البعد الاجتماعي في شعر الشاعر الشعبي أحمد عطااللهpdf

 

 

الأستاذة: حميدة سعاد

المركز الجامعي: عبد الحفيظ بو الصوف

تمهيد:

      الأدب الشعبي كان و لا يزال مرآة صادقة تعكس تاريخ مجتمع من المجتمعات، بل نتعرف من خلاله على حضارة شعب من الشعوب فهو يشكل صورة ناطقة متحركة، تعبر عن ثقافة هذه الشعوب و طموحاتها و تطلعاتها و آمالها و آلامها و الشعر الشعبي و هو أحد فروعه لطالما شكل معلما بارزا من معالم الذاكرة الشعبية الجزائرية، فكان ارتباطه وثيقا بحياة الإنسان و بيئته.

      فالشعر الشعبي هو ديوان العرب، الذي مكن للثقافة العربية عموما و الجزائرية بصفة خاصة من أن تظل محافظة على قيمها بفضل حفاظها على موروثها الثقافي الذي يشكل ذاكرة الوعي الجمعي.

      و لقد طرق الشعراء الشعبيون كل الأغراض من فخر و رثاء و غزل و حنين، و لم يغفلوا معطيات واقع الشعب الجزائري فأرخوا له بطريقتهم " و لم تكن تلك الصور التي يلتقطها الشاعر و لا الخيال الحر و لا أي مظهر آخر ليخرج الشعر من واقعيته فهي جميعا تشترك في رسم أبعاد الواقع الاجتماعي"1، و لقد وقف الشعراء الشعبيون يصورون جوانب من الحياة الاجتماعية فأتت قصائدهم مشحونة بمعايير تحدد قواعد للسلوك" فيها من الغضب و الثورة على الأوضاع الساسية من جهة و الغضب على تدهور الحياة الاجتماعية بما فيها من تدني الأخلاق و فساد القيم خاصة فساد الذمم من جهة أخرى"2.

     و الشاعر السوفي أحمد بن عطالله انطلق من واقعه المعيشي و يومياته التي خطّها شعرا جميلا  ينضب بالحكم حاول من خلاله رصد هذا الواقع الاجتماعي والإشارة إلى ما يراه من مفاسد منتشرة فيه، لذا حاولت في هذه  الورقة تتبع هذا البعد الاجتماعي في شعره و الكشف عنه.

التعريف بالشاعر أحمد بن عطا لله:

     "ولد أحمد بن عبد القادر بن عطالله في حي صغير بضواحي البياضة جنوب مدينة الوادي، يسمى حي العبابسة حوالي سنة 1980م و هو ينتسب إلى قبيلة العزازلة الذين يعتقد أنهم أشراف.

    نشأ الطفل أحمد في البادية على رعي الغنم بعد أن تردد على كتاتيب القرية فحفظ شيئا من القرآن الكريم و  لما اشتد عوده أخذ يمارس التجارة في سوق مدينة  الوادي، ثم هاجر بعد ذلك إلى منطقة وادي ريغ فاستقر في قرية سيدي سليمان يعمل في غراسة النخيل و بعد الاستقلال عاد ثانية إلى مسقط رأسه فاستقر في قريته البياضة إلى ان توفي سنة1974م"3

   لقد أشار  الدكتور أحمد زغب الذي يعود  له الفضل في جمع و توثيق الديوان إلى أنه بالرغم من استقرار  الشاعر في البادية و لفتها انتباهه فيما أثر عنه من شعر" فإنه لم يتأثر بطرائق البدو في صياغة قصائده، و لا في مضامينها إنما كان له منحى مختلف فإذا كان البدو يتفاعلون عاطفيا مع المواضيع و يبالغون في الغزل و  الرحلة و  الصحراء و  التعلق بالطبيعة، فإن عطالله لم يحفل بهذه الموضوعات إذ كانت نزعته غالبا تأملية في شؤون المجتمع  و الحياة"4 حيث ينطلق من واقع الحياة الاجتماعية، و يعتمد على  ما يعتبره معايير اجتماعية و دينية.

