تيمة المدينة في الخطاب الشعري الجزائري المعاصرpdf

 

د/ أحمد قيطون

د/ عمار حلاسة

قسم اللغة والأدب العربي

جامعة قاصدي مرباح ورقلة – الجزائر.

abstract

The city has occupied a symbolic image in the Algerian contemporary poetry along short intervals, that’s because of the affection feeling of the poet and his psychological sufferings first, as well as, because of social and political troubles. The events that Algeria witnessed during three successive decades starting from the seventies rendered poets afraid and suspicious of the city. That found its reason in frustration and despair that characterized the feeling of the poet. This pessimist image appeared repeatedly in the modern Algerian poem. That reality pushed us to try to expose its manifestations. 

resume

La ville à prisune dimension symboliquedans la poésieAlgériennecontemporainesur des périodesrapprochées, ceciest du à sentiments d’affection du poète et sessouffrancespsychologiques en premier lieu, ainsiqu’auxsoucissociaux et politiques .Les conditions qu’avécul’Algérie et qui s’étalentsurtroisdécades à partir des annéessoixante-dix, ou le sentiment d’insécurité à prévalu chez d’innombrablespoètes, car elleestdevenueune source de peur et de déception. Cette image est très répandue dans la poésie Algérienne, ce qui nous a incités à l’évoquer en exposant ses dimensions.

الملخص

لقدتجلتالمدينة في الشعرالجزائري المعاصر بشكل رمزي وفي فترات متقاربة، لاحتراقات الشاعر وعذاباته النفسية أولا والاجتماعيةوالسياسية، خاصة في ظل الظروف التي عاشتها الجزائر إما في فترة السبعينات أو في الثمانينات والتسعينات، إذ شكل الخوف من المدينة هاجسا كبيرا للشعراء، نظرا للإحباط واليأس الذي كان يعاني منه الشاعر. هذه الصورة السوداوية تكررت كثيرا في القصيدة الجزائرية المعاصرة ما جعلنا نقف أمامها قارئين تفاصيلها.

منذ أن بدأ الإنسان يعي ثقافة المكان شكل له هذا الأخير هاجسا كبيرا . حيث العيش في العراء ثم أمام  الوديان وبعدها إلى أعالي الجبال في الكهوف، . لذا نجد كثيرا من الأساطير تولى للمكان أهمية بالغة، وملحمة جلجامش، شاهدة على ذلك التغير الذي طرأ على الإنسان المتوحش (أنكيدوا) وكيف غيره الانتقال من حالة إلى حالة، من البراري إلى المدينة.

لذا فالعلاقة قديمة بين الشاعر والمدينة كمكان، إلا أن التغيرات التي طرأت على هذا الموضوع، تعود إلى تغير رؤية الشاعر إلى المكان، فهذه العلاقة << قد لبست لبوسا مختلفا بين عصر وآخر وذهب الشعراء فيها مذاهب شتى وخصوصا في المقابلة بين البداوة والحضارة، كقضية أنكيدوا والبغي التي قادته إلى أوروك>>[1]، هذه الثنائية، البداوة والحضارة أو الريف والمدينة، قد كانت ولا تزال نقطة محورية في تجارب الشعراء سواء القدامى أو المحدثين، وربما لنا في الشاعرة <<ميسون بنت بحدل دليل على ما نقول، فهي <<شاعرة بدوية تزوجها معاوية بن أبي سفيان ونقلها إلى حاضرة الشام فثقلت عليها الغربة، وأكثرت من الحنين والوجد إلى حالتها الأولى وضاقت نفسها أكثر لما تسرى عليها معاوية، فقالت:

لَبيت تخفق الأرواح فيه
وبكر يتبع الأضعان سقيا
وكلب ينبع الطراق عني
ولبس عباءة وتقر عيني
وأكل كسيرة في كسر بيني
وأصوات الرياح بكل فج

 

أحب إلي من قصر منيف
أحب إلي من بغل زفوف
أحب إلي من قط ألوف
أحب إلي من لبس الشفوف
أحب إلي من أكل الرغيف
أحب إلي من نقر الدفوف>>[2]

هذا النص الذي شطره البادية في بساطتها، وشطره الآخر المدينة بتعقيداتها ، هو الموضوع الرئيسي لنص ميسون، فالصراع الداخلي ممثلا في صراع البادية والمدينة وأثره على نفسية الشاعرة التي تغيرت رؤيتها بتغير المكان التي كانت تعيش فيه أو بالأحرى الذي ألفته.

وعليه سنحاول أن نتتبع مواقف الشعراء العرب من المدينة/المكان عبر العصور، لنصل إلى العصر الحديث، وبالضبط إلى حركة الشعر الحر أو كما يسميهم البعض شعراء الحداثة، لنرى كيف تجسدت المدينة في نصوصهم وماهي الدلالات الرمزية التي تحملها من خلال نصوص اهتم فيها أصحابها بتيمة المدينة وألبسوها المعاني التي تدل على موقفهم من المدينة <<هذه الأخيرة تتشكل بحسب الانتماء العقائدي أو الوضع النفسي الفردي، فالمدينة <<وعاء>> لا يتغير، وإنما الذي يتغير هو البنية التركيبية في مؤسساتها السياسية أو انتمائها من خلال العلاقة بينها وبين الشاعر، أو من خلال أزمة تحول يعانيها الشاعر نفسه>>[3].

هذا التغيير في الداخل أو في الخارج هو الذي جعل الشعراء إما يحجون إلى المدينة أو يفرون منها خوفا على ما يملكون من أن يضيع ، سواء على المستوى المادي أو المعنوي.

فالشاعر العربي القديم قد أدرك بالفطرة أهمية المكان في حياته، إذ ربطه بمصير الحياة والموت أو الجدب والخصب، وما الوقوف على الأطلال –كماأثبتت ذلك كثير من الدراسات التي تناولت الأطلال في الشعر القديم-إلا دليل على وعي الشاعر بأن الاستقرار في مكان واحد، يضمن له الأمان والطمأنينة والراحة النفسية <<فالوقوف على الأطلال يتحول من الوقوف على غريزة الحياة التي كان يمثلها المكان في يوم من الأيام، في وجه غريزة الموت التي تمثلها الجذب والقحط الطبيعي وغياب العمران وكذا الكبت الجنسي ، على اعتبار الجنس رمز للحياة وازدهار عمرانها، فشعراء الجاهلية لم يبكوا الأحبة بقدر مابكوا خلو الديار من أهلها وكأن نفس الشاعر تتوق وتتطلع إلى الاستقرار الحضاري>>[4] .

