مساهمة النص و مغامرة الشكل في الشعر الجزائري المعاصرpdf

قراءة في ديوان "برقية شهيد من سيناء"

للشاعر الجزائري محفوظ بوشناق

الدكتور/  عبد العزيز شويط

كلية الآداب واللغات

جامعة جيجل / الجزائر

Summary

This article examines a study double (technical substance) of the Court of the poet Algerian late Mahfoud Bouchnaque, Entitled: "cable martyr of Sinai," and through several tributaries of the methodology contained in binaries (identity of form (ICF) and Identity IP) while talking about the poem Prose _ and this Court of _ in Algeria and in the Arab world, the justification of its existence, level of technical, reality, prospects, and the position of Arab critics of them, and talk about the bilateral (commitment and communication), Complying with the issues of life-social, political and ideological, spreads within the membership determined by the Arab poet, and complemented by dialectic (belonging and isolation) Valantme the group's commitment to their issues, and represents the characteristics and cultural anthropology. And separation from the community is exaggerating the emotional and self-study and in the last two (photo and space), and represents the Qdhaouat a professional image and their relationship to the fictional space of spatial and temporal allocation Bsyakath and payloads, and cultural knowledge, all the way through

many of the poems of this Court.

Résumé

Cet article examine une étude en double (substance technique) de la Cour du poète algérien fin bochnaque Mahfoud, intitulé: "martyr câble du Sinaï», et par plusieurs affluents de la méthodologie contenue dans les exécutables (identité de la forme (ICF) et l'identité IP) tout en parlant de la poésie Prose _ et la Cour des _ en Algérie et dans le monde arabe, la justification de son existence, le niveau de technique, de la réalité, les perspectives, et la position des critiques arabes d'entre eux, et parler de l'accord bilatéral (engagement et de la communication), en respectant les questions de la vie sociale, politique et idéologique, se propage dans les membres sont choisis par le poète arabe, et complété par la dialectique (appartenance et l'isolement) Valantme l'engagement du groupe à leurs questions, et représente les caractéristiques et l'anthropologie culturelle. Et la séparation de la communauté exagère l'émotionnel et l'auto-apprentissage et dans les deux derniers (photo et l'espace), et représente le Qdhaouat une image professionnelle et leur relation à l'espace fictif de Bsyakath répartition spatiale et temporelle et des charges utiles et les connaissances culturelles, tout au long de beaucoup de poèmesdecetteCour

   ملخص باللغة العربية

يتناول هذا المقال دراسة مزدوجة ( فنية مضمونية ) لديوان الشاعر الجزائري المرحوم محفوظ بوشناق ، و المعنون بـ: " برقية شهيد من سيناء " ، و ذلك عبر عدة روافد منهجية تحتويها ثنائيات ( الهوية الشكلية ( التصنيف) و الهوية الفكرية )  حين الحديث عن قصيدة النثر _ و هذا الديوان منها _  في الجزائر و في الوطن العربي  ، مبررات وجودها ، مستواها الفني ،  واقعها ، آفاقها ، و موقف النقاد العرب منها ،  و الحديث عن ثنائية ( الالتزام و الاتصال ) ، فالإلتزام يكون  بالقضايا الحياتية الاجتماعية و السياسية و الإيديولوجية ، ضمن حيزات الانتماء التي يحددها الشاعر العربي ، و تكملها جدلية ( الانتماء و الانعزال ) فالإنتماء للجماعة بالالتزام بقضاياها و تمثل خصائصها الثقافية و الانتروبولوجية ن و الإنفصال عن الجماعة يكون بالمغالاة في العاطفية و الذاتية ، و في الأخير دراسة ثنائية  ( الصورة و الفضاء ) ، و تمثلها قضاءات الصورة الفنية الخيالية و علاقتها بالفضاء المكاني و الزماني المرصود بسياقاته و حمولاته المعرفية و الثقافية ، كل ذلك عبر العديد من قصائد هذا الديوان .

  مقدمة ( التصنيف النصي ( الجنس ) و الهوية الفكرية  )

ظاهرة لافتة للانتباه ، إن لم أقل فارقة و قفزة عالية بالوتد الطويل جدا ،  قلبت الأمور ظهرا على عقب ، و على مستوى المفهوم و الماصدق و الجنس و الجوهر ،  في تاريخ الأدب العربي و الثقافة العريية عموما ، و لاسيما في شعر الحداثة العربية بعد مدرسة البعث و  الإحياء ، و تحديدا بعد مطران خليل مطران .، فمنذ الرواد الأوائل ، و أعني بهم : المعتدلين نازك الملائكة و عبد الوهاب البياتي و بدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور ، و حتى المتعصبين و أعني بهم أنسي  الحاج و يوسف الخال و أدونيس ( أحمد علي سعيد ) المتقلب،  وكذلك  الماسكين العصا من الوسط ،  بالنظر إلى الهم الثوري الوظيفي الأكبر ، و أعني بهم محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد و معهم سليمان العيسى ، هذه الظاهرة عًرفت كعلامة من علامات الحداثة الشعرية العربية النابعة من الحداثة الفكرية العربية ،  في اتجاهها العمودي المكاني صوب أوروبا و التأثر العربي بالغرب ، إنها قصيدة النثر  العربية .

و لعل الجميع أيضا يعرف أن المنظرين الأوائل للنص الشعري العربي منهم من يرفض هذه الظاهرة ، و منهم من يقبلها ،  و منهم من يتحمس لها ، و منهم من يقبلها على مضض مترقبا تحقيق ذاتها ، ومتماشيا مع سوسيولوجيا الإبداع ، أو منتظرا متى تفرض نفسها في الساحة الأدبية ومتى تقاوم الدوائر النقدية و الثقافية و الأكاديمية العربية فتنتصر ، إلا على المستشرفين العارفين أنها سوف تنتصر .، فمثلما رفضتها نازك الملائكة في قضايا الشعر المعاصر،  و تحمس لها و دافع عنها دفاعا مستميتا في مجلة شعر كل من الحاج و الخال و الماغوط مطبقا إياها و ممارسا لطقوسها في السجون العربية و منظرا لها تنظير اعتراف أدونيس في "صدمة الحداثة "و "الثابت و المتحول " يقبلها الدكتور عز الدين اسماعيل على مضض .

الإبداع يصدم أفق الانتظار في جزئيّه ، حسب ما هو معلوم ، فلم لا يصدمه في كليّه ؟ حتى عبر أحمد علي سعيد بقوله " صدمة الحداثة " ، إن النقد و الدرس الأدبي متقبل ناشد التجاوز و الخلق و التجديد ضمن الجنس الأدبي الواحد مستقرا ، في المضامين و في الأشكال أيضا ، هذه المرة كان التجاوز على أساس الجنس الأدبي في حد ذاته ، فكانوا يقولون :  لغة متفردة و نظم متفرد و أسلوب متفرد و صور جديدة و أخييلة جديدة و مواضيع جديدة و أصبحنا نقول :  جنس جديد .

