رَضْوَىْ عَاشُور الرِّوَائِيّةُ فِيْ سَرْدِيَّتِهَا "الطَّنْطُورِيَّةُ"؛pdf

ذَاكِرَةُ اللُّجُوْءِ فِيْ المِخْيَالِ الجَمْعِيّ الفِلَسْطِيْنِيّ؛ هُويّة الإنسان – هُويّة المكان

سِيْميَائِيّةُ الخطاب السَّرديِّ

د. زين العابدين محمود العواودة

أستاذ الأدب والنّقد المساعد

دائرة اللّغة العربيّة، جامعة بيت لحم، فلسطين المحتلّة

Abstract

This study aims to reveal the intellectual–technical vision of the Egyptian novelist Radwa Ashour in her new Novel "Attantoria". The controversy centered on the intellectual identity and the victim question in the Palestinian collective imagination built on the narrative of the refugee memory and the reality of the sufferings of the refugees in forced exile from their homeland. This is done through the dismantling of the relationship between the structure of the intellectual author of the text and structure of the narrative in a manner indicative of the significance of the creative experience and how it relates to the writer's position on the continuing tragedy of Palestinian refugees and their testimony on it.

Keywords:The RefugeMemory, Palestinian collective imagination, The  Refuge tragedy, The Palestinian refugees,  forced exile, the camp, The homeland,human identity, the identity of the place ,Palestine, Tantouria .

الملخص :

تهدف هذه الدّراسة إلى الكشف عن الرّؤية الفكريّة-الفنّيّة للأديبة المصريّة رضوى عاشور في روايتها الأخيرة "الطّنطوريّة". ومحورها الفكريّ هاجس الهُويّة الوطنيّة وسؤال الضّحيّة في المخيال الجمعيّ الفلسطينيّ المؤسّس على سرد ذاكرة اللّجوء المحمّلة بصور معالم الأمكنة الأولى والسّيرة الحياتيّة للاجئين في بلدانهم المحتلة والمدمّرة، وصور عذاباتهم في منفاهم القسريّ. وذلك عبر تفكيك العلاقة بين البنية الفكريّة للذّات الكاتبة والبنية النّصّيّة للسّرد بغية التّعريف بسيميائيّة التّجربة الإبداعيّة ومدى ارتباطها برغبة الكاتبة في رصد مأساة اللاجئين الفلسطينيّين المستمرّة وتوثيق شهاداتهم عليها.

الكلمات المفتاحية: ذاكرة اللّجوء، المخيال الجمعيّ الفلسطينيّ، مأساة اللّجوء، اللاجئ الفلسطينيّ، هُويّة المكان، هُويّة الإنسان، المنفى القسريّ، المخيّم، الوطن، فلسطين، الطّنطوريّة.

مقدّمة:

تتناول هذه الدّراسة بالتّحليل السّيميائيّ رواية "الطّنطوريّة" للكاتبة المصريّة رضوى عاشور الصّادرة عن دار الشّروق في القاهرة عام  2011. وموضوعها هاجس الهُويّة الوطنيّة وحقّ العودة في المخيال الجمعيّ الفلسطينيّ. ومدادها الفكريّ الرّئيس تاريخ القضيّة الشّفويّ المستمدّ من شهادات اللاجئين على نكبتهمالمستمرّة. ويأتي اهتمام الكاتبة بهذه القضيّة نصرة لقضيّة شعب مظلوم مصرّ على استعادة وطنه والعودة إليه، رغم نتائج اتّفاقيّة أوسلو المتخطّية لحقوقه.

وينبني زمن السّرد في الرّواية على وقائع نكبة عام 1948 وما تلاها وترتّب عليها من أحداث جسام، وصولا إلى العام 2000 نهاية زمن السّرد.  وينهض بنيان النّصّ على استرجاع الذّاكرة ، فغدا بحقّ رواية الذّاكرة الفلسطينيّة المشحونة بهاجس العودة إلى الوطن. فالذّاكرة مستودع الأفكار، وهي جزء جوهريّ من الفكر الإنسانيّ. وتؤدّي وظائف عديدة،أهمّها؛ وظيفة تاريخيّة تريد استعادة الماضي التّاريخيّ لتحييه. ووظيفة قانونيّة تسعى إلى استحضار أخطاء الماضي في محاكم القانون الدّوليّة لتنصف الذين ظلموا بها. وتؤدّي وظيفة علاجيّة، ترمي إلى تخفيف آلام من عانوا من الماضي في الحاضر( بينيت ورفيقاه، 2010 :344-348). وهو ما اضطلعت الكاتبة بتأديته في سرديّتها.

ويسعى الباحث إلى استقراء سيميائيّات الخطاب الرّوائيّ في النّصّ، وهو المعبّر عن موقف اللاجئين من قضيّتهم، والبنية السّرديّة له. ويتمحور نطاق الجدل فيه حول تمكين رواية الحقّ الفلسطينيّ في الوطن وتحقيق العودة إليه، ورفض الرّواية النّقيضة. وقد أعادت الكاتبة صياغة الوطن الفلسطينيّ وحياة أهله فيه، كما يتمرأى في مخيّلة اللاجئين الفلسطينيّين الذين هُجّروا منه منذ خمسة وستّين عامًا، فحوّلته إلى أيقونة بصريّة. واستعانت بالذّاكرة الجمعيّة لتؤكّد إجماع اللاجئين على صورة أماكن الذّاكرة فيه. وهي المحقّقة لصورته الأولى التي تركوه عليها يوم طُردوا منه.

ويندرج هذا الطّرح الأدبيّ في سياق تأكيد الكاتبة على حقّ الفلسطينيّين المطلق في استعادة وطنهم الأصليّ المحفور في ذاكرتهم، مع تخطّي كلّ الطّروحات التي تساوم على مستقبلهم أو تسعى إلى تضييع حقّهم في العودة إليه. وهي تضفّر بين المُتخيّل السّرديّ والتّاريخ الحقيقيّ لتنتج مشاهد دراميّة ملحميّة تشخّص محنة اللاجئ الفلسطينيّ كما يواجهها في منافيه القسريّة.

واستنادًا إلى طبيعة المنحى السّرديّ العامّ في "الطّنطوريّة" وتقنيات الأسلوب الموظّف فيها، ارتأى الباحث إجراء هذه المقاربة  النّقديّة مركّزًا على استجلاء الوضع السّيميائيّ لشخصيّة الرّاوية البطلة-الرّوائيّة؛ مُنشئة السّرد وباثّته وعلامته الكبرى، وبيان صلتها بالعناصر الأخرى المنتجة للدّلالة فيه.

أوّلا: أسلوب السّرد ومنهج استقرائه:

الكاتبة راوية سيميائيّة محترفة تقنّعت بشخصيّة البطل"رقيّة الطّنطوريّة"، وجعلتها شخصيّة وطنيّة أيقونيّة، وأدارت بها مسارات الفعل السّرديّ في الرّواية، فحمّلتها منظورها الرّوائيّ، وبثّت عبر عناصر سردها ولغة خطابها فكرًا إبداعيًّا أنتجت به مستويات مختلفة من الخطاب؛ هي أمشاج من خطابات اجتماعيّة وتاريخيّة وثقافيّة وتراثيّة وأيديولوجيّة ونفسيّة، وسلكتها في نطاقين هما: الخطاب المباشر الذي يعرفه المتلقي ويتفاعل معه تلقائيًّا، إذ يحيله مباشرة إلى مضمونه وإلى مضامين أخرى مماثلة له، ليتشكّل بها، مجتمعة، فضاء إشاريّ أوسع نطاقًا محمّل بالدّلالات القصديّة. والخطاب غير المباشر المُرمّز الذي يحتاج إلى تفكيك، ويجري تأويله عبر مقاربات بين معناه المتجلّي في ظاهر سياقاته، والمعنى المُورّى فيها.

لذلك تعدّ السّيميائيّة أصلح المناهج النّقديّة لدراسة النّصوص الأدبيّة، فهي:علم تمفصل الدّلالات، وذلك انطلاقًا من الخلفيّة المعرفيّة الدّالة على أنّ كلّ شيء من حولنا في حالة بثّ غير منقطع للإشارات، فالمعاني لصيقة بكلّ شيء، وهي عالقة بكلّ الموجودات حيّها وجامدها، وما على المتلقّين سوى إبداء النّيّة في التّلقّي، لكي يشرع العقل في عمليّة معقّدّة،هي تفكيك الشّبكات الإشاريّة للمعاني المحيطة بنا واستيعابها (الأحمر، 2010: 8).

بسبب من ذلك اعتمدتها في تفكيك خطاب شخصيّة البطل الرّاوية – الرّوائيّة وعلاقته بعناصر السّرد الأخرى، وبيان دورها في إنتاج رسالة النّصّ. لأنّها أداة صالحة " لقراءة كلّ مظاهر السّلوك الإنسانيّ بدءًا من الانفعالات البسيطة ومرورًا بالطّقوس الاجتماعيّة وانتهاء بالأنساق الأيديولوجيّة الكبرى (بنكراد، 2005 :25). فالسّيميائيّة بحث في المعنى من جهة انبثاقه عن عمليّات التّنصيص المتعدّدة، أي هي بحث في أصول السّيميوز؛ وهو السّيروة المنتجة للدّلالة. وهي،أيضًا،بحث في أنماط وجودها باعتبارها الوعاء الذي تصبّ فيه السّلوكات الإنسانيّة" (بنكراد، 2005 :12). لذلك تتجاوز السّيميائيّة حدود دراسة العلامات إلى دراسة التّمفصلات الممكنة للمعنى، فهي طريقة في وصف المعنى وتحديد بؤره ومظانّه. وهي بهذا تدرس كلّ أشكال العلامات الواردة في النّصّ. (بنكراد،2005: 53،وأدهم،1993 :283). وهي علم يُعنى بدراسة جميع الظّواهر الاجتماعيّة والثّقافيّة، بما في ذلك اللّغة، بوصفها آليّات وأنشطة تواصليّة تعمل وفق أنساق إشاريّة ضمنيّة (ميوكوفسكي ورفاقه،1997: 9).

وتشير السّيميائيّة إلى فئة واسعة من الموضوعات، أو الأحداث، أو الإشارات، التي تستخدم أو تؤوّل لتنقل معنى ما، ويشمل ذلك العلامات الموضوعة على نحو صريح، وكذلك الأعراض أو الحوادث الطّبيعيّة المتكرّرة. وكلّ ما يمكن تأويله فهو علامة (بينيت ورفيقاه، 2010 :498). وهي كيان ماديّ يتمتّع بطاقة إبلاغيّة تواصليّة، تدلّ على شيء يحيل إلى الواقع بتجسيده تجسيدًا تقرنه المشابهة بموضوعه عن طريق شواهد ماديّة أو مجاورة  في المعنى (الحلواني، 2005 :53). والسّيمياء؛ علامة، أمارة، سمة، عرض، وبصفة عامّة شيء مدرك يمكن أن نستخلص منها توقّعات أو استنتاجات وإشارات خاصّة بشيء آخر غائب ومرتبط به (إيكو، 2007 : 36). وفي ضوء هذا الطّرح بحثت "الطّنطوريّة".

ثانيًا:أطروحة السّرد وشخصيّة البطل:

تتناول السّرديّة سؤال الهُويّة ووجع الضّحيّة في المعترك الحياتيّ للاجئين الفلسطينيّين في الشّتات، ويتألّف نصّها من ثمانية وخمسين فصلا مستدعاة من حفريّات الذّاكرة عبر تيّار الوعي ونصوص الوثائق المختلفة ذات الصّلة بموضوع السّرد. وتقع الرّواية في (463) أربعمئة وثلاث وستّين صفحة من القطع المتوسّط. وهي مرويّة على لسان البطلة الطّنطوريّة. فهي رواية شخصيّة البطل ورواية تيّار الوعيفي آن. وقد دوّنتها الكاتبة على شكل مذكّرات متداخلة السّرد مع أنواع أخرى. وشكّلت نصّها من مقاطع سرديّة، ووصفيّة، وحواريّة؛ صريحة ومضمرة.

لذلك تطرح الكاتبة السّؤال عبر قناعها الرّاوي "رقيّة الطّنطوريّة"، حول جدوى الكتابة عن قضيّة السّرد. كما يفهم من قولها لابنها حسن: "لماذا ورّطتني في هذه الكتابة ؟ ما المنطق في أن أعيش تفاصيل الكارثة مرّتين ؟ " (عاشور،2011: 231). فهي شهادة ثقيلة على نفس الرّاوية وعلامة سيميائيّة دالّة تتّصل بقضيّة السّرد المأساويّة. فما الذي ستضيفه إلى ما كتبه الآخرون حولها ؟ فهي كثيرة جدًّا؛ منها الموثّق، ومنها غير الموثّق.

وهي قضيّة طال عليها الزّمن، ولكنّها متجذّرة متجدّدة في مسارح اللّجوء المختلفة مكانًا وزمانًا. وصمود اللاجئين في مخيّماتهم هو مصدر تجدّدها بسبب ارتباطها المستمر بإصرار اللاجئين على العودة إلى وطنهم. وقد أعادوا تشكيل بنيانهم الاجتماعيّ والثّقافيّ في المنفى كما كان عليه في الوطن. وحالت مقاومتهم المستمرة للذّوبان في مجتمعات المنفى واستمساكهم بهويّتهم وتراثهم دون تفكّك ذاكرتهم الوطنيّة. ويشكل هذا الموقف مبعث خوف لدى المحتلّ من انقلاب حاله؛ لذلك يحارب اللاجئين ويؤذيهم بشكل مستمرّ. وأعانه على ذلك تغافل الحقوقيّين ومنظّمات حقوق الإنسان حول العالم لقضيّتهم. وتقصيرهم في طرحها أمام الرأي العامّ الدّوليّ ومؤسّساته القضائيّة.

والأمر مثار تساؤل دائم عند الكاتبة، كما هو عند جمهور اللاجئين الفلسطينيّين. والإشارة  العلاميّة هنا إلى المجازر التي ارتكبها اليهود المحتلّون في فلسطين على مدار قرن كامل. ومنها مجزرة الطّنطورة التي وقعت عام 1948. وهي ما تزال حيّة في ذاكرة البطلة "الطّنطوريّة". إذ استشهد فيها أبوها وأخواها صادق وحسن. وقد شاهدت جثثهم على كومة من الجثث الأخرى لشهداء بلدها المغدورين. تقول رقيّة في حوارها مع ابن عمّها عزّ الدّين الذي بادرها بالسّؤال: "-أريد أن أسألك...هل أنت متأكّدة أنّك رأيت عمّي أبو الصادق وصادق وحسن بين الجثث على الكوم؟ -رأيتهم...–هل رأيتهم وحدهم أم رأيت آخرين؟ -رأيتهم مع الآخرين" (عاشور، 2011: 69-70 ).

وتسجّل الرّاوية شهادة ثانية على المأساة الأولى، إذ تقول: "استقبلتني أمّ إبراهيم، خِتيارة ستّينيّة تعيش مع ابنها وكِنَّتِها وأحفادها. عرّفتها بنفسي... قالت نحن من سعسع، هل تعرفينها؟... راحت تحكي لي عنها وعن المجزرتين اللّتين وقعتا فيها.قالت: راح لي بنت في المجزرة الأولى في شْباط. كان عمرها خمس سنين. دفنّاها هناك في البلد. في تشرين أوّل، بعد أن أعلن اليهود دولتهم بخمسة شهور،هجموا مرة أخرى،قاموا بمجزرة ثانية واستحلّوا البلد وأطلعونا" (عاشور، 2011: 93). وهي صيغة دالّة؛ لأنّها استعادة لأحداث أليمة متكّرّرة تجاه اللاجئين في مخيّماتم. وهم الذين واجهوها بادئ الأمر في وطنهم. كما تذكّرهم بكلّ مجازر الاحتلال الأخرى على امتداد تاريخه الأسود.

وهي علامة تؤشّر على الفكر العدوانيّ المتأصّل في ذهنيّة الاحتلال الصّهيونيّ الذي يعيش حالة قلق وجوديّ بسبب خوفه المستمرّ من نهوض مقاومة الشّعب الفلسطينيّ ضدّه. ويعزّزها الحضور القويّ للشّعب الفلسطينيّ على أرض وطنه. وبروز رأي عامّ قويّ فيه يرفض تحقيق السّلام معه وفق نتائج أوسلو.

ويبدو للباحث حرص الكاتبة على هذه الاستعادة وربطها بالواقع الأليم للاجئين لتؤكّد على بواعث مأساة الإنسان الفلسطينيّ المتواصلة. وهي نتيجة فادحة لم تكن ناجمة عن معركة بين جيشين خسر فيها جيش فلسطين وانتصر فيها جيش الخصم !