فقد شكلت الأطلال رمزا لفقدان الحضارة والتيه في البراري بحثا عن ماء الوجود، من خلال الانتقال من مكان إلى آخر، كما كان للبكاء عليه دلالة على رثاء الشاعر/الإنسان لنفسه أولا، وللشيء المفقود ثانيا كالمرأة التي يمثل وجودها الاستمرار والخصوبة ... أما غيابها وترحالها فيمثل له الموت بكل أشكاله، لذا فقد أحس الشاعر الجاهلي بالضياع والتيه، وكان أن جسد هذا الضياع والتيه في مقدمة نصوصه الشعرية، إذ لم يشأ أن يبتكر ويبدع مدخلا جديدا، وهو لا يزال يعيش الفقد والتوحش ، فأراد أن تكون هذه المقدمة كالوشم على الجسد الذي لا يزول، إلا بزوال هذا الجسد وانحلاله في التراب، فبين المقدمة الطللية والوشم تداخل ما، إذا الأطلال هو التأريخ لمكان ما بكل أبعاده، والوشم على الجسد، هو إعادة كتابة تاريخ ما بأشكال ورسومات هندسية تشير إلى أحداث ومواقف ما.

إن <<حس المكان ... حس أصيل وعميق في الوجدان البشري، وخصوصا إذا كان المكان هو وطن الألفة والانتماء الذي يمثل حالة الارتباط البدئي المشيمي برحم الأرض –الأم، ويرتبط بهناءة الطفولة وصبابات الصبا، ويزداد هذا الحس، شحذا إذا ما تعرض المكان للفقد أو الضياع، وأكثر ما يشحذ هذا الحس ، هو الكتابة عن الوطن في المنفى>>[5]. وهذا ما جعل ميسون بين بحدل البدوية ترفض طيب العيش في المدينة، وبين قصور الخلافة، فهي تريد أن تحمي بعض القيم التي كانت تؤمن بها وهي في البادية، لذا حنينها للمكان الأول كان حنينا للبساطة والعفوية وهو ما عناه باشلار بقوله <<إن المكان الذي ينجذب نحو الخيال لا يمكن أن يبقى مكانا لا مباليا وأبعاد هندسية وحسب، فهو مكان قد عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي فقط، بل بكل مافي الخيال من تميز، إننا ننجذب نحوه لأنه يكثف الوجود في الحدود تتسم بالحماية،  في مجال الصور لا تكون العلاقات المتبادلة بين الخارج والألفة متوازية>>[6].

إن رؤية الشاعر الجاهلي للمكان هي رؤية نابعة من الاحتياجات النفسية التي كانت تنقصه والتي بدونها لا يمكن له أن يشعر بلذة الحياةوبمعنى وجوده واختلافه عن باقي المخلوقات. لذا فالوقوف على الأطلال ظاهرة سادت، في الشعر الجاهلي، إلا أنها لم ترقى إلى صورة المدينة المعروفة بمقوماتها الحضارية الراقية>>[7]. إلا أن لها مكانتها عند الشعراء لا يمكن لأحد منهم أن يتمرد عليها، وإلا نفي خارج خارطة الشعر العربي القديم من لدن متلقي تلك النصوص في تلك المرحلة.

أما مع مجيء الإسلام فقد ارتبطت المدينة بالمفاهيم التي وردت في القرآن الطريم، إذ حدد الله سبحانه وتعالى صفات بعض المدن وأهلها ، وأحيانا ترد المدينة<<كمرادف للفظة (قرية)، وهي مركز السلطة ومستقرا الحكام، وغالبا ما يكون هؤلاء جبابرة ضالين مضلين قاهرين لكل مؤمن بالله >>[8]، وهو ما وصف به الله تعالى فرعون بقوله <<فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأضل فرعون قومه وما هدى>>[9].

كمانجد القرآن يصف في مواضع متفرقة صفات بعض أهل القرى/المدينة، هذه الصفات التي تجعل الشاعر يتدمر منها ويحاول أن يخلق مدينة مثالية خالية من العيوب التي ورد ذكرها سواء في القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية أو أخبار الأولين في كتب السير والتاريخ، فمما ورد في كتابه تعالى عن أهل القرية قوله <<فانطلقا حتى إذ أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما>>[10]، وقوله كذلك في صفة التنازع والجدال التي يتميز بها أهل المدينة <<إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم، قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخدن عليهم مسجدا>>[11] فالمدينة هي ذلك المكان الذي يجتمع فيه الكثير وتتداول فيه سلع كثيرة فهي<<رمز للمكان ومركز كبير للتجمع البشري يضم بين جنباته طبقات متباينة من الناس يغلب عليها الطابع المادي بشكل عام، نظرا لأن ظروف الحياة فيها تختلف كثيرا عن ظروف الحياة في القرية أو الريف، فهي تتطلب مالا كثيرا من أجل المأكل والمسكن والملبس، فكل شيء في المدينة بثمن>>[12].

وهذا ما جعل أصحاب أهل الكهف رغم نومهم الطويل  وابتعادهم عن عصرهم بمئات السنين، يدركون قيمة المال في المدينة وذلك مصداقا لقوله تعالى <<فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه>>[13].

لقد كانت المدينة في صدر الإسلام تلك المدينة التي تجتمع فيها تناقضات المجتمع نظرا للتنوع البشري الموجود فيها، لذا حذر منها القرآن والأحاديث النبوية التي جاءت شارحه لمحتوى القرآن الكريم.

<<والمتتبع لموقف المؤرخين العرب والمسلمين.... سيجد أنها لا تشذ كثيرا عن موقف القرآن والأحاديث النبوية منها، ولعل هذا ناتج أول الأمر عن تشبعهم بنظرة الدين إليها وحذرهم المسبق منها، ينضاف إليه ثانيا خبرتهم بها، وتجاربهم المريرة فيها، وما عانوه من تسلط وتجبر وعزلة وتهميش>>[14]، ومن الذين جسدوا هذا القول في حياتهم وأخذوا موقفا حازما من المدينة بما رأوا فيها من ظلم وفساد وانحلال وتملق، نجد الخوارج، الطائفة المعروفة في التاريخ الإسلامي بخروجها على علي وتكفيره، فهم <<حبذوا  الإقامة في البوادي القفار، ورفضوا المدن رفضا قاطعا، زاعمين أنها لا توافق طبائعهم ولا تنسجم مع نفوسهم الزاهدة في ملذات الدنيا التي توفرها المدينة الرافضة لتسلط الحكام وطغيانهم، لقد كان رفضهم مبنيا على اعتبارات أخلاقية دينية، وأسس نفسية ومعطيات سياسية، ولم يقبلوا الضيم فاعتزلوا، ولم يرضوا الفساد فحاربوا ولم يألفوا التملق والتزلقفهجوا المجتمع وأهله، ولم يطيقوا تحمل زيف هذه الحياة فطلبوا الموت وتعجلوه>>[15] .