الأمر مس الماصدق أكثر مما مس جزئية من جزئيات الشعر ، و هي الإيقاع الشعري و الموسيقى الشعرية ، ذلك مفاده أن الشعر شعر و أن النثر نثر ، أما أن يأتي شعر النثر فلا يستقيم في المفهوم و لا في المنطق حسب نازك الملائكة  ، لقد نسيت المرأة المبدعة  أن الدفاع عن النفس لا يكون بالهجوم على الخصوم الضعفاء ، لكأني بهذه المرأة المبدعة أولا و الناقدة ثانيا أرادت أن تهرب و تراوغ الحرم الأكاديمي ، و أبوة العقاد و أشباه العقاد الشعرية و النقدية رسوخا و تجذرا لتشغلهم بحربها ضد قصيدة النثر ،  لعلها تسحبهم  و تحولهم من حربهم ضدها إلى جعلهم حلفاء لها يحاربون من تحاربهم هي أو تموه بحربهم  ، مفهمة أياهم أنه يوجد من هو أخطر على مسار الشعر العربي الذي لن تدعه العرب حتى تدع الإبل الحنين منها ، و نسيت أنها كانت و السياب و البياتي يعانون بالأمس مثلما يعاني أصحاب قصيدة النثراليوم ،  فلماذا تحمي نفسها بمضاعفة معانات الآحرين ؟ ، لعلها أرادت القول أنها لم تبالغ كما بالغ هؤلاء ، و لم تتطرف كما تطرف أولئك .

لقد تصرفت القصيدة الحرة و قصيدة التفعيلة في التفعيلة الشعرية الخليلية ،  و لكنها لم تهدمها ،  و لم تتخل عنها ، تماما كما فعلت المجزوءة و المشطورة والمسمطة و  الموشحة ، و قاومت حتى انتصرت . ، فالنص دبابات تنشر هنا و هناك،  و التنظير الأدونيسي يحميها بالطائرات النفاثة و خرجاته الغريبة  في المحافل الأكاديمية و القفافية و معه الناظمون أنفسهم :  البياتي و عبد الصبور و الماغوط و نزار قباني بكتبهم التنظيرية ، و هذا الأخير بنقله اللغة الشعرية من برجها العاجي إلى المخادع الدمشقية فحلى الشعر و انتشر و قُبل من جديد بعد أن كادت أن تزول دولته أمام السرد المترجم و المحاكي و المبتدع تؤازره الفنون الأخرى مسرحا و سينما و أوبيرا .

و لحاجة في نفس يعقوب قضاها كان هذا الشاعر ( محفوظ بوشناق ) قلب ينبض في صدر التحول الثوري الجزائري ، و أعني بهذا التحول  ثورة البناء ، الثورة الاشتراكية في الجزائر، ثورة تطلب التغيير الجذري و الهدف هو خدمة الإنسان كما كانت تدعي ، و لذلك كانت من الموضة بمكان أن تتوافق و تتأقلم و تتماس ثورة النص مع نص الثورة مع ثورة الشعب مع ثورة الإيديولوجيا .

هذا المعطى الأخير الذي أخذ منه محفوظ بوشناق[i] بطرف رفيع ، القيم الإنسانية الجزائرية ، و الأعراف و العادات و التقاليد الممسكة بزمام الأنتروبولوجية الإجتماعية الجزائرية ،  تجعل من الفرد الجزائري لا يعتقد كثير الاعتقاد بالقيم الإشتراكية في شقها الشيوعي الإلحادي ، و لذلك حين تحول الشعب عن الاشتراكية إلى الرأسمالية لم نعد نجد من يردد مقولات " إن أبا ذر الغفاري رضي الله عنه اشتراكي"  و غيرها من المقولات ، بل تعجبني تلك اللفتة الجميلة للميثاق الوطني حينما يتطرق للاشتراكية يجعلها نظاما اقتصادي  لا بد و أن يخضع لجميع القيم الحضارية و العادات و التقاليد و الأعراف التي تسيير المجتمع ، طبعا في إطار جدلية المقدس و المدنس  تكييفا و تحويرا ، و لذلك أخضعت الاشتراكية لقيم الشعب و كانت في كل قرية اشتراكية مسجد جامع للصلاة  .، و لست أدري لماذا يحمل الأخ بن مريومة[ii] ديوان محفوظ بوشناق كل ذلك الزخم الإشاري إلى الطابع الإشتراكي لمحفوظ بوشناق ، و لكني بعد أن تأملت الأمر قليلا فتح الله علي بأن الأخ بن مريومة في مقدمة الديوان يثبت أنه هو من ركب الموجة الاشتراكية أكثر مما يثبت ركوب الشاعر بوشناق لها . و يكفيني من ذلك كله المبتغى و الهدف و المراد من المقطع الشعري التالي لمحفوظ بوشناق :

حين ( للتأكيد و الحدود و الخصوصية و علامات السياق ) نسجت ( كعلامة رفيعة جدا على بنائية الشكلانيين الروس و لكنها بعيدة إذ النسيج ذو دلالة دينية أكثر من دلالته البنائية ) راية ( مدلول ديني سياسي) مجدي بخيوط من دمي (و الانفتاح على الراية الشيوعية الحمراء أيضا خفيف لقرينة الدم و العلم الثوري الجزائري حمرته توازي بياضه طبقا لمقولة ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة والقوة أحيانا تساوي التضحية بالدم ، يعزز هذا كلام كليب لأخيه الزير مكتوبا على الصخر بدمه " لا تصالح " .

و رفعتها على أشلاء أعدائي /

لم أكن أريد سلاما /

كنت أريد حربا لأجل نبوة ... /[iii]

و ههنا مربط الفرص ( و النبوة تعني المشروع الحضاري ، كان بالإمكان أن يقول أريد مشعلا ، فالمشعل قد يعني المشروع التحرري ضد الإنبريالية ، و هو الاشتنراكية أو الشيوعية ، و لكن لفظ النبوة قاطع الدلالة على مشروع الحضارة . المتجذرة في مواقع الشعوب نحو مواقع النجوم و الشرقية منها تحديدا . و قديما قال أرسطو : حفنة من القوة خير من قنطار من السلام،  و لذلك لا سلام لمن لا قوة له . و أرسطو في الثقافة الإسلامية تلميذ الحكيم الإلهي أفلاطون،  و سأكتفي بهذا المسوغ للحكم على الموقف ههنا .