ولم تنس الكاتبة الإشارة إلى سُهمة بعض العرب في تعظيم هول النّكبة على نفوس اللاجئين المثقلة أصلا بالهموم. إذ تصف على لسان الطّنطوريّة دخول الاحتلال الإسرائيليّ إلى بيروت بقولها: "ليس بالأمر الهيّن على أيّ منّا. فدفعتها بعيدًا وقلت: الرّجال الذين يقتُلون يتكلّمون بالعربيّة. إنّهم من الكتائب. قتلوا كلّ الرّجال الذين كانوا في ملجأ أبو ياسر في الحرش. ورأيت جثثًا أخرى أمام البيوت، أكوامًا من الجثث" (عاشور،2011: 227).

يمثّل هذا السّياق صيغة سيميائيّة إشاريّة في تاريخ القضيّة الفلسطينيّة، إذ يكشف عن دور بعض العرب المعاونين للاحتلال على قهر اللاجئين الفلسطينييّن بتوجيه منه. فبدلا من توجيه البنادق إلى صدور المحتلّين يقتل حزب الكتائب اللّبنانيّ الفلسطينيّين في مخيّماتهم. فهو من نفّذ مجزرة صبرا وشاتيلا ومجازر أخرى بدم بارد في اجتياح بيروت عام 1982. وهو التقاء بين المحتلّ والكتائب على هدف واحد لا مثيل له من قبل. وهي مفارقة غريبة !

وتضيف الرّاوية إلى ذلك شهادة أخرى تصف فيها هول جريمتهم تجاه اللاجئين الفلسطينيّين:"حكى لي عزّ مطوّلا عمّا يحدث في صيدا: الخطف والقتل، والجثث المشوّهة التي يجدونها بالقرب من عين الحلوة والميّة وميّة، وفي قلب مدينة صيدا، يلقون منشورات بتوقيع "ثوّار الأرز" تطالب الأهالي بطرد الغرباء الإرهابيّين الذين قهروا لبنان وتسبّبوا في خرابه."لن نسمح بوجود الفلسطينيّين على أرض لبنان". يسمّوننا في المنشورات قتلة وجراثيم وقمامة. يقولون إنّ الإسرائيليّين جاءوا لإنقاذهم منّا وإنّ لبنان وإسرائيل سيكتسبان قوة بالعمل معًا. يقولون ستجتمع الحضارتان. الكتائب لا توفّر أحدًا والإسرائيليّون يكوّنون ميليشيات من عملاء محليّين بدعوى حفظ الأمن في القرى لا يقتصرون على ميليشيات الكتائب وسعد حدّاد وحرّاس الأرز بل ينشئون ميلشيات أخرى""(عاشور،2011: 260).

تكشف الإشارة السّيميائيّة في السّياق عن نجاح دولة الاحتلال في تحويل لبنان إلى ساحة حرب ضدّ الفلسطينيّين بالتّعاون مع عملائها فيه. وهي حرب معقّدة اجتمعت فيها مصالح الأعداء على التّنكيل باللاجئين الفلسطينيّين. وهو ما يعكس حرص الاحتلال على إبعاد اللاجئين والثّورة الفلسطينيّة عن حدود فلسطين الشّماليّة بغية تحقيق الأمن لها. تقول الرّاوية: "قال لي عزّ:صادق على حقّ. لم يعد لنا حياة في لبنان. اذهبي إلى أبو ظبي" (عاشور،2011: 261). في إشارة إلى أحوال اللاجئين القاسية في لبنان وتعدّد منافيهم .

وتشير كذلك إلى خطأ القيادة الفلسطينيّة في إدارة الصّراع مع العدوّ في مواقف عديدة وفي أماكن حضورها المختلفة. ومنها قرارها بالانسحاب من لبنان بعد اجتياح دولة الاحتلال له عام 1982 الذي نجم عنه إخلاء السّاحة اللّبنانيّة أمام أعوان الاحتلال لتنفيذ مجزرة صبرا وشاتيلا ومجازر أخرى. تقول الرّاوية في وصف صدمة الموقف الذي ترتّب على ذلك عند الفدائيّين الذين لم يغادروا بيروت: "عراك يوميّ ينتهي بالصّياح أو التّشابك بالأيدي بين مناصر لأبو عمّار وقراره وحانق على القيادة وسياساتها" (عاشور،2011: 228). وهو قرار لم يكن متوقّعًا من القيادة في ظلّ الظّروف الصّعبة التي كانت تحيط باللاجئين الفلسطينيّين في لبنان. وهو يمثّل علامة سيميائيّة دالّة على تأخّر إنجاز الأهداف الثّوريّة لها.

ويبدو حرص الرّوائية واضحًا على تدوين رواية المأساة الفلسطينيّة وفق فصولها الكارثيّة. وهو ما تعكسه بنية فصول السّرد وتتابعها في النّصّ. إذ افتتحته بمشهد "طرح البحر"، فوصفت فيه قرية الطّنطوريّة الوادعة ومجتمعها الحيّ على ساحل البحر المتوسّط. حيث تشكّل وعي البطلة الطّفوليّ وتفتّحت فيها زهرة صباها. وشاركت مجايليها من أطفال قريتها ألوانًا من الألعاب المحبّبة إليها. وكشفت عن أحلامها وهواجسها في مجتمعها المستقرّ آنذاك. ويؤشّر استذكارها إلى عدم انقطاعها عن استعادة صورة بلدتها الطّنطوريّة، وسيرتها وسيرة أهلها فيها، وهي الحاضرة في فصول الرّواية كلّها. فهي أيقونة بصريّة حاضرة في ذاكرتها وتستدعيها بوحي من هاجس المقاربة المستمرّة بين حالتها الآمنة المطمئنّة في فلسطين وحالتها المأساويّة في المنفى- الغربة والضّياع. 

وختمت الكاتبة روايتها بمشهد عنونته بـ"على جانبي سلك شائك" وصفت فيه انتصار المقاومة اللّبنانيّة على جيش الاحتلال المندحر عن جنوب لبنان واحتفاليّة اللّبنانيّين،ومعهم اللاجئون الفلسطينيّون، بذلك الانتصار الذي مثّل في منظورهم حقبة جديدة في التّعامل مع المحتلّ. وبدا تفاؤل الكاتبة كبيرًا من إمكانيّة عودة اللاجئين الفلسطينيّين استبشارًا بذلك الانتصار. وقد وقع اللّقاء الرّمزيّ، كما أرادته الكاتبة، بين رقيّة الجدّة ورقيّة الحفيدة عند السّلك الشّائك على الحدّ الفاصل بين فلسطين ولبنان. وهو لقاء يمثّل علامة سيميائيّة دالّة على حتميّة عودة المنفيّين إلى فلسطين بصور شتّى، منها الزواج بفلسطينيّات يعشن في الوطن. وكذلك عبر انتصار المقاومة التي طردت المحتلّ من جنوب لبنان وحقّقت اللّقاء الرّمزيّ بين أهل فلسطين المرابطين في مدن السّاحل الفلسطينيّ وأهلهم المهجّرين المقيمين في مخيّمات اللّجوء اللّبنانيّة. وهو يمثّل صيغة دالّة في الرّؤية السّرديّة للكاتبة توحي بحتميّة العودة عبر هذه البوّابة التي فتحت أفقًا جديدًا أمام المنفيّين من أبناء شعبنا. تقول الكاتبة على لسان رقيّة:"أندفع إلى السّلك الشّائك أنادي بأعلى الصّوت.هل فقدت يا رقيّة عقلك؟ هل اختلّ الميزان؟ أيّة مفاجأة.أيّة مفاجأة؟! كان حسن في الجانب الآخر" (عاشور،2011: 453).

وبين الفصلين، آنفي الذّكر، يمتدّ السّرد على مساحة ستة وخمسين فصلا أعادت الكاتبة فيها تركيب الوقائع التّاريخيّة المفصليّة التي مرّت بها قضيّة فلسطين، مسجّلة بذلك قراءتها التّاريخيّة والسّياسيّة لمسار حياة الشّعب الفلسطينيّ وحياة لاجئيه بآلامها وآمالها، وطارحة لرؤية روائيّة مختلفة عن السّائد في الفعل السّياسيّ العربيّ والفلسطينيّ.

وتدور فصول الرّواية حول جدليّة الوطن والمنفى وثنائيّة الذّات والآخر. وتطرح الكاتبة بهما معنى الهُويّة وسؤال الضّحيّة في ذاكرة السّيرة الذّاتيّة للرّاوية اللاجئة رقيّة الطّنطوريّة وسيرة عائلتها المنفيّة في مسرح حياتها الأوّل "مجتمع الطّنطورة". وكذلك في مسارح المنفى في مجتمعات مخيّمات اللّجوء في لبنان. والأردنّ؛ مخيّم البقعة. وفلسطين؛ مخيّم جنين. وفي مجتمعات أخرى زارتها كاليونان ودبي والقاهرة والإسكندريّة.

وتعزى ذاكرة السّيرة الذّاتيّة إلى تذكّر" الأحداث التي يخبرها الشّخص ويعيشها مباشرة ويستحضرها عبر تمثّلات مرتبطة بأماكن الذّاكرة" (عبد الله، 2003 :88-94). فهي سيرة روائيّة لشخصيّة البطل الشّاهدة على تحوّلات الواقع المؤلم لشعبنا وقضيّته العصيّة على الحلّ. والرّاوية تؤكّد ذلك بقولها: "ما المنطق في أن أركض وراء الذّاكرة وهي شاردة تسعى إلى الهروب من نفسها،شعثاء معفّرة مُروّعة مسكونة بهول ما رأت ؟ لماذا أركض وراءها، هل أريد قتلها لأعيش، أم أسعى لإحيائها وإن متّ بعدها"(عاشور،2011: 188).

وهي بهذه الاستعادة رواية تأريخيّة-سياسيّة معينها الرّوائيّ هو الذّاكرة المنفتحة على الماضي، مجتمع ما قبل النّكبة، يوم كانت فلسطين معمورة بأهلها الفلسطينيّين، ويسودها نظام اجتماعيّ وعمرانيّ مزدهر، وهو الذي تعيد الرّوائيّة تشكيله على خريطة فلسطين التّاريخيّة. وكذلك الذّاكرة المنفتحة على مجتمع ما بعد النّكبة وألوان عذابات اللاجئين فيه .

وهي تعيد بذلك رسم الصّورة الواقعيّة للمكان؛ الوطن الصغير المنكوب، عبر سرد شبكة علاقاته الاجتماعيّة والثّقافيّة في مجتمعه، وصلته بمجتمعات المدن والقرى المجاورة له. وتمثّل قرية الطّنطورة؛ بلدة البطلة ومجتمع أهلها الأوّل صيغة أيقونيّة استعارية ومعادلا موضوعيًّا لما يزيد على خمسمئة وعشرين قرية فلسطينيّة -مجتمع فلسطينيّ- مهجّرة ومدمّرة على يد الاحتلال.

ويمثّل المخيّم= المنفى ألم الاغتراب عن وطنها وآلام الحياة فيه. وتسرد الكاتبة حكاية أسرة فلسطينيّة لاجئة في لبنان تعاني في واقعها الجديد قسوة الظّروف المعيشيّة وغياب الحقوق. وهي تمثّل في واقع حالها معادلا موضوعيًّا لمجتمع اللاجئين الفلسطينيّين بعائلاته الممتدّة المنتشرة في مخيّمات اللّجوء، داخل فلسطين وخارجها. تقول الرّاوية على لسان ابنها عبد الرحمن: "-المخيّم تعيش فيه أو خارجه هو حكايتك لا مهرب لك منها. وزميلك في الصّف ينقلب عليك فجأة فلا تعرف ما الذي أغضبه، لتكتشف بعد يوم أو يومين أنّه عرف أنّك فلسطينيّ وأنّ وجودك، مجرّد أنّك موجود وأنّك أنت لا غيرك أمر مستفزّ يثير الغضب أو الاستياء أو على أقل تقدير،القرف" (عاشور،2011 : 77). ويشير فحوى السّياق إلى شدّة الألم الذي يعانيه اللاجئ الفلسطينيّ خارج وطنه، وقد شكّل مخيّم اللّجوء-المنفى علامة سيميائيّة فارقة عليه تصاحبه في حلّه وترحاله.

وتعتمد الكاتبة في سرد مقاربتها للوطن على ما تنضح به الذّاكرة الجمعيّة الفلسطينيّة الموثّقة له، كما التقطته عدسات عيون الفلسطينيّين اللاجئين الشّاهدين على مأساتهم. ولم يغيّر نفيهم عن وطنهم فلسطين صورة أوطانهم الصّغيرة في أذهانهم. وهم يستعيدونها عبر رسم خريطة المكان بتفاصيل أماكن الذّاكرة فيه؛ المدرسة والمسجد وبيوت البلد وحاراتها الشّماليّة والجنوبيّة والشرقيّة والغربيّة والمقبرة وساحل البحر والآثار والطرق التي تصله بالقرى والمدن المجاورة وسكّة الحديد (خطّ الحجاز) التي تربط بين فلسطين وسوريا والحجاز، وغيرها. أيّ عبر مشخّصات القريّة العمرانيّة والآثاريّة والتّراثيّة. وعبر وصف طقوس الحياة الاجتماعيّة اليوميّة فيه، ومنها حفلة العرس التّقليديّ الفلسطينيّ. وهو ما يعكس ارتباط الفلسطينيّين الحميم بوطنهم.

ويشي أسلوب سرد الكاتبة بأنّها تبتغي إثبات رواية الحقّ التّاريخيّ الفلسطينيّة في فلسطين في مقابل نفيها للرّواية الإسرائيليّة الزّائفة؛ "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". وهي المقولة التي بنت عليها دولة الاحتلال ادّعاءاتها أمام العالم بأنّ فلسطين أرض خالية أصلا من السّكان. وهي أرض الميعاد التي وعدهم الرّب بالعودة إليها بعد ثلاثة آلاف عام من الاغتراب ! وهي رواية أسطوريّة غلّفت بإطار دينيّ موهم بعدم قابليّته للنّقض.

وترتكز الكاتبة في طرحها الأدبيّ المشكّل للسّرد على ثلاث نظريّات رئيسة هي: نظريّة "الذّاكرة الأيقونيّة"، وهي نظريّة نفسيّة ترتكز على تمثّل المثيرات البصريّة في مكانها، فالأفراد يتعرّفون إلى المعلومات بصريًّا عبر مشخّصاتها في المكان الذي يقيمون فيه-الوطن-، بعد التّعامل مع هذه المثيرات لفترات طويلة من الزّمن. ويسترجعونها كما خزّنوها في ذاكرتهم وفق عمليّة التّرميز التي قاموا بها في أذهانهم، وذلك عبر مثيرات مختلفة تحفّز عقولهم على تجسيدها وإثارة الحنين إليها " (عبد الله، 2003 :19). وهو ما يطالعه القارئ في النّصّ حول معالم المكان المستدعاة التي يُجمع أهلها المنفيّون عنها على رمزيّتها العالية.

وثمّة نظريّتان اجتماعيّتان أخريان مرتبطتان بها؛ أولاهما: نظريّة "الذّاكرة الجمعيّةوهي تتمثّل في أنّ المقتلعين عن المكان الأصليّ قد بنوا بيوتًا وأوطانًا لهم خارج أماكن سكناهم الحاليّة (المخيّمات) بوساطة ذكرياتهم الحافلة بصور الوطن الأصليّ. فالمكان الذي تعيش فيه مجموعة اجتماعيّة معيّنة يمثّل لحظة فريدة وتاريخًا خاصًّا وتجربة اجتماعيّة،ويمثّل في الحقيقة "ذاكرة جمعيّة"محصّنة؛ فالمجتمعات التي تحتفظ بالماضي وحفريّاته غالباً ما تركّز على "بناءات الذاكرة الاجتماعيّة" Barry&  Malkki،1992 :44-27 (7)،12). و((3)19،1996 : 282-275 )

فالذّاكرة تمتاز بقدرتها العالية على"التمثّل الانتقائيّ represent selectively(في واحدة أو أكثر من منظومات الذّاكرة) للمعلومات التي تميّز بشكل فريد خبرة معيّنة، والاحتفاظ بتلك المعلومات في بنية الذّاكرة الحاليّة، وإعادة إنتاج بعض أو كلّ هذه المعلومات في زمن معيّن في المستقبل،وذلك تحت ظروف أو شروط محدّدة" (عبد الله،2003: 16). فاللاجئون عندما يتذكّرون لا يتذكّرون تذكّرًا فرديًّا بل يتذكّرون تذكّرًا جَمْعِيًّا، وهو ما يعزّز الشّعور لديهم باستمراريّة الماضي في نفوسهم. فالماضي هو الذي يمنحهم هُويتهم الجمعيّة.  

