أصوات اللغة بين وصف النحاة وعاداتنا النطقيةpdf

 

أ.د.حسيني أبوبكر

جامعة ورقلة

      إن العوامل المؤدية إلى فساد الألسنة واختلاط اللغات كثيرة جداً، لاسيما في وقتنا الحاضر، مع انفتاح الحضارات على بعضها، وطغيان وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة ، باللغة العربية وبغيرها ، فلا يمكن أن نجعل حاجزاً بين لغة ولغة ، وظهور الألفاظ الجديدة، والتراكيب المستحدثة، بل والأصوات الجديدة أيضا، يجعل التحكم في نسب التأثير أمرا مستبعدا.     

      والمجتمعات الناطقة باللغة العربية في أيامنا هذه بعيدة بشكل واضح عن أداء العربية الفصيحة، لاسيما في الصيغ والتراكيب، فلا يوجد مجتمع يحتكم إلى عربيته في أدائه للغة العربية، فلكل بيئة عربية اليوم لهجتها، وطريقة أدائها للأصوات، بل ولكل مجتمع خصوصياته في القرب من سلامة الأداء اللغوي ، والمجتمعات تتفاضل في أشكال اللحن الذي مس نظام أدائها للغة، لأن اللهجات العربية الحديثة، بل و القديمة أيضا ، تتخالف بأشكال كثيرة على مستوى الصوامت أو الصوائت إفراداً وتركيباً، مما يجعل قضايا اللحن مرتبطة بالزمان والمكان، فلكل بيئة صورها في اللحن، ولكل زمان أيضا أنماطه في العدول عن سلامة الأداء الصحيح.

           إن انتشار هذه البلوى - أعني اللحن في أداء اللغة -  بحكم  العوامل سالفة الذكر، وتحولها إلى طبائع مفروضة واقعيا أو ظواهر تبنى عليها اللغة المتداولة في كل البيئات ... كل هذا لا يعطينا الرخصة في التشبث بها والعدول إلى الفصاحة، ولا يبرر بقاءها، ولا استمرارها، ولا يعفينا من محاولة تعديلها أو الرجوع بها إلى مقامات السلامة و الكمال، فقيام الدرس النحوي في مراحله الأولى كان بسبب هذه الانحرافات، ولو ترك الأمر على ما كان عليه، وقبِل الجيل الأول واقع الأمر، وسلم هؤلاء لعامل الزمن أن يعمل عمله.. ما وصل إلينا هذا التراث النفيس من الدراسات اللغوية التي حفظت للعربية نضارتها ونصاعتها وقوتها، وما بقي المسلمون متمسكين بسلامة اللغة وفصاحتها، ويبقى الأمر متكرراً في كل زمان ومكان، بحكم تجدد أسبابه ومسوغاته، ويظل أهل اللغة العربية في مراقبة مستمرة للقيام بواجب الحماية والصيانة لأصوات اللغة وصيغها وتراكيبها، مراعاة للود وحفظاً للعهد.

              وصور اللحن في أصوات اللغة العربية متباينة عبر البيئات والمناطق وعلاجها إقليمي، فما صح في هذا المجتمع ليس بالضرورة أن يصح ويسلم في غيره، وما كان في هذه البيئة منحرفاً، قد يكون في غيرها سليماً ، وهكذا.. و الاحتكام عند الجميع لأقوال النحاة و القراء الأولين ممن عاشوا ضمن دوائر الفصاحة أو كانوا قريبين منها.

           إن طبيعة التحول والتغير الذي يصيب الأصوات اللغوية بمرور الزمن وتعاقب الظروف الاجتماعية المؤثرة في بنية اللغة غير قارة ولا رتيبة، بحيث لا يمكننا أن نضبط طريقة التحول و لا دوريته عبر الأزمان المتعاقبة، لأن حركة المجتمعات غير منتظمة، وطبيعة التأثير و التأثر في عالم الأصوات اللغوية ليست مضبوطة، إنما تخضع لعوامل متعددة وظروف مختلفة، حسب طبيعة المجتمع وأنواع المؤثرات، وأشكال التأثر.