استنطاق النص ، و بعيدا عن سياقات الناقد و غلبة المحتوى الثقافي و الحمولات الحضارية ، تحتم عليه الانزواء إلى واقع النص ومنها انعكاس و انطباع  سياقات النص و حمولاته في شعورالشاعر و في لا شعوره ، في علاقاته المتصلة و في انقطاعاته  البينة و في علاقاته و انقطاعاته المخفية أيضا ، وفق تقية القصد أو خفية اللاشعور ، و لذلك ارتأيت أن أتناول القصائد العشرين لمحفوظ بوشناق عبر المحاول التالية : النص الملتزم ( نص الثورة الوظيفية ) ، النص المتصل ( نص الاستحضار و الاستلهام )  ، النص المنتمي ( نص الواقع و الإيديولوجيا ) ، النص المنعزل ( نص الأنا الفردي العاطفي ) ، النص الفني (الصور و الفضاء )  .

01 _  النص الملتزم ( نص الثورة الوظيفية )

الثورة الشعرية التي أعنيها هنا ليست هي ثورة الفن و تجاوزه ، و إنما قصدت بالثورة الثورة الوظيفية الحقيقية ، و التي يقصد بها التغيير الجذري للأوضاع السياسية و الثقافية و الاجتماعية  في العصر الحديث ،  و منها الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي ، و الثورة الفلسطينية التي كتب فيها شعراء القضية و كتب فيها شعراء الإلتزام العرب المحدثون و المعاصرون الكثير ، و عالجوا أبعاد الصراع العربي الإسرائيلي من خلالها، و كانوا سلاحا من أسلحة النضال العربي و الفلسطيني [iv]

يمكن معالجة هذه المسألة في باب الالتزام في الأدب ، و الالتزام ذو وجهات متعددة [v]، فقد يكون اليساري ملتزما ، و قد يكون الاسلامي ملتزما و لذلك كان  الالتزام لا مذهب له و لا أديولوجية أحادية حكرية أيضا له ، و الشاعر محفوظ بوشناق شاعر ملتزم بقضايا الأمة العربية و الإسلامية في إطار انتماءاته الوطنية ، القومية ، الدينية ، الفكرية و السياسية ، و لم لا حتى الانتماءات العاطفية الوجدانية و الإنسانية .

إنه يتخندق في صف المقاومين ، بل هو أقرب إليه من غيره ، و الرصيد الثوري الوطنيالجزائري  لم يذهب بعد من ذاكرته ، عنوانه " الجزائر قبلة الثوار و الأحرار " ، كيف لا و الثورة الفلسطينية امتداد لثورة الجزائر ؟ ، و أن المقاومة و أدبها لا ينفصلان ، بل بالعكس دائما يتم الربط بين المسألة الاجتماعية و المسألة السياسية حين يتعلق الأمر بأدب المقاومة [vi]و هو يقطن زاوية من زوايا كعبة الثوار و قبلتهم .، إن الدليل على ذلك أولا ، هو تصديره الديوان بقصيدة " برقية شهيد من سيناء "[vii] ، و ثانيا لجعله هذا العنوان الفرعي للقصيدة عنوانا للديوان بأكمله .، مما يعني أن طابع الديوان من بدايته إلى نهايته هو طابع الالتزام ، و طابع الثورة بالكلمة على الوضع السياسي و الاجتماعي الحاصل ، حتى في النصوص التي يبان أنها تمجد الذات في سباحتها نحو الكمال الوجودي أو الفضاء الرومانسي .

العنوان عتبة مهمة من عتبات النص الشعري، و هي في تقديري ليست عتبة أولية بقدر  ما هي عتبة نهائية ، و لست أدري لماذا كلما قرأت قصيدة ما بدأت بعنوانها و لكني أتهجيه فحسب أو أكتفي بالدلالة المبدئية التي يعطينيها ،  فأقفز مباشرة إلى معاني النص عبر مقاطعه الشعرية المتتالية ، لأنني إذا تعمقت في فهم العنوان و دللاته المضغوطة و المكتنزة  كدت أستغني عن قراءة النص و حُرمت من شهوة التمتع به .

بيان و بلاغ رسالة الشهداء عبر استشهادهم ، فكفا الموت بليغا كما يقول أحد الحكماء القدماء و قد رأى صفرة الموت على وجه الاسكندر المقدوني الأكبر ( ذا القرنين ) ، و رسالة الشهادة أبلغ رسالة للأجيال في التضحية و في تحقيق الهدف ، كما أنها أسرع رسالة في الفهم و في الوصول إلى الهدف ، كما أن الشهيد في الجنان ، جنان المجد الدنيوي و جنان الخلد الأخروي ، و لفظة البرقية تعبر عن السرعة في الفهم و الوصول إلى الإدراك ، تدرك بالقلب و بالعقل ، و قديما قيل أن البلاغة أن يصل الكلام إلى قلبك قبل أن يصل إلى أذنك.

إن سيناء ليست ككل الأرضين ، و شهيد سيناء ليس ككل الشهداء ، إنها أرض الواد المقدس طوى ، و أرض جانب الطور الأيمن . و برزخ بين السلام و الاستسلام و رمز الصراع العربي الإسرائيلي إلى جانب القدس ، فقد أنزلت التوراة في سيناء ، " و طور سينين و هذا البلد الأمين " [viii]

البلاغة الحقيقية في الحروب هي بلاغة الفعل ، و أسمى الفعال و أشرفها الشجاعة المفضية إلى الفداء و التضحية و الشهادة ، فإنه كما يقول الطائي أبو تمام  :

السيف أصدق إنباء من الكتب == في حده الحد بين الجد و اللعب [ix]

هذا النص في بدايته جميل جدا ، على الأقل على المستوى الإيقاعي ، وعبر تعبيره بالنمط الحكائي الحزين ، و لاسيما لفظة "حين" فيه ، تقريرا و تحديدا ، و الحاء حرف حلقي مجدد للجراح و مضفي الشرعية الواقعية و التاريخية الحقيقية الحاصلة ، فالأمر حاصل بالفعل و ليس مجرد تخمين و مبالغة كما قد يًظن به.

