البنية الجمالية في التشكيل الفني لأمثالنا الشعبيةpdf

بمنطقة الجنوب الجزائري

 

د/ سمية فالق

 جامعة عباس لغرور- خنشلة

الملخص :

      الأمثال الشعبية جنس أدبي له مضمون يتحدث عنه ويصل إليه ، وبالتالي يؤدي دورا أو وظيفة داخل المجتمع . أما شكل المثل فإنه يمثل القالب الفني الذي يعكس بدوره النظام الكلامي له .

ويوضح القالب الفني جانبا هاما في أمثالنا الشعبية ، لا تقل أهميته عن الدور الذي يؤديه مضمونه . فالسمات الفنية للمثل تبرز جانبا خاصا وهو المبنى .

  وبما أن أي عمل أدبي لا يخلو من وجود صور فنية . فالحكيم الشعبي استطاع بفطرته وبساطته ووفقا لسليقته أن يشكل الصورة الفنية للأمثال ليكون لها وقعها عند المتلقي ، سواء أكانت فنية أو حسية معنوية لها أثرها في المعنى .

  وتبرز أهمية السمة الفنية التي تطبع الأمثال الشعبية في تناقل المثل، وتداوله بين الأفراد ، والانسجام بين وحداته ، وتناغم عباراته ، وموسيقى ألفاظه .   

  وعليه تتضمن الدراسة للبنية الجمالية للأمثال الشعبية الحديث عن :

- اللهجة العربية للأمثال وتوضيح نظام الجملة في الأمثال الشعبية .

- دراسة التركيب الصوتي للألفاظ ، والعلاقة بين الألفاظ والجمل .

- التصوير الفني للأمثال وتشكل الصور الحسية،  والمعنوية، والكلية، وكيفية تجلي أثرها على المتلقي .

- توظيف الحكيم الشعبي للناحية الجمالية للأشكال لتكون جرس الكلمة رسولا لتنقل جمال اللغة ، ليظهر أثر الأصوات والنغمات في النفس.

- البنى التركيبية للأمثال (الإيقاع الصوتي لها ) .

     وصولا إلى أن السمة الفنية التي  تطبع الأمثال لها أثرها في تناقله وتداوله  ، كل ذلك ينم عن البراعة الفنية للحكيم الشعبي ، والتي تجسدت في استمرارية وجوده .

نص المداخلة:

    الأمثال جنس أدبي له مضمون يتحدث عنه ويصل إليه،وبالتالي يؤدي دورا أو وظيفة داخل المجتمع.أما شكل المثل فإنه يمثل القالب الفني الذي يعكس بدوره النظام الكلامي له.

ويوضح القالب الفني جانبا هاما في الأمثال،لا تقل أهميته عن الدور الذي يؤديه مضمونه.لذلك فدراسة الخصائص الفنية للمثل تبرز جانبا خاصا وهو المبنى.خاصة وأن كل التعاريف تجمع على وجود جانبين له،جانب موضوعي وآخر فني.لذلك نركز على توضيح التشكيل الفني للمثل.ونتناول في الدراسة الفنية للمثل في أربعة نقاط أساسية وهي:

1- اللسان

2- المعجم

3- التصوير

4- الإيقاع

1- اللسان:

أ- اللهجة العربية للأمثال الشعبية المدروسة:

   ننطلق من أن لكل لهجة خصائصها ومميزاتها ،فوجب البحث على خصائص ومميزات لهجة سكان منطقة الجنوب انطلاقا من تراثهم الشعبي الذي تمثله الأمثال الشعبية، لنتفحصها فحصا دقيقا يتناول تركيب اللغة المستعملة في هذه الأمثال ،وذلك على مستويات مختلفة تشمل :الجملة،والكلمة،والحرف.

من خلال هذه المستويات نستطيع تحديد لغة الأمثال الشعبية،ونبدأ ب :

1-أ- على مستوى الجملة:

  يتكون البناء اللفظي للأمثال من مجموعة من الجمل،هذه الأخيرة تنشأ "بسبب تعدد الكلمات وما يتبعه من تعدد المعاني الجزئية وتماسكها واتصال بعضها ببعض اتصالا ينشأ عنه معنى مركب ،فلا سبيل للوصول إلى المعنى المركب إلا عن طريق  واحد هو اجتماع المعاني الجزئية بعضها إلى بعض بسبب اجتماع الألفاظ المفردة التي لكل لفظ منها معنى جزئي." 1

وبما أن الجملة وحدة الاتصال اللغوي،نقف عند نظامها،ونصنف أنواعها،ونحدد وظائفها،وما يطرأ عليها من تغير ألفاظها أو معانيها،إضافة إلى إنها ليست مجموعة من الألفاظ المتناسقة والمنسجمة فحسب،بل تشتمل أيضا جوانب موسيقية يعبر عنها تناسق الحروف وانسجام الألفاظ وتظهر بصورة جلية في

ترديدها.

