الكرنفالية في السرد العربي القديم: مقامات الحريري أنموذجاpdf

 

 

أ /أحمد زعزاع   

كلية الآداب واللغات

جامعة الجزائر 02

Résumé

Le Carnavalesqueestconsidérécommeétant le plus important concept qu’àconçu BAKHTINE danscesrecherchesconcernant la structure spécifique du roman et son évolution en tantque genre littéraire, ainsiquesa relation avec des genres d’expressionpopulaire, notamment le carnaval qui a transité de ces formats divers, telque le grotesque et la relation entre le sérieux et le rire et l’attaque du sacré, au monde de la littérature. Dansnotreapproche, pour laquelle on a choisi les textesd’EL HARIRI, nous tenterons de nous arrêter au concept de BAKHTINE sur le Carnavalesque, et suivre son travail surcestextes, sans se limiter à la théorie, pour cause de la spécification de la critique occidentalecontemporaine de la créativité de l’orient, notamment le populaire.

الملخص:

يعتبر مفهوم الكرنفالية من أهم المفاهيم التي صاغها باختين في سياق بحثه عن التشكل النوعي للرواية وتطورها كجنس أدبي، حيث حاول ربطها بجذور تمتد إلى أشكال التعبير الشعبية، وعلى رأسها الكرنفال، الذي انتقل بأنساقه المختلفة، كالضحك والمزج بين الجد والهزل ومهاجمة المقدس، وكذا استعمال القناع والتورية، إلى عالم الأدب.

وسنحاول في مقاربتنا هذه، التي اخترنا لها نصوص الحريري مدونة الوقوف عند المفهوم الباختيني للكرنفالية، وتتبع حدود اشتغاله في تلك النصوص،من غير قسرها على الاستجابة للنظرية،وذلك للخصوصية التي تميّز "المعطى النقدي الغربي الحديث"عن "المتناوَل الإبداعي العربي" و"التراثي" منه خاصة.

العرض

يربط باختين، في دراسته عن شعرية دوستويفسكي، بين الرواية وجذور نثرية في أشكال أدبية قديمة، منها ما جسده الخطاب الكرنفالي، الذي انتقل بحمولته إلى مجال الأدب، وفي دراسته اللاحقة عن فرانسوا رابليه والثقافة الشعبية، تعمّقت نظرته لتلك الأشكال الشعبية ودورها الفاعل في ظهور الرواية وتطورها، بما جعله ينطلق في التنظير لنشأة الجنس الروائي وتطوره من تصور مختلف عن المحاولات التنظيرية الأخرى، يجعل لبعض الأنساقالكرنفالية دورا كبيرا في تحديد الجنس الأدبي .

1. مفهوم الكرنفالية:

لا يمكن الحديث عن الكرنفالية (Carnavalesque) كمفهوم مستقل بذاته، بل يذهب باختين إلى توضيح المفهوم من خلال العرض لمفهوم الكرنفال وطقوسه، بما يجعل مفهوم الكرنفالية يتحدد من خلال أنساق الكرنفال التي يعمد صاحب النص إلى إدخالها وتمريرها داخل نصه الأدبي.

1.1. الكرنفال ومعارضة النسق:

ارتبط الكرنفال(Carnaval)في الأساس بالاحتفالات الشعبية التي كانت تسبق موسم الصيام العظيم عند النصارى، والتي تميزت بالانفتاح الكلي والانغماس في الملذات واقتحام كل المحظورات قبل الانقطاع عنها للصوم. ثم ابتعد المفهوم بعد ذلك عن الأبعاد الدينية، ليتجسّد كمظهر من مظاهر معارضة كل محاولة احتواء سلطوي، ديني وأخلاقي خصوصا، بارتكازه على كسر النسق المتعارف عليه(1). وبالنسبة لباختين، الكرنفال هو "أكثر من مجرد حدث احتجاجي، إنه ثقافة فرعية نقدية، تشكك طقوسها وأنشطتها في الأخلاق السائدة والمعايير المتبعة، التي تقدم في سياق محكوم بقانون خارجي، كاريكاتوري وهزلي"(2).

ويرى بيير زيما أن الكرنفال كقوة نقدية يتصادم مع أربعة عناصر مهمة في الثقافة الرسمية، بعمله على(3):

$1-        نفي التراث عن طريق تفضيل الاستمرارية والمستقبل، الذي يجسده التحول الدائم.