             ونظام اللغة ومتغيراتها في المناطق البدوية والقرى والمداشر ليست كالتي في المدن والعواصم الكبرى، و المناطق المحاذية لبلاد العجم تختلف عن البعيدة عنها،و الطبقات المثقفة ليست كالعامة، و الناطق بالعربية أصالة ليس كغيره ممن تربى في بيئات أعجمية أو في لهجات مغايرة... وهذا كله يعطينا مؤشرا على طبيعة الانحرافات وأشكال اللحن وأسبابه، وهو ما يجعلنا نتعامل مع آليات العلاج ومحاولات التصويب بشيء من الواقعية والعقلانية والتدرج، فلا ندخل الناس جميعا في رواق واحدٍ، بل يجعل لهذه المتغيرات حسابا عند العلاج.

             إن هذه الدراسة منصبة أساساً على المجتمعات العربية عموماً، و المجتمع الجزائري بشكل خاص، وهي مجتمعات ناطقة باللغة العربية أصلا، ولأنها كذلك ستسهل على الباحث عمليتا الوصف، واقتراح العلاج، فكون هذه المجتمعات ناطقة بالعربية يجعل الحديث عن الأصوات العربية ومخارجها وصفاتها من باب التذكير، ومزيد التأكيد، ووصف المخارج وعلاج ما أصاب بعض الأصوات من انحرافات سيكون يسيراً، لأن اللحن أو الخطأ لم يصب كل الأصوات، وفي كل الأحوال، بل أصاب بعضها، وفي بعض المواضع، أما حينما تكون مثل هذه الدراسة تستهدف فئات أعجمية يكون الحديث عن الأصوات اللغوية من حيث المخارج أو الصفات أمراً ضروريا وشاقا، لغياب الكثير من مواصفات العربية وخصائصها النطقية أو التشكيلية، في حين أن الناطق باللغة العربية يملك المنطلقات الأساسية في الأداء مما يسهل على الباحث تحديد مواضع الخلل واقتراح سبل العلاج.

      والمجتمع الجزائري - في عمومه - يملك نطقا مقبولا لأصوات اللغة العربية، إن لم نقل جيدا، من الناحية الإفرادية سوى بعض الحالات والأوضاع يجب الانتباه إليها، والتركيز عليها، والسعي إلى معالجتها، لاسيما وأن الأمر مرتبط بالقرآن الكريم، حيث لا يسمح للمسلم أن يغرق في اتباع عاداته النطقية على حساب سلامة الأداء القرآني.

              ويصدق هذا الأمر في زماننا على ما ألفه الناس من العادات النطقية التي وفدت إلينا في أغلبها نتيجة التأثر باللغات الأجنبية والانحراف عن فصاحة العربية، ويؤكد الإمام ابن الجزري هذا المعنى قائلا : "وأما قراءتنا التي نقرأ ونأخذ بها القراءة السهلة المرتلة العذبة الألفاظ التي لا تخرج عن طباع العرب وكلام الفصحاء على وجه من وجوه القراءات" (1) .

               بناء على ما سبق وجب الالتزام في نطق الأصوات العربية  بمخارجها الصحيحة، لا يزيد في نطقها بالتكلف، ولا ينقص منه بالتقصير والتفريط، وكل تغير في نطق صوت من الأصوات من جهة مخرجه أو صفته سيخرج به الأمر إلى صوت غيره، فيفسد بذلك اللفظ ثم المعنى، يقول مكي : " ورتب تبارك وتعالى اسمه -  لها مخارج تخرج منها عند النطق بها من آخر الصدر الأعلى وما يليه من الحلق و الفم إلى أطراف الشفتين وإلى الخياشيم، لا يخرج حرف من مخرج غير مخرجه إلا بتغير لفظه، ولا يتعدى كل حرف عند النطق به عن مخرجه ورتبته التي أنزله الله  فيها "(2).