أما عن التركيب اللفظي للجملة،إما أن تكون فعلية،وإما أن تكون اسمية."فالجملة التي تبتدأ باسم مسند إليه أو بفعل مسند هي في كلتا الحالتين جملة اسنادية،ولا فرق بين(جلس الولد)و(الولد جلس). فالجملتان السابقتان متماثلتان لم يطرأ عليهما تغيير وظيفي."2

    فالجملة-إذن-تتوفر على ثلاثة عناصر أساسية هي:المسند إليه،المسند،الإسناد.والركن الأخير هو أقوى الروابط بين المسند إليه والمسند"وهما ما لا يغني الواحد عن الآخر،ولا يجد المتكلم منه بدا،وهو قولك:عبد الله أخوك،وهذا أخوك،ومثل ذلك يذهب عبد الله،فلا فلا بد للفعل من الاسم،كما لم يكن للاسم بد من الآخر في الابتداء."3

   وننطلق من أحوال المسند والمسند إليه لدراسة الأمثال الشعبية الخاصة بجنوبنا الجزائري.خاصة وأن اللهجة العربية لسكان المنطقة قد تخلصت من ظاهرة الإعراب،وفي هذا المضمار يقول عبد الرحمان أيوب:"وقد كان للتخلص من الإعراب أثره على النظم اللغوية في هذه اللهجات،ولعل من أهم آثار ذلك انقراض المفردات ذات الوظيفة الإعرابية مثل:ليس ولن وإن وأخواتها،وتغير استعمال ما بقي منها."4 وعليه ندرس:

2- نظام الجملة في الأمثال الشعبية:

  بما أن المسند والمسند إليه ركنان أساسيان في بناء نظام الجملة ،فإننا نتطرق لأحوال كل منهما:

 أ- المسند:يأتي المسند:

1-فعلا:ويكون إما ماضيا أو مضارعا أو أمرا.

على نحو ما نجده في الأمثال التالية:

الماضي:                                         

- جبت قطيط يوانس في وللي يبرق في عويناته.

- خلات راجلها ممدود وراحت تبكي على محمود.

- قال رقع يا مرقع قال شي يترقع وشي ما يترقع.

- مات لحنش وسمه في رأسه.

- طاح العري على المتكتف.

- زوجت بنتي لارتاح من بلاها جاتني بأربعة يمشيوا وراها.

- اتكل عويس على دويس وضاعت البقرة.

- جا يدلدل بيديه.

- قال ثور احلبوه.

- طاح من النخلة جا في البير.

...............................................

- المضارع:

- تحفرها الفيران وتطيح فيها الثيران.

- يتعلم الحلاقة في رؤوس الأيتام.

- تزوج الأرملة واضحك عليها وخذ من ما لها واصرف عليها.

- يعلم عياله قبل ما يحط نعاله.

- تجيك تهايم وأنت نايم.

.................................................

- الأمر:

- امسك لي وقطع لك.

- خذ العلم من راعيه ولا تأخذه من راوية.

- ابعد اللحم عن اللحم لا يخرب.

- ارقد دافي تصبح متعافي.

- اخدم الخير تنال لعجائب.

- جوع كلبك يتبعك.

.................................................

 وما نلحظه أن نظام الجملة في الأمثال تشتمل على المسند والمسند إليه.ويكون المسند إما فعلا ماضيا(جبت- خلات- قال-طاح-زوجت- جا- قال-......)،وإما مضارعا(تحفرها- يتعلم- يتزوج- تجيك- يعلم-.............)،وإما أمرا(امسك- خذ- ابعد- اخدم- جوع-..................).فهي-إذن- جملة فعلية.

"ومجال الجملة الفعلية يتسع لكل الجمل التي تكلم بها العرب مبدوءة بفعل،التام والناقص،اللازم والمتعدي،الجامد والمتصرف،لأن الأفعال جميعا في حاجة إلى المرفوع."5 ونضيف أن نظام الجملة الفعلية من حيث الصياغة فهي نفس طريقة تركيب الفصيح.نحو:

- تزوج الأرملة واضحك عليها...

فعل - فاعل ضمير مستتر-مفعول به

- اتكل عويس على دويس وضاعت البقرة.

فعل-فاعل-جار ومجرور

- ابعد اللحم عن اللحم لا يخرب.

فعل -فاعل ضمير مستتر- مفعول به

- طاح من النخلة جا في البير.

فعل- فاعل ضمير مستتر- جار ومجرور

- جوع كلبك يتبعك.

فعل-فاعل ضمير  مستتر

............................................................