$1-        نفي جدية الثقافة الرسمية عن طريق التهريج والطابع البهلواني للكرنفال.

$1-    المقابلة بين الزهد الروحاني للدين في العصور الوسطى، وبين الاشتغال بالحياة، بطرائق متعددة كالتأكيد على الوظائف الجنسية والبرازية للجسد، على اعتبار أن الثقافة السائدة زهدية ومثالية، في حين أن الثقافة الفرعية الكرنفالية هي مادية وشهوانية.

$1-    خلق التعارض بين الحياة والموت، حيث لا يعترف الكرنفال بأخرويات اللاهوت الرسمي، وذلك بنفيه وكذا بالجمع بين الموت والميلاد. ويتم في الوقت نفسه تخطي التعارض العضوي لدى الإقطاعية بين الحياة والحياة الأبدية.

الكرنفال بذلك تجسيد للتعارض الموجود بين الرسمي والشعبي. وتركيز باختين عليه هو تركيز على ما يتجلى على مستواه من مظاهر الثقافة الشعبية التي تتجسد وفق أشكال متنوعة، كالطقوس والعروض العامة، التي تستثمر في الجسد من خلال مجموعة من العمليات باستعمال القناع (Masqueأو تضخيم الجسد أو تقزيمه، وما إلى ذلك جاعلة من القبح الكرنفالي المضحك (Grotesque) في أحيان كثيرة مقياسا في تحديد قيمة الأشياء(4)، والأعمال اللفظية الضاحكة واستعمال الشتائم مثلا، الخطابات الساخرة الخاصة بالاجتماعات الشعبية(5).

2.1. الأنساق الكرنفالية:

إن باختين- كما رأينا سابقا- ينطلق في تصوره للرواية من محاولة الربط بينها وبين أشكال تعبير شعبية، كان من أبرزها الكرنفال الذي تجاوز عند باختين طقوسياته البسيطة إلى فعل مؤسس لحالة استقطاب بين المركز والهامش، على اعتبار أن الكرنفال يمثّل "حدثا شعبيا نقديا موجها ضد الثقافة الرسمية"(6). وبالتالي فإن مسألة إضفاء الطابع الكرنفالي على الأدب واحدة من المسائل الهامة جدا الخاصة بالقوانين التاريخية لفن الإبداع، خصوصا قوانين الإبداع الخاصة بالأصناف الأدبية(7).وأهم السمات الأساسية للحدث الكرنفالي،التي انتقلت إلى التجسيد الأدبي هي:

1- تعدّد الأصوات (la polyphonie):وذلك برفض الوحدة الأسلوبية، حيث تعتمد أصناف الأدب المرتبطة بالخطاب الكرنفالي على بنية منفتحة على الأشكال الأدبية المختلفة واللغات واللهجات المتعدّدة، التي تجسد التنوع اللغوي الموجود في الواقع، في أسلوب قصصي متعدد النغمات، يمزج السامي بالوضيع والجاد بالمضحك، ويستخدم السخرية والتهكم كأسلوب فني، يعارض فيه الأصناف الجادة(8).

2- الازدواج القيمي (l’ambivalence):وذلك عن طريق الجمع بين قيمتين متعارضتين، وإلغاء كل الحدود، في تعبير عن زوال الطبقات في المجتمع، وفي ذلك يقول باختين: "كل نظام ملغى في عالم الكرنفالات والمهرجانات، وكل الطبقات الاجتماعية متساوية"(9). إذ إنه عن طريق الجمع بين الجليل والسوقي، والمقدس والدنيوي، الحياة والموت، الملك والمجنون في سياق مزدوج ومنتهك للقدسيات، يهاجم ويشكك في الصفات المطلقة والأبدية للقيم الرسمية. فالخطاب الكرنفالي هو "موقف من العالم تشيع فيه العلاقة الحرة البعيدة عن الكلفة، فالكرنفال يوحّد ويربط ويقرن المقدس بالمدنس والسامي بالوضيع والعظيم بالتافه والحكيم بالبليد.."(10)، لتصبح القيمة الوحيدة المعترف بها هي الجمع بين قيمتين متعارضتين.

