الرمـز في الشعر الشعبي الجزائريpdf

 

 

د/ أحمد قيطون

قسم اللغة والأدب العربي

جامعة قاصدي مرباح ورقلة

ملخص

الرمز هو الأداة التي شغف بها الشاعر المعاصر وأعطى لها دورا كبيرا في تحمل عبء التجربة الشعرية التي بداخله ونقلها بأمانة إلى خارج عوالم الشاعر، هذا الأخير الذي تعرض كغيره من المصطلحات إلى الاختلاف والتضارب وهذا راجع إلى اختلاف الرؤى بين مختلف التيارات التي حاولت توضيحه وتحديد ماهيته ، ونحن نعترف أن هذه المحاولات تكاد تكون مستحيلة

استهلال

       قد تعرض الرمز كغيره من المصطلحات إلى الاضطراب والتناقض، وهذا نظرا للإتجاهات العديدة التي تناولته من حيث المفهوم، ويمكننا مبدئيا حصر المستويات التي كانت أساسا لدراسته، مهما تعددت أوجه الخلاف بين الاتجاهات وهي : المستوى العام، المستوى اللغوي، المستوى النفسي، المستوى الأدبي.

1-1: المستوى العام :

 يرى الشيخ " محي الدين بن عربي " أن الرمز ماهو إلا إشارة، وهذا ما يؤكده في باب معرفة أقطاب الرموز وتلويحات من أسرارهم وعلومهم في الطريق بقوله :

      ألا إن الرموز دليل صدق   *    على المعنى المغيب في الفؤاد

وأن العـالمين له رمـوز         *       وألغـاز ليدعـى بالعبـاد

اعلم – أيها الولي الحميم – أيدك الله بروح القدس وفهمك – أن الرموز والألغاز ليست مرادة لأنفسها وإنما مرادة لما رمزت له ولما ألغز فيها "([1])

     فأصحاب هذا المستوى ينظرون إلى الرمز باعتباره قيمة إشارية " يمكن أن تلحظ خلال الحياة كلها "([2]) كما يقول إدوين بيفان، وفي هذه المقولة يركز "بيفان" على علاقة الأشياء الموجودة بالإدراك الإنساني ومدى تأثيرها فيه أكثر مما تدل عليه بحسب الظاهر، ثم يقوم بتقسيم الرموز إلى نوعين :

الأول – الرمز الاصطلاحي : ويعني به نوعا من الإشارات المتواضع عليها كالألفاظ باعتبارها رموزا لدلالاتها.

الثاني – الرمز الإنشائي : ويقصد به نوع من الرموز لم يسبق التواضع عليه"([3])

      كما يرى كاسريه " cassirer " " أن الإنسان حيوان رمزي symbolic في لغاته وأساطيره ودياناته وعلومه وفنونه " ويضيف على أن هذه الوظيفة الرمزية هي التي أدت بالإنسان إلى أن يخلق اللغة والثقافة وفتحت له بعدا ثقافيا جديدا، يتعذر على الحيوان بلوغه "([4]).

     ويفهم من هذا أن الإنسان حاول أن يلغي عن نفسه صفة الحيوانية وذلك بخلقه للغة والثقافة، ونخلص من خلال هذه المقولات إلى خاصية مشتركة تجمع بين أصحاب هذا الاتجاه، وهو أن الرمز إشارة أو تعبير عن شيئ بشيئ آخر

1-2: المستوى اللغوي :

  يعتبر أرسطو من أقدم الفلاسفة الذين تناولوا الرمز قائلا "الكلمات المنطوقة رموز لحالات النفس،والكلمات المكتوبة رموز للكلمات المنطوقة ([5]).

     واضح أن أرسطو لم يذهب بعيدا في تحديده للرمز، فرمزه لا يخرج عن نطاق الإشارة، إذ أن الأصوات رموز لحالات النفس أي إشارة لها وعند كتابتها تبقى كذلك إشارة لهذه الأصوات المنطوقة.