هذا من حيث الصياغة.أما من حيث الشكل،فيختلف عن الشكل الفصيح من حيث الرفع ،والنصب،والجر.فلا تخضع الأمثال الشعبية للضوابط النحوية المعروفة .من ذلك نجد:

- اخدم الخير ينال لعجائب...........تسكين المفعول به.

- قال ثور قال احلبوه.................تسكين الفعل والفاعل.

- طاح من النخلة جا في البير............تسكين الفعل وحرف الجر.

- غيب يا لقط ألعب يافار..................تسكين المنادى.

- يعلم عياله قبل ما يحط نعاله...........تسكين الظرف.

....................................................................

 والملاحظ على هذه النماذج ،أن الحكيم الشعبي لا يراعي القواعد النحوية مما"أدى إلى ظهور تسكين أواخر الكلمات في الغالب،وهكذا وجدنا حركة"فتحة"،و"الضمة"،و"الكسرة"،لا تأخذ أماكنها الطبيعية،ومن هنا ضاع الإعراب بضياع الحركات المحددة بمكان الكلمة بالجملة."6

 2- اسما:

   يكون المسند اسم فاعل أو اسم مفعول أو صيغة مبالغة نحو:(الذيب قال المكتوب ومعاه تنقيزة،كل مطرود ملحوق، يا طالب التمر عند مصاص لعجم، حديث الليل مدهون بزبدة يطلع عليه النهار يذوب، جزاء المعروف سبعة كفوف، خلال السنون ما يملي بطون،...................).

ب- المسند إليه:

    يأتي المسند إليه إما فاعلا أو نائب فاعل في الجملة الفعلية،وإما مبتدأ أو نحوه في الجملة الاسمية،ونستشهد ببعض الأمثال الشعبية على نحو:( الغنم إذا تفلتت تقودها العنز الجربة، في المقبرة ولا في حضن لمرا،طريق العدو من جوف بطن صديق، طالع وجه العنز واحلب لبن،.............)

لنصل إلى أن نظام الحملة الفعلية في الأمثال الشعبية هو:

1- الجملة المشتملة على فعل أمر يكون فيها المسند إليه ضميرا مستترا نحو:

- جوع كلبك يتبعك:جوع(المسند)- المسند إليه ضمير مستتر.

2- الجملة المشتملة على فعل ماضي نحو:

- طاح العاري على المتكتف:طاح(المسند)- العاري(المسند إليه).

3- الجملة المشتملة على فعل مضارع نحو:(مسند-مسندإليه/أو/مسند إليه- مسند)

- يغطي عين الشمس بالغربال:يغطي(مسند)- عين(مسند إليه).

الله يجعلنا غابة والناس فينا حطابة: الله(مسند إليه)- يجعلنا( مسند).

 العلاقة - إذن - بين المسند والمسند إليه هي علاقة إسناد.إضافة إلى أن رتبة المسند والمسند إليه تتغير من مثل إلى آخر.

أما إذا انتقلنا إلى الجملة الاسمية،والتي يكون فيها المسند اسما أو"هي التي صدرها اسم كزيد قائم وهيهات العقيق وقائم الزيدان عند من جوزه..."7    ويكون المسند في الجملة الاسمية إما مفردا وإما جملة أو شبه جملة نحو:

- فص من الثوم يكفي..........شبه جملة.

- كلام في الفايت نقص في العقل..............شبه جملة.

- طريق العدو من جوف بطن صديق............مسند إليه نكرة+مسند.

- عمي مليح وزادلوا لهوا والريح................مسند إليه نكرة+مسند.

-السمح سمح حتى لو كان نايض من نومو،والبشع بشع حتى لو كان يدوش كل يوم......مسند إليه معرفة +مسند.                       

- الصراحة راحة.................................مسند إليه معرفة+مسند.

- الطويلة ما نرقاها والقصيرة فيها الشوك.......مسند إليه معرفة+مسند.

............................................................................

   نصل إلى أن نظام الجملة الاسمية في الأمثال الشعبية يرد بالصورة الآتية:(مسند إليه+مسند) إذا كان  المسند مفردا.

أما إذا كان غير ذلك(جملة أو شبه جملة) فيتحدد بحسب تنكير أو تعريف المسند إليه،هذا من ناحية الصياغة.

أما من حيث الشكل،فالحكيم الشعبي لا يخضع لضوابط اللغة والقواعد النحوية من حيث الرفع،والنصب،والجر.نحو:

-  الأقارب عقارب..................تسكين المبتدأ والخبر.

- الضعيف تبكيه أمو..............تسكين آخر المبتدأ والخبر جملة.

- طريق العدو من جوف بطن صديق...........تسكين المبتدأ وأول الخبر.