3- الضحك (le rire):ضحك الكرنفال ليس من نوع الضحك الساذج، بل كان هو ضحك واع،يجسد فعلا فكريا مقصودا فـ"الضحك يبلغ أعلى مستويات التفكير"(11)، يعبّر عن حالة مجتمع يحاول بواسطة الضحك تجاوز أزماته ومخاوفه، إذ طالما ارتبط الضحك بالخوف حسب باختين(12).         

2. اشتغال الكرنفالية في مقامات الحريري:

إن الكرنفالية تأخذ تمظهرات متعددة في النصوص، كما ذكرنا سابقا، وسنعمد إلى محاولة تتبع أهم تجلياتها في نصوص مقامات الحريري التي ارتأينا أن نأخذها بشكل مجمل تقريبا، بمعنى أننا سنحاول تلمس أبعاد اشتغال الكرنفالية وحضور أنساقها منذ المقامة الأولى إلى المقامة الأخيرة، بما يجعل مقامات الحريري في أغلبها مدونة اشتغال.

1.2. نسق الازدواج:

في المقامة "الصنعانية"(13)، وهي أولى مقامات الحريري، يصادفنا السروجي في المسجد واعظا، في بداية المقامة، وعلى طول سير متتالياتها السردية، قبل أن يفاجئنا مثلما فاجأ الحارث بن همام في نهايتها، معاقرا للخمرة، في كهف بعيد عن أعين الناس، ما يجعل المفارقة تقوم في هذه الحالة على تضاد الخفاء/التجلي، أو السر/العلن، والمزاوجة بين شخصيتين متعارضتي الخصائص، تتلبسان الشخص ذاته، أولاهما تعبّر عن الناسك، والثانية لشخصية الفاسق. فصاحب المفارقة هو السروجي الذي ينتحل سمت الخطاب الديني الحامل لقدسية القول والمقام معا، حيث إنه يعتمد الوعظ كخطاب مقدس في فضاء مقدس هو المسجد، بما يجعل خطابه منسجما تمام الانسجام مع المقام الذي قيل فيه. وعندما ينتقل إلى فضاء آخر "مغارة"، هو فضاء الخفاء، وعندما يبتعد عن أعين الناس، تظهر الشخصية الثانية المتهالكة، والتي لم يكن بمقدورها أن تتجسد في العلن، لاقتران سلوكها بالمحظور اجتماعيا، هذا المحظور الذي يُعمد إلى كسره في فضاءات الاختلاء حيث المجلس الخاص.

  وتصادفنا في المقامة "السمرقندية"(14) الصورة نفسها في بداية المقامة، حينما يظهر السروجي كإمام واعظ وخطيب يؤم الناس. كل هذا مرتبط بفضاء المسجد، فشخصية الصلاح مقترنة بفضاء معين هو فضاء العلانية والإفصاح، وبزمان خاص هو النهار، بينما عندما يأتي الليل ويصبح الفضاء هو فضاء الخاص المستتر تظهر الشخصية المتهالكة في الحارث والسروجي معا. فالازدواجية التي تحدّث عنها باختين كطابع شخصي وسمة كرنفالية مميزة لإنسان القرون الوسطى الغربي، كأنها مع السروجي تظهر صفة لكل من عاش في ذلك العصر غربا وشرقا.

وفي المقامة "الدمشقية"(15) نجد الانتقال هنا لم يكن إلى فضاء خفي فقط، حيث لا تقع المعارضة المباشرة مع فضاء المسجد، بل تجاوز الانتقال ذلك، إلى ارتياد الفضاءات المحرمة، إلى فضاء مضاد تماما للفضاء المقدس، ممثلا في الخمارة أو الحانة، وبذلك فإن الحالة الأولية المقترنة بالمسجد تُربط مباشرة بالحالة النهائية في الحانة، هذه الأخيرة التي تتساوى فيها جميع الخطابات، بحيث لا يصبح لخطاب ميزة على خطاب آخر، عكس المسجد كفضاء تتجلى فيه التراتبية الاجتماعية لفظيا، عندما يستعين المتحدث فيه بالدين وخطابه، كخطاب متعال لتأكيد كلامه، ومن ثم موقعه كسلطة في المجتمع.