هذا الرفض للمدينة من طرف هذه الفرقة، لم يكن رفضا اجتماعيا فقط، بل تعداه إلى الرفض السياسي والديني، ومن هنا بدأ للمدينة حضورها المختلف، بعدما كانت تحمل سمة الديني بامتياز أيام النبي صلى الله عليه وسلم، إذا الابتعاد عن المدينة/ الرمز التي رسم معالمها النبي صلى الله عليه وسلم، وكثرة مشاغل أهلها وتنوع فتنها أدى بالناس إلى الهروب خارجها خوفا على أنفسهم وعلى دينهم.

فالمدينة الرمز في الإسلام هي المدينة المنورة كماورد في معجم الرموز الإسلامية إذ <<كانت المدينة تدعى قديما يثرب وهي ثاني مدينة مقدسة في الإسلام، فيها مدفن النبي ومدفن ابنته، وكثيرا ما تسمى المدينة المنورة أو مدينة النبي، وذلك بعدما هاجر إليها النبي وصحبه، وبهذه الهجرة بدأ التاريخ الهجري>>[16].

وتستمر رحلة تطور المدينة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وتستمر معها المعاناة خاصة أولئك الذين يحملون قلوبا ومشاعر رهيفة، لا يستطيعون أن يتنفسوا هواءها الملوث بأنفاس الحاقدين واللائمين، ومنهم الشعراء الذين كان لهم الفضل في وصف أهات المدن وما تعاني منه، وبالتالي فقد تصدعت العلاقة بينه وبينها، مما يفسر احتماء بعض الشعراء ببعض السلوكات كتعويض عن ما يعانونه من هذه المدينة .

وهذا ما وجدناه في العصر العباسي,حيث شكلت تيمة المدينة في الشعر العباسي ,أهم التيمات الجديدة حيث<<أصبحت سمة للحياة الجديدة,ولتطور الواقع الحضاري العربي الاسلامي,الذي خرج من طور البداوةإلى طور التمدن >>[17].

هذا الانتقال من مرحلة إلى مرحلة, أدى في الوقت نفسه إلى التغييرفي بنيات المجتمع العباسي ,وظهور عادات وتقاليد جديدة ,لم يكن للعربي عهد بها,مما أثر عليه من خلال محاولة طمس بعض معالم هويته المتمثلة في تلك الميزات التي كان يتميز بها عن سائر الأقوام الأخرى .

  لقد لجأ بعض الشعراء إلى نفي أنفسهم خارج المدينة, بسبب ما لقوه من قهر وحرمانفهذا أبو نواس يلجأ<<إلى العبث ذي الطابع التمردي,فأحرق نفسه والمجتمع الذي احتقره وسحقه ,واتخذ من الأمور التي تعد في نظر المجتمع خطيئة,مبدأحيا ومادة خاما لشعره وإطارا لحياته>>[18].

إن التمرد الذي اتخذه أبو نواس, لدليل على بشاعة صورة المدينة في نظر الشعراء, خاصة إذا كان هذا التمرد هو ممارسة المحظور المتمثل في الخمر ,هذا الأخير الذي يحمل أكثر من دلالة, إذ الشاعر يحاول أن يغترب عن عالمه/عن ذاته, من خلال تغيب عقله و السفر بعيدا في عوالم يحلم بها ,عوالم قد تكون المدينة الفاضلة التي يرسمها أي شاعر في مخيلته انطلاقا من الواقع الذي يعيشه <<لقد كان أبو نواس دائم النزوع إلى الارتباط بما هو ساحر وحلمي و شفيق, محاولا.. الانفصال عن ثقل مادية الأشياء وجمودها وكثافتها المعتمة، والانخراط في العالم الحلم، العالم الساحر، عالم الشوق الحلمي والأرضي>>[19].

كما كان للمتنبي تمرد من نوع خاص من خلال تعاليه ونرجسيته الزائدة ,التي تفضح الواقع المتمدن,الذي كشر أنيابه في وجه كل شيء بريء.

وبالرغم من كل هذا الالتفات إلى هذه العصور التي اهتم شعراءها بالمكان، إلا أن هذا الموضوع-المدينة- لم يلق اهتماما كبيرا من لدن الشعراء <<فقد عاش بعض الشعراء العرب في البادية,وعاش بعضهم في المدن,وظهرت ..أصداء لحياة المدينة عند شعراء المدن ,ولكنها كانت خافتة,وقد يعود السبب في ذلك إلى بساطة الحياة في المدن العربية القديمة,وعدم تشابك عناصرها كما هو الحال في المدن الحديثة.أما النقد العربي القديم فلم يعلق كبير أهمية على الفرق بين شعر البادية و شعر الحاضرة ,و هو و إن حاز لشعر البادية أحيانا فذلك لأسباب لغوية لاتتصل بموضوع البادية والمدينة>>[20]، أما في العصر الحديث فقد اتخذ الشعراء من المدينة موضوعا كبيرا ومتشعبا عبروا من خلاله عن تجاربهم وعن أحلامهم ورؤاهم الشعرية، ليس لأن الموضوع جديد على هذا العصر بل المفاهيم هي التي تغيرت وبالتالي فقد غير للشعراء مواقفهم التي تتماشى والحياة الجديدة في العصر الحديث.

  <<فقد بدأت مواجهة الشاعر للمدينة، حينما رحل إليها بحثا عن وجوده الاجتماعي والسياسي، وهناك اكتشف المؤامرة التي تحيط به>>[21].

هذه المؤامرة تجلت في أشكال مختلفة فمرة في المواضع التي يكتبها والأسلوب الذي يكتب به، ومرة في المواقف التي يعلنها صراحة على المنابر المختلفة.

كما نجد أراء أخرى ترى أن الموضوع هو موضوع صراع بين البداوة والحضارة <<إذ ظاهرة المدينة في الشعر الحديث تكاد تكون تعبيرا عن شكل من أشكال الصراع بين البداوة والحضارة، بين الشعر والمدينة>>[22]. هذا الصراع الذي يعتبر صراعا قديما، إلا أن ظهوره من جديد في العصر الحديث دليل على ارتباط الشاعر بالمكان الذي ألفه سواء كان المدينة أو الريف، لأننا لم نجد كل الشعراء قد تبرموا من المدينة، بل هناك موقفين متناقضين<< ففي جانب تقف المدينة الطاهرة، النقية المعشوقة، التي تكون مبرأة من العيوب، وفي جانب آخر تقف المدينة المزيفة، القاسية، المشوهة، من خلال هذين الموقفين المتباعدين إلى حد التناقض تنبثق المدينة الرمز التي تجسد بصفاتها معنى شاملا يومئ في بعض الأحيان إلى الحياة ذاتها>>[23].