- الطير قال:وكري وكري..............تسكين آخر المبتدأ والخبر جملة فعلية.

- العاجلة تأكله الطير..............تسكين أول وآخر المبتدأ والخبر جملة فعلية.

.................................................................

           من خلال ما سبق ،نصل إلى أن تركيب الأمثال الشعبية يتم وفق نفس التركيب الفصيح في الجملة الاسمية أو الجملة الفعلية. وذلك ينطبق على نظام الجملة المثبتة.

   أما عن الجملة المنفية والتي تحوي أداة نفي،فإن تركيبها لا يختلف عن الجملة المثبتة،ونورد بعض الصور للجملة المنفية من حيث نظامها:

- ما تدوم غمه على أمه...ما:أداة نفي +تدوم:فعل مضارع(مسند)+غمه(مسند إليه).

- ما يخنق نفسو إلا الثور..ما:أداة نفي+يخنق:فعل مضارع(مسند)+نفسو(مسند إليه).

- ما يعجبك زين الطفلة حتى تشوف  الفعايل ولخصايل....ما:أداة نفي+يعجب(مسند)+ك(مسند إليه).

- العجلة ما تصيد الحجلة....العجلة(مسند إليه)+ما:أداة نفي+تصيد(مسند).

أما عن الجملة الشرطية ،فنظامها:

- اللي ضربت خشيمه دمعت عيونه.(أداة الشرط+فعل الشرط زمنه ماضي+جملة جواب الشرط فعلها ماضي).

- اللي موالف بالحفي ينسى صباطو.(أداة الشرط+فعل الشرط زمنه ماضي+جملة جواب الشرط فعلها مضارع).

- اللي تظنه موسى يطلع فرعون.(أداة الشرط+فعل الشرط زمنه مضارع+جملة جواب الشرط فعلها مضارع).

أما عن الجمل الندائية:

- اقعشي يا قصة حتى تجيك الزيت من قفصة.نداء مقدم+أداة نداء+منادى.

- غيب يا القط ألعب يا الفأر:نداء مقدم+أداة نداء+منادى.

- يا شين السرج على البقر:أداة نداء+منادى+جواب نداء.

- يا طالب التمر عند مصاص لعجم:أداة النداء+منادى+جواب النداء.

   إن ما عرضناه سابقا يخص نظام الجملة.هذه الجملة تشمل المثبتة،والمنفية ،والشرطية،والندائية.وهي مصاغة وفق أنظمة لا تختلف عن نظام الجملة الفصيحة.

3- القواعد النحوية والصرفية:

  لم يراع الحكيم الشعبي بفطرته القواعد النحوية والصرفية،وهي لا تقف حاجزا أمام إبداعه،نذكر منها:

- اللي ما عندوش فلوس كلامو مسوس:زيادة اللاحقة شين في آخر الكلمة:ما عندوش.

- البعير ما يشوفش عوج كرومتو: زيادة اللاحقة الشين في آخر الفعل:ما يشوفش.

- الصنعة اللي ما تغنيش تستر:زيادة اللاحقة شين في آخر الفعل:ما تغنيش.

وزيادة الشين تدرج ضمن ما أطلق عليه بالكشكشة. 8.ونضيف أيضا أداة النفي "ما" قد ذيلت باللاحقة"شين"التي يمكن تسميتها ب"شين النفي" 9 .فيعني ذلك أن النفي ب"ما"تصاحبه مورفيمات وظيفتها الإشعار بأن "ما"أداة نفي أولا ولتعميق نفي الحدث بها ثانيا"10

   ومن الصور التي لا يتقيد فيها الفرد الشعبي بالقواعد النحوية  أيضا :ظاهرة تسكين الأفعال سواء أكانت ماضية أو مضارعة  وتسكين آخر المبتدأ والخبر،وتسكين أيضا المفعول به:،على نحو قوله:

- ليلة عرسو غاب لقمر.

- يتعلم لحلاقة في رؤوس الأيتام.

-  بات ليلة في نفزاوة تلحف شرقي.

- تجيك تهايم وأنت نايم.

وتسكين آخر الاسم المجرور:- غبر يا ثور على قرنك.

وتسكين المنادى:- ياشين السرج على البقر.

 وعن الصيغ الصرفية - على سبيل التمثيل لا الحصر- نجد:

- صيغة "فعل"(فتحة+سكون+فتحة) نحو:- البرد من قيس اللحاف.

                                                   - بعد ما كمل العرس جات العميا ت.

                                                - يغطي عين الشمس بالغربال.

- صيغة"فعلة"(فتحة+سكون+فتحة+تاء)نحو:- اللي ما شبعشي من القصعة مش راح يشلع من لحيسها.

                                                        - جزاء المعروف سبعة كفوف.