يتكرر الازدواج مقرونا بالانتهاك، انتهاك المحظور الذي يتم دوما بالخمرة. وفي ذلك دلالة واضحة على القيمة المركزية للعقل في الثقافة الكلاسيكية، إذ يغيب العقل في الخفاء، ويعمل ظاهريا في العلن، وإن كان عمله مقرونا بفضاء المسجد، فالأمر يدعو مرة أخرى للتساؤل عن فحوى ذلك. فهل العقل في الثقافة الكلاسيكية هو مجال الديني ومن ثم السلطة فقط؟ فالدين هو الذي يقرر حدوده وفضاءات اشتغاله. ويتجلى الازدواج في متقابلات المرتكز الديني على النحو التالي:

M060301

وتصادفنا صورة أخرى من صور الازدواج في المقامة "الفارقية"(16) حينما يتقدم السروجي إلى قوم يشكو لهم قلة ذات يده التي أحوجته إليهم كي يدفن ميتا مات له، فتبادر الجماعة باعتبار حرمة الميت إلى إعطاء السروجي حق الكفن، ليظهر في الأخير أنه لم يكن يقصد ميتا حقيقيا وإنما كان قصد بالميت ذكره، فالجمع بين خطابين هنا هو نوع آخر من الازدواجية: خطاب المقدس (حرمة الميت)/مقابل الخطاب عن الجنس، ونعرف كيف أن الخطاب عن الجنس وما لزمه من الحديث عن الأعضاء الجنسية هو من الحديث المدنس في عرف الثقافة الكلاسيكية، كان من الممنوعات.

فهل ازدواجية الشخصية في مقامات الحريري هي ازدواجية العقل/اللاعقل؟ أم هي ازدواجية الانتهاك: المقدس في مقابل المدنس؟ إن تكرار مثل تلك الصورة النمطية التي يبدأ في أولها السروجي واعظا وينتهي به الأمر غالبا معاقرا للخمر تأكيد على ذلك. ولماذا ازدواجية يعتبرها الحارث إثما، بينما لا يرى فيها السروجي شيئا؟ حال وغدا يعود كل شيء إلى حاله. ومثل ذلك في المقامة "الإسكندرانية"(17)، حيث تظهر الرقابة الذاتية التي تفرضها الشخصية الممثلة للسلطة "القاضي" على نفسها، والتظاهر بالوقار وافتعاله، إنها الازدواجية التي تطبع حياة الإنسان في تلك الفترة حيث تتوزع بين رؤيتين مزدوجتين: جدية وهزلية، تؤوب بسرعة إلى الجد، وتستغفر من الهزل كأنما ارتكبت خطيئة تحاسب عليها.وبهذا يظهر عالم المقامات أشبه ما يكون بعالم الكرنفال الذي "يحكمه الازدواج والانفصام، حين تجتمع الحقيقة والكذب، العلم والخرافة، الفضيلة والرذيلة"(18).

وبهذا يمكن صياغة الثنائيات الضدية الأكثر تجليا المعبرة عن الازدواجية على النحو التالي:

المسجـد

الحانـة

المقـدس

المدنس

الصحـو

السُّكْـر

فضاء العلانية

فضاء السـر

الظاهـر

الباطـن

النهـار

الليـل

العقـل

الجنون

2.2. نزع القيمة وتغييب المعيار:

في المقامة "الدينارية" يُقدم السروجي، تحت الطلب، على مدح دينار، ثم لا يلبث، تحت الطلب أيضا، أن يقوم بذمه من جديد(19)، ويأتي التقلب على الوجهين بما يتناسب مع المصلحة الذاتية، إذ أصبح بالإمكان الذم والمدح لهدف تكسبي. وهنا قصد الحريري إلى ذلك قصدا، حين أراد أن يتحدث عن وظيفة الأدب والشعر في زمنه، حيث أصبح المدح والذم وجهين لعملة واحدة، حيث تتساوى القيم الموجبة والسالبة، وتفقد الأشياء قيمتها، هذا الفقدان المتجسد في فقدان رأس المال الرمزي الممثل في الأدب، حينما يتعلق الأمر برأس المال الملموس، أي النقود والمال.