              إن التغير الذي يصيب الأصوات اللغوية في مخارجها أو صفاتها بمرور الزمن كان بعمليات التأثير التأثر بين اللغات، أضف إلى ذلك الضعف العام في اللغة من حيث بناؤها ودلالات ألفاظها يجعل المتكلم يرتكب أخطاء فادحة في اللغة لا يشعر بها و لا بخطورتها، حيث يغير نطق بعض الأصوات، أو أوزان بعض الكلمات أو أنواع الجموع أو ما تعلق بالتقديم والتأخير، فيتغير المعنى و هو لا يشعر، بل وفي أحايين كثيرة يغير الأصوات اللغوية بالإبدال أو القلب المكاني فيغير المعنى من غير  قصد، وسوى ذلك من المظاهر التي نعيشها يوميا لا في خطاباتنا اليومية أو في نصوصنا السردية بل وفي تلاوة القرآن الكريم أيضا... ولذلك فالحرص الشديد مطلوب على أن يتحرى متكلم العربية لاسيما قارئ القرآن من أن يخلط الأصوات ببعضها خاصة المتقاربة منها مثل : ض و ظ، أو د و ذ، أو ض و د، أو س وص ... فينتج عن الخلط بينها تغيرات كثيرة، تفضي إلى غياب المعاني المقصودة في كتاب الله تعالى، وهو أمر خطير، يقول الإمام الداني: " ألا ترى أنه متى لم يستعمل ذلك اشتبه لفظ الجميع وتغير المعنى، وفسد المراد"(3).     

             إن من بين العقبات الكبرى في وجه فصاحة اللسان العادات النطقية المستحكمة في ألسنة الناطقين باللغة العربية، وأخطارها متعددة على سلامة الأداء اللغوي الصحيح عامة و تلاوة القرآن الكريم على وجه الخصوص ، والعادات هي السلوكات التي يكررها الإنسان، وقد استحكمت فيه، وأصبحت جزءاً من سلوكه المستمر، والعادات النطقية هي أنظمة الأداء الصوتية التي تخالف النظام الصوتي للغة المعنية، وقد ألف الإنسان القيام بها، وترسخت فيه بكثرة التكرار و الممارسة، ويزيد استمرارها إذا لم يشعر الإنسان بخطرها على الأداء الصحيح للغة، أو عدم الرغبة في التخلص منها، لما في ذلك من مشقة وجهد، ورياضة مستمرة.

      إن هذه الانحرافات (العادات النطقية الخاطئة) في نطق الصوامت والصوائت تفضي في أغلب الأحيان إلى تحولات في الأبنية والتراكيب، واستحكامها في الألسنة يحرف الأداء الصحيح، ويبعد الناطق عن دوائر الفصاحة ، و الأسباب المشكلة لها كثيرة يمكننا أن نجمع أبرزها في شكل نقاط مركزة وهي:

         طبيعة البيئة، من جهة الحرارة أو البرودة، وما تعلق بهما من أحوال جوية أو تضاريس مثل: الرياح أو الثلوج أو الرمال أو البحار وهي بلا شك تؤثر في نظام الأداء عند الإنسان لأنها تفرض نظاماً غذائيا، وأسلوبا للمعيشة، وطرقا للتعامل مع الحياة ومتغيراتها، مما يصنع بمرور الوقت سلوكات لغوية من تفخيم وترقيق، وإمالة وفتح، وهمز وتسهيل، وحذف وإثبات، وإشباع وقصر، وسرعة وبطء واختلاس وإتمام ... كما أن أنظمة الغذاء أيضا واختلاف البيئات يشكل نظاما أدائيا عند الإنسان بحكم انسجام الإنسان مع بيئته وقد ذكر علماء اللهجات، إن الأداء اللغوي عند أهالي المدن يختلف في نظامه عن أهل البوادي و الصحاري...

        ولعل الجانب الخلقي يحظى بأهمية كبيرة من حيث تأثيره في طبيعة الأداء اللغوي مما يجعل الناطق ينساق وراء طبعه ووضعه، فتتشكل الأعضاء المسؤولية عن إنتاج الاصوات مع هذه الأوضاع وتتحكم بشكل كبير في عمليات النطق، فتراصف الأسنان وحجم الشفتين، واتساع المجاري الأنفية أو ضيقها وقوة الحبال الصوتية، وحجم الرئتين وطبيعة التحكم في عضلة اللسان وسوى ذلك من الأعضاء و الوضعيات له تأثير واضح في عمليات الأداء الصوتي المتتابع مما يفرض في غالب الأحيان على الإنسان عادات صوتية معينة في الأداء، وحتى ولو كانت منحرفة عن الأداء الصحيح لكنها الوضع المريح للناطق بحكم العادة و الإلف، وليس من السهل إعادة تدويرها أو تحويلها، أو إجراء تعديلات عليها، فإن ذلك يحتاج إلى رياضة ودربة.