   و قد كشف الدكتور زغب أن معظم شعر عطالله ينتمي إلى ما يطلق عليه في تونس و في دراسات محي  الدين خريف على  الخصوص شعر العكس، أو ما يسمى بشعر المفارقة الاجتماعية، " و العكس في اللغة هو القلب نقول عكس الكلام عكسا أي قلبه و رد آخره على أوله، و هو عند الشعراء الشعبيين ضرب من القول صار بعد ذلك غرضا من أغراضهم و هو منبعث  من رؤيا اجتماعية للأوضاع التي يعيشها الشاعر مما يجعله يرى الأشياء قد صار عاليها  سافلها و أن الخسيس صار سيدا و الحر صار مستعبدا للباطل، و الذئب الذي كان يخيف أصبح يختفي هاربا من الغنم... و بذلك ينقم الشاعر على الحياة و يفر إلى الموت في عالم انعكست قيمه، و في ذلك إشارات لا تخلو من رموز و إيغال في قلب الأشياء بسبب عكس الزمان و جوره"5.

   أما مصطلح المفارقة فنجده في معجم المصطلحات الفلسفية يعني " رأي أو ظاهرة مخالفة لما هو متوقع أو مألوف أو مقبول"6 و لهذه الظاهرة أنواع عديدة و قد عرفها الأدب العربي و حضرت في الشعر الفصيح، و لم يستتثنى الشعر الشعبي حيث تجلت فيه هذه المفارقات و الواضح أنه  "كلما تجلت المفارقات خرج الشعر عن ذاتية الشاعر و اندمج في  البنية الاجتماعية"7 .

    قد شكل شعر( أحمد بن عطالله ) رسالة نقدية موجهة لما لمسه في المجتمع من حياد عن السبل السليمة و الخروج عنها فكان شعره عينا ساهرة ترصد كل تبدل أو تغير يعتري المجتمع، أو كل تخل عن القيم الموروثة فيثور مدافعا  عنها متحسرا عن الأحوال التي كان عليها المجتمع.

    و كان عطالله بحسب ما حفظته الذاكرة الشعبية له من أشعار من الشعراء الحريصين على استقامة المجتمع و إيقاظ روح الوعي فيه حتى تظل قيمه حية، فلا يتسلل إليها  الفساد و لا تطالها أيادي الهدم.

    و من خلال تفحصي لبعض قصائده وجدته حينا ناقدا و حينا آخر حاثا مرغبا فيما يراه أفضل من القيم فكانت هذه العناوين مواضيع شعره:

1- نقد الطباع و السلوكات  السيئة لدى  الفرد:

    فالشاعر و من خلال إحدى قصائده يبدو ناقما على بعض الخصال السيئة التي أصبحت تستهوي أفراد المجتمع و قد نهى عنها ديننا الحنيف، ففي غمرة الجلسات الحميمية يتناسى الناس أثرها السلبي و يبالغون في الاتصاف بها و هي الغيبة و النميمة حيث هما من أكثر الصفات  المساهمة في تفرقة الأفراد و غرس العداوة بين صفوفهم فيقول :

فيق  حضر نفسك و سياستك أو قيس   بالصحيح انبيني عن حالتك و حالي

 ثور لوّح رجلك واجلس مع التريس8    من حذاهم تمشي مدقوق بالعوالي9

 يتحدثوا بالفارغ و اللعب بالنكيس10     الزمان وناسة الكل سيرهم التالي

 راكبين سفينة سوّاقها ابليس            الغني والفقري نايا مع امثالي" 11 

     إن الشاعر هنا يطرح انشغاله بقضايا مجتمعه، لأنه يدرك مدى المسؤولية الملقاة على عاتقه فمن واجبه التنبيه لمثل هذه المظاهر الدخيلة و المناقضة لما هو مرغوب فيه اجتماعيا، بحيث يحث على تجنب مثل هذه السلوكات داعيا إلى محاربتها فجلساتهم تلك جاعلين أعراض الناس مواضيع أحاديثهم شبيهة بامتطاء مركبة قائدها إبليس ما يعني المصير السيئ المنتهين إليه، و قوله " مدقوق العوالي" يعني ذلك الأثر المؤلم  لكلام النفس و هم يلوكون غيرهم بألسنتهم فتماثل طعنات الرماح الموجعة في الجسد.