     كما أن هذه النظرة " الرمز يساوي إشارة " هي موجودة حتى عند العالم الألماني " ستيفن أولمان " Stephen Ullman الذي يقسم الرموز إلى تقليدية كالكلمات منطوقة ومكتوبة وطبيعية، وهي التي تتمتع بنوع من الصلة الذاتية بالشيئ الذي ترمز إليه " كالصليب " رمزا للمسيحية"([6]) والرمز في المعاجم العربية ماهو إلا إشارة، فلم يذهب علماء العرب بعيدا، إذ بقيت نظرتهم مقصورة ومحدودة على الرمز اللغوي. جاء في لسان العرب في مادة " رمز " تصويت خفي باللسان كالهمس، ويكون تحريك الشفتين بكلام غير مفهوم باللفظ من غير إبانة صوت، إنما هو إشارة بالشفتين وقيل : الرمز إشارة وإيماء بالعينين والحاجبين والشفتين و الفم "([7])، وفي موضع آخر من الكتب النقدية القديمة نجد مفهوم الرمز لا يخرج كذلك عن حدود الإشارة.

      فالرمز عند – قدامى بن جعفر – " هو ما أخفى من الكلام، وأصله الصوت الخفي الذي لا يكاد يفهم"([8])، ثم يأتي بعده ابن رشيق القيرواني ليقر

في عمدته نفس ما قاله قدامة بن جعفر " وأصل الرمز الكلام الخفي الذي لا يكاد يفهم – ثم استعمل حتى صار الإشارة، وقال الفراء الرمز بالشفتين"([9])

     وبوجه عام فالرمز في لغة العرب هو الإشارة، وإن كان أصحاب هذا الاتجاه – أي اللغوي – لم يضيفوا الكثير إلى أصحاب الاتجاه العام.

1-3 : المستوى النفسي

    وهذا المستوى تزعمه فرويد، فالرمز عنده " نتاج الخيال اللاشعوري وأنه أولى يشبه صور التراث والأساطير([10]). في هذا النص يعطي فرويد للمكبوتات أو بصفة أعم اللاشعور دورا كبيرا في تحديد قيمة الرمز، إذ أن الرمز ليست له قيمة إلا إذا دل على هاته المكبوتات في اللاشعور.

     أما كارل يونغ " Carl yung " فهو يقاطع معلمه فرويد إذ يرفض أن يكون الرمز منبعه الوحيد هو اللاشعور " فالرمز يستمد من الشعور واللاشعور ممتزجين ... والرمز أفضل طريقة للإفضاء، بما لا يمكن التعبير عنه، وهو معين لا ينضب للغموض والإيحاء بل والتناقض كذلك"([11]) ويقول كارل يونغ في موضع آخر مفرقا بين العلامة والرمز " ... إذ يفترض الرمز دائما أن التعبير الذي نختاره يبدو أفضل وصف أو صياغة ممكنة لحقيقة غير معروفة على نحو نسبي ... والتصور الرمزي هو الذي يفسر الرمز بوصفه أفضل صياغة ممكنة لشيئ مجهول نسبيا فهو لا يمكن أن يكون أكثر وضوحا أو أن يقدم على نحو مميز"([12]) وهو بهذه النظرة النفسية للرمز أقرب إلى المجال الأدبي، إذ أن الرمز عنده لا يناظر أو يلخص شيئا معلوما لأنه يحيل على شيئ مجهول نسبيا، فليس هو مشابهة وتلخيصا لما يرمز إليه وإنما هو أفضل صياغة ممكنة لهذا المجهول النسبي. كما يعلق على هذا النص عاطف جودت إذ "يرد الفرق بين العلامة والرمز، إلا أن العلامة إشارة حسية إلى واقعة أو موضوع مادي، بينما يبدو الرمز تعبيرا يومئ إلى معنى عام يعرف بالحدس"([13]).

      فالمعنى شيئ جوهري بالنسبة للرمز وهي خاصية الإنسان وحده إذ أن العلامة ملك للكل، أما الرمز فهو ملك للبعض، لأنه إبداع والإبدع يتجاوز الاصطلاح و التوقيف.