          تتشكل بعض العادات النطقية الخاطئة نتيجة سوء التلقين في فترات التلقي الأولى، حيث يتلقى الإنسان أداء أصوات معينة بشكل خاطئ أو منحرف من معلم غير كفء، أو غير مدرك لخطورة الانحراف، أو في بيئة بعيدة على ملامح الفصاحة بجميع أشكالها، فيتلقى الإنسان هذه الأداءات بشكل تلقائي على أنها أشكال نموذجية ، فيداوم عليها وتكبر معه ويتشربها إلى أن تستحكم فيه، ولعل هذا الأمر هو الغالب فيما نحن عليه من العادات النطقية، أضف إلى ذلك غياب النموذج القدوة في الأداء الذي يتلقى من خلاله الإنسان السلوك اللغوي السليم كل ذلك يعرض أداءه للوقوع في مخالفات صوتية مجانبة للصواب، و العرب قديما كانوا على دراية كبيرة بهذا الأمر حينما كانوا يرسلون أولادهم إلى البوادي، حيث الفصاحة والأداء السليم، لتحصيل ما ذكرنا، فيتلقى الصبي الأداء اللغوي بشكل صحيح.

          من الأسباب التي لا ينبغي أن نهملها، و التي أسهمت بشكل كبير في تشكل العادات النطقية الخاطئة في أدائنا لأصوات اللغة العربية احتكاكنا الكبير باللغات الأجنبية (الفرنسية عندنا في الجزائر) بحكم الاستعمار الذي طال أمده، فأثر سلبا على الكثير من ملامح الأداء اللغوي، بسبب الـتأثير و التأثر الحاصل بين الأصوات اللغوية، وهو أمر طبيعي في عالم الأصوات اللغوية.

      هذه بعض الأسباب المؤدية إلى تشكل العادات النطقية أو التي تدعم استمرارها، وليس الأمر مقصوراً على ما ذكرنا، لكنها إشارات موجزة أردنا من خلالها أن نسلط الضوء على ما نراه مسهماً في تشكيل تلك العادات أو داعماً لبقائها.

             إن هذه العادات النطقية تتشكل ببطء شديد، وبصورة غير مقصودة ، ويعمل فيها الزمن عمله، ويسهم في تشكلها عوامل كثيرة، وتستمر مع الإنسان مدى الحياة، مع شيء من التغيرات الأدائية الني تدخل ضمن التحولات النطقية لدى الإنسان بحكم التغير البيولوجي، والتي تعرف نماءً وتحولات بمرور الوقت وتغير المؤثرات وطبيعة الثقافة والرغبة في تعديلها، فهي عادات قابلة للتعديل أو الإزالة إذا وجدت في الإنسان مجموعة من المؤهلات مثل: الصبر، وعامل الوقت، وكثرة الممارسة ... ويتمكن الإنسان من تعديلها وتحويل مسارها، ومثلما ترسخت بمرور الوقت، يلزمها أيضا شيء من الوقت لتزول،    

           رغم اختلاف الناس في نظام الأداء الصوتي بما يمكن أن نسميه بالبصمة الصوتية ، فإن الإطار الصوتي العام للأداء واحد لا يخرج الأصوات عند أدائها عن خصائصها ، ومهما اختلف الناس في طبائع أدائهم عبر اللهجات المختلفة للعربية ، فإن نطق الوحدات الأساسية يبقى واحدًا، فقد نختلف في الإدغام والفك، أو التفخيم والترقيق ، أو التسهيل والهمز، أو الإشباع والقصر، لكن نطقنا للوحدات الصوتية الأساسية ( الصوامت والصوائت ) يظل واحدًا في عمومه من حيث المخارج أو الصفات.

             ومهما اختلف الناس في طبائع أدائهم للأصوات، فإن وجوب الالتزام بأداء الأصوات اللغوية كما نطق بها في العهود الأولى للفصاحة يبقى واجبًا، ومثلما انحرفت سلوكات الناس في أخلاقياتهم ومثلهم فإن العودة بهم إلى حالات الصفاء والفطرة الأولى من أهم مستهدفات الأنبياء والدعاة عبر تاريخ الإنسانية . والهدف الأساس من تقويم السلوك اللغوي للناس والعودة به إلى مراتب الفصاحة كون الأمر واجبا في حق كتاب الله تعالى، فإذا اتبعنا عاداتنا النطقية وانحرافاتنا وطرق أدائنا عبر الزمان والمكان ، سينصرف بنا الأداء إلى مآلات بعيدة جدا عن العربية كما أنها في تلاوة القرآن لا تجوز.       