وتجري الكاتبة ذلك التّذكّر على مبدأ إعادة صياغة الهُويّة الجمعيّة للاجئين كما يمارسه اللاجئون أنفسهم في واقع حياتهم اليوميّة. والسّبب في استدعاء الذّاكرة هو العلاقة القويّة بين التّذكّر والهُويّة. ذلك أنّ الوطن يعني الكثير بالنّسبة للاجئين الذين هجّروا منه. فهو ليس مجرد أبنية أو أماكن للحياة اليوميّة، بل هو مكان مغروس في الذّاكرة بكلّ ما فيه من دلالات ورموز. فالوطن هو المكان الذي تُثار فيه العواطف الوجدانيّة وهو منبع الهُويّة، وهو عنوان استمراريّة الماضي ورمزه(Simich: 2010 , 72-68).

وثانيهما: نظريّة "أماكن الذّاكرة"؛ فاللاجئون يعتمدون في عمليّة تذكّر الماضي على استدعاء مواقع اجتماعيّة مختلفة في الذّاكرة هي علامات سيميائيّة ثابتة في مخيّلتهم، ومنها؛ الطابو، والقصص، والصور التّذكاريّة، والمساجد، والبيوت، والبساتين، والينابيع، والأطلال الأثريّة. وذلك لأنّ الاحتلال اعتمد في محو هويّة المكان وهويّة إنسانه على تدمير البنى الثّقافيّة والاجتماعيّة للفلسطينيّين حتّى يتلاشى مجتمعهم وتنهدم صورته في أذهانهم. فكانت ردّة الفعل عند اللاجئين إعادة بناء الوطن في الذّاكرة مستمدين ذلك من تلك الحقائق الوجوديّة التي تربطهم ببلدهم الأصليّ. إذ يتمثل الهدف الأسمى لمكان الذّاكرة في إيقاف دورة الزّمن، لسدّ الطّريق أمام عوامل النّسيان، بغية خلق نظام من الأشياء، وتحويل غير الماديّ منها إلى أشياء ماديّة ملموسة.

ويقع ذلك كلّه بهدف إعادة إنتاج بعض العلامات المرجعيّة التي تعيد إحياء الذّاكرة المكانيّة وتثبّتها. ويمكن إعادة إنتاج معاني أماكن الذّاكرة وتطويرها دون حدود، وذلك بفضل الانبثاقات غير المتوقعة لتوالدها(سعدي،2006: 40). وتشمل أماكن الذّاكرة مواقع جغرافيّة، ومواقع مقدّسة، وبنايات، ونصبًا ومزارات وتماثيل وأعمالا فنية، وشخصيّات تاريخيّة،وأيامًا تذكاريّة، والعلم الوطنيّ، والنّشيد الوطنيّ

(Barry ،1997: (3)38، 282-275). وهو ما أجرته الكاتبة في نصّها لتصوغ به حكايته المسكوت عنها.

ثالثًا: سيميائيّة الذّات الكاتبة وشخصيّة البطل:

اختارت رضوى عاشور تشخيص عالمها الرّوائيّ والتّعبير عن ذاتها الكاتبةبأسلوب دراميّ-سياسيّ مُشتجر بالتّاريخ والأيديولوجيا. وتوارت خلف شخصيّة البطل وحمّلتها أفكارها ورؤاها وأدارت بوساطتها دوائر الفعل السّرديّ في النّصّ فمارست بذلك فعلين إبداعيّين؛ فعل القراءة وفعل الكتابة في آن معًا، فعكست بهما صدامها مع واقع الاحتلال الصّهيونيّ لأرض فلسطين من جهة، ومع الواقع الممتدّ لمأساة اللاجئين الفلسطينيّين من جهة ثانية،ومع واقع الأنظمة العربيّة المتخاذلة عن رفع الضّيم عن شعب فلسطين ونصرته من جهة أخرى.

وبما أنّه لا يمكن لأيّ مبدع مهمّ أن يكون أدبه تعبيرًا عن " تجربة فرديّة محضة، فإنّ النّوع الرّوائيّ لم يتمكّن من الولادة والتّطوّر إلا بمقدار تطوّر سخط انفعاليّ لم يتحوّل إلى مفاهيم، وتطوّر تطلّع انفعاليّ يهدف مباشرة إلى القيم الكيفيّة، سواء داخل مجموع المجتمع أو ربّما بين الفئات المتوسّطة وحدها التي جُنّد من بين صفوفها معظم الرّوائيّين (غولدمان، 1993: 28). فصوت الرّوائيّة في مجتمع السّرد الموازي للمجتمع الواقعيّ يمثّل أصوات النّاس في الحقيقة، وهو لذلك علامة سيميائيّة دالّة.  

أمّا فعل القراءة فيتجلّى في استقراء الكاتبة للواقع الأليم للشعب الفلسطينيّ عبر مراحل حياته التّاريخيّة ومنعرجاتها المأساويّة النّاجمة عن الاحتلال والأنظمة العربيّة المستكينة له والمتخاذلة عن استرداد فلسطين وإنصاف اللاجئين. تقول الرّاوية في سرد شهادة عمّها أبي الأمين على موقف الجيوش العربيّة في حرب 48: "وكان للجيوش العربيّة والملوك والرّؤساء والقادة نصيب من الحكاية. يحكي ويصنّف ويتّهم ويدلّل بالوقائع، ويسبّ ويلعن ودائمًا يختتم الكلام بالعبارة نفسها: "الله يرحم الشّهدا، عسكر وضبّاط ومتطوّعين". يدهشنا كلّ مرّة بتفصيلة جديدة" (عاشور، 2011 : 87).

وكذلك يتجلّى في استقراء الأخطاء العديدة التي وقعت فيها القيادة الفلسطينيّة في تاريخ نضالها الطويل ضدّ المحتل. تقول الرّاوية على لسان عبد الرّحمن ابنها في فصل "شهادة عبد": "ولمّا انتقلت القيادة إلى لبنان وجاء أبو عمّار تغيّر الوضع في المخيّمات. جمعة مشمشيّة على ما يبدو. جاءوا ورحلوا. سألت نفسي: هل يعود الوضع كما كان ؟ كنت خائفًا متوجّسًا أتوقّع كوارث، ولكن ما حدث فاق كلّ خيال. لا أقصد المجزرة وحدها بل ما حدث في صيدا وهنا في بيروت وفي المخيّمات عندما استلمت الكتائب الحكم. الخطف والقتل والتّمثيل بالجثث والاعتقالات والتّعذيب في خريف العام 82 وطوال العام التالي. في الاجتياح أصبح أكثر من نصف سكّان المخيّمات في الجنوب بلا مأوى.دمّر القصف البيوت" (عاشور، 2011 : 240).

وتحيل الصّيغة الإشاريّة إلى الظّروف العصيبة التّي رافقت القيادة في أماكن وجودها المختلفة؛ في الأردنّ حيث وقع أيلول الأسود عام 1970،وفي بيروت عام 1975 حيث وقعت الحرب الأهليّة اللبنانيّة، ثمّ بعد العودة إلى بيروت اجتاحت "إسرائيل" لبنان عام 1982 ووقعت المجازر في المخيّمات. وبعدها مباشرة "وقبل أن نلتقط الأنفاس، يشتدّ النّزاع بين أبو عمّار وسوريا فتحاصر أمل المُخيّمات. فتدفع المُخيّمات الثمن. ليست شهور الغزو والحصار وحدها بل سنوات من الهول والفواجع المتّصلة" (عاشور،2011: 240). وفي تونس اغتالت "إسرائيل" أبرز القادة الفلسطينيّين حول أبي عمّار (أبو جهاد وأبو إياد). واتّفاقيّة أوسلو وتوابعها وآثارها الصّعبة على قضيّة حقّ العودة للاجئين الفلسطينيّين،إذ استبعدت من المفاوضات ومن اتّفاقيّة المبادئ.

وقد اعترفت منظّمة التّحرير بسيادة دولة الاحتلال على المناطق المحتلّة عام 1948، ووقّعت عليه في البيت الأبيض الأمريكي. تقول رقيّة الطّنطوريّة: "شاهدت أبو عمّار في البيت الأبيض يصافح رابين وبيرز. وعن يساره محمود عبّاس وفي الوسط الرئيس الأمريكيّ. وقّعوا اتّفاقيّة أوسلو.بعد دقائق من انتهاء البثّ التلفزيونيّ المباشر لحفل البيت الأبيض،اتّصل صادق بالتليفون. قال: شو سوّى الخِتيار؟ الممثّل الشّرعيّ والوحيد أسقط السّاحل من الاتّفاق. من يمثّل الطّنطورة إذن؟ من يمثّل صفد وطبريّا والجليل وحيفا ويافا والرّملة والنّقب؟ من يمثّل عكّا والنّاصرة ؟ من يمثّلنا ؟ كان غاضبًا. وعلّق بمرارة على حرص أبو عمّار على مصافحة رابين وبيرز، وتمنّعهما كأنّهما يتنازلان بالمصافحة."شو هالمهزلة ؟! شو سمّة هالبدن..." (عاشور،2011: 401).

كلّ ذلك شكّل صيغة سيميائيّة دالّة على موقف سياسيّ يرتكز إلى المفارقة الصّارخة بين الاستمساك بالثّوابت الوطنيّة المجمع عليها فلسطينيًّا وقرار القيادة بتوقيع أوسلو والتّخلي عن حقّ العودة. سجّلته الكاتبة على لسان اللاجئين الرّافضين لاتّفاقيّة أوسلو التي فرّطت بحقوقهم. فكيف يجري التّحوّل من الفعل المقاوم الرّافض للاحتلال والاعتراف به إلى الاعتراف به كيانًا شريكًا في الوطن ؟! لتضيع بذلك حقوق اللاجئين في العودة إلى مدن السّاحل الفلسطينيّ وغيرها إلى الأبد؛ وذلك بإقرار الممثّل الشرعيّ والوحيد ! والنّصّ كلّه يعالج هذه القضيّة، تحديدًا، كما يعالج نضالات اللاجئين في مجال تثبيت حقّ عودتهم إلى الوطن. وهو حقّ لا يسقط بالتقادم ولا يملك أحد إسقاطه مهما علت رتبته أو سلطته .

وأمّا فعل الكتابة فيتمثّل في إعادة إنتاج رواية الحقّ التّاريخيّ لشعب فلسطين الحاضر المستمرّ على أرض وطنه. وذلك عبر إعادة تركيب وقائعه المفصليّة المغيّبة في إطار نسق أسلوبيّ يكشف عن تعالقها وترابطها بمعنى ارتباط السّبب بالمسبّب. ومن ثَمّ استقرائها ضمن رؤية سيميائيّة جامعة لتُشخّص الكاتبة بوساطتها بواعث الهزيمة ونتائجها المستمرّة، وغياب النّصر عن أعدل قضيّة في عصرنا. وعوامل تأخّر عودة اللاجئين إلى وطنهم. تقول الكاتبة في هذا الصدد: "أواصل الكتابة لأنّ حسن يسألني أين وصلت، وما الذي أنجزته. في كلّ مكالمة يسأل. أحيانًا يبدو الحكي ميسورًا. يأتي سهلا فينكتب الكلام كأنّما من تلقاء نفسه. أو يكون الحكي ممتعًا فأعايش مجدّدًا لحظة أليفة أو طريقة مع الأولاد أو عمّي أبو الأمين. كأننّي أستحضرهم فيحضرون فيملأون عليّ الدّار. ثمّ أتوقّف. تصعب الكتابة. تثقل. تبدو حملا من حديد أضعه على صدري" (عاشور،2011: 402).

فالكتابة ليست سهلة عن قضيّة حافلة بالتّفاصيل الأليمة المستمرّة. فهي حكاية شعب منفيّ مشطّر الوجود مقموع في وطنه ومشرّد خارجه في بلدان اللّجوء، ومحروم من العودة إليه،ومن بناء مجتمعه الجديد عليه. وهو صاحب ثورة ممتدّة بدأت في مطلع القرن الماضي وما تزال مستمرّة. وهي بهذا أطول ثورة نضالاً ومقارعة للمحتلّين في التّاريخ الحديث، ولكنّها لمّا تحقق العودة والدّولة لشعبها. لأجل ذلك خاطبت الكاتبة بنصّها اللاشعور الجمعيّ العربيّ المنطوي على فعل الهزيمة المستمرّة،كما درجت على تشخيصه ثقافة الأنظمة المستبدّة. وقد بدا عجز تلك الأنظمة عن تغيير الواقع مكشوفًا، وكأنّها استمرأته فتحوّلت إلى التّعايش معه. وموقف الكاتبة رافض للانسجام مع سياسات تلك الأنظمة وثقافتها. وضربت لقادة تلك الأنظمة نموذجًا مقاومًا دحر الاحتلال عن جنوب لبنان، وهو لا يمتلك جيشًا عرمرمًا ولا عتادًا عسكريًّا ضخمًا. وقد أغفلت الكاتبة الإشارة إلى نموذج المقاومة الفلسطينيّة في غزّة. ولعلّ مردّ ذلك إلى أنّها فرغت من كتابة الرّواية في 5 ديسمبر 2009  (عاشور، 2011 : 459).

فواقع الصّدام بين أنا الكاتبة والآخر المستبد عبر نموذجها المطروح في نصّها الموازي للواقع المرجع الذي يتسيّده نموذج الدّولة المستبدّة–ومنه دولة الاحتلال-ينطوي على رغبتها في تغيير هذا الواقع الجائر لصالح إقامة العدل ورعاية حقوق الإنسان الفلسطينيّ واستعادة وطنه السّليب. وكذلك تنشد تحقيق الحرّيّة للشّعوب العربيّة. وغاية الكاتبة-كما يبدو-هي إعادة بعث الذّاكرة الفلسطينيّة-العربيّة المكبوتة لتمارس بذلك هدم نموذج سلطة دولة الاحتلال؛ النّظام المستبدّ لتحلّ محلّه سلطة النّموذج المطروح في النّصّ-فلسطين الحرّة- وفق رؤيتها له. وتتشارك في ذلك مع رؤية قطاع كبير من المتلقّين المثقّفين وجماهير النّاس الرّازحين تحت حكم الأنظمة المستبدّة. ففعل الكتابة الإبداعيّة-كما ترى-خطاب يضطلع بوظيفة رئيسة هي صياغة العلاقة بين الأدب والمجتمع على أساس صحيح.

وسخّرت الكاتبة عناصر السّرد والتّقنيات التي صاغته بها؛ لتنتج لغة خطابها الرّوائيّ الباثّ لفكرها، موظّفة بذلك موقفها الأيديولوجيّ الذّاتي المتوافق مع حاجات المتلقّين المخاطبين بالنّصّ. وذلك للتّداخل الأيديولوجيّ في خطابها الرّوائيّ بين رؤيتها الذاتيّة ورؤية الطّبقات الاجتماعيّة المسحوقة في مجتمعنا العربيّ، وخاصّة، اللاجئين الفلسطينيّين. وهي تبتغي بذلكتحويل رؤيتها الذّاتيّة إلى رؤية عامّة يشاركها فيها جمهور عريض من المتلقّين. ليغدو خطابها بذلك بؤرة التقاء تجتمع فيها جملة الرّؤى والعلامات التي أنتجتها فيه انطلاقًا من وضعها الثّقافيّ والاجتماعيّ والسّياسيّ والنّفسيّ ورؤيتها للعالم من حولها. وقد لعبت حصافتها دورًا رئيسًا في صناعة ذلك كلّه؛ ممّا وضع خطابها في مواجهة خطاب الآخر النّقيض. وفي ضوء ذلك لا يمكن تجاهل دور الذّات الكاتبة؛ المرسلة والمستقبلة في آن عند قراءة النّصّ الّذي أبدعته.

واتّخذت الكاتبة من شخصيّة "الطّنطوريّة" قناعًا يتحدّث بلسانها، ومعادلا موضوعيًّا للاجئ الفلسطينيّ،فهي شخصيّة استعاريّة وطنيّة. وهو موقف يستدعي دراستها ضمن هذا الفهم لدورها الإبداعيّ. إذ يشكّل مدخلا مهمًّا لدراسة البنيات السّياقيّة التي يتشكّل منها خطابها ككلّ. ويمكن استخلاص ذلك من تعبيرها على لسان الطّنطوريّة مجيبة ابنها حسن الذي طالبها بكتابة شهادتها على النّكبة: "وصلتني رسالتك تقولين ما المنطق وما الفائدة ؟ أقول إنّني أردت أن يسمع الآخرون صوتك. صوت رقيّة الطّنطوريّة. نحن أولادك الأربعة نعرف هذا الصّوت لأنّنا تربّينا عليه. نعرفك ونعرف أنّ لديك الكثير الذي تنقلينه للنّاس.ليست الحكاية هي وحدها ما يشغلني، أطمع في الصّوت، ولأنّني أعرف قيمته أريد أن يتاح للآخرين أن يسمعوه" (عاشور،2011: 234). فتسجيل شهادة اللاجئ على النّكبة يمثّل وثيقة تاريخيّة مهمة لحفظ الذّاكرة الجمعيّة من جهة، ولتمكين حضورها المستمرّ في عقول الأجيال الفلسطينيّة الطالعة. وهي، من جهة أخرى، وثيقة صالحة قانونيًّا للمطالبة بالحقوق السّليبة أمام القضاء العالميّ الذي بات يتعاطى مع قضايا حقوق الإنسان وانتهاكاتها بحساسيّة عالية.

