مصطلح الشعرية كنظرية جديدة لبناء الشعر العربي الحديث عند محمد بنيسpdf

 

أوبيرة هدى

قسم اللغة والأدب العربي

كلية الآداب واللغات

جامعة قاصدي مرباح ورقلة - الجزائر

Abstract

This aricle is about the term poetic when Med Bennis throughout his book "Modern Arabic Poetry". Med Bennis has done that depending on stadying the different phrases and  sentences which contain these terms, and stadying their syntax.  in addition to their different kinds for the sake of finding out their charactiristics, who ـ depending on the open arabic poetry as a new critical theoryـ   returns back throughout it building the modern arabic poetry.

ملخص:

يتمحور هذا المقال حول مصطلح الشعرية عند محمد بنيس من خلال كتابه الشعر العربي الحديث ’ وكان ذلك انطلاقا من رصد مختلف السياقات التي ورد بها المصطلح وكذا البحث في تراكيبه و صيغه المتعددة من اجل الوقوف عند مميزات  و خصائص هذا المصطلح عند بنيس وخاصة اعتماده على الشعرية العربية المفتوحة كنظرية نقدية جديدة يعيد من خلالها بناء الشعر العربي الحديث.

الموضوع:

إن المتتبع للحركة النقدية العربية في مسارها يدرك لا محالة أنها أصبحت تبدي عناية استثنائية بالمصطلح النقدي  ويعزى ذلك إلى مدى اهتمام النقاد و الدارسين بدور هذا العنصر في الدفع بالحركة النقدية قدما نحو إيجاد رؤى منهجية نقدية حديثة ، تتوافق وما جدًّ على مستوى الخطاب الأدبي، فهو الأداة المساعدة و المميّزة لكل منهج عن الآخر وهذا ما أدى إلى نشوء علم يختص بدراسة المصطلحات و إنتاجها وتتبع مساراتها سمي فيما بعد بعلم المصطلح أو المصطلحيةTerminologies   .

انطلاقا من كون الأدب إبداع تركيبي و النقد إبداع تحليلي فإن الغاية من النقد منذ القدم ولازالت هي تحديد عناصر الهوية الجمالية التي تميز الخطاب الأدبي عما سواه  وهذا ما يعبر عنه مفهوم الشعرية منذ أرسطو إلى عصرنا هذا  فالشعرية من المصطلحات النقدية التي أسالت الكثير من الحبر فهي تعني في عمومها( قوانين الخطاب الأدبي) فقد أحدث هذا المفهوم تضاربا في الآراء بين النقاد سواء على مستوى ترجمته التي اتخذت وجوها متعددة فمنهم من ترجمها إلى الإنشائية أو البويطيقا أو الشاعرية... لكن أكثر هذه المصطلحات رواجا هو مصطلح الشعرية, وكذا على مستوى تحديد موضوعها لأننا نجد من النقاد من يحصرها في المجال الشعري ،  ففي النقد العربي كُثُر هم النقاد الذين إقتصروها في الجنس الشعري مثل ابن سلام الجمحي و الجاحظ  وابن رشيق،حازم القرطاجني ... من خلال تسميات مختلفة كصناعة الشعر , قواعد الشعر... أما النقد المعاصر فغالبا ما يذهب لتوسيع دائرتها باشتمالها على الشعر و النثر على حد سواء ، ومنهم من تجاوز ذلك إلى إطلاقها على سائر الفنون كالرسم و السينما.