            والناس بمختلف شرائحهم مختلفون في أجسامهم وفي أشكالهم وألوانهم ، وفي قسمات وجوههم، وفي تشكلات أعضاء النطق الثابتة والمتحركة ، وفي ترتيب العمليات الذهنية عند إنتاج الأحداث الكلامية وفي بيئاتهم وأزمانهم ولغاتهم وعاداتهم النطقية... كل هذه المحددات تجعلنا نؤكد على عدم وجود نقطة دقيقة لإصدار الصوت اللغوي الواحد، ولعل النحاة القدماء كانوا على دراية جيدة بهذه الحقيقة ، فلم أقرأ عن واحد منهم أنه حدد مخرج الصوت بدقة متناهية، أو نقطة محددة جدًا، بل كلهم ذكروا المخارج في شكل أحياز واسعة نسبيًا تترك متسعا للناطق كي يوظف قدراته النطقية في إنتاج الأصوات اللغوية، فلم يضيقوا واسعا. وكذلك فعل السادة القرّاء عند وصفهم لمخارج الأصوات تأسيا بمنهج النحاة.

               كما أن النحاة والقرّاء نسبوا للحيز الواحد أكثر من صوت، وهذا دليل آخر على سعة المخرج ، فقالوا مثلا : العين والحاء من وسط الحلق، والجيم والشين والياء من وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك الأعلى، والطاء والدال والتاء مما بين طرف اللسان وأصول الثنايا ، والظاء والذال والثاء مما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا، والباء والميم والواو مما بين الشفتين ... وكلها تحديدات واسعة تفتقر إلى التحديد الدقيق لموضع خروج الصوت وطريقته، ولذلك يعتمد في تلقينها على المشافهة والتدريب، ودقة الالتزام بالصفات المصاحبة للصوت مما حدده النحاة والقرّاء الذين ذاقوا هذه الأصوات وتمثلوها، وعاشوا في بيئاتها الأصلية أو كانوا قريبين من ذلك.

               إن هذه الحقيقة تساعدنا على الترفق بالناطقين عند تعليمهم أصول النطق والأداء الصحيح، فالأمر فيه يسر و سعة، فلا نضيق على الناس ما وسعه الله تعالى عليهم ، إلّا إذا خرج الأداء عن طبيعته وخصائصه ولامس مخرجًا آخر واكتسب صفات مغايرة ،كما سنرى ، فتحول إلى صوت آخر، فلابد بعد ذلك من التدخل وإصلاح الخلل،

            إن دراسة المخارج كما قررها النحاة والقرّاء كانت مصممة لأجيالهم، وتلبي احتياجاتهم، حيث الفصاحة والقرب من منابع العربية الصحيحة، لكن بعدنا اليوم عن زمن الفصاحة وطغيان العادات النطقية، جعل الحديث عن المخارج يفرض شكلا آخر يتناسب مع الظروف المستجدة،

               وسنعمد في هذه الورقة البحثية إلى عرض بعض الأصوات اللغوية العربية على سبيل التمثيل، بذكر مخرجها الأصلي كما قرره النحاة والقرّاء، ونذكر الكيفية العضوية التي يخرج بها، ثم نشير إلى أشكال اللحن والخطأ التي عمت وانتشرت في بلادنا مما أفسد جمال الأداء اللغوي الفصيح ، وسنركز على الأصوات التي مسها التغير فقط، بفعل العادات النطقية أو الجهل بطبيعتها الصوتية.

           إن قضايا اللحن والانحراف في نطق الأصوات اللغوية تلامس المخارج والصفات معا ، ولذلك سوف لن نعزل قضايا المخارج عن قضايا الصفات عند عملية الوصف والتحليل إلا من باب التقسيم المنهجي من أجل أن تكون الصورة واضحة ،وسنمثل بثلاثة أصوات مسها اللحن بشكل واضح ، وهي : التاء والثاء والجيم .

