التحليل النفسي للحكاية الخرافية في منطقة تقرت 
pdf

حكاية بونصيص أنموذجا

 

إعداد الأستاذة : سعيدة حمزاوي

جامعة ورقلة

  من الأشكال الأدبية الشعبية التي بقيت رهينة الزمن الغابر ؛ زمن الرواية الشفوية ، الحكاية الخرافية بمختلف أنماطها ، الخصبة الخيال، المفعمة بالمشاعر ، والغنية بعوالم من العجائبية و الغرائبية ،محملة برصيد لا يستهان به من الرموز أو الدلالات المرتبطة بديانات الشعوب و معتقداتها و نمط حياتها ،ونفسيتها المتباينة أحيانا والمتشابهة في أحايين كثيرة ، تترجم لنا نظرة البشرية إلى الحياة ، وكيف سعت لإعطائها معنى يضمن استمرارية الجنس البشري.

  و رغم الكم الهائل من هذه المادة المروية ،المتنوعة المضامين و الأشكال، إلا أن دراستها مازال محدودا في نطاق ضيق سطحي في أغلب الأوقات ، لا يغوص في أعماق النص ليعرف طبيعة الرموز و الدلالات التي تمكن أن تنقل لنا حقيقة حضارية لمجتمعات إنسانية اندثرت، و لكنها تركت وراءها ما يشهد عليها، حتى إن كانت الدراسة عميقة إلا أنها تبقى حبيسة الرفوف ، لا يستفاد منها عمليا ، ولا تستثمر نتائجها .

و مرد ذلك أن بعض الباحثين مازالوا ينظرون للنص الأدبي الشعبي ، على أنه ضرب من الخيال الممتع الذي تنتهي صلاحيته بانتهاء الاستماع  إليه ، أو إبراز بعض الخصائص الفنية فيه ، رغم ثراء المناهج التي يمكن أن تساعدنا في استنطاق النص ، و الكشف عن خباياه .

و من بين هذه المجالات التي يمكن إثارتها ،علاقة الأدب بالنفس البشرية ، خاصة و أنه من المعروف أن الحاجات النفسية تعد دافعا قويا لانتاج الأدب ، مما يعكس جملة الدلالات النفسية التي قد نعثر عليها في النصوص الأدبية ،سواء منها الفصيحة أم الشعبية ، و الجدير بالذكر أن التفكير في قضايا الأدب ظل تفكيرا أدبيا إلى غاية أوائل القرن العشرين، أين بدأت تتوالى الدراسات التي اعتمدت المنهج العلمي في دراسة الأدب و قضاياه (1) و رغم ذلك ، كانت أغلب الدراسات تعنى بالنفس أو بالشخصية الأدبية ،أكثر من النص في حد ذاته .

  أما في هذه المداخلة فسنحاول معالجة نص أدبي شعبي ، معالجة نفسية منطلقين من الإشكاليات المطروحة في هذا المقام :

$1·      لماذا لم نغير من نظرتنا للتراث الشعبي عموما ؟

$1·      لماذا لم نطور طريقة تعاملنا مع النص الشعبي الأدبي ؟

أو بصيغة أخرى لماذا لم ونستثمر لحد الآن – النصوص الأدبية الشعبية – عمليا – مما يبرز أهميتها  وسيرورتها و مواكبتها لمختلف الأجيال و الأعمار مواكبة نفسية و اجتماعية ؟

$1·      هل يمكن للنص الأدبي الشعبي، المنتقى بعناية أن يكشف لنا أغوار النفس البشرية ، التي ظلت عصية على الإنسان ؟

$1·      و كيف لنا أن نستفيد من هذه النصوص، لمعالجة مختلف القضايا النفسية و الاجتماعية ؟

و حتى نصل للإجابة عن هذه التساؤلات والمطروحة، اخترنا عرض الموضوع وفق الخطة التالية:

جزء نظري

$1Ø  مدخل مفاهيمي و اصطلاحي، متعلق بتعريفات المصطلحات الأساسية : التراث شعبي ، الأدب الشعبي ،  الحكاية الخرافية ( أهم خصائصها ).

جزء تطبيقي

يبدأ بتقديم أهم المناهج التي عنيت بدراسة الأدب الشعبي

$1Ø   نظرة على المنهج النفسي.