المقاوم الشاعر و المحارب في الجبهة الكلامية و الخطيب المفوه في ساحة الحرب محفوظ بوشناق يذكّر القارئ  بالمنجزات ،  و يؤكد على أن الوقت لم يفت بعد، بل و يقترح مواصلة الحرب و عدم الثقة في السلام.، يستشرف المستقبل وفق أدلة واقعية و أخرى تاريخية ، فيفترض أن سلام السادات أوهاما . يقول:" كنت في القفار أطارد أوهاما " ، يدرس المعطيات و الإمكانيات المتوفرة ،وهل بإمكانها تحقيق الغلبة أم جلب الهزيمة ؟، يمارس دور النبي الراسم للاستراتيجية ، و دور الخطيب الداعي إلى المواصلة ، و دور القائد الباث الحماس في جنوده ، و لكن دور الخطيب عنده فاق كل الأدوار ، و لذلك ينغمس شاعرنا المرحوم في الخطابية أحيانا ،ليس في الأمرو النهي ، و إنما في التفاصيل الدقيقة ، و التكرار و الوصف للنتائج ، و الشاعر في هذه الحال ليس كالخطيب  .

الجبهة الجزائرية و السورية و معهما الكثير من الدول العربية ظلت رافضة لاتفاقية كامب ديفد للسلام  التي وقعها السادات مع اليهود و استرد بموجبها سيناء المقدسة .

نفس الفعل يفعله محفوظ بوشناق في قصيدة " دمعة من مقلة الشرق "  فقد وجدنا الإلتزام بالحيز المنتمى إليه في أوسع صوره ، و هو حيز الشرق و الرابطة الشرقية ، مثلما سنرى ذلك في عنصر الانتماء ، و وجدنا أيضا الموروث الديني مثلما سنتحدث عنه في عنصر الاتصال بالموروث ، و وجدنا أيضا الالتزام الذي نحن بصدد الحديث عنه عبر السخرية اللاذعة التي يبثها العراف محفوظ في مجالس الخانعين و المستسلمين / المسالمين / اللامسلمين ، في رأيه ، كل ذلك عبر حمده لله على نقمة توقف النظال و المعبر عنه في النص بالجهاد ، اللفظ الذي يحمل شحنة دينية بارزة .

و عبر التقرير الساخر وسرد الوقائع ينزل منحنى الهاوية البياني نحو مهاوي الذلة و الخنوع فلا يتوقف ، كل ذلك عبر الفعل الماضي المقرر و العابر نحو تخلف الحالة و مرارة الواقع السخيف ، حتى ليكاد الشاعر أن يجعل منه ماضيا لا أعاده الله علينا  لمرارته : " أحرقنا راية أحمد " " لفقنا آية الجهاد " " أطعنا أبا جهل .. أكبرناه .. أكرمناه .. قابلناه .، مددنا ، صافحنا ، آوينا ، نصرنا ، بايعنا ، ... الخ و الضمير هنا هو ضمير الجمع المتكلم للدلالة على الشراكة ، نحن شركاء جميعا في الاتفاقية مادمنا ساكتين عنها ، و الساكت عن الحق شيطان أخرس .

مشكلة الشاعر محفوظ بوشناق التفصيل و التدقيق و تقسيم المناطقة ، و قديما عاب ابن خلدون على الشعراء الفلاسفة الحكماء أسلوب الحكمة و الفلسفة و المنطق[x] ، فطريق الشعر غير طريق هؤلاء .، إنك لتقرأ لمحفوظ السطر الشعري فيعجبك و يستهويك و يمتعك، و لكنك تعيد فتنقص له من القيمة التي أعطيتها أياه أول مرة ، حين تقرأ الأسطر الموالية ، ليس لأن هذه الأسطر غير محكمة البناء ، و لا لأنها غير جميلة ، بل لأن الأسطر الموالية تفصيل لما أجمله في السطرالشعري الأول و الشعر ضد تفصيل المجمل، كان يصلح السطر دون غيره . و مع ذلك يمكن القول و من باب إحقاق     الحق – و دون تنكر أو مغالاة – أنه كان بالإمكان أن يكون عندنا شاعر جيد في جيجل ، لو أطال الله عمره و لم تخطفه المنية قبل الأوان .

و نفس الأمر ( الالتزام )  يفعله في قصيدة "  سوف أحيا " إذ يذكر الثورة صراحة ، إلى جانب تحتيم الحياة و التشبث بها كما يقول الشابي نفسه :

إذا الشعب يوما أراد الحياة == فلا بد أن يستجيب القدر [xi]

مازال محفوظ ملتزما حين يتقمص دور الطفل الرجل / الثائر الصامد . صاحب القضية ، الذي يحمل رموز التجدد و التمدد و الانبعاث و الانتشار و الفاعلية عبر معجم شعري ذي حقل الهبّة الدلالي ، و الهبة ثورة  (  النور و العطر و الشذا و شعاع الأمل السرمدي و الأوراق و الدفء و اليقظة و التحدي و الإصرار و التصدي و السخرية و القسم و الشموخ ) و الأكثر من ذلك كله قوله مختصرا الالتزام بالقضية و التخندق فيها : أنا نبض القضية " معيدا علينا رمزية ماوية الحبيبة و القبيلة في توحد صوفي و حلول صوفي أيضا ، كما يفعل درويش دائما معبرا عن ثنائية الأرض و الحبيبة و عبر رحمية الأم كما تقول الدكتورة  خالد سعيد . [xii]

كما لاحظنا الفعل ذاته في قصيدة " إلى الطفل الذي يرفض دفء الأحشاء " عبر النفي و الرفض الطاغي على هذا النص الشعري .

2 _ النص المتصل ( نص الاستحضار و الاستلهام )

لقد اعتمدت الحداثة العربية مواقف عديدة من التراث ، و لا يهمنا منها ههنا لضرورة تصنيفية تتعلق بعينة شاعر متخندق في هذا الموقف بعينه ، إلا موقف استدعاء التراث [xiii] و هو الموقف الذي اعتمده الكثير من أساطين الحداثة الشعرية العربية ، و على رأسها أنصار الشعر الحر أو شعر التفعيلة ، و الذي مال إليه مؤخرا حتى أدونيس ، و لذلك كان التراث العربي الإسلامي بجميع أشكاله : الشعبي و الديني و التاريخي و العلمي و الفلسفي و الثقافي الأدبي و اللغوي و الأسطوري خاصة هو الذي استلهمه شعراء الحداثة العربية و استحضروه و وظفوه ، آخذين منه عناصر القوة ، و معبرين به عن الواقع المعيش في رمزية تقترب تارة من الغصن الذهبي و تبتعد تارة أخرى عنه .