وتستحثّ الكاتبة اللاجئين الفلسطينيّين على فعل الكتابة؛ وذلك بتدوين شهاداتهم على النّكبة وما ترتّب عليها، في صيغة سيميائيّة جديدة، إذ تقول: "-سأحاول يا حسن. ولكن ماذا لو متّ؟ ستقتلني الكتابة.-لن تقتلك.أنت أقوى ممّا تتصوّرين. الذّاكرة لا تقتل. تؤلم ألمًا لا يطاق، ربما. ولكنّنا إذ نطيقه تتحوّل من دوّامات تسحبنا إلى قاع الغرق إلى بحر نسبح فيه.نقطع المسافات. نحكمه ونملي إرادتنا عليه" (عاشور،2011: 235). وفي هذا الحوار صيغة سيميائيّة تشير إلى أنّ حكاية اللاجئ الفلسطينيّ لم تصل إلى العالم من حولنا وصولها الصّحيح،ولم توثّق التّوثيق الدّقيق الذي يكشف عن هولها وعظم الجريمة التي ارتكبت بحقّ شعبنا. ولذلك هي في حاجة إلى إعادة صياغة تستند إلى شهادات اللاجئين الحيّة على نكبتهم.

وهو نوع من التّوثيق التّاريخيّ لمأساتهم غايته توصيل صوتهم وحكايتهم إلى العالم ليتمكّنوا من رفع قضاياهم، على المستويين الفرديّ والجماعيّ، أمام المحاكم الدّولية للمطالبة بحقوقهم السّليبة بهدف استعادتها. وهم بهذا الفعل أقوى حجة وأدعى إلى الإنفاذ انتصارًا لقضيّتهم العادلة.

وهذا ما كتبته الرّاوية في فصل "بالقانون" على لسان بطلتها رقيّة حول مشروع ابنها عبد الرحمن الذي يسعى إلى دراسة التّشريعات الأوروبيّة التي تسمح برفع قضايا من هذا النّوع أمام محاكمها ليصار إلى استثمارها عمليًّا. وهو صيغة سيميائيّة دالّة على وسيلة مختلفة لمقارعة المحتلّ. ودعوة صريحة إلى الاستفادة من هذا الأسلوب الجديد في استعادة الحقّ الفلسطينيّ المضيّع. (عاشور، 2011: 353).  

رابعًا: البنية المُناصيّة في السّرد وشخصيّة البطل:

  حرصت الكاتبة على صياغة متنها الرّوائيّ بمهارة فحاكته متواشجًا مع حقائق التّاريخ والجغرافيا والدّيموغرافيا الفلسطينيّة ومشخّصات المكان الآهل بإنسانه الفلسطينيّ ضمنأنساق أسلوبيّة متنوّعة لتحقّق تبليغه إلى المتلقّين عبر منافذ توصيليّة عالية الاستقطاب وبالغة التأثير، ومنها عناصر المُناصّات التي حوّلتها إلى أيقونات بصريّة، ويقع استقراؤها وفقًا لما يأتي:

أ- سيميائيّة العنوان الرّئيس"الطّنطوريّة": عنونت الكاتبة روايتها بـ"الطّنطوريّة" فجعلته مدخلا حاملا للفكرة الرّئيسة للنّصّ وحاضنًا للأفكار المحوريّة في المتن. فهو نواة الحكاية وبؤرتها التّخييليّة. وهو نصّ موازٍ للمتن، وبوّابته التي يدلف منها القارئ للتّعرّف إلى عالمه. وهذا الوضع هو الذي جعل للعنوان حضورًا وظيفيًّا ضمن البنية الحكائيّة لنصّ الرّواية. وهو حضور تُمظهره بقيّة المُناصّات. وهكذا تستعيد القصديّة المعنيّة لاختيار عنوان الرّواية صيغًا نصيّة تتضمّن بعضًا من أبعاده التّركيبيّة في العديد من الفقرات والمقاطع السّرديّة في النّصّ. وهي كثيرة فيه. فاختيار العنوان لا يخلو من قصديّة تنفي معيار الاعتباطيّة في اختيار التّسمية، ليصبح العنوان هو الذي يتوالد ويتنامى ويعيد إنتاج نفسه وفق تمثّلات وسياقات نصيّة تؤكّد طبيعة التّعالقات التي تربط العنوان بنصّه والنّصّ بعنوانه (الحجمري،1996: 18- 19).

وهو في "الطّنطوريّة" نوع من التّحقيق لهُويّة الإنسان وهُويّة المكان الفلسطينيّ المتلاحمتين، فصيغة النّسبة خصصّت المسمّى وحدّدت المكان في آن. ولو لم تكن كذلك لما كانت متّسقة مع مضمون النّصّ محيلة إليه ومميّزة له. فصار علامة دالّة عليه يحيل إلى بلد منكوب وإلى قضيّة إنسان مشرّد عنه أراد الاحتلال الصّهيونيّ اغتيالهما بطمس المكان عن الخريطة مع تغييب أهله.

ويمثّل العنوان بملفوظه الدّال وبصيغته تلك استعارة وأيقونة تحيل في ظاهر دلالتها إلى امرأة فلسطينيّة لاجئة لم تسمّها باسمها في العنوان وإنّما بصفتها "الطّنطوريّة"، لتؤشّر بها على انتساب بطلة الرّواية إلى مكانها الأوّل "الطّنطورة" الذي اغتربت عنه جبرًا، فهو مسقط رأسها وموطنها الأصليّ، وقريتها الفلسطينيّة المهجّرة والمنكوبة عام 1948. وهي شديدة الاعتداد به (عاشور،2011: 363) .

ويبدو للباحث أنّ هدف الكاتبة من استخدام هذه الصّيغة هو وصف لاجئات أخريات هنّ؛ الصّفّوريّة والنّابلسيّة واللّداويّة. وينسحب الدّال على مدلول أوسع ليشمل كلّ المجتمعات الفلسطينيّة المدمّرة المنكوبة على يد الاحتلال، وهنّ شقيقات لقرية الطّنطورة، من مثل؛ عين غزال وزُمّارين وقيسارية وصفّورية وبلد الشّيخ والزّيب وسمخ وسعسع واللّد والرّملة، والقائمة طويلة. وهي تحيل إلى أماكن الذّاكرة المعمورة بأهلها في مجتمع ما قبل النّكبة ومعالمها الباقية على أراضيها. كما تحيل إلى ذاكرة المكان التي تستدعي النّكبة بوقائعها المأساويّة، وإلى أماكن ذاكرة اللّجوء بأحداثها المأساويّة.

كلّ ذلك شكّل علامة سيميائيّة دالّة، فقد شخّص العنوان الذّات الرّاوية للسّرد والواقع المعيش للاجئين الفلسطينيّين والمرجع التّاريخيّ لقضيّتهم. ولخّصّ حكاية السّرد وأضاءها في آن. ولم يكن اختيار الكاتبة لبطلتها الأنثى، امرأة فلسطينيّة، اعتباطيًّا، فالعلامة السّيميائيّة في استقراء عتبة العنوان، تشير إلى أنّ تعاطفها مع المرأة الفلسطينيّة في مجتمع المخيّم ناجم عن كونها الأشدّ معاناة وشقاء في تلك البيئة من الرّجل. فهي التي تواجه ضنك الحياة وآلامها بعد موت زوجها أو استشهاده أو فقدانه. وكم من النّساء الثّكالى والأرامل والأيامى تضمّها مخيّمات اللاجئين !فهي أيقونة للحلقة الأضعف فيها، وحالتها النّفسيّة والاجتماعيّة تشخّص مأساة اللّجوء والاغتراب في المنفى.

 ب-سيميائيّة صورة الغلاف:صدّرت الكاتبة نصّها بصفحة العنوان وجعلتها أيقونة بصريّة للمكان، وهي عبارة عن صورة فوتوغرافيّة لقرية الطّنطورة علاها عنوان الرّواية. وقد التقطت الصّورة لمشهد من أماكن الذّاكرة الجمعيّة فيها؛إذ تبدو فيه صورة مسجد القرية الواقع على ساحل البحر ومئذنته القائمة الشّاهدة عليه. وتظهر في الصّورة بيوت القرية، القائم منها والمهدّم، وساحة تدلّ على معلم أثريّ بارز في القرية،وقطعة أرض مسوّرة ، وقطع غير مسوّرة تناثرت فيها الحجارة، ونخلتان باسقتان في أرض خلاء. ويبدو في الصّورة ساحل بحر الطّنطورة الممتدّ.

   واتّخذت الكاتبة من الصّورة الحقيقيّة للبلدة المنكوبة دليلا على وجودها وعمرانها قبل تاريخ التّهجير وبعده. فهي تتناول في روايتها مكانًا موجودًا على خريطة فلسطين التّاريخيّة ويمكن العودة إليه. ولم تلغ دولة الاحتلال حتّى زماننا هذا بعض معالمها؛إذ حوّلتها إلى مرافق سياحيّة وتجاريّة وفنّية وأحلّت فيها مستوطنين مستجلبين من بلدان مختلفة محلّ أهلها الأصليّين،أو خرّبتها كما تفيد الصّور الفوتوغرافيّة الأخرى التي استعرضت الكاتبة مشاهدها في النّصّ"(عاشور،2011: 418-420). وهو مشهد يتكرّر في مدن وقرى فلسطينيّة منكوبة أخرى.       

ج-سيميائيّة الإهداء:"إلى مريد البرغوثيّ"(عاشور،2011: 3) بهذه العبارة قدّمت الكاتبة إهداءها إلى زوجها وشريك حياتها الأديب الفلسطينيّ مريد البرغوثيّ. وهو الفلسطينيّ المنفيّ عن وطنه المحتلّ،والمنتمي إليه الحامل لهمّه والمنافح عنه بفكره وأدبه. ولعلّه العامل الرّئيس في توجّه الكاتبة نحو الاهتمام بالقضيّة الفلسطينيّة،فهما يمثّلان عائلة فلسطينيّة منفيّة؛بل إنّ معظم أسرة الأديب البرغوثيّ منفيّة عن وطنها ومشتّتة في غير بلد. فمن هنا وقع التّقاطب الفكريّ بينهما. وقد شاركته محنة المنفى والاغتراب عن وطنه في مصر وقاسمته الهمّ حين قرّرت وزارة الدّاخليّة المصريّة إبعاده عن مصر في زمن زيارة السّادات لمدينة القدس عام 1979.

   وقد عاينت عن كثب أوضاع اللاجئين الفلسطينيّين وعايشتها في لبنان وتعاطفت مع قضيّتهم الإنسانيّة. ويبدو للباحث أنّ المغزى من الإهداء، وهو يمثّل نقطة الالتقاء بين الهادية والمُهدى إليه، هو التّوحّد على رسالة الأدب الملتزم بالقضيّة الفلسطينيّة، ورفع صوت المعذّبين الفلسطينيّين، في زمن الأسرلة الذي يُخشى فيه من إسقاط حقّ عودة اللاجئين الفلسطينيّين في ظلّ عملية سلام فاشلة أساسها اتفاقيّة أوسلو.

 د- سيميائيّة خريطة فلسطين:ضمّنت الكاتبة مطلع روايتها خريطة فلسطين التّاريخيّة بعد الإهداء مباشرة (عاشور،2011: 4)، فجعلتها أيقونة بصريّة لتخلق بها انطباعًا لدى القارئ بولوج عالم فلسطين التّاريخيّة السّليبة منذ البداية. وهو تحقيق تاريخي غايته الإشارة إلى أنّ فلسطين حاضرة بقوة بكلّ مساحتها الجغرافيّة في العقل الجمعيّ الفلسطينيّ، والعربيّ. وخريطة فلسطين الجديدة ليست مناطق الضّفة الغربيّة وغزة التي احتلّت عام 1967 فقط . كما يجري اختزال حدودها في التّداول السّياسيّ للقضيّة الفلسطينيّة. وقد تحوّلت في المنطق الاحتلاليّ بعد أوسلو إلى أراضٍ متنازع عليها. وتحرص وسائل الإعلام الغربيّة والعربيّة والفلسطينيّة على ترديد ذلك والترويج له. ويدوّن بديله "إسرائيل" على الخريطة التّاريخيّة لفلسطين في كلّ الأطالس والخرائط الجغرافيّة حول العالم. وهو أمر مرفوض عند الفلسطينيّين وعند أحرار العالم.

والدّلالة السّيميائيّة الأخرى تتمثّل في وقوع فلسطين وسط مجتمع عربيّ كبير كبحر لجيّ محيط بها من كلّ جانب، كما يشير الواقع الجغرافيّ والدّيموغرافيّ وتؤكّده الخرائط كلّها. فكيف انقلب التّاريخ وتحوّلت الجغرافيا والديموغرافيا إلى"إسرائيل" الدّولة غريبة الوجه واليد واللّسان عن فلسطين وعن الواقع المحيط بها ؟ إنّها أسطورة تاريخيّة ووجوديّة زيّفت الواقع الحقيقيّ للبلاد ولسكّانها الأصليّين؛ لتغدو أكبر مستوطنة غربيّة في قلب الوطن العربيّ في التّاريخ الحديث، ويجري تثبيت وجودها والمحافظة عليه بشتّى الوسائل، حتّى لا تقوم للعرب قائمة. وساعدها على ذلك استراتيجيّة المصالح الغربيّة المشتركة معها في المنطقة العربيّة.

وقد خطّت الرّوائية بيد قناعها الطّنطوريّة أسماء المدن والقرى الفلسطينيّة الرّئيسة على خريطة فلسطين،ومنها قرية الطّنطورة، كما ضمّنتها أسماء الدّول العربيّة المجاورة لفلسطين واستبعدت فيها ، قصدًا، كلّ الأسماء الاحتلاليّة المزوّرة للمكان الفلسطينيّ،وشكّل ذلك تخطّيًا للواقع المزيّف وتوثيقًا جديدًا للأصل المغيّب.

وتشير الكاتبة بذلك إلى أهميّة ترسيخ خريطة فلسطين في أذهان الأجيال الفلسطينيّة النّاشئة. وهي هنا صيغة سيميائيّة؛ لأنّ حفظ رسمها وتحديد مواقع مدنها وقراها ومعرفة تضاريسها الطّبيعيّة سيبقيها قضيّة حيّة في نفوسهم وسيعزّز انتماءهم لوطنهم وسيصلهم به بشكل مستمرّ. أكّدت الكاتبة هذا في قول الطّنطوريّة واصفة نشاط عمّها أبي الأمين الوطنيّ في تعزيز انتماء الأشبال في المخيّمات إلى وطنهم:"يصطحب عمّي صادق ويلحقه بفريق الأشبال، يحمل لحسن ورقًا أبيض مقوّى يبسطه أمامه وهو يقول:ارسم الخريطة يا ولد،ارسمها كبيرة وبالألوان. (عاشور، 2011: 119-120).

وتلعب ذاكرة المُعايشة لمجتمعات المدن والقرى الفلسطينيّة عند أبي الأمين اللاجئ دورًا رئيسًا في تحديد مواقعها على الخريطة. فهو يُعيّنها مستهديًا بزمن تطوافه بها وعلاقته بالثوّار من أهلها. ولم يقف عند الأماكن المشهورة بل تعدّاها إلى مواقع فلسطينيّة مغمورة عديدة. فهو يحفظها ويعرف أسماء رجالها المقاومين. وتستدعي الكاتبة في عروض سردها قصيدتين مشهورتين من الشّعر الوطنيّ الفلسطينيّ قبل النّكبة،وهما:قصيدة "الشّهيد" للشّاعر الشّهيد عبد الرّحيم محمود. ونشيد "موطني" لإبراهيم طوقان (عاشور،2011:  122 و121). وذلك لتبثّ بهما الرّوح الوطنيّة التّي يتشكّل بتأثير منها معنى الانتماء إلى الوطن السّليب في نفوس اللاجئين الفلسطينيّين فهم أشدّ النّاس تعلّقًا به وتوقًا للعودة إليه.