  ويتضح في المقامة "المغربية"(20) بشكل آخر ذلك الازدواج القيمي الذي يستلب في الأخير كل قيمة، فهذه المقامة تستند على اللعب باللغة، والتركيز على قضية التحول وانعدام القيمة، عندما تصبح الكلمات تقرأ من اليمين إلى اليسار أو من اليسار إلى اليمين ولا يتغير المعنى يعني أنه لم يصبح في الوجود معنى، وكون ذلك جاء في المقامة المغربية أمر مقصود إلى أن الوضع في المغرب لا يختلف عن نظيره في المشرق، وحقيقة الوجود واحدة. إن استلاب المعنى في النهاية يعني غيابه، يعني حضور اللامعنى.

وقد يتعدى التناقض السالب للقيمة حدود المقامة الواحدة ليمتد إلى مجموع المقامات فيما بينها، حيث نجد المناقضة بين المقامة "البكرية" التي يتحدث فيها عن ضياع الأدب وقيمته لدى السلطان، والمقامة "الرملية" التي يحتفي القاضي فيها بالأدب. فإذا كانت المناقضة مجسدة على مستوى المقامة الواحدة، فإنها تتعداها إلى غيرها، فيصبح الذم في مقامة والمدح في أخرى، ففي "البكرية"، كما أشرنا، هناك حديث عن ضياع قيمة الأدب إذ لم يعد هناك "من يمير، ولو أنه أمير"(21)، ثم نجد بعد ذلك، في المقامة "الرملية" بعدها القاضي وكيف يبعث الأعطيات في إثر السروجي، حتى بعد علمه بالخداع، حيث يقول: "وبيّن له انخداعي للأدباء"(22). فالتشخيص في المقامة الأولى سلبي سالب للقيمة، بينما هو في المقامة الثانية- وهي تالية لها في الترتيب مباشرة- تشخيص مضاد موجب.

ورأي السروجي في المفاضلة بين الكتابة والحساب، في المقامة "الفراتية"(23)، وتحديد موقع كل منهما في المنظومة الكلاسيكية، يجعل القارئ محتارا بين الرأيين، فالسروجي يقدّم محاسن الكتابة، ومحاسن الاشتغال بالحساب، في آن واحد، يميل مع أصحاب الرأي الأول، بالدرجة نفسها التي يميل بها إلى أصحاب الرأي الثاني، ليصير رأيه في الأخير على مسافة واحدة من الجميع، وليبقى متلقي المقامة بدون قرار مثله مثل السروجي، الذي تساوت عنده الأشياء وقيمها.

يؤكد استلاب القيمة على غياب معيار واضح في الحكم على الأشياء، وعلى النسبية السائدة في المجتمع، وتخليه عن المطلق. فالفرد في مجتمع السروجي الذي يترافق مع رؤية الحريري، ابتعد عن عالم الأحكام المطلقة المرتبطة في الغالب بالفكر الوثوقي المجسد لصوتي السلطة والدين، وكأن غياب العيار أو تغييبه هو محاولة لنفي المطلق المتحكم في الناس، هو نفي للبنى النسقية المتوارثة وتأكيد على سيادة الفردي والنسبي.

3.2. تقنية القناع:

يعتبر مفهوم اللعب مركزيا في بناء المقامات، إذ تدور في مجملها حول لعبة متكررة، يلعبها السروجي في المتن المقامي كل مرة، من أجل الحصول على مراده، الذي لا يعدو أن يكون في بعض الأحيان اكتساب الاعتراف من الجماعة بقدراته الإبداعية. ولابد لعمليات الخداع تلك من وسائل تشتغل بها. ولعل أبرزها القناع، المرتبط بالجسد ومفهوم التحول والتبدل، إذ يحظى القناع بأهمية كبيرة عند باختين، كجزء أساسي من طقوس الكرنفال، من حيث إن "القناع يضفي أهمية على المهرجانات، فهو أكثر تعقيدا، ويحمل مفهوما أكبر للثقافة الشعبية، إذ يترجم السعادة والفرحة كتجسد، نفي الهوية الذاتية والجماعية، القناع هو تحول في المظاهر وانتهاك لحدود الطبيعة، وبالتالي فإنه يجسد لعبة الحياة"(24).