هذا التناقض أو بالأحرى هذان الموقفان قد ينجم عنهما آراء أخرى تحاول أن تتهم الشاعر بالمغالاة في وصف معاناته من المدينة، إذ ينعدم الصدق في تجربته كما تقول هذه الآراء، فما هو إلا مفتعل لهذه المعاناة أو هو مقلد لشعراء الغرب، وهذا ما وجدناه عند الناقد احسان عباس إذ يكتب يقول" والثابت أن الحياة "المدينة "في المجتمع العربي لم تكن نتيجة ثورة صناعية بقدر ما كانت استمرارا للتوسع في مدن عربية قديمة، حتى أن كثيرا من الباحثين يميلون إلى الاعتقاد بأن المدينة في العالم العربي ليست سوى "قرية كبيرة وأن الشاعر حين يحس بتضايقه من المدينة، فيتحدث عن الغربة والقلق والضياع إنما يحاكي –مجرد محاكاة- شعراء الغرب حين يضيقون ذرعا بتعقيدات الحضارةالحديثة وبالمدينة الكبيرة ممثلة لها"[24].

هذا المصدر الذي ذكره الناقد، والذي عده البعض من أولى المصادر التي جعلت المدينة تأخذ حيزا كبيرا داخل المتن الشعري العربي الحديث، نجد الناقد عز الدين إسماعيل، يثبت هذا المصدر –التأثر بالغرب- لكن لا يجعله المصدر الأساسي في تجربة المدينة في الشعر العربي الحديث، بل يتعداه إلى مصدر آخر إذ يقول "أما فيما يختص بمصدر هذا الاهتمام فإنه يظن أن الدافع الأول إليه دافع خارجي جاء نتيجة لتأثر الشعراء المعاصرين بنماذج من الشعر الغربي وبقصيدة "الأرض الخراب" ...بما يشيع فيها من نقمة على وجه الحضارة الحديثة وما أحدثته من تمزق للنفس الإنسانية وللعلاقات الإنسانية التي تربط بين الناس"[25] ثم يضيف –مقللا من شأن هذا المصدر الذي عده كثير من الدارسين. أكبر المصادر التي جعلت الشعراء العرب المحدثين يكتبون عن المدينة- "على أنه مهما قيل في شأن هذا التأثر فلا شك في أن استجابة الشعراء المعاصرين لهذا الموضوع تتجاوز حدود التأثر فلو لم يكن لهذا الموضوع وقع معين في نفوسهم.وما لم يكن له كيانه البارز في واقع الحياة التي يمارسونها، ما ظفر منهم بهذه العناية الفائقة"[26] فالناقد عز الدين إسماعيل، يولى التجربة الشعرية اهتماما كبيرا وهذا ما نراه صوابا لان دعوى التأثر بالغرب في هذا الموضوع سبب ضعيف حاول الذين يثبتونه في دراساتهم أن يقللوا من شأن التجربة الشعرية العربية، هذه الأخيرة التي كانت تمتلك ولا زالت تمتلك الأدوات الشعرية،التي تجعلها ترى الكون برؤاها الخاصة لابرؤى الغرب، هذه النظرة التي نجدها في الدراسات الشعرية، والتي يحاول دائما أصحابها الحط من قيمة النص الشعري العربي وجعله تابعا ومقلدا ليس للشعر العربي القديم، بل لشعر له بيئته وحضارته وثقافته الخاصة، وكان الأحرى بهؤلاء أن يذهبوا مذهبا آخر غير مذهب التقليد والمحاكاة، وهو كما قال الناقد الربيعي" أن تتجه لدراسة شعر المدينة اتجاها، يحرره من أن يكون مجرد انعكاس للواقع، ويكشف عن جانبه الرمزي، وهذا إنما يكون بالتركيز الشديد على "التحليل النصي"، والبنية الفنية للقصيدة"[27].

لذا فأسباب الكتابةعن المدينة في الشعر العربي الحديث غدت تشكل حاجزا أمام الدارسين، خاصة عندما ندرك أن ملامح المدينة العربية أو هوية المدينة العربيةغير واضحة المعالم. فكثير من الشعراء المعاصرين كما يقول "إحسان عباس" ريفي النشأة ثم هاجروا إلى المدن فالصدام بينهم وبين المدينة لا يعني مقتا للحضارة ووسائلها، وإنما هو تعبير عن عدم الألفة بينهم وبين البيئة الجديدة لأسباب مختلفة"[28]. لكن التعبير عن عدم الألفة يكون في بداية تواجدهم بالمدينة وليس لطول حياتهم بالمدينة، إذ من المفروض أن يكون الشاعر قد ألف هذه الحياة وبالتالي أصبحت جزءا من حياته وهذا ما جعل أحد الباحثين يتساءل بقوله "إن من يتأمل الصورة المبتئسة التي رسمها الشاعر الحديث للمدينة وللناس فيها، لابدأن يتبادر إلى ذهنه السؤال التالي:ما دامت المدينة وساكنوها على هذه الصورة، فما الذي يدعو الشاعر للإقامة فيها؟. ولم لا يغادرها إلى القرية أو إلى الريف أو إلى الطبيعة أو الغابة. كما فعل الرومانسيون من قبل"[29].

هذه الأسئلة على بساطتها فهي تبدو منطقية،  إذ التذمر من الشيء يستلزم الانتقال إلى شيء أحسن منه، أم أن الشاعر يبقى في أبراجه العاجية –وهم كثر- ويرسل نصوصا للقراء مليئة بالضجر والملل من المدينة، وهو ما جعل المعداوي يصف موقف الشعراء بالموقف المفتعل، إذ كتب يقول "إن موقف الشاعر الحديث من المدينة وساكنيها، موقف مفتعل ينقصه كثير من الصدق وكثيرمن الأصالة، ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على الأسلوب، الذي بدا موغلا في النثرية، لا يربطه بالشعر سوى الوزن والقافية"[30].

هذا الموقف من الشاعر يزداد تأكيدا عندما ندرك الآن أنه لم يعد هناك فرق بين القرية الممثلة للريف والمدينة، إذغاب مفهوم الريف.ذلك المكان الجميل، الهادئ، الذي تهرب إليه كل نفس ضاقت عليها الدنيا، مثلما غاب مفهوم المدينة عندنا، إذ انعكس هذا التحول في المفاهيم على صدق تجربة الشاعر، فلم يعد القارئ يشارك الشاعر أحلامه وآلامه وآماله.