             صوت التاء : التاء صوت يخرج مما بين طرف اللسان وأصول الثنايا العليا، والثنايا هي السنان الأماميان العلويان والسفليان، وتسمى أيضا الثنيتين العلييين والسفليين فحينما نضع طرف اللسان، (جزؤه الأمامي) على منبت الثنيتين العلييين، وهو الموضع من اللثة الذي تخرج منه الثنيتان، ونوقف الهواء تمامًا ثم نفك الضغط بانفصال طرفي حجز الهواء يصدر صوت التاء، ولذلك تتصف التاء بالشدة وهي انحباس الهواء في مخرج الصوت انحباسًا كاملًا. فإذا تزحزحنا قليلا عن هذا الموضع إلى الأمام أو إلى الخلف سيتغير جرس الصوت.

             ويقع اللحن في هذا الصوت في كثير من مناطقنا بالجزائر، وبأشكال كثيرة منها نطقها قريبة من ( تس )، وهي كثيرة في قسنطينة، و جيجل ، وميلة، و سكيكدة، وبسكرة، والوادي، وورقلة ، وتقرت ، وتلمسان، وسيدي بلعباس، و... وهي بلا شك لحن فضيع من نواح عديدة، منها:

                تغير في مخرجه، بتحريك طرف اللسان من موضع أصول الثنايا إلى وسط الثنايا، وهو موضع مقارب لمخرج أحرف الصفير، وهي السين والصاد والزاي، وبذلك يكسو صوت التاء عند أدائها رخاوة وصفير.

                 تغير في الصفة، لأن تغير مخرج الصوت يؤدي إلى تغير في صفته، وكلا من السين والصاد والزاي أصوات رخوة صفيرية، وعليه تكتسب التاء المنحرفة شيئا من الرخاوة والصفير، اكتسبته من رخاوة أصوات الصفير الثلاثة (س،ز،ص) نتيجة التداخل المخرجي، يقول الشيخ عبد الوهاب القرطبي : " ومما يسرع إليه أن شوائب الصفير قد تلحقه فيتصل به طرف من الزاي والسين "(4) ،ويقول الصفاقسي: "ومنها إبدالها سينا أو كالسين فيحدث فيها رخاوة وصفير، وقد كثر هذا على الألسنة، وأحرى إن كانت ساكنة نحو فتنة، واتل حتى أن بعض من كثر جهله وضعف عقله يستحسنه ويجعله من الفصاحة ورقة الطبع، وهو لحن لا تحل القراءة به، فاحذره وحذر منه".(5)

                 بعض الناس ينطقونه ( تش )، فإذا كان اللسان يتقدم نحو الخارج في الحالة الأولى عند النطق بــ ( تس ) إلى موضع السين، فإنه في هذه الحالة يتراجع اللسان إلى الوراء قليلا عند قطع الهواء باتجاه اللثة تاركا موقعه الأصلي، مقتربًا من وسط اللسان، وهو موقع الأصوات الشجرية (ش،ج،ي)، ولذلك يمتزج التاء بالشين، فتصبح التاء المنحرفة رخوة برخاوة الشين، وهو أيضا لحن يجب اجتنابه وتصحيحه.

                   بعض الناس أيضا يبالغون في نطق التاء فيرفعون اللسان عند النطق به باتجاه الطبق فيقترب التاء كثيرًا من صوت الطاء، إذ لا فرق بينهما إلّا التفخيم والترقيق، والإطباق والانفتاح، وقد عدّ سيبويه هذا النوع من الأداء مستهجنًا، قال: "والطاء التي كالتاء" (6)فمثلما لا يجوز النزول بالطاء إلى مرتبة التاء فتضعف خصائصها، ويزول إطباقها كذلك لا يجوز الصعود بالتاء نحو الطاء فيختفي ترقيقها وانفتاحها، يقولون في تمر: طمر، وفي أنت: أنط، يقول الصفاقسي: "ومنها إبدالها طاء وأكثر ما يكون إذا جاورت حروف الإطباق..." (7)

                 إن هذه الحالات الثلاث المذكورة آنفًا (تس، وتش، وط) والتي تمثل بدائل منحرفة عن صوت التاء نتجت من تجاور الأحياز المخرجية، فكلما ابتعد الناطق عن مخرج صوت ما وقع حتما تحت تأثير المخرج الجديد بكل ما يتضمنه من خصائص صوتية، فيفسد بذلك الوقع السمعي للصوت ويقع الانحراف واللحن.

                    ومن اللحن في إنتاج صوت التاء أيضا ارتفاع طرف اللسان من أصول الثنايا قليلا باتجاه الحنك اللين ، فينتج صوت فيه شيء من الرخاوة يشبه صوت الدال يختلف في وقعه السمعي عن صوت التاء الشديدة، وهذا الأمر يتبين فقط بالمشافهة.