نظرا للطبيعة الزئبقية لهذا المصطلح واختلاف تعريفه باختلاف الأمم التي احتضنته فإنه يعد من الصعوبة بما كان الخروج بمفهوم محدد ودقيق لهذا المصطلح،« ويبقى البحث في الشعرية محاولة فحسب للعثور على بنية مفهومية هاربة دائما وأبدا ... سيبقى دائما مجالا خصبا لتصورات ونظريات مختلفة »[1] ،فالشعرية موضوع كثير التشعب وطيد الصلة بسائر علوم اللغة ، لذا فهو« يستدعي منا تحديد المصطلح والمفاهيم وهذا المسعى محفوف بالمزالق،لأن الشعرية تتضمن معاني متعددة غير متساوية من حيث الحضور النقدي »[2] وهذا لأن الشعرية تشهد خلافا بين النقاد على المستوى الاصطلاحي وكذا على المستوى المفاهيمي،فقد تعددت وجهات النظر في كونها نظرية،أم منهج،أم وظيفة من وظائف اللغة ...

إن المتتبع لهذا المصطلح عند الغرب يلحظ أن الخلاف بين النقاد الغربيين حول هذا المصطلح لا يكمن في  الناحية الشكلية كما هو الحال عند العرب، فقد كان أرسطو هو أول من استخدم هذا المصطلح ليعنون به كتابه الشهير  )فن الشعر(  وهو أول كتاب تكلم عن هذا الموضوع، وإذا عدنا إلى مصطلح (poetics)  فهناك من يرى انه     « يتكون من ثلاث وحدات:

-poeim : وهي وحدة معجمية "Lexeme" تعني في اللاتينية " الشعر "

-ic: وهي وحدة مورفولوجية "morpheme" تدل على النسبة، وتشير إلى الجانب العلمي لهذا الحقل المعرفي.

- s: الدالة على الجمع . »[3]

إن عدنا بهذا المصطلح إلى أصله اللغوي العربي ألفيناه يعود إلى الجذر الثلاثي "شعر " فقد ورد في مقاييس اللغة أن     « الشين والعين والراء أصلان معروفان يدل احدهما على ثبات والآخرعلى عِلْم وعَلَمٍ... شعرت بالشيء، إذا علمته وفطنت له... . »[4]، اما الزمخشري فيقول: «شعر فلان: قال الشعر... وما شعرت به: مافَطِنْتُ له وما عَلِمْتُهُ... »[5]

ولم يبتعد لسان العرب عن هذه المعاني إذ نجد فيه« شَعَرَ: بمعنى عَلِمَ... وليت شعري أي ليت علمي والشعر منظوم القول، غلب عليه لشرفه بالوزن والقافية... وقال الأزهري: الشعر القريض المحدود بعلامات لا يجاوزها، والجمع أشعار وقائله شاعر لأنه يشعر بما لا يشعر غيره أي يعلم... وسمي شاعرا لفطنته »[6]

انطلاقا مما سبق  نستخلص أن مصطلح الشعرية في دلالته اللغوية يوحي بالمعاني التالية:

 - الدلالة على العلم والفطنة والدراية.

 - أن لكل شعرية معالم وضوابط محددة تستند عليها.

 - يحمل مصطلح  الشعرية نوعا من الثبات المؤقت.

لكن إذا أردنا الانتقال إلى الدلالة الاصطلاحية لمصطلح الشعرية واجهتنا العديد من المطبات في تحديد هذا المصطلح على مستوى شكله وكذا في مفهومه، نظرا للخلاف الحاد بين النقاد العرب في ترجمة هذا المصطلح وتحديد موضوعه.          

تعددت الدلالات التي اتخذها مصطلح الشعرية من قبل النقاد بتعدد الصياغة المتبناة أصلا لهذا المصطلح وليس هدف هذه الدراسة تتبع هذه الاختلافات في وجهات النظر أو التتبع التاريخي الدقيق للتطورات التي شهدها هذا المصطلح وإنما مجرد لفت الانتباه لذلك الخلاف الشائك القائم بين النقاد حول الشعرية ،لهذا « يبدو أننا نواجه – من جهة أولى- مفهوما واحدا بمصطلحات مختلفة ، ويبدو بارزا هذا الأمر في تراثنا النقدي العربي ونواجه مفاهيم مختلفة  بمصطلح واحد من جهة ثانية ،و يظهر هذا الأمر في التراث النقدي الغربي أكثر جلاء »[7]