محفوظ بو شناق ، الشاعر الملتزم كثيرا ما قرأ لدرويش و لشعراء القضية الفلسطينية [xiv]حسبما تبينه النصوص التي بين أيدينا ، و من قرأ لشاعر استهواه أسلوبه و طريقة تعبيره ، و درويش من الصنف الذي استلهم التراث العربي الديني و حتى غير العربي الديني ( المسيحي و اليهودي ) لخدمة القضية الفلسطينية ، و لذلك نرى محفوظ بوشنق يحدو حدوه ، الفرق بين الرجلين أن درويش شاعر أوركيسترالي النغمة الشعرية و الإيقاع الموسيقي كما يقول عنه النقاد ، و محفوظ بوشناق أميل إلى النثرية ، لقد كتب درويش أيضا في الشعر النثري ولكن شعر درويش النثري أجود لقربه من خصائص الشعرية الحقة و بعد بوشناق عنها بمسافة بارزة و انزوائه طبعا قرب النثر ، و ربما في الشعر تقترب نثرية محفوظ بوشناق المطعمة بإيقاع ما يُلمح ، و هو خفيف جدا، بنثرية درويش الأقرب نحو الإيقاعية .

إن المتأمل للمعجم الشعري الديني في قصيدة " برقية شهيد من سيناء " و هو ( نبوة ، قربان ، الخلود ، الجهاد ، طور سيناء ، الوصايا ( سفر توراتي ) الإسراء ، الألواح ( العشر )  أرض الميعاد ، داود و سليمان و يحي ، الحائط ، يركعون ، ابتهال زكريا ، أرض السلام ) و بمعجم قصيدة " دمعة من مقلة الشرق " الديني ( راية الجهاد ، الحمد لله ، الدعاء ، نستعين بالصلاة،  نصلي ، وجه الله ، الشيطان ، راية أحمد ، آية الجهاد ، آمين ، بايعناه ، أولي الفضل ، الأنبياء ، الحدائق و الأعناب ، الكواعب الأتراب ، القدر ، شاخصة الأبصار ) يتعجب من كلام الأستاذ بن مريومة في لطفي بوشناق في تقديمه للديوان ، و الكلام كما أسلفنا يجعل بوشناق في خانة الشيوعيين . فحكمت النقوص و دلالاتها حتى في مستواها الرمزي الخفي بضد ذلك ، و لم تغن معايشة بوشناق للفترة الإشتراكية في الجزائر لجعله شيوعيا ، كما لم يغن انخراط درويش في الحزب الشيوعي الفلسطيني ليصبح شيوعيا .

النصوص كلها مثقلة بالرموز الدينية ، حتى لكأن محفوظ يريد أن يعيد فسيفساء التجاذبات الدينية في أرض الرسالات  مادامت الحرب الحالية وريثة الحرب القديمة بين الصليبيين و المسلمين .

نص واحد اخترته للدلالة على عتمة الليل البهيم و المعاناة الفلسطينية في ظله ، كما يعبر عنها محفوظ  بوشناق و هو يحس بالفرد الفلسطيني المقهور السجين ، و هو قوله في هذا النص الذي عنوانه  " سوف أحيا "  و التسويف البعيد وعي بصعوبة الموقف و أهميته و خطورته و تعقده : ((

و من صمت الليل الرهيب المثقل بالآهات / بالأنات / بالدموع /

أنتشل الصبح الجميل / كي أرسم بسمة الإشراق فوق وجه بلادي /

و أسكب في الشرايين / في الخلايا / دفء عمر جديد [xv]

إنه يستلهم الشعرية الجاهلية في نظرتها لليل الذي يأسر فاعلية و حركية الشعراء ، فيتململون فيه و العشق يذوب قلوبهم . يقول امرؤ القيس لخادمه دمون و قد بلغه موت أبيه:

" دمون يا دمون ، طال علينا الليل يا دمون ، و إننا قوم يمانون ، و إننا لأهلنا محبون " و يقول أيضا:

ألا أيه الليل الطويل ألا انجل == بصبح و ما الإصباح منك بأمثل [xvi]

و يقول :

فيالك من ليل كأن نجومه == بكل مغار الفتل شدت بيذبل

كما يقول نابغة بني ذبينان في الليل :

كليني لهم يا أميمة ناصب == و ليل أقاسيه بطيء الكواب

تطاول حتى قلت ليس بمنقض == و ليس الذي يرعى النجوم بآيب . [xvii]

الموروث التاريخي اخترنا منه قصيدة " قريش على سفينة الإبحار " و في العنوان دلالة المرحلة الصعبة التي تقتضي السياسة الرشيدة الحكيمة ، من قبل أعضاء دار الندوة ، و منه ضرورة  الالتفاف الجماعي حول المشروع  المنجي ، يطعمه الرمز الديني في ضرب رسول الله صلى الله و سلم لمثل الناس الذين ركبوا سفينة فأصاب قوم أعلاها و أصاب قوم أسفلها فأراد الذين في الأسفل نقرها لجلب الماء ، فإن تركوهم هلكوا جميعا و إن منعوهم نجو جميعا .

الموروث الأسطوري ، موضة الحداثة العربية منذ السيابن  قليل هو باع محفوظ فيه إلا بعض الإشارات الخفيفة هنا و هناك في قصائده ، و منها قوله في قصيدة " صفقة في سوق التكنولوجيا " :

تريدون أن أسافر كالفارس الأسطوري /

على متن الرياح / أجوب مسافة الزمن / و أغزو مجاهل العصور /

 لعلي أكتشف الطاقات التي صهرت قوى / الأجيال في الغابرين.

و لست أدري أي فارس أسطوري يقصد محفوظ ، فإن الآلهة الإغريقيين يركبون عرباتهم و أفراسهم الطائرة و هم ليسوا من البشر الفرسان ، و كذلك الأمر بالنسبة للسندباد الطائر هو ليس فارسا ، اللهم إلا إذا عنى محفوظ بلفظ " الأسطوري" المدلول الخرافي ، و هو معنى الأسطورة عند العامة بأنها أحاديث الخرافة و الخيال و اللاحقيقة . أو لعله هرقل الفارس  نصف الإله الإغريقي .

و نفس الشيء رأيناه عندما تحدث عن المواكب الأسطورية و يقصد بها مواكب الخرافات و المعتقدات الشعبية و الخيالات الاجتماعية و ذلك في قصيدة " دمعة من مقلة الشرق "

3 _ النص المنتمي ( نص الواقع و الإيديولوجيا )

الانتماء لم أقصد به الانتماء المكاني و لا الانتماء الزماني بقدر ما قصدت به الإنتماء السياسي و الإيديولوجي ، و لقد بدا لي أن محفوظ من التيار الوطني الثوري الأقرب إلى الإسلام منه إلى الاشتراكية و الشيوعية كما أسلفت القول ، ليس قد استهواني الرمز الديني ، بل طريقة توظيف هذا الرمز عبر رسم لوحة ذات خلفية عقائدية واضحة ، تدرك بالكلية جشتالتيا .

