م، ص 11.

[3] البرتو مانغويل، تاريخ القراءة، تر: سامي شمعون، دار الساقي، ط01، 2001م، ص 207.

[4] لمزيد من التوسع، ينظر: يونس عوض، نظرية النقد الأدبي الحديث، دار الأمين، القاهرة، ط01، 1414هـ/1984م، ص 49، 50.

عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط04، 1998م، ص 53-63.

فاضل ثامر، اللغة الثانية في إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح في الخطاب النقدي العربي الحديث، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط01، 1994م، ص 75.

[5] محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري استراتيجية التناص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط04، 2005م، ص 119.

[6] عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير، ص 72.

[7] مارك أنجينو، مفهوم التناصقي الخطاب النقدي الجديد، تر: أحمد المديني، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط01، 1987م، ص 103-105.

[8] وهي من ضمن المصطلحات التي أطلقت على تفكيكية جاك دريدا.

[9] رشيد بن حدو، مقال موسوم بـ: العلاقة بين القارئ والنص في التفكير الأدبي المعاصر، مجلة عالم الفكر، تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، مج 23، ع01 وع02، 1994م، ص 483.

[10] عمارة ناصر، اللغة والتأويل مقاربات في الهيرمينوطيقا الغربية والتأويل العربي الإسلامي، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف، دار الفارابي، ط01، 1428هـ/2007م، ص 21.

[11] أحمد يوسف، القراءة النسقية سلطة البنية ووهمالمحايثة، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف، ط01، 1428هـ/ 2007م، ص 198.

[12] المرجع نفسه، ص 199.

[13] عمارة ناصر، اللغة والتأويل، ص 11.

[14] بول ريكور، من النص إلى الفعل أبحاث التأويل، تر: محمد برادة وحسان بورقية، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة، ط01، 2001م، ص 105.

[15] عمارة ناصر، اللغة والتأويل، ص 11.

[16] محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري، ص 120.

[17] كريستوفر باتلر، مقال موسوم بـ: التفسير، التفكيك والإيديولوجيا، تر: نهاد صليحة، مجلة فصول، مج 05، ع 02، 1985م، ص 80.

[18] حبيب مونسي، نظريات القراءة في النقد المعاصر، منشورات دار الأديب، وهران، 2007م، ص 21.

[19] المرجع نفسه، ص 20.

[20] عبد اللطيف الجابري، تدريس القراءة، ص 14.

[21] عبد الكريم شرفي، من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف، ط01، 1428هـ/2007م، ص 133.

[22] المرجع نفسه، ص 133.

[23] عبد اللطيف الجابري، تدريس القراءة، ص 13.

[24] وليام راي، المعنى الأدبي من الظاهرتية إلى التفكيكية، تر: يوئيل يوسف عزيز، دار المأمون للنشر، 1987م، ص 29.

[25] المرجع نفسه، ص 29.

[26]مانفريدفاومن، مقال موسوم بـ: المؤلف، المرسل إليه، القارئ، تر: عبد القادر بوزيدة، مجلة اللغة والأدب، جامعة الجزائر، ع02، 1993م، ص 167-168.

[27] روبير اسكاربيت، سوسيولوجيا الأدب، تع: أمال أنطوان عرموني، سلسلة زدني علما، عويدات للنشر والطباعة، بيروت، لبنان، ط03، 1999م، ص 105.

[28]حسين الواد، القراءة والكتابة، منشورات جامعة تونس، (د،ط)، 1988م، ص 189.

[29] عبد اللطيف الجابري، تدريس القراءة، ص 18.

[30] إن هذه المراحل من وضعنا، بعد النظر في عديد الكتب التي اعتنت بعلاقة القارئ بالنص، وحدّدت للقراءة كيفيات كثيرة ومتنوعة.

[31] عبد اللطيف الجابري، تدريس القراءة، ص 19.

[32] حبيب مونسي، نظريات القراءة في النقد المعاصر، ص 22.

[33] المرجع نفسه، ص 22.

[34] المرجع نفسه، ص 22.

[35] المرجع نفسه، ص 22.

[36] عبد الكريم شرفي، من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة، ص 130.

[37] المرجع نفسه، ص 135.

[38] عبد اللطيف الجابري، تدريس القراءة، ص 21.

[39]حبيب مونسي، نظريات القراءة في النقد المعاصر، ص 29.

[40]عبد الله الغذامي، تشريح النص مقاربات تشريحية لنصوص شعرية معاصرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط02، 2006م، ص 113.

[41] زكي نجيب محمود، في فلسفة النقد، دار الشروق، القاهرة، ط.01، 1399هـ/1979م، ص 109.

[42] حسين دحو، مقال موسوم بـ: المنهج السياقي أداة إجرائية في قراءة النص الأدبي، مجلة مقاليد، دورية أكاديمية تعنى بالنقد ومصطلحاته، تصدر عن مخبر النقد ومصطلحاته، جامعة ورقلة، الجزائر، ع01، جوان 2011، ص 77.

[43]Vincent JOUVE, La lecture, Hachette, Paris, 1993, p39.

[44] حسين دحو، مقال موسوم بـ: الكفاية القرائية ومهارة الفهم: رهان تكوين معلم متعلم، مجلة الأثر، تصدرعن كلية الآداب و اللغات، جامعة ورقلة، الجزائر، ع10، 2011م، ص 346.