    وهذا ما نجده عند " بول ميلر Paul Miller " في ما لاحظه من الفروق الدقيقة بين العلامة / الرمز: " من أن العلامات أوضاع اصطلاحية توقيفية يتقاسمها الناس على نحو اجتماعي ... فهي تنقل اعلاما موضوعيا متبادلا، أما الرمز فقد كان وما زال إبداعا إنسانيا يتجاوز الاصطلاح والتوقيف"([14])

     وبعد هذه النظرة الفاحصة للمقولات التي فرقت بين العلامة والرمز وانتماء كل منهما إلى عالمين مختلفين نخلص إلى نتيجة مفادها أن الرمز عالم باطني والعلامة عالم ظاهري.

1-4: المستوى الأدبي

       يرى كانط في كتابه نقد العقل المحض " إلى أن الرمز بعد أن ينتزع من الواقع يصبح طبيعة منقطعة مستقة بحد ذاتها  وليس من علاقة بينه وبين الشيئ المادي إلا بالنتائج"([15]).

     وتفسير هذا الرمز حين اقتطاعه من حقل الواقع يغدو فكرة مجردة، لا تمارس عليه سلطة من الخارج ما عدا الشاعر والمتلقي اللذان يمارسان عليه نوع من السلطة المفتوحة عن طريق الخيال، فالشاعر يقول بالرمز عن طريق ملكة الخيال التي تجمع بين المتناقضات والمتلقي بدوره يفتح مخيلته لاكتشاف هذا القول المرموز، فالمتلقي هنا يستعمل نفس السلاح – الخيال – الذي يستعمله الشاعر ليستطيع فك شفرات النص. " فالرمز لا تتوقف دلالته على ما يقدمه الشاعر فحسب بل على حساسية المتلقي وكفاءته في القراءة"([16]) كما يرى إليوت أن "الرمز يقع في المسافة بين المؤلف والقارئ، لكن صلته بأحدهما ليست بالضرورة من نوع صلته بالآخر، إذ أن الرمز بالنسبة للشاعر محاولة للتعبير ولكنه بالنسبة للمتلقي مصدر إيحاء"([17]).

     هذه بإختصار بعض التعريفات للرمز من ناحيته الأدبية، أما فيما يخص الخصائص التي يمتاز بها الرمز الأدبي، فمما لاشك فيه أن الشاعر حين يعيش لحظة الخلق والإبداع، يكون في الواقع قد انتقل من حال الرؤية إلى حال الرؤيا "وفي هذه الحالة الأخيرة تكون النفس قد وقفت على أبعادها الحقيقية والجوهرية"([18]). ومعنى ذلك أن الشاعر يكون قد وصل إلى مستوى آخر من الإدراك للأشياء أعم وأعمق وأشمل، فالشاعر أو الفنان لا يتمثل دوره في نقل الأشياء أو التركيب بينهما، ولكنه إنسان يرى أكثر من غيره، ويلاحظ أكثر مما يلاحظه الآخرون، وينتقل في تجربته من مرحلة إلى مرحلة تتحول فيها الأشياء من حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام، حتى تصبح   

أرضا تكتشف وحياة تولد من جديد، وكما يقول صلاح عبد الصبور "أن الشاعر لا يعرض أراء ولكنه يعرض رؤيا"([19])

ويذهب " كولن ولسن " إلى أن الشاعر العظيم " رجل تتسع رؤياه

أحياناً إلى ما وراء أفق الإنسان العادي فتذهله ضخامة الكون وجماله "([20])

         والرؤيا لا تنبثق من العدم أو من الفراغ بل من الأشياء المادية والمحسوسة ومن الواقع المعيش، ومن حدود العقل وأقيسة المنطق ولكن هذه الأشياء جميعها تدخل إلى منطقة الحلم " تكتسب صفات الشمولية والتوحد والعمق مما يجعل منها صورة منسجمة في عناصرها ومكوناتها فهي تبدوا – على هذا الحال – غريبة تحير وتدهش "([21])

         إذ الواقع فيها يتحول إلى غير الواقع ، والقارئ يكتشف أن المادة الواقعية قد تحولت إلى ما هو غير الواقعي ، وهذا ما جعل"بودلير" يمجد الرمز، إذ كان يرى أن " كل ما في الكون رمز وكل ما يقع في متناول الحواس رمز يستمد قيمته من ملاحظة الفنان لما بين معطيات الحواس المختلفة من علاقات "([22])

         ومن خلال نظرية التراسل البودليرية أصبح الرمز الحديث لغة الرؤية التي تصل الواقعي بالخيالي والأسطوري، الماضي بالحاضر والمستقبل وهذا على نحو دلالي كثيف تزداد كثافته ويشتد غموضه وتكثر تفسيراته ، إذ يستحيل أن يفصح عن مداولاته لقارئ واحد"([23])

فالشاعر لا يكون شاعراً برؤيته المقيدة نحو الأشياء وإنما برؤياه الطليقة والتي تكسر كل قيد وتهتك حجاب كل سر.