و إنما قصدت بالانتماء أيضا الانخراط في معالجة و معايشة الواقع ، التي يحياها الأنا الجمعي . و يظهر ذلك من خلال نصين على الأقل : الأول كتبه على إثر الزلزال الذي ضرب الأصنام في العاشر من أكتوبر سنة 1980 و عنوانه " لغز من باطن الغيب "[xviii] و الثاني قد يبدو على أنه يمثل عنصر الانعزال و التعبير عن الأنا العاطفي الذاتي الفردي ، و لكنه ذو دلالة واقعية اجتماعية أكثر منه حاملا للشحنة العاطفية الإيجابية ( الحب و الإشفاق ) و هو نص عنوانه " المتسكعة " [xix] ، و هنا لا بد و أن نفرق بين علم اجتماع الأدب : سوسيولوجيا الأدب الذي يعني انتشار كتب الأدب و شق طريقها بين الجماهير [xx]و بين الأدب الإجتماعي الذي يعالج الظواهر الاجتماعية واصفا ، و الذي كثيرا ما يلفه التيار الواقعي ، أو ما صدر عن الأدباء الكاتبين في النقد الاجتماعي [xxi] فانظر مثلا إلى تعبير محفوظ عن هذه المتسكعة كيف يميل إلى وصف واقعها المرير أكثر من تصويره لعواطفه تجاهها ، و حتى إن عبر عن هذه العواطف الأخيرة كانت عاطفته ممزوجة بمسحة من الإشفاق على حالتها المزرية .     

العنوان جزء من معمارية القصيدة ، و على الرغم من أنه قد بدأ بالعاطفة من خلال تساؤله عن الاحتراق و الاشتياق ، و هما من دواعي المحبة ،  يكفي أنه جعل للنص عنوانا ذا صبغة إجتماعية . يقول محفوظ عن جسمها :

" و تضاجعه الثعابين و الذئاب العاوية "

أما النص الأول فيظهر فيه انتماء محفوظ إلى المكان المتحرك و الزمان الحي و المجتمع المتفاعل ، و ذلك من خلال معجم الحزن الذي يطوّق النص ، فقد اختار للتعبير عن حزنه لما أصاب المحمدية أو الشلف من باطن الأرض و باطن الغيب و كف القدر( الزلزال الشهير )  ألفاظا و تعابير من مثل ( المصاب ، الجلل ، الدمع ، و احسرتاه ، رزئت ، نكبت ، الدهر ، لست أطيق ، العجز ، الحزن ، الأغنية الحزينة  ، الإبهام ، لحن رزء ، حبلى أعياها الحمل ، الفجيعة ، اللحد ، الأنقاض ، صرعى ، حطام الأمل ، الجرح المنفتح العميق ، الموت ، العاصف الجبار ، الدمار ، الأنين ، الأجساد المشلولة ، ركام الديار ، الأحزان ، دموع ، الشقاء ،  بنو وطني مزقوا أشلاء ، التيه للطفل ، دائرة الحرمان ، أيعود الابتسام ؟، أمي أبي هل تسمعان ؟  أيعود الحنان ؟ الفقدان ، قبضة الميدان ، الأصنام توارت في فجر الزمان  ) لقد تبدى حقيقة اتجاه محفوظ بوشناق ، أنه شاعر الفكرة ، شاعر الموضوع و المضمون ، دون أن يعدم جمال الصورة ، كل لفظة و عبارة تتماسك مع الأخرى لإعطاء الدلالة المقصودة لا تخطئها و لا تتجنبها ، و أعتقد أن مجرد التأمل في هذا المعجم ذي الشحنة المؤلمة و الحزينة و المعبر عن المأساة فضلا عن التكرار الحاصل في بعض الألفاظ من هذا المعجم ، يكفي لمعرفة مدى انخراط محفوظ في هعاناة و هموم شعبه محققا الانتماء للمجتمع ، أما و قد نظمت الكلمات المفيدة مفردة فيكون الدليل على الانتماء أقوى .

4 _ النص المنعزل ( نص الأنا الفردي العاطفي )

هذا الحيز الدراسي يدخل ضمن منظومة " إن لنفسك عليك حقا " و لعل خير ما يمثل هذا العنصر هو قصيدة " أنا و أنت " .، فعلى الرغم من وجود العديد من قصائد الحب في هذا الديوان ، حتى أنه يحاول أن يحدث في بعضها اقترابات من شاعر المرأة و من حرمه الآمن و أعني نزار قباني و لا سيما في قصيدته " تهمة لدى محكمة الحب " و سوف أدع حديث نزار قباني في شعره عن المحكمة و المحاكمة في تعبيره عن وقوف المجتمع العربي بتقاليده البالية _ في نظره _ ضد المرأة ، و إنما سأتحدث عن كلمة"  سيدتي " التي استعملها محفوظ و قد أطال من استعمالها نزار .

المهم أن قصيدة " أنا و أنت " التي بدأها بالتبرير المطعم بالتعليل " لأنني " و التي هي آخر قصيدة في الديوان ، كانت ملخصة لفواجع الدهر المكلكل على الذات ، و بالذات كما كانت قصيدة " برقية شهيد من سيناء " ملخصة للمعاناة الجمعية العربية من خلال مأساة التنازل عن فلسطين .

إن الإفصاح عن التمني و الرجاء بانعدام الكينونة يعبر عن هول فاجعة ما ، حتى يتمنى الإنسان أنه لم يخلق فلا يمر بهذه المقاساة و المعاناة التي يمر بها اليوم ، إنه العذاب المقرون بالحب ، فلم يتحقق القرب ، و لم يتحقق الرضا و الأنس ، أو لعله حب من طرف واحد فقط ، و لذلك لم نلمح في هذا النص أي ملمح صوفي اتحادي أم حلولي كالذي رأيناه في قصائد سابقة . يقول محفوظ :

فأنا ... /( و ليت أنا ما كنت /و ليتك أنت ما كنت /

و لكن كنت أنا و كنت أنت ) /لذا .. فأنا أحبك  .

الاهتمام بذات المحبوب أكبر في مسألة الحب من الاهتمام بذات المحب ، و لذلك رأينا غياب نون الوقاية و غياب ضمير المتكلم المتصل و الإكتفاء بالضمير " أنا " المنفصل في حال الحديث عن ذاته ، بينما حين تحدث عن محبوبته جمع بين كاف الخطاب و بين المخاطب " أنت " و هي دلالة واضحة على البعد و البين و الفراق ، أو على الأقل البعد العاطفي المقرون بالمعاناة .