            قد يشعر المتعلم أثناء تصحيحه لفظ التاء والعدول به إلى الأداء الصحيح بشيء من الغرابة والصعوبة في اكتساب النطق الجديد، لكن بالممارسة المستمرة والتكرار، واستشعار المسؤولية اتجاه القرآن الكريم، والسعي نحو سلامة التلاوة يمكنه أن يتغلب على ذلك الشعور، وتلك التصورات، وتلك المشقة، وحينما يداوم المتعلم على السلوك اللغوي الصحيح يصبح مألوفًا لديه، بل يستهجن غيره، والله سبحانه وتعالى ييسر لعباده سبل الخير والإصلاح ونوايا التقرب. وإذا استطاع المتعلم أن يغير السلوكات اللغوية الخاطئة خارج إطار التلاوة، أي في خطاباته اليومية فليفعل تأسيا بلغة القرآن، فإذا شق عليه ذلك وعسر عليه متابعة التصويبات في سائر كلامه فليركز جهده على تلاوة القرآن الكريم، وليعتبر ما سواه من قبيل الأداءات اللهجية التي جعلها الله تعالى متسعا في النطق وصورة من صور الإعجاز في الخلق والحياة (واختلاف ألسنتكم).

                  صوت الثاء : يخرج الثاء مما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا، فعندما يلامس طرف اللسان أطراف الثنايا العليا والسفلى معًا، وكأنك تعض لسانك عضا خفيفا جدًا ليتمكن الهواء من التسرب عبر جنبات اللسان عند عملية القطع، فهو بهذا الوصف صوت رخو يقع فيه الخطأ بأشكال كثيرة من جهة مخرجه، أبرزها إبداله تاءً بشكل كامل، وهذا في كثير من مناطق بلادنا، وتظهر بشكل بارز عند أهالي أشقائنا بالمغرب الأقصى، وبعضنا أيضا يبدل الثاء تاءً صحيحة النطق، فإذا صادفته تاء في سياقات اللغة نطقها تس، أو تش وهذه من المفارقات النطقية، تماما كما هو الحال في صوتي الغين والقاف.

                 ومن أشكال اللحن فيها قلبها سينًا عند أهل مصر، يقولون سُمّ في ثُم، السقافة في الثقافة ، والسَّبات في الثبات، وهكذا. وهو وسابقه لحن يجب اجتنابه ووضع كل صوت في موقعه من الأداء لاسيما في تلاوة القرآن الكريم.

                   إن الحالات المذكورة المتعلقة بصوت الثاء لا تمثل انحرافا مخرجيا بقدر اعتبارها إبدالًا يدخل ضمن تأثير العادات النطقية، فيجب الحرص على الالتزام بالأصوات في مواقعها من الأبنية، لأن عمليات الإبدال في كثير من الأحيان تؤدي إلى تغير كبير في المعنى مما يؤثر على سلامة التلاوة.

                صوت الجيم : هو صوت شجري، يخرج من وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك الأعلى (سقف الفم)، فحينما يلامس وسط اللسان آخر الحنك الصلب من جهة اللهاة ملامسة شديدة، ينحبس الهواء معها انحباسًا كاملًا ينتج صوت الجيم، فإذا لم تكن الملامسة شديدة تسرب الهواء، وتسربه ينقله من الشدة إلى الرخاوة وقريبًا من ذلك يحدث مع صوت الياء التي تشترك معها في الحيز، ولذلك نجد بعض اللهجات العربية من يقلب الجيم ياءً، وهي قي مناطق الخليج ظاهرة يقولون : ريَال في رجال، حيا الله من يانا في حيا الله من جانا، الدياي في الدجاج ... وهذا الإبدال ناتج من التقارب في المخرج أو لنقل الاشتراك في الحيز.

                والوجه الآخر لانحراف النطق بالجيم هو تشبيهها بالشين، وهما أيضا من الحيز نفسه، لأنه إذا أكسبنا الشين شيئا من الجهر تحولت إلى الجيم الشائعة في عالمنا العربي، وكثيرا من مناطق الجزائر عدا بعض المناطق كالعاصمة وضواحيها وبلاد القبائل، وبعض مناطق الشمال الشرقي مثل سطيف وبرج بوعريريج.