انطلاقا من ذلك يمكن القول أن « الشعرية ليست تاريخ الشعر ولا تاريخ الشعراء ...والشعرية ليست فن الشعر لأن فن الشعر يقبل القسمة على أجناس و أغراض...والشعرية ليست الشعر ولا نظرية الشعر...إن الشعرية في ذاتها هي ما يجعل الشعر شعرا وما يسبغ على حيز الشعر صفة الشعر ولعلها جوهره المطلق »[8]

 فهدف الشعرية هو تزويد النقد بمعايير وقوانين تضبط الخطاب الأدبي وتجعله متميزا عن بقية أنواع الخطاب كما أنها تستخدم اللغة لتفسير ما هو لغوي (المحايثة كمبدأ لساني).

ترتبط الشعرية بكافة علوم اللغة حتى تستطيع أن تحدد بشكل أفضل العناصر الجمالية التي تخلق العمل الفني كاللسانيات و الاسلوبية و السيميائية، كما أفادت أيضا من العلوم الأخرى المجاورة لها كعلم النفس و علم الاجتماع...

وقد بحث العديد من النقاد العرب موضوع الشعرية بشكل فيه اسهاب إلا انه مع ذلك لم يتم الفصل فيه ومن ابرز النقاد المغاربة الذين خاضوا غمار هذا الموضوع نجد الناقد المغربي محمد بنيس الذي حاول البحث في هذا الموضوع في مختلف كتاباته النقدية ومن ابرزها كتاب الشعر العربي الحديث بنياته و ابدالاتها النصية و سنحاول في هذا الطرح تسليط الضوء على مصطلح الشعرية في هذه المدونة.

وقد تميز هذا المصطلح (الشعرية) عند بنيس بتعدد تراكيبه الاصطلاحية التي كانت تؤثر في كل مرة على الدلالة التي يتخذها .  

تراكيبه الاصطلاحية :

     تنوعت التراكيب التي ورد بها مصطلح الشعرية داخل الكتاب بين الإضافية و العطفية  و الوصفية لكن التركيب الغالب هو الوصفي من حيث التكرار.

التركيب الوصفي: هو التركيب الذي يقوم على كون الشعرية صفة أو موصوفا بصفة واحدة  أو عدة صفات وهذا النوع من التركيب يعد الأكثر تكرارا في كتاب بنيس.مثل : الابدالات الشعرية وهذا المصطلح له علاقة بالعديد من المصطلحات مثل التطور و التغير  و التجاوز ،«  التطور هو نقيض الجمود ، التغير هو انفصال الشكل الشعري عن المضمون الاجتماعي ،أما التجاوز فهو مناقضة معطيات العلم الحديث »[9]

إن التركيب الإضافي لمصطلح الشعرية يتمثل في وجود مصطلح مجاور له في سياقات متعددة داخل الكتاب ، و ذلك باعتبار علاقة الإضافة و لهذا فهو ينقسم إلى :

- إضافة الشعرية إلى غيرها: مثل اضافة الشعرية الى نقاد معينين كشعرية جاكبسون مثلا او ادونيس وكذا اضافة مصطلح الشعرية لجزء من اجزاء الخطاب كشعرية الايقاع التي خصصّ لها فصلا من كتابه الشعر المعاصر ، وقد اختلفت دلالة الإيقاع بين القدامى و المحدثين حيث نجد السجلماسي يقول: « إن القول الشعري هو القول المخيل المؤلف من أقوال موزونة متساوية... ومعنى كونها متساوية هو أن يكون كل قول منها مؤلفا من أقوال إيقاعية يكون عدد زمان أحدها مساويا لعدد زمان الآخر »[10]

 اما عند بنيس فتهتم شعرية الإيقاع بدراسة النص كبنية متكاملة « ولئن كانت شعرية الإيقاع التي نرتكز عليها في  مشروع الشعرية العربية المفتوحة ، تطرد من حقل التنظير و التحليل كل نزعة تجزيئية»[11]

-الألفاظ المضافة إلى الشعرية : و كمثال على هذا نجد مصطلح "قضايا الشعرية" ومصطلح "كبت الشعرية"          و "إبيستمولوجية الشعرية".