وبعد هذه الجولة المختصرة في حقل الرمز نحاول أن نرى الأنواع

التي وظفها شاعرنا في نصه والطريقة التي يوظفها بها ، وهي الرمز الأسطوري والرمز التراثي والرمز الطبيعي ، وسنحاول نحن أن نقتصر على الأخيرين دون النوع الأول – الرمز الأسطوري- وهذا نظراً لعدم توفره في النصوص التي جمعناها .

أنواع الرموز:

الرمز التراثي : إن التراث هو " ما تراكم خلال الأزمنة من تقاليد وعادات وتجارب وفنون وعلوم في شعب من الشعوب "([24])لكن ما يهمنا في هذا العنصر الذي يعتبر التراث رمز يشتغل داخل النص الشعري ، هو ما موقف الشاعر منه وكيف يتعامل معه؟، فقد كان لبعض الشعراء موقف من التراث ، فهذا صلاح عبد الصبور يشارك بعض الدارسين الذين تناولوا القضية ، فذهب إلى أنه "من العسير على الشاعر أن يتجرد كلياً من التراث([25])

كما يضيف في قراءته الجديدة لشعرنا القديم ، موقفه من التراث إذ يقول " أن على الشاعر المعاصر أن يهضم التراث وأن يعيه حتى يتغلغل هذا التراث في نفسه، بحيث يصبح جزاء من تكوينه يستطيع بعده أن يصل إلى أسلوبه الخاص، والشاعر من هذا المستوى يتجاوز التراث عادة فيضيف إليه جديدا ولا يأوي إلى ظله ، يخرج إلى ساحة التجربة الواسعة ويحس إحساساً عميقاً بسيطرته على اللغة بل على الشعر"([26])

ويفهم من موقف كهذا، أن التراث جزء من مكونات الشاعر وذلك في محاولة للوصول إلى أسلوب خاص والواقع أن الإنسان "لا يستطيع بحال أن يتبرأ من المؤثرات النفسية والعضوية المنحدرة إليه ، فالتاريخ بكل امتداداته يعيش في الحاضر والشاعر لا يدين في إيداعه للحظة الحاضرة التي يصدر عنها ويمارس فيها إبداعه الفني فحسب ، بل هو مدين مع ذلك إلى حد كبير إلى زمان مركب يعد جذوره طولا وعرضا في أعماق التاريخ وخزائنه"([27])

         فالشاعر نظر إلى التراث على أنه كيان له أبعاده الفكرية والإنسانية  وأنه يمثل جانبا من تكوينه الشعري، ذلك لأن تجربة الشاعر ما هي إلا محاولة لفهم تجربة الإنسان في بعدها العميق أي في تفهمه لعلاقة الإنسان مع الله /الكون/الحياة/الموت/...الخ، ولان الهم الذي يحمله الشاعر على عاتقه هم إنساني يتجاوز الفرد، كما يتجاوز المجموعة البشرية التي ينتمي إليها جغرافيا ، أي يتجاوز هذا الذي يسمى "وطن" .والشاعر إنسان يرحل بإستمرار في الأشياء وهو في كل رحلة يطرح أسئلة غامضة ومعقدة لهذا أحس أن عليه كفنان "أن يعي هذا التراث ويتفهمه ويدركه من خلال الإحساس بالمعنى الإنساني فيه"([28]).كما أن الشاعر حاول أن يعيد النظر في هذا التراث" لا عن طريق الردة إلى الماضي كلية، ولا عن طريق الاجتهاد في جعله مسايراً لتصورات العصر ...لكن عن طريق استلهام مواقفه الروحية والانسانية في إبداعنا العصري "([29])