واستعمل الحكيم ألفاظا للدلالة على الاسم الموصول،فنجد"اللي" وهي من أكثر الألفاظ الموصولة استعمالا في الأمثال الشعبية،وتدل على المفرد ،والمثنى،والجمع مذكرا ومؤنثا/وتدل على العاقل وغير العاقل وتأتي في أغلب الأحيان في أولها أو في وسطها:

 - اللي ما عندو شاهد كذاب.

- اللي ماله لسان يأكله الخنفسان.

- اللي ضربت خشيمة دمعت عيونه.

- الصنعة اللي ما تغنيش تستر.

- اللي ما  لف بالحفي ينسا صباطو.

كذلك وظف الحكيم الشعبي ألفاظا للدلالة على ظرف الزمان والمكان ،نحو قوله:

- ليلة عرسه غاب لقمر.

-في النهار تحوفر وفي الليل تخدم الصوف.

- حديث الليل مدهون بالزبدة يطلع عليه النهار يذوب.

- شاف النجوم ظهيرة.

2-ب-على مستوى الكلمة:

  تحضر الكلمة أيضا في الاستعمال اليومي للفرد الشعبي وفقا ما يطرأ عليها من تحويل وتغيير وتبديل واستعمالات جديدة أيضا.و"الكلمة كتلة صوتية تمثل معنى" 11  . ولها دورها في إكمال بناء الجملة ل"أننا لا نفكر في المعاني تفكيرا جزئيا تكون المفردة فيه وحدة،بل إن الجملة أو العبارات هي الأساس في التفكير والتعبير(...)ولكن ليس معناه أن الكلمة المفردة ليس لها قوة خاصة.فالكلمات المفردة لها قيمة في ذاتها،ولها كذلك قيمة حين تندمج مع غيرها من الجمل والتراكيب."  12

 وحافظ الفرد الشعبي في توظيفه للكلمة على معانيها بالرغم ما يلحقها من تبديل في الصياغة وتغير في الشكل والحركات ،على نحو ما يلي:

- راجلها-------رجل(حرف الألف)(خلات رجلها ممدود وراحت تبكي على محمود)

-لفعايل-------الأفعال(زيادة ل-ي وحذف ال)(ما يعجبك زين الطفلة حتى تشوف لفعايل ولخصايل)

-لخصايل------الخصال(زيادة ل-ي وحذف ال)

-أصلو--------أصل(زيادة الواو)(كسكسلو يرجع لأصلو)

- لمرا-------المرأة(حذف ال -ة  وزيادة الآلف)(لا تشاور لمرا فتنكسك على رأسك)

-الضيفان--------الضيوف(تبديل الواو بالألف)(إذا تماعط الضيفان فحط المضيف)

- التهايم---------التهم (زيادة الألف)(تجيك تهايم وأنت نايم)

-عالشر---------على الشر(حذف الألف المقصورة والألف)(ابعد عالشر وغني له)

 ونجد أيضا استخدام كلمة مكان أخرى .مثل:

- العظام---------البيض(بيت السبع ما يخلى من العظام)

- صباطه-----الحذاء(اللي مالف بالحفي ينسى صباطه)

-شاف-------رأى-نظر(كي تشوف هم الناس تنسى همك)

 فما نلحظه عن التغيرات اللفظية والضوابط اللغوية  التي لحقت الكلمات لم تخرجها عن معناها في الفصيح.واستعمل أيضا ظاهرة النحت  للاختصار .في قوله:

- السواك ما جا بوشي حتى القفاصة.(ماجابوشي------ما جاء به)      

-إذا جا أجل البعير حام حول البير.(جا----------جاء)

- ياويلو اللي علتو مرتو يموت وطبيب عند ركبتو.(اللي------الذي)

- اللي ماعندوش فلوس كلامو مسوس.(ماعندوش.......ليس لديه)

2-ج-على مستوى الحرف:

ويحضر الحرف أيضا داخل الجملة.فيؤدي دورا في تكوينها ،فيؤدي معنى فيها وبالتحديد"يؤدي وظيفة معينة بوجوده في إطار الكلمة." 13  . ومن الحروف التي يرد ذكرها عند الحكيم الشعبي:الهمزة.فترد في آخر الفعل الماضي نحو:جا(جاء)-

وتحذف من الاسم نحو:لمرا(المرأة)-وتعويضها بالشين في آخر الفعل المنفي ب ما نحو:ماجاش(ماجاء)-وتحذف من الفعل نحو:جات(جاءت).........

وتستخدم الميم في مكان "لا" النافية مثل: ما يعجبك - ما يحمي... .

وعن اللام،فتستخدم مكان حرف الذال في الاسم الموصول:"الذي"ليصير "اللي" نحو:اللي فيه نقة ماتتنقى(الذي به).