$1Ø   ترجمة الحكاية إلى اللغة العربية الفصحى .

$1Ø   تحليل الحكاية تحليلا نفسيا

$1Ø   خاتمة .

$11-مدخل مفاهيمي و اصطلاحي :

  مازالت إشكالية المصطلح مطروحة على الساحة النقدية فيما يخص التراث الشعبي ، الذي ورد بمسميات متباينة ، بعضها متقارب من حيث المعنى ، ونذكر منها : الفولولكلور، الموروث الشعبي ، الأدب الشعبي و كذا الفولكسكندة (الألماني) ، الثقافة الشعبية ، المأثور الشعبي ...،أفرزتها اختلاف المنطلقات و تباين الرؤى حول الموضوع ، و من المصطلحات المتقاربة في المعنى (التراث الشعبي، الفولكلور) ،هذا الأخير مشتق عن الإنجليزية ،  والذي أدخله العلامة وليم توماس لأول مرة إلى المصطلحات العلمية 1846 م(2) و الذي يعني بشقيه: Lore-folk)-) حكمة الشعب ،والذي يضم بين طياته مختلف الفنون و المعتقدات ، و الممارسات الحياتية بكل أشكالها .

$1v   التراث الشعبي  

فهو مصطلح شامل نطلقه لنعني به، عالما متشابكا من الموروث الحضاري ،والبقايا السلوكية و القولية التي بقيت عبر التاريخ ، وعبر الانتقال من بيئة إلى بيئة ، ومن مكان إلى مكان ، في الضمير العربي للإنسان المعاصر، و هو بهذا مصطلح يضم البقايا الأسطورية أو الموروث الميثولوجي العربي القديم ، كما يضم الفولكلور القولي أو الفولكلور النفعي أو الفولكلور الممارس،وسواء ظل على لغته الفصحى أو تحول إلى العاميات المختلفة السائدة في كل بيئة من هذه البيئات ، أو سواء كان من الفولكلور النمطي العربي العام ، أو كان من الفولكلور البيئي الذي تفرضه ظروف البيئة ، و يضم هذا المصطلح أيضا الأدب الشعبي المدون و الشفاهي ، ماهو تراث منقول عبر المكان و الزمان وظل يقاوم كل محاولات طمسه ،حتى وصل إلينا بصورة محددة البيئية في ذاكرة الحفظة لهذا الأدب (3)

و يظهر جليا من قول فاروق خورشيد ، أن التراث الشعبي قد يكون فصيحا ،كما قد يكون بلغة شعبية ، متعدد المجالات ، يضم مختلف الممارسات القولية و السلوكية التي يقوم بها الإنسان في حياته اليومية ،و نضيف إلى ما ذكره الباحث فاروق خورشيد  عن الأدب الشعبي، الذي تعددت حوله التعريفات التي سعى أصحابها للإتيان بجديد في تحديد معنى المصطلح وسنكتفي هنا بعرض تعريف الباحث محمود ذهني .

$1v   الأدب الشعبي :

       يرى محمود ذهني أن الأدب الشعبي" في حقيقته فصائل من الأدب الرسمي أو العامي ، استطاعت أن تحوز صفات خاصة في ظروف بيئية معينة ، أوجدت فيها شيئا خفيا أشبه بما أطلق عليه العالم الطبيعي تشارلز دارون اسم : "الطفرة " التي تحقق حلقة من حلقات الارتقاء والتي يتم بموجبها التطور من فصيلة إلى فصيلة . "(4)

و لعل من أهم ما جعل بعض الناس ؛  العامة منهم و المثقفين ،ينظرون إلى التراث الشعبي بنوعيه : المادي ، غير المادي، نظرة دونية ، اقترانه بلفظة شعبي التي تعني كل ما هو دنيئ و رخيص ،و نحن هنا نريد أن نوضح أن كلمة "شعب" في أصلها لا تعني مطلقا ما ألصق  بها من معاني ، بل هي مجموع الناس في الأمة على اختلاف طوائفهم و درجاتهم و انتماءاتهم . فالأصل فيها مأخوذ عن التقسيم الاجتماعي للعرب الأقدمين ،الذي كان يبدأ بالأسرة و تسمى عندهم الرهط أو الفصيلة ، وحين ينضم عدد منهم إلى بعضه تكون العشيرة، و من العشائر يتكون الفخذ ، ومن الأفخاذ تكون البطن ، ومن البطون تكون العمارة ، ومن العمائر تقوم القبيلة و مجموعة القبائل هي الشعب . "(5)