1. قناع الشخصية:

يمثّل السروجي في المقامة "البرقعيدية"(25) دور شيخ أعمى، حيث نجد فيها المقاطع التالية: "وحين جمع المصلى والتأم.. طلع شيخ.. محجوب المقلتين.. قال لي يا حارث: أمعنا ثالث.. ثم فتح كويتيه، فإذا سراجا وجهه يقدان.. سألته: ما دعاك إلى التعامي.."، وإجابة السروجي مرتبطة بتعامي الدهر، الذي لا يعرف لكل صاحب قدر قدره، ولا يزن الناس بميزان العدل والعلم. حيث يقول السروجي:

ولما تعامى الدهر وهو أبو الورى عن الرشد في أنحائـه ومقـاصده

تعاميت حتى قيل إني أخو عمـى ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده

كما قد يمثل السروجي أدوارا مرتبطة بعاهات مرضية أخرى غير العمى، مثل المقامة "الدينارية" التي يظهر فيها أعرج ".. وقف علينا شخص عليه سمل، وفي مشيته قزل.."(26)، أو مصابا بالفالج، في المقامة "التفليسية"، حينما يقول الحارث: "..برز شيخ بادي اللقوة.."(27)، واللقوة نوع من الفالج.

ويأخذ القناع في المقامة البغدادية تجليا جديدا مختلفا، يثير انتباه القارئ لاعتبارات متعددة، فالسروجي يستعمل، هذه المرة، المرأة وجلبابها قناعا، فنجد الحارث في هذه المقامة يقول: "..لمحنا عجوزا تقبل من البعد... قال الراوي فوالله لقد صدعت بأبياتها أعشار القلوب، واستخرجت خبايا الجيوب.."(28). إلى حد الآن كل شيء عادي، باعتبار وجود الجماعة أمام امرأة تحسن نظم الشعر، ولكن إصرار الحارث على معرفة سرها، يغير من الوضع، ويكشف االقناع الذي كانت ترتديه الشخصية المتحدثة، إذ يقول: ".. ونهضت أقفو أثر العجوز.. فانغمستْ في الغمار.. ثم عاجت بخلو بال إلى مسجد خال، فأماطت الجلباب، ونفضت النقاب.. رأيت محيا أبي زيد.."(29)، ومعروف أن التخنث علامة من العلامات المرتبطة بالكرنفال، انطلاقا من التحول المقترن بالشخصيات التي تتخذ لها أدوارا تيماتية مختلفة، وكأن بطل المقامات حصل له تحول جنسي، ظاهريا، كان أنثى، ثم عاد إلى كونه ذكرا، تحول حاصل في فضاء السر، في مسجد خال.

هنا تعترض القارئ جزئية مهمة، وتتكرر فيكثير من المقامات، حيث أن تخلي الشخصية عن قناعها يكون في المسجد، وهذا حامل لأكثر من دلالة، فالاقتراب من الناس=الزيف/ الاقتراب من الله=الحقيقة، ولكن بمنطق عكسي، إذ يعبّر هذا عن توجه ساخر اتجاه المقدس. أما الدلالة الثانية فلم يعد للوعظ الديني أي معنى، ولم يعد وازعا فعالا كمخدر في ظل الظروف المعيشة الصعبة. لم يعد المسجد ملجأ يهرب الناس إليه للتخلص من همومهم، وأصبح مكانا لاستغلال الناس للسيطرة على عقولهم وتمرير الخطاب الذي يراد أن يصلهم، كل المواعظ أو أغلبها التي ألقاها السروجي كانت في المسجد، الخداع تم في المسجد، بما يعني زوال القدسية عن المكان.

أجاد السروجي استعمال القناع، من خلال تحولاته الجسدية المختلفة التي نراها في مختلف المقامات، حيث ينتقل بين الجنسين ليتلبس بشخصية المرأة، كما يتقمص أدوارا مختلفة مرتبطة بالسن، فيتحول من الشبيبة إلى الشيخوخة، أو مرتبطة بالعاهات. فاقترانه بالكدية يجعله يتقلب بين الأحوال المختلفة بما يتناسب والفئات الاجتماعية المتعددة في المجتمع..