   هذا عن الظواهر اللسانية  المختلفة والموجودة ضمن الأمثال الشعبية.

2- المعجم:

   تقوم الدراسة المعجمية للأمثال على دراسة اللفظة التي تؤدي معنى ،كذلك دراسة النطق كوظيفة للمعنى،أي دراسة التركيب الصوتي للألفاظ.ثم دراسة العلاقات بين الألفاظ والجمل.باعتبار" أن اللفظة من اللغة الدارجة لا تعرف إلا بالنسبة لمجموعة الجمل التي تسمع فيها ومن الممكن أن تستخدم فيها."14

  إذا انطلقنا من الدراسة اللغوية للألفاظ التي وظفها الحكيم الشعبي في أمثاله نجد أن كل لفظة تؤدي معنى بحسب ورودها في السياق.فتدل كل لفظة على معنى معين.

1- التركيب الصوتي للألفاظ:

   استعمل الحكيم الشعبي الحروف المائعة(النون- الميم- اللام- الراء)، والحروف المهموسة غير المفخمة(الجيم- العين- الكاف)،وشيوع أصوات اللين(الواو- الميم).أما عن حروف المد فهي حروف هوائية(الألف- الواو- الياء) 15

  لقد اتسمت الألفاظ التي استعملها الحكيم الشعبي بالجزالة والقوة،والتي ظهرت من خلال الحروف المجهورة(الميم،النون،الواو،الياء،العين،الياء،الظاء،الزاي،الراء،الدال،الذال،الجيم،الباء...).

 واستمدت ألفاظ الأمثال قوتها من البيئة الصحراوية التي ينتمي إليها الفرد.فكل لفظ يحوي مجموعة من العناصر الصوتية تؤدي دلالتها،لأن ما تحويه الكلمة من حركات وسكنات،وحروف مد له أثره في انسجام الألفاظ/لأن ثقل الحروف ينتج عنه ثقل النطق.

وتوظيف الفرد الشعبي لحروف لها مخارج من الحلق ،والفم،واللسان،والشفتين،والخيشوم،أدى إلى تحديد صفات الألفاظ كالجهر،والهمس،والشدة،والرخاوة،....واختلاف المخارج والصفات في الحروف يؤدي إلى تكون اللفظة.

2- علاقة الألفاظ بالجمل:

  استعمل الفرد الشعبي تارة جملا قصيرة وأخرى طويلة،فتحدد بذلك بنية المثل،فنذكر:

- جملة مؤلفة من لفظتين:الأقارب عقارب- الصراحة راحة.

- جملة مؤلفة من لفظتين والثانية من1 فما فوق: ادهن السير يسير- اسأل لمجرب ولا تسأل الطبيب- السكين يخدم النافعي-كل زير يلقى مغطاه.- سبعة نسا والقرية يابسة- إذا انقطع لعزا انقطع لمزا.- اقشعي ياقصة حتى يجيك الزيت من قفصة...

- جملة مؤلفة من ثلاثة ألفاظ والثانية من 1 فما فوق:حبة على حبة تكيل وقطرة على قطرة تسيل- اضرب النسا بالنسا ولا تضربهن بالعصا-خلات راجلها ممدود وراحت تبكي على محمود....

- جملة مؤلفة من أربعة ألفاظ والثانية من 1 فما فوق:حديث الليل مدهون بالزبدة يطلع عليه النهار يذوب-  زوجت لبنتي لأرتاح من  بلاها جاتني بأربعة يمشيوا وراها - قال طلقها وخذ أختها قال الله يلعنها ويلعن أختها-...

  تقوم الأمثال الشعبية على شيء من التوازي والتوازن معا.فكلما تلاءمت جملتان في نص مثل أو حتى أكثر من جملتين،وتوازنت ألفاظهم،واتخذت ضربا من التوازن والتقارب في عدد هذه الألفاظ،تيسر الحفظ وسهل النطق.

واتسمت البنى  الإفرادية بالاسمية أكثر من الفعلية،واستعملت الأسماء لرسم الحدث.في استعملت الأفعال لإنشاء الحركة.

وتظهر إمكانية الفرد في تسخير اللفظ للمعنى،فيربط بين الدوال ومدلولاتها،لتبرز براعة العقلية الشعبية في تركيب الألفاظ والجمل وفق ما يقتضيه السياق.كما في قوله:إذا ظلمت من دونك لا تامن ظلم من فوقك- إذا فات الفوت ما ينفى الصوت - قال رقع يا مرقع قال شي يترقع وشي ما يترقع............