   و هذا يعني أن الشعب مجموع أفراد الأمة ، بمختلف طوائفه و طبقاته ، فهو بذلك صفة تجمع الجماعة وليس صفة فصل جانب أو طائفة أو طبقة. (6) و هذا ما يفسر إسناد كلمة " شعبي " إلى كل الأشكال الأدبية للدلالة على أنه إنتاج مشترك بين مختلف فئات الشعب ، المبدعين منهم خاصة الذين تركوا بصماتهم على هذا الإرث الأدبي المتعدد الأشكال ، الشعرية منها و النثرية كالأغنية ، المثل ـ اللغز ، الحكاية الشعبية و الخرافية ...و ما يهمنا منها :

$1v   الحكاية الخرافية :

شكل كثرت حوله الدراسات وتنوعت ، أشهرها كتابات فريدريش فون ديرلاين ، الذي كرس حياته لدراسة هذا النوع من الحكايات ، حيث ترك كتابا في مجلدين بعنوان"عالم الحكاية الخرافية "  (1953-1954) .كما نعثر له عن عمل ضخم ، يتمثل في موسوعة تضم أربعين جزء بعنوان " الحكاية الخرافية في الأدب العالمي" . مبرزا ما لدى الشعوب من إرث أدبي ثقافي " الحكاية الخرافية " في كل بلد،مقدما في نهاية كل جزء بيانا وافيا عن هذه الحكايات ، و طريقة جمعها ، و أهم خصائصها .(7)

و يرجع تاريخ الحكايات الخرافية ،إلى القرن السادس قبل الميلاد ، أين شهدت ازدهارا في كل من بلاد الإغريق  والهند ، وعصر ازدهار ثان ، في عصر الحروب الصليبية في القرن الحادي عشر ، حيث ظهرت المجموعات الكبيرة للحكايات الخرافية في الشرق ، منها "ملتقى التيارات لمختلف الحكايات" للشاعر الكشميري "سوماديوا" ، كما تطورت في مصر مجموعة حكايات " ألف ليلة و ليلة " ، وغيرها من الأعمال ، حتى إذا وصلنا إلى القرن الثالث عشر، ظهرت مجموعات كبيرة للحكايات الخرافية مثل : " دي كاميرون" "لبوكاشيو" ، و التي استطاعت ، بعد زمن طويل أن تؤثر في الأخوين جرم ، و ما إن نصل إلى القرن الثامن عشر ، نعثر على موزويس الذي جمع الحكايات الخرافية من الشعب، وحكاها ثانية بطريقة ساخرة متروية ، ولا كذلك جوته الذي استخدم الحكاية الخرافية ، التي كان يرى أنها الحكمة بعينها.

         و في عام 1912 م ، ظهر أول جزء من مجموعة حكايات الأخوين جرم " يعقوب و وليم" تحت عنوان " حكايات الأطفال و البيوت" .وفي نهاية 1814 م ظهر الجزء الثاني،و أهم ما يميز هذه المجموعة أن الأخوين لم يكونا سوى وسيطين أمينين، في نقل ما سبق أن نقله الآخرون (8)

حيث جعلا من الحكايات الشعبية الألمانية، زادا أدبيا لا للشعب الألماني فحسب، بل للعالم كله ،سعت عدة بلدان أوروبية لتقليد حكايات الأخوين جرم ، من حيث الحفاظ على الرواية الشعبية للنص ، دون تغيير أو تحوير. ولا شك أننا نعثر على حكايات خرافية مشتركة بين عدة بلدان ، بحكم التأثير و التأثر ، و انتقال بعض النصوص عبر الرواية الشفوية .ولعل هذا ما يعكس أصلها اللغوي المستمد من حاكى ، يحاكي ومحاكاة و التقليد و مجاراة الواقع والنسج على منواله فضاء خياليا ،يقنع البعض بحدوثه في حين مصطلح خرافة –كما جاء في لسان العرب لابن منظور- فأصلها من خرف ، و الخرف بالتحريك فساد العقل من الكبر ...أما الخرافة فهي الحديث المستملح من الكذب ...،وقالوا حديث خرافة (9)