التركيب العطفي: و نستطيع تصنفيه إلى :

- عطف الشعرية على غيرها : و من ذلك نجد مصطلح" الشعر و الشعرية" و مصطلح" اللسانيات و الشعرية".

- الألفاظ المعطوفة على الشعرية: مصطلح "الشعرية و الدلائلية".

علاقات مصطلح الشعرية :

نجد العديد من العلاقات في الكثير من التراكيب الاصطلاحية و المقصود بالعلاقة كما هو معروف ما يربط مصطلح الشعرية بغيره داخل السياقات المختلفة، لذا في وسعنا ان نصنفها الى:

1-علاقات الائتلاف : وهو التوافق و الاتحاد مثل ما نجده بين مصطلحي الشعرية و اللسانيات في هذا السياق:

« لقد تناول ياكبسون التكرير عند تعيينه لوظائف اللغة في دراسته عن اللسانيات و الشعرية »[12] فاللسانيات        و الشعرية كلاهما يستخدم وظائف اللغة ، و قد درسهما ياكبسون بالنظر لعنصر التكرير.

2 -علاقات الاختلاف: فالمقصود بعلاقة الاختلاف لدى بنيس  هو تضاد الشعرية و عدم اتفاقها مع بعض المصطلحات و المفاهيم في مواضع محددة  و نجد كدليل على ذلك في كتاب بنيس قوله :« من هنا تأتي الأهمية المركزية للإيقاع في بناء الشعرية و نقد الدلائلية في آن ، فالإيقاع هو أول ما يمكن أن يعرف به البيت»[13]

و المقصود من هذا ان الايقاع هو الصفة المميزة للشعرية عن غيرها خاصة الدلائلية.

3-علاقات التداخل: و قد تعددت صورها في الكتاب و من ذلك نجد:

العلاقة الجزئية – علاقة الاستمداد – العلاقة السببية – علاقة المطابقة – العلاقة الآليـــة

طرائق تعريف مصطلح الشعرية في الكتاب:

يعتبر مصطلح الشعرية من خلال تراكيبه و سياقاته المتعددة سيد المصطلحات في كتاب بنيس فقد توارد ذكره كثيرا و بشكل لافت داخل الكتاب لذا فقد حاول  بنيس أن يحيط به من كل ثناياه ، و لابد في ذلك من تعريف القارئ بهذا المصطلح ، لهذا فالتعريف من أهم مقومات الدراسات النقدية و المصطلحية فهو «  قول يشرح المعنى الذي يدل عليه اللفظ...و هو تحديد المفهوم الكلي بذكر خصائصه  و مميزاته »[14]

أما الشريف الجرجاني فيرى أن« التعريف : عبارة عن ذكر الشيء يستلزم معرفته معرفة شيئ  آخر ، و يقسمه إلى حقيقي و لفظي ، فالحقيقي: هو أن يكون حقيقة ما وُضع اللفظ بإزائه ، و اللفظي : و يكون اللفظ فيه واضح الدلالة على معنى فيفسّر بلفظ أوضح دلالة على ذلك كقولك الغضنفر الأسد»[15]

و قد اتخذ بنيس طرائق متعددة  للتعريف بمصطلح (الشعرية) و روافده نستطيع أن نعطي أمثلة على ذلك من خلال :

1-التعريف المنطقي : وهو تعريف الشيء بماهيته و خصائصه: و من الأمثلة الدالة على ذلك ما قاله بنيس حول مصطلح الابدالات الشعرية « و مع الابدالات الشعرية و المعرفية – التاريخية بما هي انتقال للممارسة النصية من بنية لأخرى »[16] أي أن الابدالات هي بالدرجة الأولى تغيير على مستوى البنية النصية.