وفي هذا الاستدعاء لخريطة فلسطين وقصيدتي "الشّهيد" و"موطني" صيغة سيميائيّة إشاريّة، فالغاية منه تكريس التّربية الوطنيّة عند أشبال المخيّمات لربطهم بوطنهم وتمكين انتمائهم إليه، بهدف توريثهم إيّاه، ليتواصلوا به على الدّوام، ولينهضوا بمسؤولية تحريره. وتكثر الكاتبة من استلهام التّراث الوطنيّ الفلسطينيّ؛ التّاريخيّ والشّعبيّ"الفلوكلوريّ" والسّرديّ والتّناصّ معه في روايتها، مثل؛الشّعر الوطنيّ، والقصّة القصيرة والرّواية، والأغنية الشّعبيّة، والزّغرودة، والرّسم الكاريكاتوريّ، وغيرها. من أجل التّأكيد على هويّة الإنسان الفلسطينيّ صاحب التّراث العريق الذي شكّله في وطنه عبر آلاف السّنين. وتلك علامة سيميائيّة وحجّة دامغة تسوقها الكاتبة لبيان استمراريّة الوجود الفلسطينيّ على أرضه دون انقطاع، وذلك لتوثيق رواية الحقّ التّاريخيّ الفلسطينيّة. 

   هـ-سيميائيّة مخططّ قرية الطّنطورة: رسمتالكاتبة مخطّطًا هيكليًّا لقرية الطّنطورة الأيقونة، لتثبت وجودها على الأرض بتفاصيلها العمرانيّة الموثّقة لأماكن الذّاكرة فيها(عاشور،2011: 5). وقد غدت بذلك صيغة سيميائيّة إشاريّة، إذ تعيد تشكيلها وبناء هياكلها العمرانيّة بهدف تمكين هويّة المكان الفلسطينيّ ونفي رواية الآخر الزّائفة عنه. ويظهر المخطّط مسقطًا علويًّا للبلد كما رسمته رقيّة الطنطوريّة بخطّ يدها،وحدّدت فيه موقعها المتوسّط بين مدينتي حيفا التي تحدّها من الشّمال ومدينة يافا التي تحدّها من الجنوب، ومن الشّرق تحدّها تلدا وزمّارين وقرى أخرى، ومن الغرب البحر المتوسّط الذي يضمّ خمس جزر صخريّة صغيرة متتابعة من الشّمال إلى الجنوب تقع بمحاذاة ساحل الطّنطورة.

   ثمّ ترسم على المخطّط بيوت البلد، وهي منتشرة على رقعة واسعة من الأرض، وتتألّف من الحارة الشّماليّة والحارة الجنوبيّة. وتُحدّد عليها موقع دارها، وموقع بئر السّكر على السّاحل شمال القرية، ومجلس العرسان الذي يحاذيها، وميناء البرج فيها، والورشة، والمقبرة، وساحة البلد (المراح)، والجامع، ومدرسة البنات، ومدرسة البنين، والبستان، وحاكورة الزّيتون، ونخلات أبي صفيّة، والأراضي الزّراعيّة، والبيادر، وخطّ سكّة الحديد، ومحطّة تلدا، ومحطّة زُمّارين والكراكون. وهو مخطّط حقيقيّ لقرية الطّنطورة يبيّن موقعها الاستراتيجيّ بين مدينتي حيفا ويافا ويكشف عن مركزيّتها بين القرى الفلسطينيّة الأخرى، فهي أكبرها وأهمّها على السّاحل الفلسطينيّ؛ لذلك صمّم الاحتلال على احتلالها، ونفّذ فيها مجزرة كبرى راح ضحيّتها أزيد من مئتي شخص من أهلها.             

 و- سيميائيّة شجرة عائلة الطّنطوريّة: حرصت الكاتبة على رسم شجرة عائلة رقيّة الطّنطوريّة بطلتها والتّعريف بأسماء شخصيّاتها الرّئيسة(عاشور،2011: 6). وذلك لتجعلها أيقونة بصريّة تمثّل البنيان العائليّ والاجتماعيّ الفلسطينيّ المتماسك الذي يشي بحقيقة تواصل نسبه واتّصاله عبر سلسلة أجيال ضاربة في التّاريخ على أرض فلسطين. ولأنّها العنصر الأساسيّ الحامل لأفكار النّصّ والمحرّك المفصليّ لدوائر الفعل فيه، وهي كذلك في مجتمع اللّجوء. واختارت الكاتبة شخصيّاتها بعناية، فهي عائلة وطنيّة ومنتمية إلى تراب وطنها، أفرادها مناضلون شرفاء، ومنهم الشّهداء، ابتداء من الأجداد وانتهاء بالأحفاد. وهي نموذج مقاوم (أيقونة) للعائلة الفلسطينيّة اللاجئة. وهي صفة تنسحب على كثير من اللاجئين الفلسطينيّين؛ ويعود ذلك إلى طبيعة حياتهم القاسية والحرمان الذي يعيشونه بسبب الاحتلال، داخل الوطن المحتلّ وفي المنفى. واستبعدت الكاتبة في روايتها ذكر شخصيّات تمثّل الآخر المحتلّ، ولكنّها تذكره، عادة، بصيغة الجمع الغائب، لتصف نتائج دوره المدمّر على شعبنا، ولأنّه غريب ولا محالة زائل.

وتتألّف شجرة العائلة من الشّخصيّات المحوريّة في السّرد من عائلتي الجدّين"أبو الصادق" و"أبو الأمين" وهما شقيقان، ومن نسليهما انحدر الجيل الثّاني والثّالث والرّابع.  والعائلة بهذا التّصنيف معادل موضوعيّ لكلّ العائلات الفلسطينيّة المهجّرة .

وتسرد الرّاوية تجربتها مع المنفى الذي تحياه مع عائلتها اللاجئة بتقلّباته المختلفة وتصف اغترابها فيه. وتنسج خيوط حكايتها لتعيد تشكيل صورة الوطن الحاضر في ذاكرتها في سياق من الفكر المقاوم لنسيانه أو التّسليم بأنّه بات في قبضة المحتلّ المتغوّل على كلّ ما هو فلسطينيّ. وعبّرت الطّنطوريّة عن موقفها الرّوائيّ من سرد حكايتها بقولها:" هل أحكي حياتي حقًّا أم أقفز عنها ؟ وهل يمكن أن يحكي شخص ما حياته فيتمكّن من استحضار كلّ تفاصيلها ؟  قد يكون الأمر أقرب إلى الهبوط إلى منجم في باطن الأرض، منجم لا بدّ من حفره أولا قبل التّمكّن من النّزول إليه. وهل بمقدور فرد مهما بلغ من قوّة ونشاط أن يحفر بيديه المفردتين منجمًا ؟! المهمّة شاقّة "(عاشور،2011: 84).

وهذا المقطع يمثّل علامة سيميائيّة دالّة على عمق حفريّات الذّاكرة الفلسطينيّة، فهي حافلة بمشاهد مأساة الإنسان الفلسطينيّ، بما تتضمّنه من وقائع جسيمة. وذلك لتُدخل القارئ منذ البداية إلى عالم حكاية السّرد القريبة من حدود الواقع الموازي لها. فقد شكّلت بها نموذجًا إنسانيًّا لحياة العائلة الفلسطينيّة اللاجئة في مجتمعها. وحافظت على هويّتها الوطنيّة وعلى تماسكها رغم هول مأساة الأحداث التي عايشتها وما تزال تعيشها في مجتمع عربيّ لا يتقبّل وجودها فيه بالتّرحاب، ويذكّرها دائمًا باغترابها وبأسباب تهجيرها من وطنها الأصليّ.

خامسًا: سيميائيّة البنية التّكوينيّة لمجتمع السّرد :

  شكّلت الكاتبة مجتمع سردهاوفق إطار بنيويّ ملحميّ متنوّع الصّيغ؛ ممّا أضفى عليه صبغة سرديّة خاصّة تكشف عنها الأطر السّيميائيّة الآتية:     

أ- سيميائيّة الشّخصية والبناء الفنيّ للسّرد: اختارت الكاتبة شخصيّة البطلة "رقيّة الطّنطوريّة" اللاجئة الفلسطينيّة السّبعينيّة متوسّطة الثّقافة، والشّاهدة على النّكبة ومآلاتها، والمحمّلة بأفكار الكاتبة وآرائها وبهموم اللاجئين، والمعايشة لتفاصيل حياتهم، والأيقونة النّاطقة بلسانهم. وهي بهذا صيغة سيميائيّة دالّة على قضيّة اللاجئين بكلّ تفاصيلها. فقد لعبت دورًا مركزيًّا في رواية السّرد وفي تشكيل معماره الفنيّ. فهي الشّخصيّة الرّئيسة الحاملة لمضمونه وباثّته. وهي الموجّهة لمساره الدّراميّ والمستدعية لشخصيّاته الأخرى وفق ما اقتضته حالة الاستذكار لديها، ووفق رؤية الكاتبة التي تقنّعت بها؛ ليتشكّل النّصّ بناء مركّبًا من سلسلة حكايات لكلّ منها عنوانه المستقلّ. ولكنّها متتابعة ضمن نسق موضوعيّ عام واحد.

ورغم تعدّد مسارح الأحداث "أماكن الذّاكرة" وأزمنتها في السّرد إلا أنّها لم تكن متشابكة، فالاسترجاع والوقفة والتّلخيص لعبت دورًا موجِّهًا لمسار السّرد الزّمنيّ. فقد تجاوزت الكاتبة حدّ التّعاقب الزّمنيّ في سرد الأحداث إلى حدّ الاستتباع؛ أي جعلت العلاقة بين ما حدث للفلسطينيّين في فلسطين وطنهم الأمّ وما حدث لهم في المنفى علاقة الأثر بالسبب. فما يقع لهم اليوم يرجع إلى السّبب الأول، وهو النّكبة ثمّ النّكسة. فكلّ محاور السّرد متشابكة في إطار واحد. وعاصمها الرّاوية المهيمنة على السّرد، وفق عمليّتي الاستدعاء والتّوثيق التي مارستها ودوّنت حكايتها بها عبر سرد المذكّرات وأشكال تعبيريّة أخرى.

وهي ترتبط بوقائع ذوات تواريخ مفصليّة في مسار القضيّة الفلسطينيّة وفي حياة اللاجئين،من مثل؛"طرح البحر" ويشير إلى زمن الحياة الكريمة في الوطن. و"شباط الخبّاط"؛ عام 1948 زمن استيلاء العصابات الصّهيونيّة على قرى السّاحل الفلسطينيّ وتهديدها للمدن الكبرى. و"عمّي وأبي" يشير إلى العائلة الفلسطينيّة المقاومة الممتدة المتماسكة اجتماعيًّا. و"السبت 15/5"؛ يوم النّكبة المشؤوم عام 1948. واختير يوم السّبت لإعلان قيام دولة الاحتلال لدلالته الدّينيّة عند يهود. و"المكان 1975"؛ في لبنان، زمن اندلاع الحرب الأهليّة اللّبنانيّة التي امتدّت خمسة عشر عامًا. و"بيروت" عاصمة لبنان وحاضنة اللاجئين والمقاومة. و"1982"؛ عام اجتياح دولة الاحتلال للبنان واحتلالها بيروت العاصمة ووقوع مجزرة صبرا وشاتيلا. وغيرها كثير كما يظهر في عنوانات فصول الرّواية.

وهو نهج يكشف عن حرص الكاتبة على تنويع أشكال السّرد في نصّها المستمدّ من واقع حياة اللاجئين، لتغنيه بألوان مختلفة من التّوثيق للواقع المأساويّ للاجئين وعذاباتهم في المنفى القسريّ وتبرز أسبابها وصورها الأليمة في ذاكرتهم المتواشجة مع واقعهم الفجيعيّ المستمرّ العصيّ على الحلّ.

ويسيطر ضمير الأنا؛ أنا الرّاوية-الرّوائيّة بقوّة على السّرد. وهو المعبّر عن ثقافة الكاتبة وآرائها ومواقفها تجاه القضيّة الفلسطينيّة. فإذا ما أجرينا مقاربة يسيرة بين شخصيّة رقيّة الرّاوية واللاجئة السّبعينيّة التي لم تنل حظًا ذا شأن من التّعليم، ومستويات التّلفّظ المعبّرة عنها سنكتشف أنّها تمثّل دور الكاتبة (عاشور، 2011: 146). وقد اضطلعت بدور الرّاوي العليم، ونهض بنيان السّرد على لسانها متجليًّا في مسارين روائيّين هما؛ مسار الرّواية من الخلف، حين اعتمدت على الاستذكار عبر تيّار الوعي المتخم بالقصص والحكايات والمذكّرات والتّقارير والأحلام وغيرها، والتي تؤرّخ لحقب تاريخيّة مختلفة من حياة شعبنا المنفيّ وحياة السّاردة. ومسار"الرّواية مع"، حين تزامن سردها مع التّعبير عن مواقفها من الأحداث التي عايشتها في غربة اللّجوء والتّرحال. ولم يَفُتْها استشراف المستقبل، حين تنبّأت باقتراب زمن العودة إلى الوطن، فالعودة في منظورها باتت ممكنة في ظلّ تبدّل الواقع العربيّ والواقع الفلسطينيّ وواقع الاحتلال أيضًا.

ب- سيميائيّة الشّخصيّة ووقائع فصول السّرد: سردت الكاتبة روايتها في ثمانية وخمسين فصلا تفاوتت متونها طولا وقصرًا، لها حضورها الخاصّ في وعي الكاتبة وثقافتها، كما هي في الذّاكرة الفلسطينيّة والعربيّة. ويبدو أنّ العلامة السّيميائيّة لعدد الفصول(58) تشير إلى عدد الوقائع المفصليّة في تاريخ القضيّة. إضافة إلى العام 1958 الذي تمكّنت فيه دولة الاحتلال من فرض وجودها على أرض فلسطين بعد عشر سنين على قيامها. وهو زمن انكشاف زيف الوعود العربيّة بتحرير فلسطين.

وتمثّل عنوانات فصول الرّواية صيغًا سيميائيّة ملخّصة لوقائع كبرى؛ فهي تستدعي ضمنًا تفاصيل أخرى في أذهان المتلقين الشّاهدين عليها والمتابعين لها تتعدّى حدود الفصل الذي عنونت به، لتنتقل إلى فضاء دلاليّ رحب يوثّق رواية الحق الفلسطينيّة ويدعو إلى إنصاف أهلها المقهورين. وجعلتها حلقات مترابطة وكرّرت بعضها تكرارًا مقصودًا. وقد اشتغل ذكاء الكاتبة في اختيار معظمها من العبارات الدّالة على الزّمان والمكان والأحداث الكبرى التي لها حضور قويّ في واقع حياة العرب والفلسطينيّين خاصّة، وفي توجيهها وتكثيف علاميّتها على نحو دقيق.

وهي تتمثّل في العبارات الآتية:"طرح البحر"،و"عامورة اللّيل"، و"شباط الخبّاط"، و"كيف؟"، و"عمّي وأبي"،و"السبت 15/5"، و"حين احتلوا البلد"، و"ولد وبنت"، و"محاكمة الأولاد"،و"القفز..هل يصنع حكيًا؟"، و"الشّاب الذي يضحك"،و"الصّفوريّة تدخل الحكاية"،و"مقال عن الانتظار"،و"عبد قيسارية"، و"وصال"، و"بيروت(1)"،و"شجر شاتيلا"،و"مشاغل عائليّة"،و"المكان 1975"،و"الزّمبرك"،و"هديّة أمين"، و"1982"، و"الذّباب"، و"نابلسيّة تدخل العائلة"، و"وصال (2)"، و"أين نحن يا مريم؟"،و"ملجأ أبو ياسر"،و"رسالة إلى حسن"، و"شهادة عبد"، و"تقرير"،و"أن تشقّ مجرى"، و"المركز(1)"، و"عن اعتقال عبد"، و"...على الخليج"، و"سومانا"، و"درس في الأخلاق"، و"أبو محمّد"، و"حديث المعتقل"، و"فرح"، و"واقعة الثّوب و"شو بدّي أحكي تاحكي""، و"مريم المفاجآت"، و"ابن الشجرة"، و"زمن آخر"، و"المشروع"، و"بالقانون"، و"السلسال"، و"مركز الأبحاث (2)"، و"خرّاط البنات"، و"بيروت(3)"، و"مصر التّي..."،و"جنائن منزليّة"، و"نيوجيرسي"، و"الزّيارة"، و"على حمار"،و"العودة إلى لبنان"، و"الباب"، و"متتاليات"، و"على جانبي سلك شائك".