"إن الثنائيةبين البادية والحاضرة ثنائية قديمة، ولكن "هوية الحاضرة" هي التي نسعى إلى تحديدها من خلال رؤية الشعراء لمدينتهم، وقد عبر الشاعر المعاصر عن بعض مشكلات الحاضرة ...وحاول أن يحدد مدينته...ولكن الطريق أمام الشاعر المعاصر لا يزال طويلا لكي يصل إلى تحويل المدينة إلى رمز شعري كامل يكون بديلا عن الواقع، ووعاء فعالا "تتزامن" داخله قيم الماضي، ومعطيات الحاضر و"خيالات، المستقبل"[31]

هذه الرؤية أو هذا الطرح الذي يسعى الناقد الربيعي  إلى تحقيقه من خلال وعي الشاعر برمزية المدينة، التي تتعدد تأويلاتها من شاعر لآخر حسب تجربته الشعرية والشعورية، فقد تحولت المدينة من مجرد مكان جغرافي إلى طاقة رمزية، تفتح للشاعر آفاق واسعة، وبالرغم من الانتقادات التي وجهت للشاعر العربي الحديث بأنه مقلد للشاعر الغربي خاصة في هجائه للمدينة، إذ "لم يتخذ الشعر موقف الهجاء للمدينة إلا في فترات متأخرة، بعد أن اكتسبت هذه المدينة "في أوروبا وأمريكا خاصة" طابع العداء للإنسان عموما بسبب استخدام الآلة وتطور التقنية، الأمر الذي جعل الشاعر يقف منها بدوره موقفا عدائيا"[32].

هذا الموقف العدائي نجد له مثيلا عند الشاعر العربي الحديث سواء من باب التقليد أم من باب معايشته للواقع خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، أين تدهورت الأوضاع السياسية والاجتماعية وأثرت في الشاعر الذي يتوق دائمالعالم أفضل، ولمدينة يتساوى فيها الكل، لكن، بما أن المدينة قد تحولت –في نظره-"إلى غابة للموت، غابة للقضاء على الروح التي تشكل جوهر الإنسان وجوهر القيم الأخلاقية المثلى وجوهر التعامل الأفضل بين البشر"[33] فقد بدا انسانا قلقاعلى وجوده.

لقد تعدت مظاهر معاناة الشاعر في المدينةمن الشعور بالوجوه إلى الشعور بالضياع وهما شعوران متلازمان، إضافة إلى الإحساس بالغربة، هذه المشاعر "التي عبر عنها هؤلاء الشعراء إنما هي أثر من معاناتهمالحياة في المدينة بعد أن عاشوا تجربة الحياة في القرية في فترة الطفولة وقد كان طبيعيا أن تنعقد في نفوسهمالمقارنة بين التجربتين، وأن تكون نقمتهم على المدينة أثرا لهذه المقارنة"[34]

هذه المعاناة وهذه الأوصاف التي وصفنا بها المدينة في الشعر العربي الحديث، تنسحب على الشعراء الجزائريين المعاصرين المشكلين والمنتمين لخريطة الشعر العربيالمعاصر، فلا غرو أن الشاعر الجزائري قدافتتن بالمدينة شعريا، فراح يبدعقصائدكثيرة مادحا أحيانا المدينة وغاضبا منهاأحيانا أخرى.

لقد تميزت تيمة المدينة في الشعر الجزائري المعاصر بجملة من الخصائص منها:ارتباط المدينة بحالات الانهيار والقلق والوحدة والضياع والغربة، كما ارتبطت المدينة بتيمة أخرى وهي التيه، والتي تدل على الحيرة والبحث عن المجهول والضائع في المدن الواقعية.

ومحاولة رسم مدينة الأحلام مدينة شعرية في مخيلة كل شاعر وبلغة وأسلوب كل شاعر، فالمكان في الشعر تشكل عن طريق اللغة التي تمتلك بدورها طبيعة مزدوجة ...لكن المكان الشعري لا يعتمد على اللغة وحدها، وإنما يحكمه الخيال الذي يشكلالمكان بواسطة اللغة على نحو يتجاوز قشرة الواقعإلى ما قد يتناقض مع هذا الواقع، غير أنه يظل –على الرغم من ذلك- واقعا محتملا، إذ أن جزئياته تكون حقيقة، ولكنها تدخل في سياق حلمي يتخذ أشكالا لا حصرلها"[35].

هذه المظاهر سنمثل لها بقصائد مختلفة ولشعراء مختلفين من أجيال مختلفة بالرغم ما قيل عن هذه التجارب التي كتبت عن المدينة إذ يرى البعض، ومنهم محمد ناصر أن هذه الظاهرة تكون أحيانا "سمة مفتعلة متكلفة ولعلها جاءت لهؤلاء الشعراء من خلال ما قرؤوه من شعر عربي مشرقي، فهي فيما نحسب تقليد أكثر منها تعبير عن واقع معاش"[36]

  فهذا رابح حمدي "في مدائح السنديان" يتغني بونة ويرسمها على شاكلة امرأة فاتنة إذ يقول:

للنخل مدائحه
للعراجين وهج دمي
ول "يونة
ترنيم القلب
ماء الكتابة
ما تشتهيه النوارس
من ألق يتموج في العنفوان
هي فاتنة
من أريج البدايات
أطرافها الشمس
تشرب من منبع أزلي
مغسولة بعطور السماوات
بالمطر البكر
..ها من على عرشها
تتدفق بالسحر[37]

هي بونة تأسرلب الشاعر وتسحره بجمالها فيبدع نصا يجمع فيهما بين عالمين عالمالصحراء وعالم البحر، فالشاعررابح حمدي مند السطر الأول يعلن انتماءه لعالم الصحراءمن خلال قوله:

للنخل مدائحه
للعراجين وهج دمي

ثم يستحضر صورة "بونة" المدينةالتي تقف صوب البحر، والمشخصة في ملامح امرأة إذ "تصور الشاعر الحديث للمدينة في صورة امرأة ..يكاد يكون قسطا مشتركا بين عدد كبير من الشعراء، وهي صورة ليست جديدة، بل هي متوفرة في الأدب القديم والوسيط، ويستوي عند الشاعر الحديث أن تكون المدينة قائمة تنتسب إلى العصر الحديث أو ممثلة لحضارة قديمة[38] فإذا كانت المدينة هي المرأة عند الشاعر رابح حمدي، فإن شاعرا آخر نجده يصور المدينة بصورة قاتمة وناقما على أحوالها، لكن هذه المدينة، هي الوطن عند يوسف شقرة، إذ <<الشاعر المعاصر قد استعمل المدينة في كثير من اشعاره رمزا للوطن ككل بل ربما رمزا للعالم"[39]

فالشاعر يوسف شقرة في نصه "انكسارات في قلب المرايا البلورية"الذي يحيل عنوانه مباشرة على الضياع واليأس، إذ لفظة انكسارات أتت بصيغة الجمع، وهذا دليل على عظم المصيبة التي أصابت وطن الشاعر من كل الجهات.