2-التعريف الاقتراحي :إن وزن بنيس على مستوى الساحة النقدية العربية يعطيه كل الحق في الإتيان بتعريف للشعرية يتوافق مع مشروعه نحو شعرية عربية مفتوحة.

3- التعريف بالمجال الانتمائي، 4- التعريف الغائي، 5- التعريف بمجال الدراسة.

نقد استعمال مصطلح الشعرية عند بنيس

إن المقصود بهذا العنوان محاولة طرح أهم الملاحظات و القضايا التي نستنتجها من خلال دراستنا لهذا المصطلح على مستوى كتاب بنيس ، و التي ستكون بمثابة الخصائص أو الميزات التي يتفرد بها الكاتب في استخدامه لهذا المصطلح كما أنها تحمل جوانب إيجابية و أخرى سلبية لا يخلو منها أي بحث أو دراسة.

1-تبرير استخدام مصطلحات معينة :

 يرى بنيس أن استخدام الناقد للمصطلحات يحتاج في بعض الأحيان إلى تقديم المبرر في ذلك ، فقد « كان إبدال البيت في الشعر المعاصر تعبيراً عن أزمة البيت ...إلا أن النظريات أو الفرضيات الحديثة بخصوص البيت الجديد يتبنى أغلبها مصطلح البيت ...  »[17] و تبعا لذلك يتبنى هو ايضا نفس المصطلح فهو في هذا السياق يشترط في الاستعمال الاصطلاحي ما يسمى " بالإجماع"

2-الاستعمال غير الدقيق أحيانا للمصطلحات :

وقد كان ذلك من خلال وضع مصطلحات لا تتناسب مع السياق المقصود ، أو الخلط في بعض الأحيان بين المصطلحات المتقاربة في الدلالة و هنا تكمن أهمية المصطلحية إذْ يتحدث بنيس « مرة عن الغنائي ومرة عن الغنائية   و يجعل الغنائية مرة خصيصة بنائية في الشعر العربي و مرة " جنسا شعريا" ، و هذا ما جعل اصطلاحية بنيس يختلط فيها الموضوع بالصفة و كل ذلك ناتج... عن عدم ضبط حدود النوع  الأدبي نظريا و عدم ضبط الخاصيات المكونة له »[18]

كذلك نجد مصطلحي (رؤيا ، رؤية) حيث نلاحظ أن بنيس يستخدم كلا المصطلحين دون الإشارة إلى الفرق بينهما.

3-التفصيل في دراسة بعض المصطلحات:

 أظهر بنيس اهتمامه ببعض المصطلحات نظراً لتعمقه في دراستها و تفحص معانيها و حتى البحث في أصولها اللغوية في بعض الأحيان ، و يكون ذلك في المصطلحات التي خصص لها مباحث أو فصول كاملة و من بينها نجد مصطلح  " التجربة الشعرية" خاصة فيما يتعلق بموضوع الموت الذي تشترك فيه كل الشعريات.

4- البحث في الفروقات بين المصطلحات المتشابهة :

 في بعض الأحيان يورد المصطلحات المتشابهة و التي تحوي لُبسًا في استخدامها بين النقاد فيحاول توضيح الفرق بينها لكنه في نفس الوقت يحاول الإتيان بالبديل عنها مثل مصطلحات (التطور ، التغير ، التجاوز)، « تكتسب مفاهيم التطور و التغير و التجاوز ، كفرضيات لانتقال الشعر العربي ...دلالات قوية في سياق قراءة تاريخ الشعر العربي ...فالتطور يناقض الجمود،...أما التغير فيكون إلى حالة الشكل الشعري الذي انفصل عن مضمون اجتماعي...أما التجاوز فهو إعادة النظر إلى الإنسان و الأشياء و الكون»[19]

لكن بنيس يأتي بفرضية الإبدال كبديل لجميع هذه المصطلحات كونه يراها تحتفظ بنظرتها التقديسية للقديم ، و من ثم فإن « انتقال الشعر العربي الحديث ...لا يتضمن تطوراً  و لا تغيراً و لا تجاوزاً ، و إنما يحقق الإبدال ، بهذه النتيجة الأولية نلغي كلا من فكرة الأصل و الأساس و بالتالي الحقيقة و الغائية»[20] و الإبدال في نظر بنيس يقوم على الانفصال بين البنية و الأخرى ، الاختلاف وتعدد الممارسات النصية ، و التمايز الذي تجسده تجربة الذات الكاتبة .