     ثم ينتقل الشاعر إلى الحديث عن ظواهر اجتماعية و أخلاقية منتقدا انتشارها بين الناس و هي اضمحلال صفة خوف الأفراد على بعضهم، بحيث لا تعد صفة القرابة الرابط الوحيد لبث هذه الميزة، و إنما رابط الجوار و الإنسانية عموما دافع مهم ليخاف الناس على بعضهم، فبدت نبرة الشاعر حادة و هو ناقم على سواد القلوب بحيث قال:

القلوب اسودّت كصبغة الغطيس          المستمع و العالم و الحكّمة

يعود ديمة اجلّي و إن حضر الرفيس      قال لي يا خوي في حجرتي أولالي"12

إن الشاعر يشير إلى انتشار مثل هذه الصفات الذميمة، فأصبح الفرد منشغلا عن التفكير في أحوال غيره لأن مصالحه أصبحت أولى.

و من جانب آخر قد غيب أصحاب الصلاح في زمن طغت فيه المصالح الشخصية، و صمّت الآذان عن سماع أصواتهم الداعية إلى الطريق السليمة، فلم تعد لهم مكانة، حيث تلاشت القيم و ضاعت و لم يعد الحديث عنها مهما فيقول:       

  أولملاح اتخبّت سكان في الدهاليز        يشبهو المنسية الي ما عندها امّالي

  حالهم متذبل حال لغريب و هسيس        وين مسقط راسه يتعدّ صفر خالي" 13

فغياب خيرة القوم( لملاح) الذين بيدهم إصلاح المجتمع بسبب انتشار المفاسد التي غلبت كفتها و علت ساهم بشكل كبير في اتساع الهوة بينهم و بين الأفراد، فأصبح حالهم تماما مثل الشيء المنسي المهمل.

و من جهة أخرى يتحسر الشاعر على ما أصاب المجتمع من تغيير و ظهور سلوكات كانت في عهد مضى أمور غريبة فبعدما كان مجتمعنا محاطا  بقيم الحياء و التعفف، أصبحت اليوم رداء يلبسه الفرد حينا و يخلعه فقال:

الحياء و التقوى ملبوس كالبرانيس            الشّرك منصوبة اعطف على مقالي

بالرباء و الغيبة و الزور و التفلفيس         يبخلوا لتعدّى و ينسلو التالي

آه ما اكبر وحشي لا عدت نوجد ونيس     في الحياة  الدنيا لا خل كان مالي"14

الشاعر من خلال أبياته يوجه نقدا لاذعا لمثل هذه السلوكيات، حيث القيم أصبحت مثل الأردية يصطنعها الفرد زمنا و بانقضاء مصالحه يخلعها عنه و تلك أكبر المصائب، و أضحى همّ الناس تصيّد أخطاء و نصب الأشراك لبعضهم مما يوسع الهوّات بينهم كل لحظة، فلا يبقى للواحد أنيسا غير ماله إذ بفقدانه هو أيضا تتدهور أوضاعه لأن الفرد خسر كل المحيطين به.

و الشاعر عبر أمثلة من شعره يدعو الناس فيها إلى التحلي بالأخلاق و الدعوة لها مرارا لإصلاح الأحوال و لكن إن جار المجتمع و فسد و اختلطت أموره ،و لم تنفع  مجهودات الراغب  في المحافظة على هذه القيم فالأحرى بالمصلح هجرانه إذ يقول:

    بلاد الّي فيها كاع15و راس       ما تسكنش فيها الناس

  ارحل و تعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدّى          ما تكيدكشي بعد الرّدة 16

الناس الّي غارولك بالسّدة 17        ما تجاورهمش بالساس "18

فحين تختلط أمور المجتمع و يصبح عاليه سافه، و يكيد الناس لبعضهم فالأفضل هجران المكان و عدم مجاورة من تتوسم فيه الإساءة.

2- نقد النفس و دعوتها للاعتراف بالأخطاء و التوبة:

     الجميل في شعر أحمد بن عطالله، أنه يحاسب نفسه و يوجه لها اللوم لتستقيم قبل أن ينقد مجتمعه و يدعوه للصلاح و هو في شعره بدا حريصا  كل الحرص على تبني قضايا مجتمعه، فلم يتوانى في التنبيه و التحذير و الإشارة إلى كل دخيل على عاداتنا و نصّب نفسه حاميا للقيم و داعيا لها و لو على نفسه،إذ نجده في عديد القصائد ينتقد في نفسه بعض السلوكيات  فيقول:

من جرايم نفسي لقّطت كل عيب       في سلوك المعنى انحبّوه يتّحصر"19

   حتى يصل لقوله:

طالبك يا ربي من نعمتك اتهيب   على الضعيف الّي كيفي ع النفس يتّنصر

فاجرة أو نصّابة و أحبالها تجيب        و الهوى راميني في غوامق البحر

حبّيت كي نتخلص كي بان لي الشيب  أو في عقابي ترجى سكرات  القبر"20

       لقد استعان أحمد بن عطالله في قصائده بالمعاني و الألفاظ الرمزية حتى تصل الفكرة في رونق، تعجز اللغة العادية على إيصاله فهو قد جعل للنفس الأمارة بالسوء حبالا بها تصطاد من لا وازع ديني له، و جعل التيهان في ملذات الحياة و الانشغال عن ما يحقق للإنسان راحة النفس، مثل الغوص في أعماق البحار حيث نهاية الحياة.

    و المميز في شعر عطالله هو توجّهه إلى محاسبة نفسه أولا بتوجيه العظة لها لصقلها ،ثم  نقد عيوب غيره و الأخذ بأيديهم و انتشالهم من متاهات  الضياع، و هو في إحدى قصائده يتحسر على نفسه لانصياعها لوسوسة الشيطان فيقول:

يا خسارة نفسي ما غرني إبليس      اللسان عندي دايم حصّاد في قدالي21

نبيع في الآجل بالعاجل الرخيس        في مبادي تجرى ضيّعت راس مالي

بنيت بني مشيّد أو قصّيت دون قيس أومن حذايا صدّو عمومتي وأخوالي"22     

فالإنسان حين يغره الشيطان فيتمادي في التكلم فيمن هم غائبون و يفضح أسرارهم، يكون قد بدل آخرته بدنياه و من هنا تبدأ خسارته الكبرى لأن تقديره للأمور كان خاطئا، فينفض من حوله الجميع بل كل قريب.

3- الدعوة إلى التحلي بالقيم و الخصال الحميدة:   

     و لأن شعر بن عطالله يتأرجح بين النقد حينا و الدعوة إلى سلوك ما حينا آخر، فهو مثلما انتقد عديدا من الطباع السيئة  في مجتمعه وفي نفسه و حذر منها، فهو من ناحية أخرى يدعو لكثير من القيم و الخصال الطيبة فيقول:

السّر عندك دسّه لا تودعه لقريب      أدفنه في ضميرك كي ميّت لقبر

بالكتم عين أحوالك باش تحصد           لا تقولش قالو لا تصك23 لا تقر

هز فيدك تسريح الحكم كي تغيب       كون عاقل كيّس بالنفس لا تضر24

      لقد كانت نصائح الشاعر عبارة على حكم هي وليدة تجاربه في الحياة، و الآخذ بها سيجني من ورائها متانة العلاقات بينه و بين غيره حيث حفظ السر و عدم إفشائه، و حسن تسيير الأمور و لو في حال الغياب و حسن المعاملة هي وحدها مفاتيح النجاح.

4- الحث على السعي و عدم التعلق بالدنيا:

      نجد ابن عطالله و من خلال معالجته أمور المجتمع، و أحوال الدنيا، قد ضاق مرارتها فراح يحذر من مجاراتها و اتّباع أهوائها لأن الإنسان لا يأخذ معه شيئا منها، داعيا في نفس الوقت أن يحرص الفرد على الكدّ و العمل فيها دون التوكل على غيره في العيش إذ يقول:

عن ذراعك عرّي اخدم و ماهوش عيب       ما تهزّش في قلبك دنية لغرر

كل من يرفعها عن صحته يطيب        و الّي جعلها ذخرة في تجارته خسر

شوف للّي ملكوها من الشرق للمغيب      أدّوش منها خاطي لكفان للقبر

قدّاش علّت راوي و تصّدر لمغابيب 25        بالزمام تتبع حكمة لقدر

خضت وسط بحرها من الصغر للمشيب    ما لقيتش حلوة إلا بذوق مر"26   

   يبدو الشاعر متشربا لحكم الأوائل التي تدعونا أن نعمل للحياة و كأننا سنعيش الدهر كله، و أن نعمل لآخرتنا و كأن موتنا غدا، فهو بصريح العبارة يدعونا أن لا نجعل الحياة هدفا و ذخيرة لأن ذلك مثل الدخول في تجارة خاسرة و لأن الإنسان سيغادرها فارغ اليدين مرفوقا بأعماله فقط، فراح بلغة رمزية جميلة يحذرنا من مجاراة هذه الدنيا الفانية لأنها لا تؤمن عواقبها لتقلبها.