2. قنـاع اللـغـة:

تصادفنا صورة استعمال اللغة المقنّعة في المقامة "الفارقية"، حينما يتقدم السروجي إلى قوم يشكو لهم قلة ذات يده، التي أحوجته إلى المسألة كي يكفن ويدفن ميتا له، "وها هو مسجى.. فمن يرغب في تكفين ميت غريب"(30)، فتصبح اللغة بالإضافة إلى كونها أداة للتعبير، أداة من "أدوات الإنسان في امتلاك هذا العالم والتعامل معه"(31). حيث إن استجداء السروجي يِؤتي ثماره، حينما تبادر الجماعة، إكراما لحرمة الميت، إلى إعطاء السروجي مالا ليكفن ميته، الذي اتضح في الأخير أنه لم يكن يقصد به إلا عضوه الجنسي، فعندما تبعه الحارث لمعرفة هذا الميت "كشف عن سراويله، وأشار إلى غرموله"(32).استعمل السروجي خطابا ظاهره الصدق وباطنه الكذب، الذي لم يظهر إلا من خلال تعري السروجي، الذي هو فعل جسدي كرنفالي، لتعرية خطاب المقدس المتبنى من الجماعة، حين يتم الجمع بين خطابين: خطاب المقدس (حرمة الميت)، مقابل الحديث عن الأعضاء الجنسية، من خلال استعمال اللغة بذلك الشكل المقنّع.

ويكون قناع اللغة، في بعض الأحيان، هو الغرض الذي تُبنى عليه المقامة في حد ذاتها، وذلك مرتبط بالمقامات التي تعتمد على الأحاجي والألغاز مادة لاشتغالها بالأساس، مثل المقامة "الملطية"(33) التي تُبنى على وجود السروجي مع تسعة شبان، يدور بينهم الحديث عن بعض الأحاجي في قالب شعري. والأمر ذاته يُلمس في المقامة "القطيعية"(34) حيث ترد العبارة التالية: "قال المخبر بهذه الحكاية.. فورد علينا من أحاجيه.. ما حارت له الأفكار، وحالت، فلما أعجزنا العوم في بحره، واستسلمت تمائمنا لسحره، عدلنا من استثقال الرؤية له، إلى استنزال الرواية عنه، ومن بغي التبرم به، إلى ابتغاء التعلم منه". السروجي يعمد إلى طرح ألغاز على جماعة حضر مجلسهم فاستثقلوه أول الأمر وأبعدوه ومنعوه الحديث، حتى إذا تسلّم القول انتقم بتلغيز الكلام، حتى استغلق الفهم عليهم، بما ألغز عليهم من خطاب، ترجوه أن يفك لهم ما عمي عليهم منها، ولما كان استقبالهم له بدءا متثاقلا، فقد أبى أن يشرح لهم تلك المسائل النحوية التي طرحها، غير إن الحريري لم يفعل مع متلقي مقامته، ما فعله السروجي مع أصحاب ذلك المجلس، إذ أردفها بملحق شرح فيه تلك المسائل، كما فعل تماما في المقامة "البدوية"(35) أو "الوبرية" التي استعمل فيها ألفاظا من غريب اللغة ذات صلة بالبيئة البدوية.

نجد السروجي يشرح في أحيان أخرى لمتلقيه المباشر ما كان من ألغاز أو معمى، مثل ما يظهر في المقامة "الطيبية"(36)، إذ ورد ما يلي مما يدل على استعمال اللغة المقنّعة، المرتبطة بالمسائل الفقهية، ثم شرحها وحلّ إلغازها: ".. فقلت هيهات أن أسير أو أفقه التفسير، فهاك ما يشفي النفس، وينفي اللبس، قال: فلما أوضح ليّ، وكشف عني الغمّى..". أو ما يظهر في المقامة "القهقرية" إذ ورد مايلي: ".. شيخ.. يبدي إذا أجاب.. ومازال يفضح كل ما هو معمّى.."(37)، حيث أقدم السروجي على شرح الألغاز التي اعتمدها.

ويستعمل السروجي الخطاب الديني كما رأينا سابق كقناع، ووسيلة للخداع، يكشف عنه في آخر المقامة، كما فعل ذلك السروجي بنفسه، في المقامة "الرازية"، عندما يعترف للحارث أن استعماله الوعظ لم يكن إلا قناعا خادعا كان يرتديه لحظة احتياله، حين يقول: ".. أنا الذي تعرفه يا حارث.."(38).