و نلمس  في القصيدة التي قبلها و هي من نفس موضوعها ( الحب و العاطفة ) و التي كانت بعنوان " الروضة المحنطة ) نفس الموقف الدرامي ، ففيها تعبير عن التعاسة التي تشاركهما فيه الطبيعة .

و الحق أن محفوظ في جميع قصائده العاطفية يعبر عن الحرمان و العذاب و الضمأ العاطفي ، يعيد على مسامعنا قصص العشاق الذين لم يضفروا بمن يقدّر عشقهم و حبهم العظيم فيبكون لنا و يبكوننا .

5 _ النص الفني ( الصورة  و الفضاء )

الجانب الفني يتعلق بالصور و الفضاءات المكانية و الزمانية ، و يتعلق بالموسيقى و الإيقاع و القافية ، فأما الفضاء المكاني فقد بدأه بالأقدس فالمقدس ، فمثلما كانت سيناء و أمامها بيت المقدس مقدسة كانت القنار مسقط الرأس و موطن الطفولة و الصبا أيضا مقدسة ، فحين يتحدث عن القدس أو بيت المقدس أو سيناء ، يكون حديثه عن مدينة ، لعلميتها المركزة و لشهرتها و لقدسيتها الجماعية ، يتحدث عنها على أنها ترنيمة مقدسة  أو تسبيحة مقدسة و على أنها عروس مغرية على أرجوحة التاريخ .

و يخرج أحيانا إلى التقريرية حين استخدام جمل - تقريبا - هي غير شعرية بمقياس الذوق الحديث كـ : الحرف العربي ، في سجل الممنوعات ، فوق مشروع قرار ,,, الخ .

قرب القنار من الشاعر قربا حسيا و معنويا أبعده عن التقريرية التي أوقعه فيها البعد الحسي عن القدس و سيناء ، و لذلك كانت دروب القرية و الشعاب التي حولها بأسمائها علامة صدق و دقة تصوير ، فالقدس كان رابطه بها القرب المعنوي ، أما القنار فالرابط مزدوج : حسي و معنوي .

الصور عند محفوظ لا تخرج عن نمط البلاغة القديمة ، فالخرق للمألوف عنه اقتصر على ترك الوزن و لم يمتد بشكل لافت للصور ، و لذلك نجد أهم الصور عنده ما تناولته الدراسة الأدبية في المناهج التعليمية للصف الثانوي في دراسة النصوص و لا سيما التصوير الحسي و التجسيد المادي عن طريق الأخيلة سواء في المجاز بأنواعه أو الاستعارة بنوعيها أو الكناية .

شيء لافت في الشعر العربي المعاصر و هو اختيار العناوين المبنية على نظام الصورة من مثل " برقية شهيد من سيناء "  ، و البرقية لم يخبرنا عنها هل هي برقية ضمنية من حالته كشهيد أم هي برقية حقيقية أرسلها قبل استشهاده و الأولى أقرب ، " دمعة من مقلة الشرق " ، قريش على سفينة الإبحار " ، " المدينة الهاربة " ، " لغز من باطن الغيب " ، " الحب على مصرع الأيام " ، " المعاناة الخرساء " ، " رحلة الخلاص " و آخر عنوان احتوى على التصوير الخيالي قصيدة " الروضة المحنطة " .

الإيقاع عند محفوظ بوشناق لا ينبني على الوزن الخليلي و لا على نظام التفعيلة عند أنصار الشعر الحر ، بل نستقي الإيقاع من تجاور الألفاظ تجاورا ما يحدث نغمة ما متشابهة في جميع القصائد ، و هي جد هادئة ، هل يرجع ذلك لهدوء الرجل ؟ ربما ، المهم أن الإيقاع الناتج عن البديع و عن التجاور اللفظي ، و حتى لا أقول رتيب ، هو خافت حتى في القصائد التي تدخل ضمن زمرة الحماسة ، و المشكلة الحقيقية هي القافية التي أحسب الرجل فيها لم يراع التناسب ، فحيث لا يتصور المجيء بالقافية تأتي و حيث يتصور ضرورة مجيئها لا تأتي ، ربما لطغيان و سيطرة تلازم الشعر العربي مع القافية ، و هذا مخالف لمسألة الموسيقى و الوزن ، و السبب في ذلك انتشار ما يعرف بالخاطرة في أوساط الشباب من جيل بوشناق .

خاتمة

دراسة ديوان شعري فكري مضموني من عشرين قصيدة يحتاج إلى رسالة أكاديمية ، مطولة ، متبصرة ، منهجية ، دقيقة الأحكام معللتها ، هذا الرجل صوت صارخ في البرية يوم الجفاف و الماء المالح و عقدة المغرب من المشرق ، و انتشار أداة التواصل الغريبة عن قيمنا و حضارتنا ولقد اعتبرناها غنيمة حرب ، أما هذه العجالة فلا تفيه حقه و لا تكفيه إبانة ، و لذلك يمكن القول في نهاية هذه الدراسة العابرة .

هكذا إذن يبدو محفوظ بوشناق معتدلا عبر جدلية الفرد و المجتمع ، الأنا الأصغر و الأنا الأكبر / العاطفة و الإلتزام ، حتى أن معمارية الديوان ، و حتى لا أقع في مطب التقسيم الرقمي ، تفيد بأنه قد قسم الديوان قسمين ، بينه و بين قضايا أمته ، القسم الأول لقضايا الأمة العربية و القسم الثاني لقضايا محفوظ بوشناق العاطفية ، و بينهما خيط رابط جامع بين الطرفين أو الضفتين ،  كأنه في الثقافة العربية النقدية القديمة ما عبر عنه ،أو اصطلح عليه بحسن التخلص، و هو قضية المتسكعة مثلا،و هي تحمل بعدين: بعدا اجتماعيا كمتسولة الرصافي و بعدا عاطفي يتعلق بموقف الشاعر العاطفي منها  .

و الحق أن شاعرنا شاعر مضموني محتفي بالفكرة من الطراز الراقي ، إلى درجة تفاصيل و تقاسيم الفلاسفة ، مقلب للأمور على أوجهها ، كان بالإمكان ،  لو أطال الله عمره ، أن تستقيم عنده الجملة الإيقاعية نحو أثر حس جمالي عذب ، أوعلى الأقل  أعذب منه هنا ، و لذلك فالصور أحيانا كثيرة راقية و الأفكار أحيانا كثيرة رائعة و لكن قصيدة النثر في عهد محفوظ ، و في الجزائر تحديدا ما تزال تئن تحت وطأة الانتماء للخاطرة هروبا من مصطلح الشعر النثري .