5- صياغة مصطلحات جديدة:

إن بنيس كغيره من النقاد يقوم من خلال طرحه النقدي باستخدام مصطلحات مشتركة و متفق عليها بين أغلب النقاد ، كما يوظف أيضا بعض المصطلحات التي يقوم بصوغها بنفسه كونه لا يتفق أحيانا مع أصحاب المصطلحات السائدة و هو في الغالب يقوم بتبرير رفضه لهذه المصطلحات و التي نذكر منها مصطلح " التدوير" الذي تبنته نازك الملائكة و الذي ينتقد عدم وجوده لدى القدماء ، و إنما من خلال بحثه في التراث يورد مصطلح " المُدَاخَلْ"         و " المُدْمَجْ" اللذين يستعملهما ابن رشيق فهو يرفض المصطلح و المفهوم و الفائدة من هذا المصطلح استنادا لكون نازك الملائكة تركز في طرحها على المتلقي أكثر من تركيزها على صاحب النص و على التدوير باعتباره رخصة شعرية للشاعر ، اما في  صياغة مصطلح بنيس " الإدماج" الذي و على الرغم من جذوره التاريخية إلا أنه يركز على الشاعر ففعل الإدماج يدل عليه ، أما مصطلح المدمج ففيه تركيز على النص أكثر.

ومن خلال كل هذا نستطيع الخروج بمجموعة من النتائج حول طبيعة وطريقة توظيف بنيس لهذا المصطلح و كذا محاولتنا الوقوف على اهم مميزاته و التي تمثلت في :

- على الرغم من عدم وجود الشعرية كمصطلح في النقد العربي القديم إلا أننا نجد ما يقترب منها من حيث المفهوم وذلك من خلال مختلف القواعد و الأسس التي وضعها النقاد وإن اقتصرت في البداية على مجال الشعر دون النثر كقدامة بن جعفر، ابن قتيبة ، ابن سلام الجمحي ، ابن رشيق و حازم القرطاجني .

- إن المطلع على كتاب فن الشعر لأرسطو يلحظ بأنه لم يقتصر الشعرية على الشعر وإنما جعل مجالها أوسع لتشمل حتى الفنون الإبداعية الأخرى كالنحت و الرسم.

 - لقد حاولت الشعرية باعتبارها بحث عن قوانين الإبداع الأدبي الاستفادة من جميع العلوم اللغوية.

- إن تعدد الترجمات العربية لمصطلح الشعرية ساهم بشكل واضح في تشكل هذه الضبابية حول هذا المصطلح في النقد العربي على وجه الخصوص فتوحيد المصطلح سيسهم لا محالة في تسهيل المهمة على الباحث في هذا الموضوع.

  - حاول بنيس من خلال دراسته الوقوف على أهم و أبرز الابدالات التي مر بها النص الشعري العربي الحديث في مختلف مراحله لهذا جاءت دراسته شاملة للجانبين النظري و التطبيقي.

- اعتمد بنيس في دراسته على مصطلح شعرية عربية مفتوحة و بالتالي اعتماد التنظيرات العربية و غير العربية لإرساء ملامح هذه الدراسة .