واستدعت الكاتبة فصول السّرد عبر ذاكرة البطلة الطّنطوريّة اللاجئة بأسلوب انتقائي متقطّع الزمن. وضمن أشكال سرديّة مختلفة. وذلك لتنفي الملل عن القارئ المعايش لفصول المأساة المتجدّدة، وتعيد صياغة الأحداث المفصليّة في تاريخ القضيّة، لافتة النّظر إلى دواعي الإخفاق والفشل في تحقيق الأهداف الوطنيّة. ولتزاوج بين السّرد الرّوائيّ والتّوثيق التّاريخيّ لشهادات اللاجئين. وهو نهج كتابيّ أدبيّ مميّز في الرّواية العربيّة والفلسطينيّة. وهو ما أكسب نصّها الأدبيّ صفة الوثيقة التّاريخيّة.

ويبدو من العنوانات السّابقة أنّ مضمون كلّ منها يدور حول واقعة اختارتها الكاتبة بعناية واستمدت حيثيّاتها من التّاريخ المدوّن والتّاريخ الشّفويّ الواصف لواقع حياة البطلة رقيّة الطّنطوريّة اللاجئة الفلسطينيّة في حلّها وترحالها. وهي في مجملها شهادات على وقائع حقيقيّة، وكلّ منها حكاية تمثّل حلقة متّصلة من سلسلة حلقات متشابكة سلّطت الكاتبة الضوء عليها، وصاغت بها مدوّنتها. فعلى سبيل التّمثيل شكّل الفصل الأوّل؛ "طرح البحر" المدخل الرّئيس إلى عالم الرّواية، ومتنه سرد مذكّرة، ويحمل دلالة خيريّة. فما يهبه البحر إلى أهله في ظلّ الواقع المستقرّ كلّه خير، فهو وصف للمكان "الطّنطورة" البلد الأصليّ الوادع للرّاوية ولطبيعة الحياة الجميلة فيه، وهو المستدعى بصورته الحيّة في ذهن الرّاوية دائمًا، عبر تيّار الوعيّ، كما تشكّلت في ذاكرتها وهي طفلة في مسرح حياتها الأوّل (عاشور،2011: 12). ويشي السّياق بحقيقة الواقع الاجتماعيّ الحيّ المتشابك المصالح في مجتمع ما قبل النّكبة الذي دمّره المحتلّ وأنشأ على أنقاضه مجتمعًا احتلاليًّا مُلغيًا له.

وفي الفصل الثّاني"عامورة اللّيل" وهو سرد مذكّرة أيضًا. ويدلّ سيمياء عنوانه على أنّه مستوحى من أسطورة فلسطينيّة هي عبارة عن قصّة لوحش مرعب، تحكى للأطفال لتخوّفهم من مغادرة بيوتهم ليلا أو لتخضعهم لأوامر آبائهم وفق الظّرف الذي تستحضر فيه.  واستدعتها الكاتبة لتصنع بها المفارقة بين منحى التّفكير الذي كان مسيطرًا على عقل أمّها في موضوعة زواجها من شاب يسكن خارج بلدها وما آل إليه الأمر بعد تهجيرهم إلى لبنان، إذ تزوّجت بابن عمّها أمين الذي يكبرها سنّا في لبنان-المنفى القسريّ ،وما أبعد المنفى عن الوطن! . فهي تصف كيف كان قلق أمّها كبيرًا عليها من اغترابها لتسكن في حيفا أو اللّد إذا تزوّجها يحيى ابن عين غزال. وكيف ستصل إليها على قرب المكان، فالمسافة ليست بالبعيدة، ولكنّ القطار المتّجه إلى حيفا والمارّ بالقرية يقلّ جنودًا من جيش الاحتلال البريطانيّ ومستوطنين يهودًا (عاشور، 2011 : 15). وهو أمر مقلق لها. تقول: "قلت: ولو قطع اليهود علينا الطريق ؟ فاحمرّ وجهه واكفهرّ وقال: فال الله ولا فالك. أنهى الكلام نحن نشتري الرّجل لا موقع عمله" (عاشور، 2011: 13). وافقت رُقيّة بعد أن سألتها أمّها. وتصف للقارئ العرف الاجتماعيّ السائد في فلسطين في طقوس الخطبة من قدوم الجاهة وذبح الخراف لإعداد الوليمة ثمّ حفلة النّساء والغناء الذي يؤدى في هكذا مناسبة (عاشور،2011: 14).

ويؤشّر هذا كلّه إلى البنية الثّقافيّة-الاجتماعيّة التي كانت قائمة ومزدهرة في تلك المجتمعات الرّيفيّة، وإلى طبيعة الخطط المستقبليّة والآمال المرتبطة بالظروف السّائدة، وإلى الأحوال التي كانت تحيط بحياة المرأة الفلسطينيّة، ومنها الزّواج المبكّر المنتشر، والقلق الذي كان ينتاب الأبوين جرّاء فكرة تغريب البنت عن بلدها في ظلّ الاحتلال وعدوان المستوطنين اليهود. كما تؤشّر إلى شبكة العلاقات الاجتماعيّة المفتوحة بين مدن السّاحل الفلسطينيّ وقراه المختلفة. وتؤشّر أخيرًا إلى انهيار الأحلام وانهدام المجتمع الفلسطيني فيها.إذ تقول:" لا أدري إن كان هذا القلق الذي تمكّن من أمّي قلقًا عاديًّا لامرأة لم تغادر قريتها،أم تدخَّل فيه وعمّقه واقعٌ مثقلٌ بالمخاوف جعلها كما جعل غيرها، تحتمي بكلّ ما هو أليفٌ ويخصّها... سيرحمها الله من رحلة حيفا، ولن تسكن ابنتها فيها. ستعيش أمّي وتموت دون أن تركب القطار.لن تزور حيفا أبدًا ولن تحملها لا دابّة ولا سيّارة إلى عين غزال ولا إلى غيرها من القرى المجاورة اللهمّ إلا الفريديس(بوّابتها إلى المنفى القسريّ)" (عاشور، 2011: 16). وهي علامة إشاريّة تصف انهيار المجتمع الفلسطينيّ المسالم على يد المحتلّ.

والفصل الثّالث وعنوانه؛ "شباط الخبّاط"، وهو سرد مُذكّرة كذلك، ويحيل إلى الشّهر الثّاني من عام 1948. وهو مستوحى من المثل الشّعبيّ الفلسطينيّ؛"شْبَاط ما عليه رْباط" و"شْبَاط الخبَّاط يشبُط ويخبُط وريحة الصّيف فيه". ويؤشّر هذا على تقلّب حالة الطّقس فيه بين برد قارس واعتدال.وهو أول شهر ينبت فيه الرّبيع وتبذر فيه البذور وتبرعم فيه الأشجار. ولكنّ الإشارة هنا إلى بدء اشتداد عدوان العصابات الصّهيونيّة على شعبنا الفلسطينيّ وتقلّب أحوال البلد في زمن شهور الإنتاج الزّراعيّ الوفير في فلسطين ليقع الاستيلاء عليها والاستفادة منها. تقول الرّاوية:" فلماذا اختاروا هذه الشهور الأربعة (شباط وآذار ونيسان وأيّار) للحرب والضّرب وقتل ما لا يحصى من عباد ؟" (عاشور،2011: 24). وهذا ما تحمله دلالة جملة السّؤال في السّياق السّابق. فعدوانهم على شعبنا الأعزل مدروس، فهو شعب ليس لديه جيش أو سلطة تحميه. وهو واقع بين عدوانين من عدوّين لدودين هما الاحتلال البريطانيّ والعصابات الصّهيونيّة المنظّمة، وهما يملكان كلّ شيء.وقد ورّث الأوّل الثّاني الاحتلال وممارساته العنصريّة ضدّ شعبنا (عاشور، 2011: 27-32).         

والفصل الرّابع عنونته الكاتبة بالسّؤال:"كيف؟" وهو سرد مذكّرة أيضًا، وهو سؤال يحيل إلى حيرة الكاتبة وصدمتها وحيرة كثير من الفلسطينيّن والعرب من كيفيّة السّقوط السّريع لمدينة حيفا عاصمة القضاء وللمدن والقرى السّاحليّة الفلسطينيّة الكبرى الآهلة بسّكانها الفلسطينيّين في غضون أيّام قلائل. تقول الكاتبة:" كيف سقطت حيفا ؟ سيتردّد السّؤال في طول البلد وعرضه. سلّمها الإنجليز لليهود ؟ كيف ؟ ماذا حدث للحامية؟ ما الذي جرى ليخرج النّاس جماعيًّا إلى الميناء لمغادرة المدينة؟" (عاشور،2011: 37). واضح من السّياق أنّ الكاتبة تفسّر كيف تواطأ الإنجليز مع اليهود في تسليمهم الحاميات العسكريّة بكلّ محتوياتها من الأسلحة وعتادها العسكريّ لتمكّنهم من بسط سيطرتهم على فلسطين.

وهو السّبب نفسه الذي أعطى للعصابات الصّهيونيّة الغلبة على الفلسطينيّين العُزّل ومنحهم تنفيذ أبشع جريمة تطهير عرقي في القرن العشرين. تقول الكاتبة على لسان بطلتها: "سقطت حيفا، وبعدها بأسبوعين استشهد عبد القادر الحسينيّ فبدا البلد-لا المضافة وحدها-بيتًا مفتوحًا للعزاء.عزاء ممتدّ لأنّ جنازة عبد القادر الحسيني الذي لن أتخيّله ولن أرى صورته إلا بعد سنين، ستشيّع في القدس وقد وصلت المشيعين تفاصل مجزرة دير ياسين. سقطت القسطل واستشهد عبد القادر وهو يدافع عنها،وفي فجر اليوم التّالي هاجموا دير ياسين المجاورة للقسطل وذبحوا من ذبحوا من أهلها.بعد ثلاثة أيّام سقطت صفد.وثلاثة أيّام أخرى وسقطت يافا. وبعد سقوط يافا بثلاثة أيّام سقطت عكّا. ما الذي حدث لتسقط صفد في ليلة واحدة ؟ سكّانها أضعاف أضعافنا، وبلدهم،يقول أهل بلدنا، منيع يقع على أربعة جبال، وكانوا صامدين، ما الذي حدث لتسقط صفد في ليلة واحدة ؟ لماذا انسحبت منها الحامية ؟ لماذا انسحبت السّريّة الأردنيّة ؟ والسّريّة السّوريّة لماذا انسحبت؟ أين ذهب جيش الإنقاذ ؟ ما الذي أخرج الأهالي من دورهم ؟ وهل يمكن أن تسقط عكّا ؟ كيف تسقط عكّا وهي عكّا ؟" (عاشور،2011: 38).

تلك تساؤلات أهل البلاد المنكوبة كلّهم في زمن النّكبة وبعده حتّى يومنا هذا. فلا يعقل أن يقع ما وقع لأهل فلسطين إلا بفعل تخطيط استعماريّ منظّم لعبت فيه بريطانيا المحتلّة مع العصابات الصهيونيّة والحلفاء في الغرب وانسحاب جيش الإنقاذ العربيّ دورًا كبيرًا في تنفيذه ليغدو لليهود وطن قوميّ على أرض فلسطين التّاريخيّة. ولا يمكن أن يتحقّق لليهود ما تحقّق لهم إلا عبر التّطهير العرقيّ والأرض المحروقة، كما هي وقائع تاريخ الماضي وتاريخ الحاضر. وعلى هذا النّسق تسرد الكاتبة فصول روايتها وتحاول الرّبط بينها عبر وقائع الزّمان والمكان التي دارت فيها كما تمثّله الشّهادات المستدعاة في السّرد، وكما تعكسه الرّؤية الرّوائيّة للكاتبة.

ج- سيميائيّة الشّخصيّة وزمكانيّة السّرد: تعدّدت أماكن الذّاكرة الجمعيّة وأزمنتها في الرّواية تبعًا لتعدّد مجالات سرد التّذكّر لديها وتنوّع أماكن الذّاكرة التي تحيل إليها في مجتمع ما قبل النكبة في بلدها الطّنطوريّة ومجتمعات ما بعدها في المنفى. مع الإشارة إلى التّداخل الواضح في السّرد بين الزّمان والمكان"الزّمكان"، وهو أمر فرضته وقائع التّاريخ الفلسطينيّ بأحداثه الجسيمة، والانتقائيّة التي مارستها الكاتبة للوقائع ، ثمّ تنوّع أساليب السّرد. والرّواية في الأصل رواية تأريخيّة مرتبطة بأزمنة وأمكنة وأحداث محدّدة حقيقيّة أوجبتها تفاصيل الموضوع المطروح فيها. وقد ذكرت الكاتبة هذا صراحة في نهاية روايتها تحت عنوان إشارات إذ تقول: "الطّنطورَة وقيساريَة وصفُّوريَة وعين غزال وبلد الشيخ وغيرها من القرى والمدن المذكورة في هذه الرّواية حقيقيّة، يمكن الكشف عنها في أيّة خريطة، فهي جزء من جغرافيا فلسطين وتاريخها. المجازر التّي تناولتها الرّواية وقائع موثّقة: مجزرة الطّنطورة، مجزرة صبرا وشاتيلا، ملجأ مدرسة الأطفال في صيدا، عمارة جاد وغيرها" (عاشور،2011: 460). هذا ما تشير إليه عنوانات فصول الرّواية، كما أسلفت. ولا يقع الفصل بينها، وإن تجاوزت الكاتبة التّراتبيّة الزّمانيّة في الطرح. إذ بدا الزّمن في السّرد دائريًّا.

 د- سيميائيّة الشّخصيّة وأساليب السّرد:  تنوّعت أساليب السّرد في الرّواية تبعًا لطبيعة الأفكار المطروحة في المضمون المسرود ودواعي استدعائها والحالة النفسيّة للسّاردة. وقد شكّلت الكاتبة نسيج متنها عبر التّنويع الأسلوبيّ الذي وظّفته فيه وربطته بسياق الواقع الحقيقيّ لمجريات الأحداث في حياة اللاجئين على نحو جعله مواكبًا لمأساتهم وطارحًا لقضيتهم أمام الرأي العامّ الإنسانيّ. وبرز منها: أسلوب سرد المذكّرات: وهو يستند إلى سرد اليوميّات كيف أفصحت الكاتبة عنه في متنها، فعنوان الفصل السّادس،مثلا، "السّبت 15/5" سرد مذكّرة ليوم النّكبة وشهادة على ما جرى فيه من إعلان لقيام دولة الاحتلال على أرض فلسطين التي لا يملكها اليهود في الأصل، ولا عاشوا فيها في الماضي ضمن كيان مستقلّ لهم، ولم يكن لهم حضور سكّانيّ - مجتمع مستقلّ- على أرض فلسطين التّاريخيّة. ولا حتّى في زمن إعلان دولتهم. فهم مستوطنون مستجلبون من بلدان كثيرة ليبنوا دولة الاحتلال. ولأوّل مرة في التّاريخ اليهوديّ تقام دولة لهم على أرض ليست لهم. فشعب فلسطين لم يغب عن أرض وطنه أبدًا مذ وجدت فلسطين. وهي مفارقة عجيبة لا يقابلها شبيه في التّاريخ ،إلا ما فعله الغربيّون حين غزو الأندلس وأمريكا الشّماليّة وأستراليا وجنوب أفريقيا وغيرها من بلاد المستضعفين في الأرض. فكيف جرى التّحوّل والانقلاب في السكّان وفي التاريخ وفي اسم البلد ؟  

تطرح الكاتبة على لسان راويتها تلك المفارقة العلاميّة الدّالّة على مشهد يوم النّكبة الذي قلب فيه الحال فجأة دون مسوّغات وذلك بإعلان قيام دولة الاحتلال على أرض فلسطين، وهو يوم الاستقلال عندهم ! فكيف سوّغوا لأنفسهم فعل ذلك ؟ وكيف ارتضاه العالم واعترف به ؟ تقول الطّنطوريّة :"في المساء سيتأكّد الخبر. لم يعد الأمر هواجس أو توقّعات بل بيان مكتوب وقّعه زعماء اليهود وأعلنه بن غوريون في تمام الرّابعة مساءً وسط حفل في تل أبيب صوّره المصوّرون وأذاعته إذاعة الهاجاناه واستقبله المستوطنون بالرّقص في الشوارع. قيل إنّ البيان يكون نافذًا بدءًا من الدّقيقة الأولى بعد منتصف اللّيل حيث ينتهي الانتداب البريطانيّ فيحلّون محلّه في حكم فلسطين.يغدو البلد دولة لليهود ويصير اسمها إسرائيل"(عاشور،2011: 48). وتندرج فصول عديدة في إطار سرد المذكّرات وكثيرًا ما تستخدم اللّغة الهجين في سردها،وهو نوع من التّوثيق للّغة العاميّة الفلسطينيّة المتداخلة مع الفصيحة. وقد أفردت في نهاية روايتها قائمة ببعض الكلمات والعبارات الواردة بالدّارجة الفلسطينيّة (عاشور،2011: 461-463).