نعثر على طبيعة الحكاية الخرافية من تعريفالباحثةنبيلة إبراهيمالتي ترى، بأنها تمثل في ظاهرها رحلة البطل في العالم المجهول ،من أجل الحصول على شيء مجهول ، و مع تطور المغامرة ينمو وعي البطل تدريجيا ، فهو في الرحلة الأولى يندفع وراء المغامرة دون العلم بمكان الشيء المجهول، حقيقة يمسك بها بين يديه ، يعود فيعرض هذا الشيء الحقيقي – بسبب عدم حرصه عليه – للخطر ، فإذا بهذا الشيء الحقيقي أصبح وهما يحلق بعيدا عنه . و كان ينبغي عليه لكي يمسك بهذا الوهم أن يخلصه من السحر ،

و من سبب السحر، فلما فعل هذا ، انقلب الوهم إلى حقيقة مرة أخرى ، و كانت هذه النتيجة هي خلاصة تجاربه مع العالم المجهول ، و هي في الوقت نفسه المكافأة التي حصل عليها البطل ؛ المكافأة الطيبة التي ينبغي أن يكافئ بها مثله . (10)

و يتضح أن الباحثة نبيلة إبراهيم ، شخصت الحكاية الخرافية تشخيصا دقيقا ، يسهم بطريقة كبيرة في تسهيل التفريق بينها و بين أشكال أخرى، كالحكاية الشعبية مثلا ، حيث يواجه البطل مجموعة من المخاطر و الصعاب، يتغلب عليها في الأخير، ليصل إلى مبتغاه.

    و تنعكس أهمية اختيار الشكل المناسب ،على طبيعة المنهج المنتقى للتحليل ،حتى نصل إلى نتائج سليمةو  صحيحة ، مثلما يقول ديكارت "خير للإنسان أن يعدل عن التماس الحقيقة، من أن يحاول ذلك من غير منهج" (11)

و هذا يبرز قيمة المنهج ، في الكشف عن أهم الرموز و الدلالات التي قد توصلنا إلى الحقيقة المنشودة .

$12-     ومن أهم المناهج التي إهتمت بدراسة الفولكلور عامة : المادي منه و غير المادي : المنهج التاريخي ، الجغرافي ، الاجتماعي ، النفسي...أما بالنسبة للقصص الشعبي ، فنذكر من المناهج المعاصرة ما سعت لتصنيف مادته :تصنيف آنتي آرني ، والذي وسعه فيما بعد الباحث الأمريكي سميث تومسون و عرف فيما بعد بتصنيف "آرن – تومسون " الذي اعتمد المحتوى لا الشكل ،في تحديد الأنماط الأساسية التي يندرج تحتها القصص الشعبي، الذي يروى في جميع أنحاء العالم ، و لكن الباحثين اختلفوا في التصنيف وفق هذا المنهج .(12)

نضيف إليها جهود المدرسة التاريخية الجغرافية، التي سعت لتصنيف الحكايات إلى نماذج أو أنماط واستخلاص ما فيها من وحدات صغيرة أو كبيرة ، و مقارنة هذه الوحدات المتغيرة في الروايات المختلفة – للحكاية الواحدة –  قصد الوصول إلى الأصل الأول للحكاية "(13) .

   ولقيت هذه المدرسة عدة انتقادات ؛ تعلقت بكونها وقفت بالبحث العلمي، في القصص الشعبي ،عند حد الجمود ، حيث يعد هذا الأخير ظاهرة من ظواهر الحياة الشعبية ، إلا اذا درسنا شكله و بناءه و علاقته بالمتغيرات التي يتعرض لها ، و هذا ما لم تدركه المدرسة التاريخية الجغرافية (مدرسة الأنماط و الموتيفات) ، وأغفلت حقيقة أن الحكاية الشعبية أيا كان نوعها ، تتكون أساسا من حركات أو أحداث يرتبط بعضها بالبعض الآخر ارتباطا وثيقا، وفق ضرورة اجتماعية و نفسية و فنية ، بحيث يصعب عزل الحدث الواحد منها ،عن سائر الأحداث .