ج- التصوير:

  لا يخلو أي عمل من وجود صور فنية،وبما أن الأمثال فن من الفنون الأدبية ،فهي بدورها لا تخلو من وجود الصور الفنية.بالرغم من بساطة العقلية الشعبية وسذاجتها،إلا أن أمثالها تنم عن قدرتها على صياغة الأمثال وفق السليقة والفطرة،فتتمثل الصور في أبسط حللها.

ولن نخوض في عرض الآراء ووجهات النظر فيما يخص مصطلح التصوير،وإنما أمثالنا الشعبية لن تخرج عن نطاق الصورة العربية القديمة،والتي تعتمد في مجملها على الصور البلاغية المختلفة.باعتبار أن المنابع الثقافية للفرد الشعبي هي بيئته .فالصورة لها علاقة وطيدة بالموروث الثقافي للفرد.فنلاحظ استعمال الشعبي -مثلا-لأداة التشبيه "الكاف" في قوله:- كي تشوف هم الناس تنسى همك.-كما جرادة تاكل وتسلح....ففي استعماله لهذه التشبيهات،هو تعبير عن مواقف معينة في صور مختلفة،ففي المثل الأول ربط بين الناس والهموم بصفة أو بخاصية النسيان مدرجا إياها في باب المقارنة،فحقق تشبيها باستعمال "مثل""كي".والحال كذلك بالنسبة للمثل الثاني،فحال الجرادة يشبه حال الإنسان الذي ينكر كل خير أو ينفي كل جميل.

ووظف الفرد الشعبي أيضا الكناية والتي تطغى على التعبير الشعبي ،وورد ذكرها في العديد من الأمثال.مثلا في قوله:في النهار تحوفر وفي الليل تخدم الصوف- الله يجعلنا غابة والناس فينا حطابة-

البرد من قيس اللحاف- الغنم إذا تلفتت تقودها العنز الجربة- ...فنقل مواقف من حياته اليومية.لتطابق واقعه كنوع من التعبير غير المباشر على الوضعيات الحياتية المختلفة.

  استطاع الحكيم الشعبي - بالرغم من بساطته- إيراد المعنى في صيغ مختلفة ومتعددة.وكانت وسيلته في ذلك الألفاظ التي ارتبطت بالفكرة المراد عرضها.فاحتضن اللفظ المعنى وضمنه ودعمه.وتداخلت العلاقات بين الدال والمدلول،لتتشكل صورا لها وقعها على المتلقي.

د- الإيقاع:

    توظف الأمثال الشعبية الناحية الجمالية،والتي تبرز في حرص الذوق الشعبي على توظيف قصار الجمل.وحديثنا عن البنيات التركيبة للأمثال هو حديث عن الهيكل الخارجي لها. ويكمن الإيقاع في الصور المفردة،التي تتركب من أصوات ونغمات منسجمة،لها وقعها في نفس المتلقي.ليكون جرس الكلمة رسولا لنقل جمال اللغة،لتكتمل الصورة الجمالية التي يكون لها أثرها .

     اعتمدت الأمثال الشعبية على خاصية المشافهة أو الرواية الشفوية ،والتي مكنت الفرد من تناقله وحفظه لتراثه الشعبي.والسبب في تحقيق ذلك خاصيتان أساسيتان هما :الإيقاع الصوتي للأمثال والإيجاز.هذه الخصائص يسرت الرواية والتناقل والحفظ للأمثال.والدليل على ذلك انتشارها بين طبقات شعبية مختلفة ،وعلى نطاق واسع.

 نلتمس خاصية الإيقاع في الأمثال الشعبية،والتي تنقل جانبا من الذوق الشعبي للفرد في الأمثال الآتية:

- حبة على حبة تكيل وقطرة على قطرة تسيل:

   يتألف المثل من حيث تركيبته الصوتية من وحدتين:

الوحدة الأولى:حبة على حبة تكيل.

الوحدة الثانية:قطرة على قطرة تسيل

أما الإيقاع الصوتي الداخلي نجده في لفظتي(تكيل-تسيل) إيقاعها الصوتي واحد بناء على التماثل اللفظي (ت-ي-ل).

أعطى ترتيب الإيقاع الصوتي للحركات:تكيل----(سكون-فتحة-سكون-سكون)/تسيل------(سكون-فتحة-سكون-سكون).انسجاما بين الأصوات.

أما على المستوى الدلالي ،نجد كل صوت يؤدي دلالة ـلأن المدلول يختلف من وحدة صوتية إلى أخرى. والأمر نفسه بالنسبة للمثل:لوكان الزيت في عكتها راه باين على قصتها.

- العجلة ما تصيد الحجلة:

  يتألف هذا المثل من لفظتين مختلفتين:العجلة و الحجلة.ارتبطت الأولى بالسرعة غير المرغوب فيها.أما الثانية ،فارتبطت بالحيوان.هذا التقابل بين الوحدات حقق الإيقاع،بالرغم من اختلاف صوتي(العين والحاء).والحال كذلك في المثل:ادهن السير يسير.