5- هجاء العصر و تقلب أحواله:

و هنا يبدأ الحديث عن معاكسات الزمان و جوره و تعديه في نظر الشاعر، فتظهر نوع من المفارقات الاجتماعية و هذا العكس نجده في الشعر الفصيح في نماذج عديدة لعل من أكثرها أبيات المعري في قصيدته اللامية المعروفة " إلا في سبيل المجد ما أنا فاعل" حيث يقول:

 " إذا وصف الطائي بالبخل مادر        و عير قسا بالفهامة باقل

  وقال السهى للشمس انت ضئيلة       و قال الدجى للصبح لونك حائل

 وطاولت الأرض السماء سفاهة       و فاخرت الشهب الحصى و الجنادل

 فيا موت زر إن الحياة ذميمة          و يا نفس جدّي إن دهرك هازلّ "27

و من هنا نقر بأن النماذج غير مختلفة طالما الواقع المعاش واحد سواء بالنسبة للشاعر الفصيح أو الشعبي، " و لقد لهج الشعراء بهذا الغرض ووجدوا فيه المجال الأرحب للتعبير عما يخالج أفكارهم من مشاكل الحياة و ما يصادفهم فيها من تغيرات و أمور لا يستطيعون التعبير عنها تعبيرا مباشرا فيلجئون إلى شعر العكس حيث يتسترون وراء الرمز"28

و أحمد عطالله يتكلم عن عكس الدنيا يقول:

شوف عكس الدنيا يخلّي الرضيع يشيب   وبعض ناسي غافلة ما جايبة خبر"29  

فالشاعر يتأسف على غفلة الناس عن مثل هذه المفارقات و عدم وضعهم الأمور في نصابها ما يساهم في انقلاب الموازين و اختلالها.

و عن نقد القيم السلبية حين يستثني الشعراء الناس منها فلا يوجهوها لأحد بعينه ، فهم يوجهونها للعصر أو الزمن ذلك لرفضهم الحاضر البائس و رغبتهم عودة الأيام الأولى مقارنين بينها و بين يرونه من تغيرات لم يستطيعوا تقبلها و مجاراتها" و بذلك يخيل لهم أن الحياة قد انعكست مفاهيمها و أن الدهر قلب ظهر المجن لمن كان في دعة"30 و منطق المفارقة في مثل هذه الأشعار هو بروز القيم السلبية و اختفاء القيم الإيجابية فيهجم الشاعر على عصر أصبح يسير على رأسه بدل قدميه فيقول:

الزمان تقصف لا من يعد عيب     شيعو بالبدعة و الصدق عاد شر

ريت عاد الفقري في بلادنا غريب    كيف يهدي عسله يذوقوه طعم المر" 31

فالشاعر يبدي صدمته من الحياة التي تدور و تنقلب موازينها فبعدما كان الكل ينشد الأخلاق الفاضلة أصبحت ذميمة و أصبح حاملها منبوذا غريبا خاصة إذا كان فقيرا في زمن طغت فيه المادة ، فلو بيديه قدم عسلا لحسبوه مرا و نقده هذا موجه للزمن أو الوقت دائما.

و في مواضع عديدة يقف الشاعر مندهشا لانقلاب الأمور فأصبح عاليها سافلها، و هو مالم يتوقعه حيث جاء ما يتنافى مع ما يعرفه الناس من أفكار فاضلة تبدو في أعين العقلاء أمرا ثابتا و هكذا يقول يائسا:

والجيدات32 السّبق تنجال33 في المراديس34   في البلا يلزوهن ويلحّقن التالي

امدبّرات35 او يسنن36 للثوم والكرافس    والبغل امزيّن بالسروج في المشالي37

الزبد و العنبر و المسك باير رخيس  والبصل والخردل يتباع سوم غالي"38     

إن الشاعر يفرغ في هذه الأبيات كل ما يحس به و ما يخالج ضميره و ما رآه بعينيه من خرق للعرف و العادات التي يقدرها المجتمع و لا يجوز لأحد أن يتجاوزها، فهو  يجد الخيل الكريمة و التي اعتاد الناس تزيينها بالسروج و تحضيرها للفروسية و العروض العسكرية أضحت مكان البغال تستخدم لجلب الماء و سقي النبات  كما تراجعت قيمة الزبد و العنبر حيث يرمز بهما للأصيلات من النساء ،فأصبح للبصل و اللفت قيمة تتجاوزهما و هو انقلاب الموازين بعينه فمقامات الناس اختلفت و أصبح أراذل القوم في المقدمة.