 ونظرا للحاجة الملحة التي شعر بها الدارسون إلى تطبيق منهج الدراسات اللغوية و الدراسات الإنسانية عامة وهو المنهج البنائي ، بدأت الدراسات الشعبية تأخذ منحى جديدا ، فكان مهد هذه الحركة في روسيا بثورة على المنهج التاريخي اللغوي ،فنشأت مدرسة الدراسات الشكلية ( جاكويسون) و (يروب) صاحب التحليل المورفولوجي،(14) حيث سعى بعض الدارسين لتطبيق هذا المنهج في دراسة القصص الشعبي (15) . المعتمد على الوحدات الوظيفية المحددة ،بواحد و ثلاثين وظيفة .

       أما المنهج الأنثروبولوجي فأبرز باحثيه "كلود ليفي شتراوس" ، الذي تركزت بحوثه حول الدراسات الأنثروبولوجية من زاوية المنهج البنائي ، مهتما بتحليل الأسطورة ،أما عن المآخذ التي وجهت إليه ، أنه أخلط بين البناء التركيبي للأسطورة و البناء التركيبي للغة (16).

ونصل في الأخير إلى المنهج الذي يهمنا في الدراسة التطبيقية وهو:

$13-المنهج النفسي :

الذي ترجع جذوره إلى العهد الإغريقي ، و نظراتهم البصيرة في الشعر و الشعراء ، حيث عرفت محاورة أفلاطون المعروفة باسم (إيون أو عن الإلياذة ) يقول فيها أن الشاعر ينظم شعره عن إلهام و حال ، تشبه حال الجنون ،بمعنى أنه مريض مرضا نفسيا أو عصبيا،واقتبس منه أرسطو في كتابه "فن الشعر" هذه الفكرة وما اتصل بها من المحاكاة ، وتغذية الشاعر للعواطف ، إلا أنها كانت أقل حدة  ، كما تحدث عن تأملات مختلفة في نفوس الشعراء و النفس البشرية كفكرة التطهير(17).

  و قد أخذ منحنى علميا في القرن العشرين ،بعد أن أثبت كل من الاتجاه الجمالي والأخلاقي فشلهما ،في تفسير كل ما يحيط بالنص الأدبي ، وهكذا بدأ النقاد يسعون لإيجاد تفسير نفسي للأثر الفني ، ورغم أن علم النفس و الأدب يتناولان موضوعات واحدة ؛ الخيال و الأفكار و العواطف و المشاعر...إلا أن علم النفس الأدبي لم يظفر إلا بقدر ضئيل من الدراسة، إلى عهد قريب جدا . حتى إذا وصلنا إلى عام  1899 م، ظهر كتاب فرويد " تفسير الأحلام" وما تلاه من كتابات عن طبيعة الفن والفنان ، و علاقة الشاعر بأحلام اليقظة ، مؤكدا على فكرة أن الإبداع في الفن شعرا أو غير شعر ، إنما هو تنفيس عن رغبات جنسية مكبوتة في اللاشعور ، كتبت منذ عهد الطفولة أو قمعت قمعا شديدا ، وهو قمع جعل وجه الحياة النفسية لكل فنان ، كوجه المحيط ، يبدو الماء فيه ساكنا على السطح . أما وراءه ، فالماء فيه مضطرب وهائج بتوترات انفعالية ، تشيع فيها عقد شتى  كما تشيع ألوان الكبت،و الفن تعبير عن كل ذلك ،تعبير مرضي يراد به إشباع شبق مكظوم، لم يستطيع الفنان تحقيقه في سنيه الأولى ،متساميا عنه وعما اتصل به من نزعات جنسية منهومة رافقته منذ طفولته، بآثاره الفنية ،ومن الذين استلهموا تحليلات فرويد النفسية ،" أوتورانك" في إحدى مصنفاته "أسطورة ميلاد البطل" التي قدم فيها، دراسة نفسية تحليلية مقارنة في مختلف الميثولوجيات. (18).