- تتميز هذه الدراسة بمحاولتها إعادة الاعتبار لما أبدعه شعراء المغرب العربي من خلال اعتماد بنيس في الجانب التطبيقي على نصوص المشارقة و المغاربة مما ينبئ بتلك المقارنة الخفية بينهما فقد حاول أن يجعل عبارة (الشعر العربي الحديث ) اشمل بعد أن كانت تتسع من قبل فقط لما ينتجه المشارقة ، لكن بنيس وقع في نفس ما عاب به غيره فقد اعتمد فقط على الشابي من تونس و شعراء المغرب الأقصى وكأن ليبيا و الجزائر انعدم فيها الشعراء أو أن شعرهما   لا يعد عربيا.

- اعتماد بنيس مصطلحين جديدين هما المركز و المحيط الشعريين بدل المشرق و المغرب.

- بما أن التحديث الشعري كان منطلقه من المركز الشعري ثم انتقل فيما بعد و هاجر إلى المحيط الشعري نجد بنيس يطلق على النص المشرقي مصطلح النص الأثر أما النص المغربي فاصطلح عليه تسمية النص الصدى .

 - انطلاقا من كون الفترة الزمنية لكل مرحلة من مراحل الشعر العربي الحديث ( التقليدية،الرومانسية ،الشعر المعاصر) طويلة نوعا ما يتبنى بنيس مصطلحي العتبة العليا و العتبة السفلى للتفريق بين البنيات النصية، فنصوص العتبة العليا هي التي تشتمل على كل خصائص و ميزات المرحلة ، وهذين المصطلحين يعودان في الأصل إلى أمبرتو  إيكو .

 - حاول بنيس من خلال الجزء الرابع للكتاب أن يجيب عن مختلف التساؤلات التي كانت تطرح نفسها بشدة في مرحلة الشعر العربي الحديث و كذا أهم القضايا فيه.

 - لكل قسم من أقسام المتن الذي اعتمده بنيس في دراسته مميزات مشتركة بين نصوصه التي تختلف في الآن ذاته مع بعضها البعض مكتسبة سمة الفردية فالنصوص التقليدية اتسمت بالتمركز حول الصوت ، أسبقية المعنى والرؤية المتعالية للغة ،أما النصوص الرومانسية فقد جاءت مخالفة لمبادئ التقليدية ، التعصب للرومانسية الأوربية و الأمريكية  و كذا التفاعل مع الموشحات الأندلسية ، ونجد الشعر المعاصر يتميز بتعدد الممارسة النصية ، و إعادة البناء لكل من الإيقاع و الصورة و اللغة ، رؤية العالم،  النص كنسيج...

- يرى بنيس أن الشعرية العربية تشترك مع الشعريات القديمة الأخرى كالصينية و الهندية في علاقتها قديما بالنصوص المقدسة من جهة و كتاب (فن الشعر) من جهة أخرى ، أما في العصر الحديث فمن خلال ارتباطها بالنصوص الشعرية الأوربية و تنظيراتها .

- يعتمد بنيس على مصطلح "الشعرية العربية المفتوحة " كنظرية نقدية يعيد من خلالها بناء الشعر العربي الحديث     و هذا الانفتاح يكون على الشعريات الغربية من جهة ومختلف العلوم اللغوية ، وكذا حتى العلوم الأخرى كعلم النفس و علم الاجتماع من جهة أخرى فالغاية اكتساب طرائق تحليلية متعددة تساعد على الوقوف عند مختلف حيثيات النص ويتجلى ذلك من خلال اعتماده على المصادر الأجنبية بشكل واسع .

- يعتبر مصطلح الشعرية سيد المصطلحات في كتاب بنيس حيث تكرر بشكل لافت وبصيغ متعددة.

- الشعرية في نظر بنيس شعريات و ليست واحدة إذ نجده ينسبها أحيانا للنقاد انطلاقا من المبدأ الذي اعتمدوه في دراستها أو الزمن الذي ارتبطت به .

- لقد وظف بنيس مصطلح الشعرية في الغالب مقيدا بألفاظ  أخرى ، وقد جاء مطلقا بنسبة أقل بكثير وبثلاث صيغ فقط هي ( شعريات، الشعرية ، شعريتين).