         وبوجه عام فالتراث في مجمله هو إغناء للرؤيا الشعرية ووصل حي لحاضر الشاعر بماضيه، وللتراث لهذا الاعتبار جانبان"جانب الدلالةالحقيقة التي يشير إليها ظاهر النص وجانب رمزي يشف عنه ذلك النص إذا نظر إليه ضوء علاقته ببقية القصيدة، ثم في ضوء علاقته ببقية نتاج الشاعر،وأخيرا في ضوء علاقته بظروف حياته ومعالم شخصيته وأطوارها بوجه عام "ّ([30])

وبصفة عامة النص شعريا كان أم روائيا أم قصصيا أم مسرحيا،هو نسيج من الاقتباسات تنحدر من منابع ثقافية متعددة. وهذا ما يراه الناقد الفرنسي "رولان بارث" من أن " النص يتألف من كتابات متعددة تنحدر من ثقافات عديدة تدخل في حوار مع بعضها البعض، وتتحاكى وتتعارض"([31])

فليس هناك نص يتيم بدون أب، هناك دائما سلالات تضئ أو بالأحرى تثير لنا الجهات والينابيع التي خرج منها هذا النص .

طريقة توظيف الرمز التراثي:

إن عملية توظيف التراث، والاستفادة من رموزه ينبغي أن تخضع لعدد من الشروط تجنب الشاعر الانزلاق والسقوط في النثرية والتقريرية المباشرة ومن بين هذه الشروط القدرة على استيعاب تفاصل الرمز المراد توظيفه استيعابا واعيا حتى لا يقطع الطريق أمام المتلقي. وهذا ما أكده محمد فتوح يقوله"إن استغلال الموروث ينبغي أن يخضع لما يخضع له استغلال الأسطورة من مقاييس: أولها – أن تكون ثمة علاقة عضوية بينه وبين القصيدة وبأن تكون الحاجة إليه نابعة من داخل الموقف الشعري ذاته،وثانيا

-أن يكون ثمة صلة سابقة من نوع ما بين الملتقى والرمز التراثي"([32])وهذا يعني أن الرمز التراثي لا يكون غريبا عن الشاعر غربة مطلقة، وعلى

الشاعر كذلك أن يحرص على العلاقة الموجودة بين التراث والقصيدة ثم بين التراث والملتقى. وعليه أن يؤمن به بحيث يغدو جزءا من صميم تجربته الشعرية.

الرمز الطبيعي:

"إن الإنسان القديم قد تناول الطبيعة بوصفها زاخرة بالحياة والجدة الباعثة على دهشة طفولية، ومن ثم لم تكن الطبيعة في تصوره شيئا هامدا ساكنا وإنما بدت له على نحو ذاتي متشخص مفعم بالوجدان"([33])

ويفهم من هذا أن إنسان المرحلة الأسطورية قد أقام مع الطبيعة علاقة نشطة لما تنطوي عليه من عظمة وجلال وألوهية،وهذا ما جعله يقدس بعض مظاهرها ويبعد بعض قواها، فهي في المرحلة الأسطورية قد إندمجت بالألوهية وأصبحت رموزها كلها" تعكس انسجام الإنسان مع الكون ومشاركته إياه"([34]) فالإنسان القديم كان فهمه للطبيعة فهما ذاتيا، أو قد تصورها على نحو إنساني من حيث أنها تفعل وتتفعل وقد تستجيب لرغباته أو لا تستجيب"([35])هكذا اعتقد الإنسان الأول بأن الحياة منبثة في الكون بأسره فلا فرق في ذلك بين حيوان أو نبات أو جماد، وأن الطبيعة في أسطوريتها قد استزجت بالعنصر الإلهي وربما كان هذا من اجل معرفة العالم الخارجي وتصوره فلا تحصل هذه العلاقة إلا " بذلك المجاز الجوهري وتلك الأسطورية الكلية، وبغير أن ننفخ من روحنا الذاتية في فوضى الأشياء لنعيد صنعها ونخلقها خلقا جديدا طبقا لتصوراتنا"([36])

    هذا عن علاقة الطبيعة بالأسطورة وكيف فهمها الإنسان الأول ،ولنرى بعد هذه النظرة كيف احتفى الشعر بالطبيعة أيما احتفاء، فتغني بها شعراء كثيرون وأخذوا منها رموزا تلبي حاجاتهم. " فالرمز الطبيعي أصبح معبرا آخر للشعراء لتوحيد الذات بالعالم والتعبير عن دلالات تجربتهم باستبطانهم لطاقات هذا الرمز وشحنة بحمولات شعورية وفكرية جديدة "([37])

فالشاعر عليه أن يسمي الأشياء بمسمياتها،وأن ينفد إلى أغوارها وأن يدخل في علاقة حميمية مع عناصر الواقع، فتصبح بذلك جزءا منه وهو جزءا منها، أي الانصهار الكلي داخل الأشياء.