يتألف نص الشاعر من سبعة أقسام وتتميز كلها بميزة التكرار حيث يؤدي وظيفة تبليغية ووظيفة إيقاعية، وهو "في حقيقته، الحاح على جهة هامة في العبارة يعني بها الشاعر أكثر من عنايته بسواها، وهذا هو القانون الأول البسيط الذي نلمسه كامنا في كل تكرار يخطر على البال. فالتكرار يسلط الضوء على نقطة حساسة في العبارة ويكشف عن اهتمام المتكلم بها"[40]

ويتمثل التكرار في ثلاثة أنواع، تكرار حرف أو لفظة، أو جملة ويؤديوظائف متعددة "في القصيدة المعاصرةتتجلى ... في القيمتين معا الجماليةوالنفعية وذلك باستغلال فضاء القصيدة شكلا ومعنى وتوزيعا"[41] ومن وظائفه أيضا أنه "ينتج الإيقاع ويساعد الشاعر على حفظ توازنه والتزامه لخط إيقاعي معين، وله وظيفة الإمتاع والإقناع"[42]

ومن التكرار الموجود في نص يوسف شقرة نجد تكرار الكلمة هو الغالب على القصيدة، إذ تكرار لفظة وطن يشكل كبير جيد، فكل المقاطع السبع تتكرر فيها هذه اللفظة فمثلا في المقطع الثاني يقول فيه مكررا "الوطن" ست مرات.

آه يا أمي التي أعشقها
وأحب حبها أو نسيمها الممزوج بدندنات الصبايا
ولونها البحري
آه يا قلبي المنهار في مدينة الاشتياق
آه يا وطنا تسكنه الأشباح
ويغني للعاشقين مواويل الحزن والانتماء
مواويل السقوط في عصمة الغرباء
آه يا وطنا بلا وطن
يا وطنا يعشق امرأة تعشق  البحر والأسفار
أني مرتحلياأيها العالم هذا العام
فاقرأ مني التحية والسلام
يا أيها
الوطنالجاثم على صدري كالأهرام العنيدة
تعالق حب الأزمات
يا أيها الوطن الممدة في دمي بلا عيون
يحكي الحياري قصة/يوسف/ عليه السلام
يا أيها النبع الذي منه أرتوى وأغتسل
من رجس الزعماء
اقرأ مني التحية والسلام
اقرأ مني التحية والسلام[43]

  يأتي تكرار ألفاظ عديدة في هذا المقطع كلفظة وطن وآه  لتشكل إيقاعا خاصا يتماشى وحزن وانكسارات قلب الشاعر أمام أمه/ وطنه، هذا التكرار الممتد على مساحة النص، يعطي القارئ فسحة ليفتح مخيلته على احتمالات المعاني المتعددة. إذ تكرار لفظة معينة وبهندسة معينة، -فقد تكون بعد سطر أو سطرين- تجعلنا نثير الأسئلة. وهذا النوع من التكرار يسميه محمد بنيس بتكرار الترابط الذي يؤدي وظيفة إيقاعية في النص، مثلما كان التكرار القاعدة الأساسية التي بنى عليها الفراهيدي وتشكل بها علم العروض.

فالتكرير ذو وظيفة بنائية أساسها اختلاف المؤتلف وائتلاف المختلف، وعليه فإن العناصر نفسها "أي العناصر المتكررة" ليست متماهية وظيفيا إن هي احتلت مواقع متباينة في علاقتها البنائية"[44]

هذا التكرار الذي يؤديإلى التنوع في الدلالة بعكس ما كانشائعا في القديم، على أنه عجز من الشاعر في إبداع صورجديدة.

كما نجد نوعا آخرمن التكرار في النص نفسه،وهو تكرار الجملة الذي يعمد الشاعر إلى الاستفادة منها بنائيا حيث يكون لها "دور تنظيمي للإيقاع، أو المحافظةعليه، وإذا تعدد التكرار في أكثر من شطرين فإنه يكون متعامدا ومتى التقى العنصران "التعامد" و"الامتداد العرضي"حدث الانتشار وبحدوثه يتمتع البصر بالإيقاع والزخرفة الحرفية الناجمةعن الانتشار كما تتمتع الأذن بنغمات التكرار"[45] وهذا ما نجدهفي المقطع الأوللنص "يوسف شقرة" حيث كرر جملة واحدة كاملة خمس مرات إذ كتب يقول:

من يلم الأجزاء المتناثرة؟
غير المرضى بحمى الأجساد المنصهرة
من يلم الأجزاء المتناثرة؟
في وطن يعيش غريبافي وطنه
غير جياعفقدواوزن المعادلة
من يلم الأجزاء المتناثرة؟
في قلب كسير فقد المقاومة
غير أطفال بلا عيون / بلا منازل/ بلا قنابل[46]

  وإذا كان الاستفهام الذي غرضه التعجب كما يقول البلاغيون والذي تكرر خمس مرات، يفيد النص في بنائه الإيقاعي فإنه مفيد كذلك للجانب الدلالي. حيث نثر الجملة على فضاء القصيدة بقولهمن يلم الأجزاء المتناثرة"هذه الأجزاء–التي نثرت بفعل فاعل.

أما المدينة عند محمد الأخضر سعداوي فهي الذاكرة التي يحملها أينما حل، هي الأطلال التي يرثيها الشاعر، إذ تحمل هذه المدينة طفولة الشاعر ففي كل شارع وكل قصر، إلا وتتكلم طفولة الشاعر، يقول الشاعر في نص "مرفأ الذكريات"

إليها أسافر
وفيها أسافر
ومنها إلى كل هذي الدنا
إلى هفهفاتالمنى
عشت طائر
سلام عليك
أيا واحة فاتنة
سلام عليك إذا ما قربت
إذا ما بعدت
وجاوزت كل المسافات
والأزمنة
سلام عليك تقرت
*.. سلام[47]

بهذه الافتتاحية يصدر الشاعر حديثة عن مدينته "تقرت" التي طالها النسيان، فما عادت المدينة تحمل ذاكرة الطفولة بل المدينة التي تحمل حزنها.

وما عدت تذكرها
كأن بينكما أيها العاشقان
عداوة
أتسمع دقات ساعة جامعها
تطارد صمت المدينة
تعزف لحن الليالي الحزينة
فمن يا تراه بيومنا.. يسمعها؟
أتستغرب اليوم كيف اغتربنا
سراعا
وكيف انتبهنا
ونخل المدينة يرثى المدينة
وكيف انتهى الحب فينا إلى الخاويات
تباعا
هو النخل يرفض أن يستقيل
وأن ينحني
ولكن ريح البلاهة تعصف في حجره
هو النخل أقدم من أن يغنى
على صبره
على ما تجدد من عمره
أو أن يباعا..[48]

  هو المكان يتحول إلى ساحة للحزن والاغتراب حيث الكل يرثي فالنخل بقامته الشاهقة والشاهد على كل شيء، يرثي المدينة.