- ما يميز مصطلح الشعرية كصفة أن بنيس وظف فيه العديد من الصيغ الاصطلاحية المترادفة مثل ( القوالب الشعرية الصيغ الشعرية ، الأنساق الشعرية ...)

- ربط بنيس مصطلحات الشعرية بمجالات متعددة و دخيلة على مجال النقد مثل ( اللذة الشعرية ، الثورة الشعرية الصراعات الشعرية ، السلالات الشعرية ) وهي تعود في الأصل إلى علم النفس، أو السياسة أو الانثروبولوجيا.

- عمد بنيس في بعض الأحيان إلى تبرير استخدامه لبعض المصطلحات أو حتى انتقاله من مصطلح إلى آخر.

- يرى بنيس أن مصطلح الإبدال هو الأنسب لتوضيح ما مرت به البنية الشعرية وذلك اعتمادا على مبدأ الانفصال بين البنية و الأخرى .

- يقتبس مصطلحاته من مصادر متعددة كالتراث و العلوم الإنسانية أو حتى العلوم التجريبية .

- على الرغم من اعتماد بنيس الشعرية كنظرية يعيد من خلالها بناء الشعر العربي الحديث إلا انه لم يصرح باقتصارها على جانب الشعر دون النثر .

- يؤمن بنيس بتعدد المصطلحات للمفهوم الواحد ومن ذلك استخدامه لمصطلحي شاعرية و أدبية كمرادفين لمصطلح الشعرية .        

الهوامش و الإحالات



1 - حسن ناظم، مفاهيم الشعرية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب ،ط1، 1994، ص:10.

2 -  مشري بن خليفة، الشعرية العربية مرجعياتها و ابدالاتها النصية ،وزارة الثقافة ،الجزائر، (د.ط)،2007، ص:19.

3 - رابح بوحوش، الشعريات و المناهج اللسانية، مجلة الموقف الأدبي، ع: 414، 2005، ص:38.

 4 - ابن فارس، مقاييس اللغة ،مادة " شعر " ،ج3،ص:209.

  5 - الزمخشري، أساس البلاغة، دار صادر، بيروت، مادة " شعر "ص:331.

6- ابن منظور، لسان العرب، مادة " شعر "،المجلد4، ج26،ص:2273.

7- حسن ناظم، مفاهيم الشعرية ،ص:11.

8- مرشد الزبيدي،اتجاهات نقد الشعر العربي في العراق ،اتحاد الكتاب العرب،دمشق ،1999،ص:104.

9- السجلماسي: المنزع البديع في تجنيس اساليب البديع ، تقديم و تحقيق:علال الغازي،مكتبة المعارف ، المغرب،ط1 ،1980   ص :127 .

 10- محمد بنيس ،الشعر العربي الحديث، الشعر المعاصر ،دار توبقال ، المغرب،ط2،1996 ، ص :179 .

11- ينظر ، محمد بنيس ،الشعر العربي الحديث، مساءلة الحداثة ، دارتوبقال،المغرب،ط2،2001  ،ص:62.

12-محمد بنيس ،الشعر العربي الحديث، التقليدية ، دار توبقال ، المغرب ،ط2 ،2001، ص:189.

13- المصدر نفسه ، ص:54.

16-  محمد بنيس ، التقليدية ، ص:23.

17- محمد بنيس ، الشعر المعاصر ، ص:116.

14-  مجدي وهبة و كامل المهندس، معجم المصطلحات العربية في اللغة و الأدب، مكتبة لبنان، بيروت، ط2، 1984، ص:111.

15 - ينظر : الشريف الجرجاني ، كتاب التعريفات ، مكتبة لبنان ، بيروت ،(د.ط)، 1985، ص:65.

18- رشيد يحياوي ، مسألة الأجناس الشعرية ، مجلة علامات ، ع49، النادي الأدبي الثقافي ، جدة ، سبتمبر 2003، ص:279

19- ينظر ، محمد بنيس ، مساءلة الحداثة ، ص:62.

20- المصدر نفسه، ص:75.