فالشاعر حين يتعامل مع رمز من رموز الطبيعة عليه ان يبعث الحياة في أوصال هذا الرمز، كما يحاول أن يفتت إطاره العادي وعلاقته الحسية كي لا يقف عند حدود الدلالة الوضعية وهو" بتعامله الشعري مع عناصر الطبيعة إنما يرتفع باللفظة الدالة على العنصر الطبيعي كلفظة المطر مثلا، من مدلولها المعروف، إلى مستوى الرمز لأنه يحاول من خلال رؤيته الشعورية أن يشحن اللفظ بمدلولات شعورية خاصة وجديدة"([38])

والشاعر الرمزي لا يضع حاجزا في رؤيته بين الأشياء والذات، إذ في الوقت الذي يدرك فيه الأشياء يدرك فيه كذلك أسرار روحه وأشواقها.

أما عن طريقة توظيف الرمز الطبيعي في النص الشعري، فإنه لا يخرج كذلك عن إطار طريقة توظيف الرمز التراثي والرمز الأسطوري،إذ على الشاعر أن يخلق السياق الذي يناسب هذا الرمز حتى لا يصبح مجرد لفظة مهملة داخل النص، والشعراء كلهم قد استمدوا رموزا من الطبيعة، لكن تعاملهم مع هذه الرموز يختلف من شاعر إلى آخر، ومن قصيدة إلى قصيدة

أخرى لشاعر واحد،فرمز المطر مثلا نجده عند شاعر يأخذ دلالة معينة، وعند شاعر آخر يأخذ دلالة مغايرة، أو نجد أحيانا في نص واحد يأخذ دلالات متعددة وهذا راجع كله لعلاقة التجربة الشعورية بهذا الأمر.

         وبعد هذه الجولة في أنواع الرموز المستخدمة /المشتغلة داخل النص الشعري، وهي الرمز التراثي والرمز الطبيعي وكيف يتعامل معها الشاعر والطريقة التي يوظفها بها، نحاول أن نتفحص هذه النصوص التي جمعناها ونرى هل هناك اشتغال الرمز بنوعية التراثي والطبيعي داخل النصوص؟وهل هناك اختلاف في طريقة التوظيف بين الشاعر الشعبي والشاعر الرسمي / المثقف؟

         فمما لا شك فيه أن التحديدات التي حددناها للرمز قد تحقق بل تحقق في الشعر المدرسي. لكن أن نحاول إسقاطها على الشعر الشعبي كما هي.فهذا ما لا نعتقد الحصول عليه،لأنه وكما قال العربي دحو " أننا أمام نصوص كتبت في ظروف خاصة، لها مميزاتها التي تميزها عن غيرها. ومنها أن غاية الشاعر في ظلها محدودة في هدف معين...هذا الهدف يتطلب الوضوح في الأسلوب والمباشرة في التحدث أو التعبير"([39]) مع هذا فهذه الرموز نجد لها بعض النماذج في النصوص التي بين أيدينا،ولكن ليس كما يستعمله الشاعر الرسمي ، وإنما فقط لا يعدو ذكر بعض أبطال الإسلام وبعض الشخصيات التاريخية وهذا نظراً لما تحمله هذه الشخصية من قصص تجعل الشاعر يستعين بها حتى تكون لقصيدته أثراً في نفوس الملتقى ، ففي إحدى قصائد الشاعر المختار بن صديق نجده يورد شخصية أبرهة كرمز دال على

الفجور وعدم التدبر والتفكير ، في هذه الشخصية ادعت القوة وأرادت أن تخرب الكعبة فأنزل عليهم الله سبحانه وتعالى عذاباً من السماء فرجع مهزوماً

ومن يدعي يقول أنايا قاوي * هاذي هدره ناقصتها تخميم

شوف "أبراهم" بغي يهدم ويساوي* الفيلة والجيش راحت مهزوم

ونجده كذلك يذكر في بعض نصوصه اسم "النبي آدم عليه السلام" و"إبليس" وإن كان ورودهما ليس من باب إضفاء الرمز عليهما ولكن من باب التذكر والوعظ والإرشاد وذلك لما في قصتهما من أثر على المسلم.