- إذا اتقطع لعزا تقطع لمزا:

  يتمثل الإيقاع الداخلي في هذا المثل في تكرار المقطع (تقطع)مرتين نتج عنه إيقاعا منسجما.أما على المستوى الصوتي(لعزا)و(لمزا)،أعطى هذا التقابل انسجاما نابعا من الصوت الموسيقي.

وتؤدي كل وحدة صوتية نعنى.فمدلول (لعزا) يرتبط بالموت،أما مدلول (لمزا) فيرتبط بالمزية،وأحيانا قد تصل إلى المن أيضا.

  يميل الذوق الشعبي-إذن- للأسلوب الإيقاعي لتسهيل الحفظ،والرواية،والتناقل.فحرص الحكيم الشعبي على هذا الذوق،والدليل على ذلك تكرار الوحدات الصوتية لإحداث تناغم موسيقي،يمنح المثل قوة فنية،وجمالية.

   من كل ما سبق،نصل إلى أن دراسة الخصائص الفنية للمثل تبين براعة الحكيم الشعبي في صياغة أمثاله.فنقل الذوق الشعبي من خلال ما تمتاز به  أمثاله من دقة التعبير،وإيجاز اللفظ،وجمال العبارة.كل ذلك يؤدي أن القوالب اللغوية،والضوابط النحوية،لا تقف حاجزا أمام المبدع الشعبي،خاصة وأنه تمكن من خلال عباراته الموجزة القصيرة التي تحمل معاني رفيعة،تصل إلى الهدف لتترك آثارا في النفس.ولتقوم السلوك الفردي.فغدت أمثاله بذلك مظهرا من مظاهر ثقافة البيئة الصحراوية،لأنها عبرت عن عقلية الشعب،وصورت النضج الفكري والفني أيضا.فالسمة الفنية التي تطبع الأمثال الشعبية لها أثرها في تناقل المثل،وتداوله بين الأفراد،والانسجام بين وحداته،وتناغم عباراته،وموسيقى ألفاظه. كل ذلك ينم عن البراعة الفنية للحكيم الشعبي والتي تجسدت في استمرارية وجود هذا اللون الأدبي.

الإحالات والهوامش

1- عباس حسن ،النحو الوافي،دار المعارف،مصر،ط6،1979م،ص14.

2- ريمون طحان ،الألسنية العربية،دار الكتاب اللبناني،ط2، 1981 ،ص55.

3- سبويه،الكتاب،ج1،تحقيق عبد السلام محمد هارون،مكتبة الخانجي،القاهرة،ودار الرفاعي ،الرياض،دط،1977،ص23.

4- عبد الكريم عوفي ،لهجة بريكة وصلتها بالعربية الفصحى(دراسة لغوية وصفية)،بحث مقدم لنيل الماجستير في فقه اللغة،إشراف:د/خليل إبراهيم عطية،جامعة قسنطينة،1406ه،1986،ص243.

5- نجاة عبد العظيم الكوفي،بناء الجملة بين منطق اللغة والنحو،دار النهضة العربية،القاهرة دط،1978،ص24.

6-العربي دحو،الشعر الشعبي ودوره في الثورة التحريرية الكبرى بمنطقة الأوراس،ج1،المؤسسة الوطنية للكتاب،الجزائر،دط،1989،ص 213.

7- ابن هشام(أبو محمد بن عبد الله)،مغني اللبيب عن كتب الأعاريب،تح:حنا الفاخوري،ج2،دار الجيل ،بيروت،ط1،ص 376.

8- عبد الغفار حامد هلال،اللهجات العربية نشأة وتطورا،دار الفكر العربي ،القاهرة،دط،1998،ص ص 116،118.

9- مالك يوسف المطلبي،الزمن واللغة،مصر،دط،1986.ص229.

10- المرجع نفسه،ص227.

11- علي بوملحم،في الأسلوب الأدبي،المكتبة العصرية،صيدا،بيروت،دط،1968.ص15.

12- عبد الحميد حسين،الأصول الفنية للأدب،مكتبة الأنجلو المصرية،القاهرة، ،1964،ط2 ص35.

13-تمام حسان ،اللغة بين المعيارية والوصفية،عالم الكتب،القاهرة،2001،ص119.

14-لانسون ماييه،منهج البحث في الأدب واللغة ،ترجمة د/محمد مندور،دار العلم للملايين،بيروت،ط2،1982 ،ص107.

15-  للتفصيل عن خصائص الأصوات اللغوية:د/ابراهيم أنيس،الأصوات اللغوية،مكتبة الأنجلو المصرية،ط 6 ،1981.