                  حينما تفقد الجيم شدتها، ويجري مع أدائها الهواء كالشين، تنتقل من الفصاحة إلى الاستهجان، وقد عدها سيبويه من الأصوات المستهجنة قال "والجيم التي كالشين"(8)، وهذا التشبيه في تعريف سيبويه يفيد إكساب الصوت الأول (الجيم) بعض خصائص الصوت الثاني (الشين)، وهي الرخاوة، فهو انتقال بالصوت من القوة إلى الضعف في هذا استهجان في الأداء، ويقابل هذا المعنى أن في الأصوات المستحسنة "وتكون خمسة وثلاثين حرفا بحروف هن فروع وأصلها من التسعة والعشرين، وهي كثيرة يؤخذ بها وتستحسن في قراءة القرآن والأشعار وهي:... والشين التي كالجيم"(9)

                  إن هذا الصوت أعني الجيم المشبهة بالشين في رخاوتها والتي أصبحت منتشرة جارية على الألسن، متأصلة في الطبع مستملحة في الأداء أخرج الجيم عن طبعها وفصاحتها، وقد سماها الشيخ القاضي ابن حامني الموريتاني بالجيم الصنهاجية، وقد عبر عن انحرافها بالبدعة الفضيعة الشنعاء، يقول : "فلنصرف عنان القلم عن ذلك ولنجعل الختام - ختم الله لنا بالحسنى - بالكلام على البلية والداهية الدهماء والبدعة الفضيعة الشنعاء، وهي الجيم الرخوة المتفشية أعني الجيم الصنهاجية، التي فشت في هذه البلاد المغربية، واستحكمت، واعتقدها المعتقدون، واستحسنها كل الاستحسان من على طبعهم وقرائهم معتمدون، لا يسمعون فيها لومة لائم ولا نصح ناصح، وكونهم على هدى من ربهم يزعمون"(10)

           لقد أكد علماؤنا قديمًا على وجوب التحفظ من أن تفقد الجيم شدتها فتتشبه بالشين، يقول القرطبي: "ويتوقى فيه دخول الشين عليه، واختلاطها به"(11)، ويقول ابن الجزري : "وجب التحفظ من أن تجعل شينًا لأنهما من مخرج واحد، فإن قومًا يغلطون فيها" (12)

              ومن صور اللحن فيه أيضا أن يلحقه شيء من الزاي فيقترب منه حتى ليكاد يبدل به، يقولون: زاء في جاء وزميع في جميع... ، وقد أشار القرطبي إلى هذه الحالة قائلا: "وقد تطرأ عليه شائبة من الزاي"(13)، فليحذر القارئ من الانحراف بنطق هذا الصوت إن من جهة تغيير مخرجه أو بعض صفاته.

                   ومن صور اللحن في صوت الجيم التي لا توجد عندنا في بلاد المغرب، بل نجدها في مصر، والخليج، وهي إبدال الجيم ق، وهي بين القاف والكاف، وذلك في مصر وما جاورها من بلاد السودان، وإبدالها ياءً عند بعض أهل الخليج العربي كما سبقت الإشارة. وهذه الصور جميعها لحن لا يجوز في تلاوة القرآن.

           هذه بعض صور اللحن في نطق الأصوات اللغوية العربية بفعل العادات النطقية التي استحكمت في ألسنتنا ، والتي لا تزول برغبة منا واستشعار المسؤولية اتجاه هذه اللغة وأيضا بالرياضة المستمرة لاسيما وأن الأمر متعلق بتلاوة القرآن الذي ينبغي تلاوته بأصوات اللغة العربية لا بغيرها .

الهوامش والإحالات

$11-    التمهيد في علم التجويد: ص 57.

$12-    الرعاية : ص3.

$13-    التحديد في الإتقان والتجويد : ص163.

$14-    الموضح في التجويد: ص 102.

$15-    تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين: ص51.

$16-    كتاب سيبويه: 4/432.

$17-    تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين: ص51.

$18-    كتاب سيبويه: 4/432.

$19-     كتاب سيبويه: 4/432.

$110-كتاب ملاحن القرّاء: ص 144، 145.

$111-الموضح في التجويد: ص 103.

$112-التمهيد في علم التجويد: ص 123.

$113-الموضح في التجويد: ص 103.