قال الأدم قول نطقه ونطق باللسان * وسميهم كيف علمتك بالترتاب

قال إبليس اخلقتني من النور النيران * مانسجدش ليه خلقته من تراب

ونجده يوظف كذلك شخصيات إسلامية أخرى كالصحابة رضوان الله عليهم ، لكن فقط من باب ما يحملونه من صفات ، فمثلا عمر بن الخطاب رمز للعدل، وأبو بكر رمز للصدق، وعثمان ابن عفان رمز للحياء.  

لوكان شت يبقى عقلك مذهول  *   صديق صدقه فالجاي وغادي

عمار عهد باب القدس المحلول *  مفتاح مالكه ذا ملك جدادي

ولياجات للحيا عثمان الخجول  *  واحشمت كي نخاطبك فكر ذا حد

وكقوله:

عمار الحق مات والعدل بقى مرسوم   ولي يعدل كيف عمار أمناش يخاف

أما الرمز الطبيعي فنجد الشاعر قد تناوله انطلاقاً من الطبيعة كالشجر والواد ...إلخ فمثلا نجده يستعمل "الورد" دلالة على الجمال لكن هذا الجمال سرعان مايزول مع مرور الوقت وإن كان هذا الرمز بسيطاً                       

شوف الورد ألي فتح راه لاوي       *       فات أربيع وجات مشته مسموم

ويورد كذلك رموز أخرى كالشمس التي تكون في حالة ثم تصير إلى حالة أخرى ، أي أن الشاعر باستخدامه لهذه الرموز يريد أن يذكر الإنسان بأن أي حالة تنقلب إلى حالة أخرى فلا دوام لحالة واحدة على وجه الأرض . فهناك استمرار وتقلب للحياة ولكل شيء على وجه الأرض فمثلا هذا البيت .

شوف الشمس  أشعاعها يطلع ظاوي    *    لا تنساش أغروبها فيها ظلمة

ونجده يرمز للحياة "بالبستان" الذي يضم خيرات كثيرة ونعم لا تعد ولا تحصى ، لكن الشاعر يحذر الإنسان من التنزه في هذا البستان مستعملا في ذلك هواه أو نفسه بل عليه أن يحكم عقله إذ يقول :

وخرجت أبلا علم باغي نتنزه    *    ودخلت البستان نعطيك أنعات

نعمه من نعمه وكلش من عنده   *    وبهذا النعمة أنظرت الملات

ومهما بحثنا في هذه النصوص عن رموز طبيعية أو تراثية فإننا نجدها لا تخرج عن إطار "الرمز الساذج" الذي يراد به التوضيح والتفهيم فلم نعثر على رمز بالمعني الذي رأيناه عند الشعراء الرسمين ، والفرق كبير بينهما إذ أن الشاعر الرسمي له من الثقافة والمعرفة ما يجعله يستغل التراث أو الطبيعة كرموز يلبي بها ، أو يوصل بها تجربته الشعرية إلى القارئ ، أما الشاعر الشعبي فإنه لا يفقه هذه الرموز بل عرفها عن طريق السماع أو عن طريق المواعظ ، فأعاد ذكرها حتى تلق قصيدته أثراً لدى جمهور القراء أو السامعين، ومهما يكن من الأمر فشاعرنا "المختار بن الصديق"لم يخرج برموزه عن الرموز التي ذكرها شعراء شعبيون آخرون من ذكر للأسماء والشخصيات التي كانت موجودة في الإسلام.