ومن أمثلة فصول المذكّرات؛ "حين احتلّوا البلد"، وهو يشير إلى الظّروف التي عايشها الفلسطينيّون العزّل في زمن النّكبة وحالة الصّدمة الممزوجة بالقلق على الأبناء والأملاك والمستبعدة لحالة اللّجوء واللاعودة، تقول الراوية:" لم أسمع الأصوات.كنت نائمة. وعندما أيقظتني أمّي سمعت فسألت. قالت: صحّي وِصال وعَبِد. حطّي علف للمواشي يكيفها أسبوعين أو ثلاثة. وماءً كثيرًا. وانثري حبًّا للدّجاج. كثّري. والحصان، لا تنسي الحصان. وارفعي تنكات الزّيت عن الأرض لكي لا تصيبها الرّطوبة، ضعي مخدّة بين الحائط وكلّ تنكة زيت. ارتدي ثلاثة أثواب، ووصال أيضًا، والولد... غادرنا البيت. طبقت أمّي البوّابة أغلقتها بالمفتاح الكبير. استغربت فلم أر باب بيتنا مغلقًا أبدًا، ولا رأيت المفتاح: كان حديديًّا كبيرًا أدارته أمّي في القفل سبع مرات. وضعته في صدرها" (عاشور،2011: 58). ثمّ تتابع وصف ما فعله اليهود بهم خلال عمليّة التّرحيل، وكيف استولوا على ذهب النساء ومالهنّ والطعام الذي يحملنه. كما تصف مشاهد المعاناة من التّهجير والانتقال من بلد إلى آخر وحالة الخوف والجوع والقلق التي انتابت اللاجئين ممّا سيؤول إليه حالهم.

واستخدمت الكاتبة أسلوب المذكّرات في سرد نصّها وأنواعًا أخرى من السّرد، من مثل؛ المقال، والرّسائل، والشّهادات، والتّقارير، والأخبار الصّحفيّة، ومحتوى الكاريكاتور، والحكاية، والأغنية الشّعبيّة المصاحبة للرّقص تارة والمصاحبة للدّبكة الشّعبيّة الفلسطينيّة تارة أخرى، والزّغرودة، والأغنية العاميّة الملحّنة، والحلم  والمثل الشّعبيّ، ومحتوى الصّور الفتوغرافيّة، والزّيّ الشّعبيّ واستلهام النّصوص السّرديّة الفلسطينيّة (عاشور،2011 : 7 و15و23 و33 و41 و113 و231 و238 و300 و334 و368 و327 و321 و415 و318 و378 و380 و23 و286 و418) والمُلخّصات، من مثل؛ ملخّص كتاب لحسن عن دور البارجة الأمريكيّة "نيوجيرسي" في حروب أمريكا المختلفة زمانًا ومكانًا حول العالم منذ الحرب العالميّة الثّانية وحتّى حرب لبنان عام 1982 (عاشور،2011: 404-409). في إشارة سيميائيّة إلى دور أمريكا الاستراتيجيّ في دعم الاحتلال وحماية مصالحها المشتركة معه.

سادسًا: البنية الدّلاليّة للسّرد وتشمل:

أ- سيميائيّة موضوع السّرد: إذ يتمحور موضوع النّصّ حول قضيّة اللاجئين الفلسطينيّين التي باتت في مهبّ الريح بعد أوسلو. فهي الحدث الأكبر الذي ينبني عليه المضمون. وربطت الكاتبة حكاية السّرد بشخصيّة البطل الاستعارة أو الأيقونة، بتمظهراتها الموضوعيّة والنّفسيّة والمكانيّة والزّمانيّة وأنساقها التّعبيريّة المختلفة، فعبرت بوساطتها عن أيديولوجيّتها ومنظورها السّرديّ. وركّزت في طرحها الأدبيّ على الذّاكرة الأيقونيّة الحاضنة لـ"هُويّة المكان وهُويّة الإنسان"؛ فالهُويّة:علاقة بالتّطابق مع الذّات وقيمها عند شخص ما أو جماعة أو جماعات اجتماعيّة ما، والانتماء إلى المكان والتّاريخ والتّراث والعادات والتّقاليد المشتركة في مجتمعهم الأصليّ . ويتركّز سؤال الهُويّة على تأكيد مبادئ الوحدة في مقابل التّعدّد والكثرة، والاستمرار في مقابل التّغيّر والتّحوّل(بينيت ورفيقاه،2010: 700- 701).

لذلك استدعتها الكاتبة لتشكّل الرّواية الفلسطينيّة بهما، مستفيدة من حقائق التّاريخ والجغرافيا المدوّنة والحقائق المشخّصة للوجود الفلسطينيّ في عين المكان- الوطن التي يحفظها اللاجئون الفلسطينيّون عن وطنهم الكبير فلسطين وأوطانهم الصغيرة؛ مدنهم وقراهم التي ولدوا فيها وعاشوا فيها بادئ الأمر. وقد عمرها أجدادهم آلاف السنين وورثوها عنهم، ولكنّهم هُجّروا عنها قسرًا عبر مجازر المحتلّ التي ارتكبها بحقّ أهلهم وذويهم ليجدوا أنفسهم، بين عشيّة وضحاها، لاجئين مشرّدين بلا وطن ولا هويّة معترف بها ! وهذه هي عقدة السّرد التي تسعى الكاتبة إلى تفكيكها مستفيدة من حقائق التاريخ والجغرافيا والتّراث، ومخزون الذّاكرة الفلسطينيّة الذي يمثّل في واقع الحال حافظة حيّة حافلة بعشرات الشّواهد والحجج على أنّ أهل فلسطين هم أصحاب الحقّ في العودة إليها دون الآخرين الذين اغتصبوها وقلبوا الحقائق فيها وزيّفوا صورة المكان وأحلّوا غرباء من شذّاذ الأرض فيها.

وبدا تركيز الكاتبة في النّصّ على سرد الهويّة بشقّيها؛ هويّة المكان وهويّة الإنسان، وهما علامتان بارزتان في أطروحة الفكر الأدبيّ الفلسطينيّ وأدب القضيّة الفلسطينيّة المنجزين قبل النّكبة وبعدها. وترتبطان دائمًا بإعادة تشكيل الذّاكرة الفلسطينيّة وبناء الوطن فيها وتعزيز الانتماء إليه. وقد اقترنتا برواية المأساة الفلسطينيّة التي صنعها الاحتلال البريطانيّ لفلسطين-أرضًا وشعبًا- بدايةً في عام 1917 وواصلها حتّى عام 1948، ثمّ أورثها العصابات الصهيونيّة في نهاية المطاف لتتابع فصولها قبل قيام دولتها الكولونياليّة عام 1948 وبعد قيامها وصولا إلى يومنا هذا. وذلك عبر فظائعها في زمن النّكبات الممتدّة التي ارتكبتها بحق شعبنا بدءًا بعام 1948 وما تخلّله وتلاه من تقتيل وتشريد لشعبنا وتدمير لبناه الثقافيّة والاجتماعيّة وتهديم لمعالم وجوده وسرقتها، وهي المتمثّلة في مشخّصاته الحضاريّة؛ العمرانيّة والتّراثيّة على الأرض (السّهليّ،2004 : 34- 40). ومرورًا بأفظع نتائجها،وهي النّكسة الحزيرانيّة عام 1967 التي قلبت كلّ التوقّعات، ورسّخت فكر الهزيمة في نفوس العرب والفلسطينيّين، وزعزعت حلم العودة لدى المنفيّين منهم (السّهليّ ،2004: 51- 62). وانتهاء بحروبه ومجازره المستمرّة ضدّ شعبنا حتّى يومنا هذا.

وعزّز الاحتلال ذلك كلّه بسعيه المحموم إلى تغيير معالم المكان الفلسطينيّ بتدميره وتغييب هويته العربيّة الفلسطينيّة؛ وذلك بنفي اسم "فلسطين" وموقعها كلّيًّا من خريطة فلسطين وإثبات اسم "إسرائيل" مكانه. كما استبعد خرائط مواقعها التّاريخيّة والدّينيّة في خريطة فلسطين التّاريخيّة. ثمّ نفى أسماء مدنها وقراها ومقدّساتها الإسلاميّة عن خريطتها وهوّدها في خرائط العالم وأطالسه المطبوعة والإلكترونيّة كلّها. ولم تسلم المدن والقرى الفلسطينيّة الآهلة بالفلسطينيّين من شرّه؛ إذ سمّاها بأسمائه العبريّة وأحاطها بسوار من المستوطنات التي تحمل أسماءه وتحاول إلغاء أسماء أماكنها الفلسطينيّة. 

وفاقم الاحتلال الأمر في زمن العولمة؛ زمن صناعة السّلام الواهي معه الذي يحمل في "طيّات دمغته المائيّة احتمالات تجدّد الصّدام والحروب في أيّ لحظة" (الشّاميّ،1986: 5). وقد منحته أوسلو العبور إلى مرحلة ما بعد الكولونياليّة؛ وهي، عنده، فترة ما بعد استعماره لفلسطين. وقد استخدمها لوصف فكره ومجتمعه المعاصرين وحالة التّمكّن التي ثبّت فيها وجوده على الأرض (بينيت ورفيقاه ،2010 : 573- 575 ). وهي تمثّل في منظوره انتهاء مرحلة تثبيت هويّة مجتمعه ودولته الجديدة المعترف بها دوليًّا!

وقد آزرته في ذلك هيئة الأمم المتحدة والقوى الاستعماريّة الكبرى في العالم. من منطلق الشّراكة الاستراتيجيّة. وعبر استثماره قصّة "المحرقة"، وهي المصطلح التّوراتيّ الذي أعاد اليهود استعماله في وصف المحرقة النّازيّة الهتلريّة،وهو يقابل مصطلح الإبادة الجماعيّة (طوني بينيت ورفيقاه،2010 : 599-600). وذلك ضمن حملات مُنظّمة مُعولمة سخّرت فيها دولة الاحتلال كلّ طاقاتها بهدف تمكين هويّتها وتعزيز مكانتها بين دول العالم. إذ وظّفت جهودها الدّبلوماسيّة، والإعلاميّة، والدّعائية في وسائل الإعلام الجماهيريّة داخل كيانها وحول العالم لترويج مزاعمها الدّينيّة والسّياسيّة. وشكّلت الكتل الدّاعمة لها في المحافل الدّوليّة. وتدخّلت في الشّؤون العالميّة وفي الأزمات الدّوليّة بوصفها دولة مؤثّرة في السّياسات العالميّة. وهو ما يسوّغ إطلاق مصطلح "الأسرلة" على دورها العالميّ.

وكرّست ذلك كلّه داخليًا بحركة بناء استيطانيّة مستمرّة متغوّلة على الأرض الفلسطينيّة ومقدّساتها. وسعت إلى محو التّاريخ والجغرافيا الفلسطينيّين، وزيّفت الحقائق لتصنع تاريخًا صهيونيًّا يغيّب إلى حدّ كبير تاريخ الشّعب المحتلّ ويسكته(السّهليّ، 2004 :10-22). وكلّلت ذلك كلّه بمطالبة الفلسطينيّين والعالم بالاعتراف بيهوديّة الدولة بوصفه شرطًا لتحقيق السّلام العادل والشامل معها ! فبتنا أمام روايتين؛ رواية الحقّ التّاريخيّ الفلسطينيّ غير القابلة للنّفي، ويُراد تغييبها، ورواية الاحتلال الزّائفة، ويُراد إثباتها وتثبيتها.

ويمارس ذلك كلّه باسم البراغماتيّة السّياسيّة التي تعني" الشّخص الذي يتخلّى عن المبادئ في سياق ما يسمّى في العادة بـ"مفاوضات المساومة" والتّنازلات التّي تتّخذ في صفقات الأروقة والغرف التّي تعجّ بالدّخان"(بينيت ورفيقاه، 2010: 143) في إطار ما يعرف بسلام الشّجعان. والنّصّ يحذّر من إسقاط رواية الحقّ الفلسطينيّ.

وهو ما تسعى الكاتبة إلى حفظه من الضّياع بتسجيله كما هو حاضر في ذاكرة اللاجئين الفلسطينيّين. فالرّواية سرد تسجيليّ توثيقيّ لتاريخ حقيقيّ مصوغ بأسلوب أدبيّ مصدره المدوّن كتب التّاريخ والجغرافيا والوثائق المؤرّخة لفلسطين وإنسانها. ومصدره غير المدوّن التّاريخ الشّفويّ المُسطّر في الذّاكرة الفلسطينيّة بشهادات حقيقيّة للاجئين فلسطينيّين عايشوا تاريخ القضيّة الفلسطينيّة بتفاصيله الكارثيّة في مجتمع ما قبل نكبة فلسطين،وأثناءها، ومجتمعات ما بعدها في الوطن المحتلّ، وخارجه في بلدان اللّجوء والشّتات حتّى نهاية زمن السّرد. والنّصّ ككلٍّ تسجيل لشهادة السّاردة رضوى عاشور على مأساة اللاجئين الفلسطينيّين،وعلى إخفاق العرب ومنظّمة التّحرير في الوصول إلى الحلّ المنشود لتلك المأساة. وهي المواكبة لوقائع القضيّة الفلسطينيّة وتاريخها المعاصر.

وهو أمر يتوافق تمامًا مع تشريعات حقوق الإنسان كما نصّ عليه ميثاقه الدّوليّ. فالوطن الغائب الحاضر في الذّاكرة المحصّنة والمنفى الذي يمثّل للاجئ الفلسطينيّ العذاب والألم ، وهما محورا النّصّ واللاجئ، في واقع الحال، يُحرم حقاً إنسانياً واجتماعياً أساسياً، وهذا الحق ضروري؛ لأنّ المنفى حرمان أساسيّ من الوطن، ينفذ إلى صميم الخصائص الثّابتة التي تكّون هويتنا الشخصية والجماعية، فلنا الحق في وطننا، في العيش بسلام وأمان حيث ولدنا، وفي مرابع أسلافنا وثقافتنا وتراثنا. ففي نفي الإنسان من وطنه، بل في سلخه بالقوة عن علاقة حميمية بأفراد عائلته جيلاً بعد جيل، مما يخلق عذاباً روحياً لا يمكن أبداً الشفاء منه بصورة تامة.  

وقد يمثل الدّمج المحليّ وإعادةالتّوطين في بلد آخر خيارات ممكنة توفر الحماية للاجئين وتمكنهم من بدء حياة جديدة. لكن ليس أي منهما حقاً في ذاته، ولا يحلّ أيّ منهما المشكلة التي جعلت من الشّخص لاجئا. كما أن أياً منهما لا يبدد الحرمان من الحقوق الأساسيّة والذي سيحمله اللاجئ العاجز عن العودة إلى دياره، طوال حياته، وربما لعدة أجيال لاحقةللاجئين الذين يجري إعادة توطينهم في ثقافات غربية، إلا أنّ الحلّ الأمثل لهذا الانسلاخ يكمن في وضع حد لغربته، أي، في العودة إلى دياره، أي عودته إلى وطنه الأصلي (تاكمبرغ، 2003: 294 ). وهي خلاصة الرّسالة الأدبيّة للنّصّ كما تتشارك الكاتبة فيها مع أصحاب الحقّ الفلسطينيّين.

ب- سيميائيّة التّناصّات الصّريحة والمضمرة: تعدّد توظيف الكاتبة للمتفاعلات النّصّيّة في نسيج نصّها لتشكّل بذلك لوحة فسيفسائيّة غنيّة بالدّلالات، إذ انفتح النّصّ على نصوص أخرى مختلفة بغية تشكيل المنظور السّرديّ على نحو يصل الكاتب بالواقع وصلا يحقّق المعايشة والتّفاعل مع رؤية الكاتبة وموقفها من حالة اللّجوء والنّفي المستمرّة لشعب بأكمله. ومرّ بنا شواهد عديدة عليها في متن البحث، والرّواية حافلة بها. ومن أمثلتها أيضًا، "واقعة الثّوب" و"شو بدّي أحكي تاحكي"(عاشور، 2011: 231-242). فإحالة جملتي عنوان الفصل الأربعين ومضمونه يشيران إلى موضوعة سرقة دولة الاحتلال للتّراث الشّعبيّ الفلسطينيّ بانتحاله وتزييف مرجعيّته الحقيقيّة؛ وذلك بإيهام العالم الغربيّ بأنّه لهم ليثبتوا عمق انتمائهم التّاريخيّ لفلسطين زورًا، فهو أمر متّصل بتمثيل الهُويّة الوطنيّة الفلسطينيّة التي يحاول الاحتلال اقتلاعها أو تغييبها. ولعلّ اللاجئين هم أشدّ الفلسطينيّين استمساكًا بالثّوب الفلسطينيّ لرمزيّته الوطنيّة العالية وحفاظًا عليه بالمحافظة على إنتاجه وارتدائه. فهو تراث صميم يصلهم بمدنهم وقراهم التي هجّروا منها في فلسطين كلّها.