  أما عن الذين عارضوا فكرة فرويد ،يونغ الذى سعى لتخليص الفنان من براثن فرويد ، حيث أضاف إلى جانب اللاشعور الفردي ، ومكبوتات الجنس التي تتعمق في سرائره ، اللاشعور الجماعي أو الجمعي ، وهو عنده أقوى من اللاشعور الفردي ، الذي يحتفظ بطفولة الفنان وعقده المنبثة في داخله ، بينما الشعور الجمعي يحتفظ بطفولة الجنس البشري جميعه ، وحقا أن الفن شبيه بالحلم – كما يقول فرويد – و لكن ليس الحلم الناشئ عن الأعراض الجنسية ، و إنما الحلم الناشئ –كما قال يونغ – من رواسب نفسية للتجارب الإنسانية البدائية ، رواسب تختزن طفولة البشرية ، و كل ما ارتبط بها من رواسب سماها " النماذج العليا " وهي عبارة عن موروث عتيق ، يورث في أنسجة الأذهان ، يجد دائما طريقه إلى أعمال الفنانين  (19)

و هكذا ظل هذا النوع من الدراسات ، أقرب إلى النفس من علم النفس،حيث لابد في هذا العلم أن يكون الفن ذاته أو الأدب هو موضوع الدراسة والتحليل،وهكذا اتجهت الدراسات نحو الأعمال الإبداعية ذاتها،فظهر إلى جانب دراسة الأفراد،عدد من الكتابات الذي ظل في تزايد مستمر،يتناول النتاج الأدبي،حسب ما يفسره التحليل النفسي . (20)

      أما بالنسبة للحكايات ، فقد قام أصحاب المنهج النفسي ، و منهم فروم Fromm بفهرسة الرموز الفرويدية ، فالعصي و الأشجار و المظلات و السكاكين و الأحلام و المطارق و الطائرات ....ترمز إلى عضو الذكورة ،  وعلب المجوهرات و الحدائق و الأزهار لعضو الأنوثة ، وتمثل الأحلام و الحكايات التي تدور حول الرقص  والركوب و التسلق و الطيران للاستمتاع الجنسي ، و يرمز تساقط الشعر لعملية الخصي  (21).

أما أشخاص الحكاية : السلطان ، الملك ، الأمير ، الصياد ، هم بدائل للأب، والملكة هي الأم و زوجة الأب  الشريرة ، هي الوجه الآخر من الأم ،أي ذلك الجانب من شخصيتها الذي يحاول تلقين الطفل واجباته ، و يقاضيه على مخالفاته . (22) و إذا كانت مدرسة فرويد تفسر الحكاية الشعبية من خلال التجربة الجنسية ، فإن مدرسة يونغ تستعين باللاوعي الجمعي في دراستها .

4- ترجمة  حكاية  " بونصيص " إلى اللغة العربية (منطقة تماسين – تقرت )(23)

  هي حكاية تروي عن سلطان متزوج بسبعة نساء ، إلا أنه لم يرزق بأبناء ، فسعى في الأمر عند رجل حكيم ، نصحه بأن يجني سبع تفاحات من حديقة القصر ، و يعطي لكل زوجة واحدة . ففعل السلطان ما أمر به، و أخذت كل زوجة تفاحة و أكلتها، إلا زوجة واحدة أكلت نصفها و النصف الأخر أكلته المعزاة . و بعد مدة أنجبن الزوجات السبع، سبعة ذكور ؛ستة منهم في صحة جيدة، و واحد منهم كان غير مكتمل الخلقة.

وعندما وصلوا سن البلوغ أراد السلطان أن يختبر أبناءه حتى يختار و لي العهد من بعده ، فأعطى لكل واحد حصانا ، ماعدا بونصيص أعطاه عتريسا ، و طلب منهم الاعتماد على أنفسهم ، فسافر الإخوة السبعة الى بلاد بعيدة ، وكان بونصيص دائما متأخرا عنهم ،إلا أنه يلحق بهم في كل مرة.إلى أن وصلوا إلى بلد ،اتفقوا على الإقامة فيه، فطلبوا من السلطان أن يبني لهم بيوتا ، فاختار كل واحد منهم المادة التي يبني بها بيته ، فطلب أولهم بيتا بالجبن و الثاني  بالشيكولاطة و الثالث بالسكر و هكذا، أما بونصيص فطلب بيتا من حديد ، يغلق بالإبرة ، و يفتح بالقدرة ( أخدملي بيت من حديد يتسكر بالابرة ، و يتحل بالقدرة ) فلبى السلطان طلبات أبنائه السبعة  وانصرف .