كفا هذا الرجل المثقف اللاشعور أنه طرق هذا الميدان الغامض ، فاكتفى من الغنيمة بالإياب سالما  و شيئا عزيزا له فيه فضل السبق احتفظ به في جيبه من كنز علي بابا الشعري هو المغامرة الفنية ، و المعاني الغزيرة ،  و التصوير الدقيق ، و الشمول الفكري ،  و العاطفة الإنسانية ، و الانخراط في الإلتزام .

كنت أخشى أن تقهر روح الدارس الناقد في ذكرى الراحلين ،  فتحيلني على معاش الذاتية ،  و لكنني أحسبني كنت موضوعيا مختلفا عن موضوعية ميخائيل نعيمة في صديقه جبران خليل جبران . [xxii]

المصادر و المراجع

1 _ القرآن الكريم رواية ورش عن نافع .

2_  حنا مينا و نجاح العطار : أدب الحرب ، دار الآداب ، بيروت لبنان ،  ط 02 ، 1989 .

3 _ د / رجاء عيد : فلسفة الالتزام في النقد الأدبي ، منشأة المعارف بالإسكندرية ، مصر ، د ط ، 1988 .

4 _ غسان كنفاني  (  الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال  1948ـ 1968  الآثار  الطاملة  ، الدراسات الأدبية ، مؤسسة غسان كنفاني الثقافية ، دار الطليعة  للطباعة و النشر ، بيروت لبنان ، ط 02 ، 1980 ، ج 04.

 5_ محفوظ بوشناق : قصيدة برقية من شهيد من سيناء ، ديوان    مطابع دار البعث ، قسنطينة الجزائر ، د ط ، 1989 .

6- الخطيب التبريزي  : شرح ديوان أبي تمام  ، تقديم راجي الأسمر ، دار الكتاب العربي ، د ط ، 2007 ، ج 01 .

7_  أبو القاسم الشابي : الأعمال الشعرية الكاملة ، دار العودة ، بيروت،  لبنان ، د ط 2006 .

8_ خالدة سعيد : حركية الإبداع ، دار العودة ، بيروت لبنان ، ط 02 ، 1982 .

9_الدكتور  اليافي نعيم : أوهاج الحداثة ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق سورية ، د ط ،

10 _ الدكتور عبد العزيز شويط : الموروث الديني و الحضاري في شعر محمود درويش ، رسالة ماجستير مخطوطة ، جامعة منتوري قسنطينة 2002 .

11 _ امرؤ القيس : الديوان ، ( المعلقة ) ضبطه و صححه الأستاذ مصطفى عبد الشافي ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، د ط 2002 .

12_ النابغة الذبياني : الديوان ، تحقيق و شرح كرم البستاني ، دار بيروت للطباعة و النشر ، بيروت لبنان ، د ط ، 1982 .

13_ روبيرا سكاربيت : سوسيولوجيا الأدب ، ترجمة و تمهيد أمال أنطوان عرموني ، منشورات عويدات ، بيروت لبنان ، باريس فرنسا ، ط 01 ، 1978 .

14_ إحسان عباس : فن الشعر ،   دار الثقافة ، بيروت لبنان ، د ط ، د ت  .

15 _عبد الرحمن ابن خلدون : مقدمة ابن خلدون



هوامش البحث

[i]_ محفوظ بوشناق شاعر جزائري معاصر من قرية القنار بولاية جيجل .

[ii] _ مقدم ديوان الشاعر محفوظ بوشناق " "برقية من شهيد من سيناء " مطابع دار البعث ، قسنطينة الجزائر ، د ط ، 1989، ص : 21 .

__ محفوظ بوشناق ، ديوان" برقية شهيد من سيناء " [iii]

[iv]_  حنا مينا و نجاح العطار : أدب الحرب ، دار الآداب ، بيروت لبنان ،  ط 02 ، 1989 ، ص : 219 و ما بعدها .

[v] _ راجع في ذلك  : د / رجاء عيد : فلسفة الالتزام في النقد الأدبي ، منشأة المعارف بالإسكندرية ، مصر ، د ط ، 1988 ، ص : 213 و ما بعدها

[vi] _ غسان كنفاني  (  الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال  1948ـ 1968  الآثار  الطاملة  ، الدراسات الأدبية ، مؤسسة غسان كنفاني الثقافية ، دار الطليعة  للطباعة و النشر ، بيروت لبنان ، ط 02 ، 1980 ، ج 04 ، ص : 255 .

[vii]_ محفوظ بوشناق : قصيدة برقية من شهيد من سيناء ، ديوان  "برقية من شهيد من سيناء " مطابع دار البعث ، قسنطينة الجزائر ، د ط ، 1989 ، ص : 21 .

- سورة التين الآية 02 . [viii]

[ix]- الخطيب التبريزي:شرح ديوان أبي تمام ، تقديم راجي الأسمر، دار الكتاب العربي،د ط ، 2007 ، ج 01 ، ص : 32 .

[x]_ راجع في ذلك موقف ابن خلدون :  ابن خلدون : المقدمة .

[xi]_  أبو القاسم الشابي : الأعمال الشعرية الكاملة ، دار العودة ، بيروت،  لبنان ، د ط 2006 ، ص : 327 .

[xii]_ خالدة سعيد : حركية الإبداع ، دار العودة ، بيروت لبنان ، ط 02 ، 1982 ، ص : 55 .

[xiii] _الدكتور  اليافي نعيم : أوهاج الحداثة ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق سورية ، د ط ،

[xiv] _ راجع في ذلك : الدكتور عبد العزيز شويط : الموروث الديني و الحضاري في شعر محمود درويش ، رسالة ماجستير مخطوطة ، جامعة منتوري قسنطينة 2002 .

[xv] _ محفوظ بو شناق ، المصدر السابق ، ص : 30 .

[xvi] _ امرؤ القيس : الديوان ، ( المعلقة ) ضبطه و صححه الأستاذ مصطفى عبد الشافي ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، د ط 2002 ، ص : 117 .

[xvii] _ النابغة الذبياني : الديوان ، تحقيق و شرح كرم البستاني ، دار بيروت للطباعة و النشر ، بيروت لبنان ، د ط ، 1982، ص : 09 .

_ محفوظ بو شناق المصدر نفسه ، ص 62 .[xviii]

[xix][xix] _ محفوظ بو شناق ، المصدر نفسه ، ص : 84 .

[xx]_ ينظر : روبيرا سكاربيت : سوسيولوجيا الأدب ، ترجمة و تمهيد أمال أنطوان عرموني ، منشورات عويدات ، بيروت لبنان ، باريس فرنسا ، ط 01 ، 1978 .

[xxi]_ إحسان عباس : فن الشعر ،   دار الثقافة ، بيروت لبنان ، د ط ، د ت  ،   ص : 136 ، 137 .