الخاتمة:

إن مساءلة المقامة على ضوء مفهوم "الكرنفالية" لدى باختين، يستلزم منا الوقوف على جوانب متعددة قد لا تطاوعنا المقامة، المختلفة بنية ومحضنا ثقافيا عن متطلبات الرواية، في العثور عليها بالسمات نفسها التي يمكن أن تتوافر في الرواية، غير أن ذلك لم يمنعنا من ملامسة بعض الخصائص التي يمكن أن يتجلى عبرها المفهوم ومتعلقاته، حيث عمدنا إلى محاورة نصوص الحريري من خلال الوقوف عند المفهوم الباختيني، مع الأخذ بعين الاعتبار تمايز "الآليات المنهجية النقدية الغربية الحديثة" عن "النصوص الإبداعية العربية" و"التراثية" منها خاصة، وقد أثمر ذلك التتبع عن القول بأن أبرز تجليات الكرنفالية كانت حاضرة بشكل كبير على طول المتن الحريري، حيث وجدنا الازدواج بارزا في أغلب المقامات، كما أن صاحبها عمد إلى استخدام اللغة كقناع ينضاف إلى الأقنعة المتعددة التي تلبستها الشخصية البطلة، بالإضافة إلى تغييب القيمة وكذا المساواة في كثير من الأحيان بشكل ساخر بين العرف والخروج عن المألوف، بما يؤشّر إلى توافر أنساق كرنفالية كثيرة في النصوص المقامية الحريرية.



 الهوامش:

(1)سعد البازعيوميجان الرويلي، دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط3، 2002، ص414.

(2)بييرزيما، النقد الاجتماعي، علم اجتماع للنص الأدبي، تر: عايدة لطفي، مراجعة: أمينة رشيد، وسيد بحراوي، دار الفكر للدراسات، القاهرة، ط1، 1991، ص157.

(3)بيير زيما، مرجع سابق، ص ص 158-159.

(4)MikhaïlBakhtine. L’œuvre de François Râblais et la culture populaire au moyen Age et sous la Renaissance .Traduit du russe par AndréeRobel .Edition Gallimard.1970,p49.

(5)Ibid,199.

(6)بيير زيما، مرجع سابق، ص157.

(7)ميخائيل باختين: شعرية دوستويفسكي، تر: جميل نصيف التكريتي، دار توبقال، الدار البيضاء/ دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 1986، ص156.

(8)نفسه، ص158.

(9)Mikhail Bakhtine. L’œuvre de François Rablais, p251.

(10)ميخائيل باختين، شعرية دوستويفسكي، ص158.

(11)MikhaïlBakhtine, l’œuvre de François Rabelais, p17.

(12)Ibid, p48.

(13)الحريري القاسم بن علي، مقامات الحريري، تقديم: مختار نويوات، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر،(ج1/ ج2)، 2007، (د.ط).المقامة الصنعانية، ج1، ص16.

(14)المقامة السمرقندية، ج2، ص5.

(15)المقامة الدمشقية، ج2، ص167.

(16)المقامة الفارقية، ج1، ص297.

(17)المقامة الاسكندرانية، ج1، ص126.

(18)بيير زيما، مرجع سابق، ص160.

(19)المقامة الدينارية، ج1، ص38.

(20)المقامة المغربية، ج1، ص230.

(21)المقامة البكرية، ج2، ص256.

(22)المقامة الرملية، ج2، ص300.

(23)المقامة الفراتية، ج2، ص322.

(24)Mikhaïl Bakhtine , l’œuvre de François Râblais , P49.

(25)المقامة البرقعيدية، ج1، ص93.

(26)المقامة الدينارية، ج1، ص37.

(27)المقامة التفليسسية، ج2، ص97.

(28)المقامة البغدادية، ج1، ص185.

(29)نفسها، ص186.

(30)المقامة الفارقية، ج1، ص296.

(31)نصر حامد أبو زيد، النص، الحقيقة، السلطة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، ط3، 1997، ص189.

(32)المقامة الفارقية، ج1، ص298.

(33)المقامة الملطية، ج2، ص137.

(34)المقامة القطيعية، ج2، ص359.

(35)المقامة البدوية، ج2، ص247.

(36)المقامة الطيبية، ج2، ص78.

(37)المقامة القهقرية، ج1، ص246.

(38)المقامة الرازية، ج1، ص309.