و إن أردنا خلاصة هذا النوع من الشعر أو لما ينحو الشعراء هذا المنحى فلأنهم يريدون من الناس إعادة الأمور إلى مواضعها الطبيعية.

 و قد يتخذ هذا الوصف صورة أقرب ما تكون  للفكاهة كما نجد في شعر أحمد عطالله حين تفيض قريحته فيقول:

والذيب حازاته الغنم في الزملة 39     واللبّة بدت في ايد النسا مرصونة

الذيب ولاّ حــــــــــــــــــــــــاوي  40            ولد الغنم فوق لعلاب41 يعاوي

والقرد عاد الطب ليه يداوي          والصيد حازه  الضبع عن مضنونه42

 ما اخيب أيام العكس قال الراوي           الي خاننا دهر الزمان يخونه" 43

و يضيف في قصيدة أخرى و في نفس الإطار قوله:

عاد الحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاوي        باللسن يتكلم يقول نساوي44

والطير من فرخ الحداية45 داوي46        والنّجم47 يشكي قلعوا الجبّارة48

رجع وقتنا المعنى لولد الناوي49        البرني50 بدت تزهى عليه حبارة" 51     

فالشاعر أحمد بن عطالله يسرد لنا جملة من المفارقات الاجتماعية ، كلها تصب في انعكاس الأحوال و تبدل المقامات و هو ما لم يستطع تقبله فبدا ناقما على الوقت و العصر رافضا انقلاب الموازين، و ربما هي دعوة منه أن نجعل كل شيء في مكانه لتبدو الحياة في مسارها الطبيعي.

6- نبذ الغربة و حاجة الفرد لأهله:

    يظل الإنسان اجتماعيا محتاجا للأهل و الأقرباء و من ألف جوارهم، مهما امتلك من الطباع التي تبعده عنهم لأنه بفطرته خلق ليعاشر غيره و هكذا تستمر الحياة، لذا نجد  الفرد الذي فرضت عليه غربته البعد يشكو حاجته للوصال و الملاقاة فتسيطر عليه الذكريات الماضية حين كان محاطا بمحبيه، لذا نجد  هذه الغربة كظاهرة  اجتماعية حاضرة في الشعر العربي و الشعبي على السواء و أحمد بن عطالله عايش هذه الظاهرة و يعي أثرها  الذي يزداد خاصة في المناسبات الاجتماعية  التي يلتم فيها شمل الأفراد كالأعياد لذلك يشكوها قائلا:

   عليكم سعيد العيد عن معتاده             تعدّوه كي قبل سنين العادة

    تعدّوه ديمة دايــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم              دوام فرحكم عادت فطور الصايم

    يدوم جمعكم في الحاضرة متلايم        كل حد قايم في صلاح بلاده

   من فراقكم قلبي قعد قسايــــــــــــــــم           عنكم قساني البعد يا نشّادة

   كل من نشد عن حالـــــــــــــــــــــــــــــي            يا بريتي عيدي عليه سوالي

   و قولي لهم راه العزيز الغالي            سهران لا هاجع منام رقادة

   ضاقت حوالي البكي ليّ موالي       على ما جرى لي بفقدكم يا سادة" 52

      يلازم الإنسان نوع من الضيق يزداد الإحساس به كلما حلت مناسبات تستدعي الاجتماع و الحميمية ، ما يعني أن الإنسان حياته منطفئة و هو بعيد عن الأهل و الخلان ، ما يدفعنا إلى التيقن أن وجود الفرد بوجود أخيه الإنسان حيث الاجتماع الإنساني المرهون بالتواصل و العطاء و التضحية هو سر استمرارية الحياة الاجتماعية و نجاحها على المستوى الأسري أو المجتمعي

 .

الخاتمة:

لقد بدا الشاعر أحمد عطالله  متمكنا من اللغة الشعرية الشعبية بمهارة و دقة  فتحتا له المجال  للغوص في أعماق الإنسان الشعبي و التعبير عن انشغالاته، كما انكشف لنا التصاقه بالمجتمع عارفا بخباياه فأحسن وضع يديه على كل جرح ينخر جسده.