ومما لاحظناه من نصوص المدينة فإن الشعراء قد اختلفت صورة المدينة عند كل شاعر منهم "فقد اقترنت صورتها بصورة الحبيبة أو صورة المناضلة عند بعضهم، واقترنت بصورة البغي أو العميلة عندبعضهم الآخر، وتراوحت بين الواقع والمثال والحقيقة والزيف والمادة والروح، واختلفت صورة الإنسان فيها بين العاشق والمنبوذ، وكان كل شاعر يصنع مدينته حسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحسب تجربته وراؤه"[49]

*فهذا عبد العالي رزاقيفي هموم مواطن يدعى عبد العال "وفي آخر مقطع من نصه الطويل الذي قسمه إلى ثمان وعشرين مقطعا يحلم بالحب، حب بلادهبعد فترة طويلة من الاستعمار وبعد الاستقلال تتغير الظروف وتطول أعناق الخائنين، فيكونون سببا في تعاسة الشاعر وغيره من أفراد المجتمع،إذ كل شاعر هو دائما" في رحلة البحث عن الحب وعن العدالة وعن المدينة الفاضلة التي لا يقتل فيها حلاج، ولا يرمى بالزندقة معري"[50]

إذ كتب الشاعر يقول:

كل الفنادق أنت تعرفها
وتعرف فندق "الأوراس" محجوزا لغيرك،
و" الجزائر" آخر "الموضات"
الأرض واسعة
وأنت مواطن
 في آخر الدرجات
الله وحده
يعرف الأسرار، يعرف كيف تصعد،
في بلادك، أكبر الفيلات
كيف تزين الشرفات بالأزهار،
قادمة من المدن التي باعوك فيها،
بالمزاد "النفطوي " فهل تراك فهمت
كيف يصير في الزمن المرادف للجزائر سيد
الثورات[51]

بالرغم من هذه اللغة التقريرية والمباشرة والتي تبتعدكثيرا عن الشعرية، إذ يمثل هذا الاتجاه  واقعا مر به شعراء الجزائر في فترة كانت الجزائر ما زالت لم تتخلص يعد من آثار الاستعمار الذي قضى على كل شيء، بما فيها القضاء على اللغة العربية ومحاولة طمسها من الوجود، إذ كانت تشكل له خطرا كبيرا، فالشاعر عبر عن موقفهمما يحدث أمامهيوميا، بلغة واضحة حتى لا يمارس هو الآخر الغموض الذي أصبح هواية عند من يحكمون -حسب الشاعر-، فالمدينة/الوطن هي "علامة على طريق التقدم أو التخلف عند الشاعر الإيديولوجي، غير أن للمدينة ...وظيفة أخرى، وهي وظيفة وسائطية، إذ هي لا تعدو في هذا الموقف أن تكون "وعاء" حضاريايستغله الشاعر لتصوير التمزق أو الضياعويجعله إطارا... لفلسفته"[52]

ولعل من المفارقات التي تحدث عنها بعض النقاد، والذين جعلوا الشاعر العربي مقلدالغيره من الغرب في إنتاج نصوص المدينة، هو أننا نجدبعضالشعراء الجزائريين من أدرك خطورة هذا الموقف من خلال إظهار غربته في المدن الغربية التي لم تستطيع الدخول إلى عوالمها يسبب ثقافته أو بيئته الخاصيتين، وبالتالي هو تأكيد على أن الشاعر العربي يكتب النص انطلاقا من واقعه الخاص ومن تجربته الشعرية التي لا يمكنفيها إلا أن يكون صادقا.

فهذا الشاعر فاتح علاق وفي نص "أسوار" الذي كتب بباريس، والذي عنوانه باعتباره  خطاب أدبي صغير- يحمل دلالات متنوعة، إذا جاء هذا الأخير بصيغة جمع، مما يدل على الحواجز الكثيرة التي يمكن تجاوزها دفعة واحدة، فقد يجتاز الشاعر سور العلاقات الاجتماعية مثلا ويلتقى ويتحاور مع الآخرين، لكن قد يصده سور آخر وبالتالي، فالسور هو الجدار الذي يذكرنا بجدار جان بول سارتر الفيلسوف الفرنسي الوجودي. يقول الشاعر: 

أجول في المدينة الجديدة
أدخل في أعماقها.
لعلني أصبح من عشاقها
لكنها تصدني وتغلق أبوابها
وكلما حاولت أن أمسكها
أخرجني حجابها
أحاول تسلق الجدار
لكنه ينبت من جديد في مكانه
وتنهض الأسوار
وتمتد كالخنا جرفي داخلي
وتحكم الحصار
ويبدأ الدوار[53]

والشكل الأخير من أشكال المدينة الرمز، هو المدينة الحلم، التي يحلم كل شاعر أن تتجسد فوق الواقع، فقد ظل مشغولا بها طول حياته، لكن بالمقابل "فهو غاضب على مدينته ومتمرد عليها، ومن جانب آخر يريد مدينتهكما يجب أن تكون عليه المدينة، وربما يكون وراء ذلك عجزهعن تغيير واقعه، وخوفه من السلطة، ولهذا نراه قد شغل في كل فترة من الفترات بما يسمى "المدينة الفاضلة"[54]

هذه المدينة وجدناها متجسدة عند شعرائنا الجزائريين المعاصرين، فقد حلم الشاعر "محمد الفضيل جقاوة" بالمدينة التي يسودها العدل والحرية والديمقراطية، وهو واضح وجليمن خلال الإهداء أو ما يسمى بعتبة النص أو كما يسميه الباحث نبيل منصر الخطاب الموازي[55]، الذي جعله موصولا إلى الذين يؤمنون أن الحرية مسؤولية.. وأن الديمقراطية سلوك وتحضر، فقد جاء في المتن الذي عنوانه "مدينة الأحلامالزجاجية"وفي المقطع الرابعمنه، ما يلي:

 

مدينة أحلامي الرقصات الجميلة
أراها مباني تسمو أثيلة
لقد أصبح السور مني قريبا
وولي الظلام..
وأوقد في ساحها الحب نورا كليلا
وفي لحظة ساحرة
حوالي رفرف طيف الأمل

 

وفي لحظة ساحرة
غفوت أشم روائح نعناعها
أشم رغيدة إصباحها
وأحلم بالحب يزهر فيها سلامها
وعبق العدالة يغرس فوق الشفاه ابتساما
ويورق بين القلوب وئاما
ويدعوا الجميع بعمر طويل
لمن صير الدهر كله فيها نظام
فكان بحق أماما[56]

     

  بلغة الرومانسيين الحالمة يبحث الشاعر عن مدينة تغرق في الحب حتى الثمالة، وتزهر العدالة في كل مكان.  