 ([1]) محي الدين بن عربي – الفتوحات المكية – تحقيق الدكتور عثمان يحي – الهيئة المصرية العامة –ط2 سنة 1985 – ج3 – ص196

 ([2]) الدكتور فتوح أحمد – الرمز والرمزية في الشعر المعاصر –دار المعارف – ط2 سنة 1978 – ص33-3

 ([3])المرجع نفسه –ص34

 ([4]) كاسرية – الفلسفة –ص503 – نقلا عن عاطف جودت نصر – الرمز الشعري عند الصوفية – دار الكندي

– دار الأندلس – ط1 سنة 1978 – ص23-24

 ([5]) الدكتور محمد غنيمي هلال – النقد الأدبي الحديث – دار العودة بيروت – ط1 سنة 1982  –ص42

 ([6]) الدكتور محمد فتوح أحمد – الرمز والرمزية في الشعر المعاصر –ص36

 ([7]) إبن منظور – لسان العرب – مادة رمز – دار المعارف – د.ط.د.ت- ج20 –ص1727

 ([8]) قدامة بن جعفر – نقد النشر – دار الكتب العلمية بيروت – د.ط سنة 1982 – ص61

 ([9]) أبن الرشيق القيرواني – العمدة – تحقيق محي الدين عبد الحميد – دار الجيل بيروت –ط5 سنة 1981 ج1-ص306

 ([10]) نتدال – الرمز الأدبي –ص65- نقلا عن محمد فتوح – الرمز والرمزية – ص36

 ([11]) المرجع نفسه – ص 66 – نقلا عن المرجع نفسه – ص 36

 ([12]) عاطف جودت – الرمز الشعري عند السوفية – ص20

 ([13]) المرجع السابق – ص 20

 ([14]) Paul R.Miller Sense and symbol P260 نقلا عن عاطف جودت – الرمز الشعري عند السوفية – ص22

 ([15]) محمد فتوح – الرمز والرمزية – ص38

 ([16]) إبراهيم رماني – الغموض في الشعر العربي الحديث – ديوان المطبوعات الجامعية – د.ط سنة 1991 – ص 275

 ([17]) محمد فتوح – الرمز والرمزية – ص 140

 ([18]) الدكتور أحمد أعراب – التصور المنهجي ومستويات الإدراك في العمل الأدبي والشعري – د.ط- سنة 1989- ص18

([19])صلاح عبد الصبور – حياتي في الشعر – ص 62 نقلا عن أحمد أعراب – التصور المنهجي – ص 24

([20])كولن ولسن – الشعر والصوفية – ترجمة عمر الديراوي أبو حجلة – دار الآداب بيروت – ط2-سنة1979 –ص53

([21])المرجع السابق –ص25

([22])الدكتور محمد فتوح – الرمز والرمزية –ص 112

([23])إبراهيم رماني – الغموض في الشعر العربي الحديث – ص275

([24])عبد النور جبور – المعجم الأدبي – دار العلم للملايين – ط1 سنة 1979 – ص63

([25])الدكتور إحسان عباس – اتجاهات الشعر العربي المعاصر – سلسلة عالم المعرفة –المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب الكويت د.ط سنة 1978 –ص144

([26])نقلا عن السعيد الورقي لغة الشعر الحديث مقوماتها وطاقاتها الإبداعية – دار النهضة العربية بيروت –ط3 سنة 1984 –ص40

([27]) المرجع نفسه – ص 39

([28]) المرجع نفسه – ص 39

([29]) الدكتور عز الدين إسماعيل –الشعر العربي المعاصر –دار العودة بيروت-ط3 سنة 1981 –ص28

([30]) محمد فتوح – الرمز والرمزية-ص323

([31]) رولان بارث-درس السيميولوجيا –ترجمة عبد السلام بن عبد العالي –دار تويقال للنشر –الدار البيضاء ط2 سنة 1986 –ص87

([32]) المرجع السابق –ص323

([33]) عاطف جودت-الرمز الشعري عند الصوفية-ص258

([34]) نفسه –ص260

([35]) نفسه –ص260

([36]) المرجع نفسه –ص261

([37]) إبراهيم رماني – الغموض في الشعر العربي الحديث -ص282

([38]) الدكتور عز الدين إسماعيل – الشعر العربي المعاصر -ص219

([39]) العربي دحو-الشعر الشعبي ودوره في الثورة التحريرية –ج1 –ص227