و لما كانت هذه اللغة مجسدة لما يعيشه الفرد أتت مشحونة بجماليات اللفظ و المعنى المتوقدان من فتيل الواقع فهي لم تخرج عن بيئته و أحسنت التعبير عنها.

يضاف لذلك ما لمسناه من مفارقات في شعره زادت من جماليته و تقبل الإنسان الشعبي له باعتبار ذلك لغة جذابة لرمزيتها أولا و طابعها الفكاهي ثانيا.

بدت معالجة أحمد عطالله لمشاكل مجتمعه و ما جلب نظره من قضايا مستندة لقيم ديننا الحنيف حيث يستقيم المجتمع بتمسكه بها و ينهار بذوبانها و تخليه عنها فكان شعره بمثابة الضمير الحي  الذي يستاء كلما مس المجتمع تغيير سلبي.

و الإنتاج الشعري الشعبي بحاجة ماسة دائما للدراسة للبحث عن ما يحمله من معاني و دلالات و أبعاد اجتماعية و غيرها.

الهوامش و الإحالات:

1-  بولرباح عثماني: الأبعاد الاجتماعية  و القومية في شعر أحمد بن الحرمة، مجلة الأثر، ع22، جوان 2015، ورقلة، ص 130.

2- العربي بن عاشور: التواصل في الشعر الشعبي،( الموروث الشعبي و قضايا الوطن)، الرابطة الولائية للفكر و الإبداع، الوادي،2006،ص 127.

3- ديوان أحمد بن عطالله(دراسة)،جمع و توثيق أحمد زغب، مديرية الثقافة، الوادي، ط1،2012، ص17.

4- المرجع نفسه، ص 17-18.

5- محي الدين خريف، شعر العكس في الأدب الشعبي التونسي، مجلة الحياة الثقافية،ع 52،1989، ص 65.

6- عبده الحلو: معجم المصطلحات الفلسفية(فرنسي/ عربي)، المركز العربي للبحوث و الإنماء، بيروت 1994، ص 122.

7- ديوان أحمد بن عطالله، مرجع سابق، ص 11.

8- التريس: الأنفار، المشاة.

9- مدقوق العوالي: مصاب بالطعنات.

10- النكيس: الرمح.

11- ديوان أحمد بن عطالله، ص 33.

12- المرجع نفسه، ص 33.

13- المرجع نفسه، ص 34.

14- المرجع نفسه، ص 35.

15- كاع : قاعدة.

16- الردة: بعد المسافة.

17- غارولك بالسدة: أغلقوا عليك أبوا اللعب.

18- ديوان أحمد بن عطالله، ص 49.

19- المرجع نفسه، ص 31.

20- المرجع نفسه، ص 31.

21- قدالي: كل ما يليني.

22- ديوان أحمد بن عطالله، ص 35.

23- نصك: أنكر.

24- ديوان أحمد بن عطالله، ص 29.

25- لمغابيب، ج مغبوب: عطشان.

26-  ديوان احمد بن عطالله، ص 30.

27- ديوان أحمد بن عطالله، ص 64.

28- المرجع نفسه، ص 66.

29- المرجع نفسه، ص 29.

30- محي الدين خريف، مرجع سابق، ص 65.

31- ديوان أحمد بن عطالله، ص28.

32- الجيدات: الخيل الكريمة.

33- تنجال: تساق.

34- المراديس: طرق الحصاد.

35- امدبراتك بها رضوض.

36- يسنن: أي سحب الماء من البئر.

37- المشالي: استعراضات عسكرية.

38- ديوان أحمد بن عطالله، ص 34.

39- الزملة: المرتفع الرملي.

40- حاوي: عاجز.

41- لعلاب: المكان المرتفع.

42- مضنونه: صغاره، أشباله.

43- ديوان أحمد بن عطالله، ص 58.

44- نساوي: أفعالي.

45- الحداية: صغار الطير.

46-داوي: خائف، منزعج.

47- النجم: النبات الضعيف.

48- الجبارة: النخلة.

49- ولد الناوي : شاعر معروف محمد الناوي.

50- البرني: الطير الجارح.

51- ديوان أحمد بن عطالله، ص