  ويبقى هذا كله أحلام تبحث عن من يجسدها، فالشعراء وحدهم من يملكون حق التجربة الشعرية ومسؤولية التعبير عنها بصدق. ولكن بدون أن تصاب أعمالهم الشعرية بالنثرية والخطابية المباشرة، فالنص ينبغي أن يجسد الرؤى الشعرية بامتياز، وأن يترك التفاصيل للقارئ فهو حر في استقباله للنص.



الهوامش:

[1] خليل الموسى، الحداثة في حركة الشعر العربي المعاصر، ص28.

[2] مختار علي أبو غالي ، المدينة في الشعر العربي المعاصر، سلسلة عالم المعرفة عدد خاص 196 أفريل 1995، ص08- 09.

[3] إحسان عباس، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، ص135.

[4]قادةعقاق، دلالة المدينة في الخطاب الشعر المعاصر، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2001، ص28.

[5] اعتدال عثمان، إضاءة النص، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط2، ص08.

[6]غاسنونبشلار، جماليات المكان، ترجمة : غالب هلسا، ص155.

[7] ينظر: محمد عبد الواحد حجازي، الأطلال في الشعر العربي ، دار الوافدين الإسكندرية، ط1/ 2002، ص198.

[8] قادة عقاق، دلالة المدينة في الخطاب الشعري العربي المعاصر، ص33.

[9] الآيتان 78- 79 سورة طه.

[10] سورة الكهف ’الآية 77.

[11] سورة الكهف، الآية 21.

[12] مفيد محمد قميحة، الاتجاه الإنساني في الشعر العربي المعاصر، دارالآفاق الجديدة، بيروت، ط1، 1981، ص357.

[13] سورة الكهف، الآية 19-20.

[14] قادة عقاق، دلالة المدينة في الخطاب الشعري العربي المعاصر، ص35.

[15] المرجع السابق، ص36.

[16] مالك شبل، معجم الرموز الإسلامية، ، تعريك انطوان إ.الهاشم، دار الجيل بيروت ، ط1، 2000، ص292.

[17] إبراهيم رماني,أسئلة الكتابة النقدية ,المؤسسة الجزائرية للطباعة,د.ط,د.ت,ص77.

[18] قادة عقاق ,دلالة المدينة في الخطاب الشعري العربي ,ص47,

[19] المرجع السابق، ص48.

[20] محمد الربيعي, الشاعر و المدينة ,مجلة عالم الفكر الكويت’المجلد19,العدد03أكتوبر/نوفمبر/ديسمبر 1988ص 131

[21] السعيد الورقي، لغة الشعر العربي الحديث، ص267.

[22] محمد حمود، الحداثة في الشعر العربي المعاصر، ص261.

[23] محمود الربيعي، الشاعر والمدينة، عالم الفكر، العدد، 03/1988، ص133.

[24] إحسان عباس، اتجاهات الشعراء العربي المعاصر ص111.

[25] عز الدين اسماعيل الشعر العربي المعاصر ص 326.

[26] المرجع  نفسه، الصفحة نفسها

[27] محمود الربيعي، الشاعر والمدينة عالم الفكر ع3، 1988 ص 180.

[28] احسان عباس، اتجاهات الشعر العربي المعاصر ص 112.

[29] أحمد المعداوي، أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث، ص 158.

[30] المرجع نفسه، ص 159.

[31] محمود الربيعي، الشاعر والمدينة، عالم الفكر، ع03/ 1988ص 180.

[32] علي جعفر العلاق، في حداثة النص الشعري،ص 137.

[33] مفيد محمد قميحة، الاتجاه الإنساني في الشعر العربي المعاصر ص 359.

[34] عز الدين اسماعيل،الشعر العربي المعاصر،ص337.

[35] اعتدال عثمان، اضاءة النص، ص07.

[36]محمد ناصر، الشعر الجزائري الحديث ص 557.

[37] رابح حمدي/مدائح السنديان، منشورات اتحادالكتاب الجزائريين ط1/2001 ص20- 21

[38] إحسان عباس ، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، ص114.

[39] مفيد محمد قميحة، الاتجاه الإنساني في الشعر العربي المعاصر، ص 374.

[40] نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، دار العلم للملايين، بيروت ط14/2007 ص276.

[41] عبد الرحمان تبرماسين، البنية الإيقاعية للقصيدة المعاصرة في الجزائر، دار الفجر للنشر والتوزيع، القاهرة. ط1/2003 ص 198.

[42] المرجع نفسه، ص، ن.

[43] يوسف شقرة،نفحات لفتوحات الكلام، منشورات فرع عنابة لإتحاد الكتاب الجزائريين، ط1/ 2005 ص 77- 78.

[44] محمد بنيس، الشعر العربي الحديث-بنياته وابدلاتها- الشعر المعاصر دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب ط1/ 1990ص 150.

[45] عبد الرحمان تبرماسين، البنيةالإيقاعية للقصيدة المعاصرة في الجزائر، ص 219.

[46] يوسف شقرة،نفحات لفتوحات الكلام. ص 76.

*تقرت، مدينة الشاعر، تقع في الجنوب الشرقي من الجزائر وهي تابعة اداريا لولاية ورقلة.

[47] محمد الأخضر سعداوي، لا شيء أغرب ..منشورات السائحي، الجزائر ط1/ 2007، ص 17- 18.

[48] المصدر السابق،ص20.21. 22.

[49] خليل الموسى، الحداثة في حركة الشعر العربي المعاصر، ص 36.

[50] محمد على كندي،الرمز والقناع، ص 78.

[51] عبد العالي رزاقي، هموم مواطن يدعى عبد العال، ص 99،100.

[52] احسان عباس، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، ص 129.

[53] فاتح علاق، آيات من كتاب السهو، منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين د، ط، د، ت، ص 16.

[54] محمد عبده بدوي، الشاعر والمدينة في العصر الحديثة، مجلة عالم الفكر الكويت، العدد 03 مجلد 19أكتوبر، نوفمبر، ديسمبرسنة1988 ص 215.

[55]ينظرنبيل منصر، الخطاب الموازي للقصيدة العربية المعاصرة.

[56]محمد فوضيل جقاوة، عندما تبعث الكلماات، منشورات التبييين الجاحظية الجزائر 2001ص50-51.