وكذلك العنوان"السبت 15/5" (عاشور، 2011: 47-75)، والعنوان "حين احتلوا البلد"" (عاشور، 2011: 58-67)، وهما يحيلان إلى علامة فارقة في تاريخ قضيّتنا. وهي إعلان قيام دولة الاحتلال على أرض فلسطين الغربيّة عام 1948، وهو يوم النّكبة الفلسطينيّة الكبرى الذي انقلب فيه المجتمع الفلسطينيّ وتحوّلت هويّة مكانه وإنسانه-ظاهريًّا- إلى مجتمع الآخر المحتلّ وهويّته المصطنعة في وقت قياسيّ عزّ نظيره. والعنوان"سومانا"مربيّة الأطفال، ومضمون الفصل الذي تُظهر فيه الكاتبة تعاطف الغريبة المنفيّة مع المغتربة العاملة الآسيويّة، وهو يحيل إلى المشاركة الوجدانيّة الواقعة بين الفلسطينيّ اللاجئ والغريب المغترب عن أهله وناسه ويتألّم بسبب فراقه لهم. والعنوان"1982 " (عاشور، 2011: 183-187)" والعنوان"الذّباب""(عاشور، 2011: 188-189) ، وهما يحيلان إلى اجتياح الاحتلال العاصمة بيروت 1982 وتنفيذه مجزرة صبرا وشاتيلا البشعة ومجازر أخرى ونتائج تلك الحرب الفادحة على اللاجئين الفلسطينيّين آنذاك.

وثمّة إحالة ضمنيّة أخرى في فصل "الذّباب" تتمثّل في الجمل الواصفة لكثرة ضحايا المجازر من الفلسطينيّين وقتذاك، إذ تقول الرّاوية: " من طلعة النّهار إلى غروب الشّمس رائحة وسحب من ذباب. ابسطي كما رأيتهم يفعلون، ملاءة تغطّي ما رأيت طوال سنوات، ويوم الرّائحة والذّباب. اتركي يا رقيّة الصّفحة للبياض""(عاشور،2011: 189- 190). ويحيل السّياق السّابق إلى نتائج المجازرة البشعة في مخيّم صبرا وشاتيلا وفي بيروت التي راح ضحيّتها آلاف الفلسطينيّين اللاجئين.

وقد بدا وصف مشهد الموت مأساويًا إلى الحدّ الذي لم تستطع معه الكاتبة التّعبير عنه بالأسلوب اللّغويّ فلجأت إلى"الكتابة البيضاء" في درجة الصّفر، الكتابة الحرّة المفتوحة على المعاني ؛ لأنّ تسويد الصّفحة سيظلّ قاصرًا عن نقل حقيقتها الصّادمة الفاجعة. وهو ما سمّاه "رولان بارث" بـ "الكتابة في درجة الصّفر"، وهو عنوان كتاب له، يقول فيه: " إنّ الكتابة بانطلاقها من العدم حيث يبدو الفكر متعاليًا لحسن الحظّ على ديكور الكلمات-قد اجتازت كلّ أحوال التّرسيخ التّدريجيّ: فكانت في البدء موضوعًا للفعل، وأخيرًا موضوعًا للقتل، وبلغت اليوم تحوّلها النّهائيّ وهو الغياب. الغياب داخل هذه الكلمات المحايدة التي ندعوها هنا "الكتابة في درجة الصفر""(بارث،2002 :10). وهو ما تمثّلته الكاتبة في الصفحة 190 من روايتها، إذ تركتها بيضاء لتوحي للقارئ بذلك المعنى المأساوي الذي تعجز الكلمات عن وصفه، وتركت له مجالا لإعمال خياله في إعادة إنتاج صور المشهد المروّعة ومقاربتها مع نتائج المجازر الأولى التي ارتكبها الاحتلال بحقّ شعبنا في فلسطين التّاريخيّة.

ومن أمثلة الإحالة الضّمنيّة "السلسال" "(عاشور، 2011: 360-363)، وهو عنوان فصل يحيل إلى هديّة عبد لأمّه رقيّة الطّنطوريّة، وهو الصّفحة الفضيّة المنمنمة بحجم عقلة الإصبع المحفور عليها اسم "الطّنطوريّة ؛ "الجدّة رقيّة" (عاشور،2011: 363)، وقد علّقته في عنقها مدّة من الزّمن ثمّ أهدته لحفيدتها رقيّة الطّنطورية، ابنة حسن، ذات الأربعة أشهر والمولودة في فلسطين والمقيمة فيها-وقد عاد أهلها إلى فلسطين من كندا-، إذ نزعته الجدّة من عنقها لتعلّقه في عنق حفيدتها وتهديها معه مفتاح بيتها في بلدها المنكوب"(عاشور، 2011: 453-454) .

وهو فعل توريث صريح لحقّ العودة. ذلك أنّ حفريّات الذّاكرة الفلسطينيّة لا يمكن نسيانها أو التّفريط بها، مهما طال عليها الزّمن. وقد وقع اللّقاء بين الأمّ وابنها وأحفادها عند السّلك الشّائك الذي يفصل شمال فلسطين عن جنوب لبنان في الاحتفاليّة السّنويّة لدحر الاحتلال عن الجنوب. وفي هذا صيغة سيميائيّة دالّة على إصرار اللاجئين على العودة إلى فلسطينهم بكلّ الطّرق المتاحة أمامهم، وأملهم كبير بتحرير الوطن كلّه في يوم قريب.

وثمّة علامة سيميائيّة أخرى تتمثّل في استدعاء نماذج من كاريكاتور الشّهيد ناجي العلي الرّسام الفلسطينيّ الشّهير وبعض مواقفه السّياسيّة في فصل الرّواية الأخير. وهي إشارة إلى ما كان يستشرفه ناجي برسوماته الكاريكاتوريّة المنشورة في الصّحف اللّبنانيّة والعربيّة حول واقع مأساة اللاجئين الفلسطينيّين، وحتميّة عودتهم إلى الوطن، ونقده اللاذع للسّياسات العربيّة تجاههم. (عاشور، 2011: 458-459).

ج- سيميائيّة المنظور الرّوائيّ للسّرد ورسالته العامّة:  تجلّى الموقف الأدبيّ للكاتبة عبر سردها لرواية الحقّ الفلسطينيّ كما تمظهرت في مصادرها المختلفة وأهمّها ذاكرة اللاجئين الفلسطينيّين، في تمكين حقّ العودة ، وفي رفضها التنازل عنه، وفي حثّها الفلسطينيّين على حفظ ذاكرتهم الوطنيّة عبر تدوينها وإشهار حقّهم القانونيّ في العودة إلى وطنهم، كما كفلته لهم الشّرائع الدّوليّة. وكذلك في نفيها لرواية الاحتلال الزّائفة .

خاتمة البحث: يمكن إجمال نتائج البحث في النّقاط الآتية:

- شكّلت ذاكرة اللّجوء في المخيال الجمعيّ الفلسطينيّ عماد السّرد. ونهض مركز التّبئير فيه على تمكين هويّة الإنسان وهويّة المكان في العقل الجمعيّ الفلسطينيّ والعربيّ في زمن العولمة الثّقافيّة.

- تمكنت الكاتبة منتحويل رؤيتها الذّاتيّة عبر رؤيتها الفنيّة في السّرد إلى رؤية عامّة يشاركها فيها جمهور عريض من المتلقّين. ليغدو خطابها بذلك بؤرة التقاء تجتمع فيها جملة الرّؤى والعلامات التي أنتجتها فيه انطلاقًا من وضعها الثّقافيّ والاجتماعيّ والسّياسيّ والنّفسيّ ورؤيتها للعالم من حولها. وقد لعبت حصافتها دورًا رئيسًا في صناعة ذلك كلّه؛ ممّا وضع خطابها في مواجهة خطاب الآخر النّقيض.

-يمثّل الخطاب الرّوائيّ في"الطّنطوريّة" نقطة تحوّل في تاريخ أدب القضيّة الفلسطينيّة؛ ذلك أنّه خطاب مختلف في موضوعه وفي أسلوب كتابته عن سابقيه. إذ يقترب من حدود الخطاب الرّوائي الفلسطينيّ المقاوم. فقد رصد الباحث في الرّواية فكرًا أدبيًّا متكاملا مع رؤية الكتّاب الفلسطينيّين تجاه قضيّتهم المصيريّة. وشكّل علامة أسلوبيّة فارقة في زمن العولمة. إذ لا نظير له في أدبنا العربيّ. فالرّواية وثيقة أدبيّة وتاريخيّة شاهدة على مأساة اللاجئين المستمرّة، ومتخطّية لكلّ الطّروحات المغايرة لها.

- مثّلت أطروحة السّرد(هاجس الهويّة الوطنيّة وسؤال الضّحيّة) ومنظورها السّرديّ(تمكين حقّ العودة) مسارًا جديدًا للخطاب الأدبيّ ومكوّناته في أدب القضيّة الفلسطينيّة النّاجز.  فهي رواية دراميّة- سياسيّة مشتجرة بالتّاريخ والتّراث والأيديولوجيا الوطنيّة ومبادئ حقوق الإنسان. وخاصّة بعد توقيع اتّفاقيّة أوسلو التي أسقطت حقّ عودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم في مناطق 48 و 67.

- جسّدت الرّاوية البطلة رقيّة الطّنطوريّة القناع المعادل الموضوعيّ للاجئ الفلسطينيّ عبر ضمير الأنا السّارد للنّصّ. كما صاغت أطروحة السّرد في الرّواية عبر التّضفير بين رؤيتي الكاتبة؛ الإبداعيّة والفكريّة. وعبر التّضفير بين التّاريخ الحقيقيّ والمتخيّل السّرديّ. فعكست بذلك واقع حياة اللاجئين المعذّبين في المنفى. وغدت أيقونة بصريّة لكلّ اللاجئين الفلسطينيّين وصورة استعاريّة لمعاناتهم، تستعيد ذاكرتهم الجمعيّة، وتوثّق شهاداتهم عليها، وتؤسس لموقف فلسطينيّ جديد حيال التّعامل مع قضيّتهم المتجدّدة.

- تصنّف رواية الطّنطوريّة من جهة موضوعها في دائرة الرّواية السّياسيّة والتّاريخيّة. وتصنّف من جهة الشّكل الفنيّ في إطار رواية المكان، ورواية الحدث، ورواية الصّوت الواحد، ورواية تيّار الوعيّ، ورواية الرّاوي العليم، في آن معًا. ومن جهة الأسلوب في إطار رواية المذكّرات؛ أو السّيرة الرّوائيّة متداخلة السّرد، والرّواية الدراميّة، والرّواية التّسجيليّة.

- بدا استخدام الكاتبة تقنية المتفاعلات النّصيّة علامة أسلوبيّة بارزة في النّصّ. ممّا طبعه بصبغة الوثيقة الأدبيّة التّاريخيّة لرواية الحقّ الفلسطينيّ . وبدا تواصل الكاتبة مع نصوص روائيّة فلسطينيّة تواصلا صريحًا ومضمرًا امتدادًا لموضوع سردها، وتكاملا مع منظوراتها الرّوائيّة بوصفها نصوصًا سرديّة واصفة وموثّقة للمأساة الفلسطينيّة المتجدّدة. من مثل؛ مجموعة "أرض البرتقال الحزين"، ورواية "رجال في الشمس" لغسّان كنفاني. وروايات رباعيّة النّكبة ليحيى يخلف. وروايات إميل حبيبي. وسباعيّة الملهاة الفلسطينيّة لإبراهيم نصر الله وغيرها.

- تمظهر أسلوب السّرد في الرّواية في مسارين رئيسين هما: الرّواية من الخلف،عبر تقنية الاستذكار وتيّار الوعي. والرّواية مع، المسايرة للتّطوّر التّاريخيّ للأحداث في الواقع الحقيقيّ، كما تجلّت في السّرد.

- اعتمدت الكاتبة في بناء سردها الرّوائيّ على ثلاث نظريّات رئيسة؛ أوّلها: نظريّة الأيقونة البصريّة، وهي نظريّة نفسيّة. وثانيهما: نظريّة "الذاكرة الجمعيّة". وثالثهما نظريّة "أماكن الذّاكرة"، والأخيرتان نظريّتان اجتماعيّتان. كما بنت الكاتبة روايتها على ثلاث علامات رئيسة تأسّس عليها مركز التّبئير في السّرد وهي:أطروحة السّرد وسؤال الهويّة.والذّات الكاتبة المتقنّعة بشخصيّة البطل.وحقّق توظيف أسلوبيّة الثّنائيّة الضّدّيّة الأنا والآخر مقاربة السّرد مع الواقع الأليم للاجئين.

قائمة المصادر والمراجع:

 أولا: المراجع العربيّة والمعرّبة:

- الأحمر،فيصل: معجم السيميائيّات، ط 1، الجزائر: منشورات الاختلاف، بيروت: الدار العربيّة للعلوم ناشرون، 2010 .

-أدهم،سامي:فلسفة اللّغة تفكيك العقل اللّغويّ بحث إبستمولوجي أنطولوجي، ط 1، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر،1993.

- إيكو،أمبرتو: العلامة تحليل المفهوم وتاريخه.ترجمة سعيد بنكراد، ط 1، الدّار البيضاء: دار كلمة ، بيروت:المركز الثّقافيّ العربيّ ، 2007.  

-بارث،رولان: الكتابة في درجة الصّفر.ترجمة محمد نديم خشفة، ط 1، الدار البيضاء: مركز الإنماء الحضاريّ ، 2002 .

- بنكراد، سعيد: السّيميائيّات مفاهيمها وتطبيقاتها، ط 2 ، سوريا : دار الحور للنشر والتّوزيع، 2005.

- بينيت،طوني ورفيقاه: مفاتيح اصطلاحيّة جديدة، معجم مصطلحات الثّقافة والمجتمع، ترجمة سعيد الغانمي، ط 1، بيروت:المنظّمة العربيّة  

   للتّرجمة، 2010.

-تاكمبرغ ،لِكس: وضع اللاجئين الفلسطينيين في القانون الدولي. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003 .

-الحجمري،عبد الفتّاح: عتبات النّصّ:البنية والدّلالة،ط1، الدار البيضاء: منشورات الرّابطة-شركة الرابطة،1996 .

- الحلوانيّ،عامر: في القراءة السّيميائيّة. ط1 ، تونس: مطبعة التّسفير الفني،2005 .

- سعدي،أحمد: الذاكرة والهوية.بإضمامة كتاب"نحو صياغة رواية تاريخية للنّكبة؛إشكاليات وتحدّيات، تحرير: مصطفى كبها. حيفا: مركز  

   مدى الكرمل- المركز العربيللدراساتالاجتماعية‏التطبيقية، 2006 .

-السّهلي،نبيل محمود:فلسطين أرض وشعب من مؤتمر بال وحتّى2002، دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب، 2004. 

-الشّامي،رشاد عبد الله:الشّخصيّة اليهوديّة الإسرائيلية والرّوح العدوانيّة،سلسلة عالم المعرفة،العدد 102، الكويت: المجلس الوطني للثقافة 

   والفنون والآداب،يونيو،1986.

- عاشور،رضوى: رواية الطّنطوريّة. ط 2 ،القاهرة : دار الشروق، 2011.

- عبد الله ،محمد قاسم: سيكلوجيّة الذّاكرة،قضايا واتّجاهات جديدة،سلسلة عالم المعرفة ،العدد 290، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون

    والآداب، فبراير،2003. 

- غولدمان، لوسيان: مقدّمات في سوسيولوجيّة الرّواية.ترجمة بدر الدّين عركودي،سوريا: دار الحوار،1993.

- ميوكوفيسكي،يلن وآخرون:سيمياء براغ  للمسرح ،دراسات سيميائيّة،ترجمة أدمير كوريّة،دراسات نقديّة عالمية،(31)، دمشق: وزارة الثقافة،

  الجمهوريةالعربيّة السّورية،1997.

ثانيًا: المراجع الأجنبيّة :

-Barry,Schwartz.“Introduction:The Expansion of the Past.”Qualitative Sociology1996, 19(3): 275-282.

-Barry,Schwartz .“Collective Memory and History: How Abraham LincolnBecame a Symbol of Racial Equality.”The Sociological Quarterly , 1997. 38(3): 470 -  492

-Malkki,Lisa.“National Geographic: The Rooting of Peoples and the Territorialization of National Identity among Scholars and Refugees .” Cultural Anthropology Space, Identity, and the Politics of Difference".1992, 7:24-44.

- Simich ,Laura.Refugee mental health and the meaning of home. Canada: University of Toronto2010.