و صادف أن كانت في تلك البلاد ، غولة عملاقة ، أخذت تصطاد أبناء السلطان الستة ،الواحد تلوى الآخر، إلى أن وصلت إلى بيت بونصيص، فطرقت الباب،مدعية أنها تريد أن تقوم بواجب الضيافة ، و هكذا في كل مرة تختلق حجة جديدة ،و لكن بونصيص كانذكيا يستطيع في كل مرة التحايل عليها ، حتى تمكنت أخيرا من الإمساك به ، ووضعته في برميل ، تطعمه كل يوم حتى يشتد عوده و يسمن جسده النحيل ، لتعد منه وليمة لصديقاتها ، إلى أن جاء اليوم الذي قررت فيه إقامة الوليمة ، فأخرجته من البرميل ، و وضعته في غرفة و غلقت الباب و تركت المفتاح عند ابنتها ، و راحت توزع الدعوات على صديقاتها .

فاستطاع بونصيص أن يحتال على ابنة الغولة ،بأن أقنعها بفتح الباب ، و إعداد الوليمة حتى تسر الغولة بصنيع ابنتها ، فطلب منها أن تبدأ أولا بإشعال النار ، ثم تفتح الباب .و هكذا انصاعت الغولة الصغيرة لنصيحة بونصيص و بمجرد أن فتحت الباب ، دفعها بونصيص بقوة ،لتلتهمها النار ،و قام بسلخ جلدها و ارتدائه ، ثم طهاها ، و حضر الوليمة ، و لما عادت الغولة رفقة صديقاتها ،وجدت كل شيء جاهز ؛ أكلن و شبعن و غنين ، ثم صعد بونصيص إلى سطح البيت و راح يردد " شنق لوح، شلاق لعورة فوق السطوح " .فأخذت الغولة تنوح و تندب موت ابنتها ، و طلبت من صديقاتها أن يبكوا معها ،و لكنهن رفضن و انصرفن ، و عاد بونصيص إلى بيته، و أضرم النار ، و انتظر حضور الغولة ، و ما إن وصلت و طرقت الباب متهجمة عليه لتأكله ، فتح الباب مسرعا ، لتلتهمها النيران، و هكذا خلص بونصيص الناس من شر الغولة و تسلم الحكم .

$15-التحليل النفسي للحكاية :

 تصنف حكاية "بونصيص" في إطار الحكاية الخرافية ،و تحديدا في نوع يطلق عليه اسم حكاية الغيلان، ومرد هذا التصنيف  أن البطل خاض معركة مع عالم الغيلان ، منذ أن انتقل الى البلاد الأخرى ،ليتمكن في النهاية من التغلب عليهم و تسلم الحكم . وكانت الحكايات الخرافية في منطقة ورقلة عموما تبدأ ببداية استهلالية متميزة،تنم عن عراقة الفن الحكائي بالمنطقة (حاجيتك يا ماجيتك ،ياسادة يامادة ،بلزنا وبلزكم لطريق السعادة ،صاحب التدبير يدير قد ما شار و خبر قال :كان عجوز ستوت أم البهوت تسبح وتنبح وطيَر سنين الكلب لعاد ينبح،كان وجدتها في الزقاق أعطيها الطرش و الختات ،وإذا لقيتها في الغابة أعطيها ضربة بالركابة .عقبت على عين ربلة قالت ماوسعك يا رحمة ربي ،وعقبت على عين رقبة قالت مضيقك يا رحمة ربي. )

 ومن الشائع في الحكايات الشعبية عامة ، أن تبدأ بموت الأب أو الأم ،و يخلق موت أحدهما، مشاكل صعبة وقلقا بالغا (و هذا ما يحدث في الحياة الواقعية) و قسم آخر منها عن أب يشيخ ( أو أم تشيخ ) ،فيقرر أن يترك دوره للجيل الجديد ،و لكن على الخليفة الوارث أن يثبت جدارته و أحقيته ،لأن يكون البديل (24) وفي القسم الثاني تندرج حكاية بونصيص ، التي تبدأ بتكليف الأبناء السبعة من والدهم السلطان ،بالاعتماد على أنفسهم ، حتى يختار منهم الخليفة الوارث، فأعطى لكل واحد من الأبناء الستة حصانا ،ما عدا بونصيص -البطل المحوري لهذه الحكاية- أعطاه عتريسا ، ومنذ بداية الحكاية تظهر أشكال العزل والتهميش التي تبدأ أولا من الأسرة  للفئة المعاقة التي يمثلها بونصيص (معاق جسديا )، حيث تصرح الحكاية صراحة بذلك ( غير بونصيص حقروا عطاه عتروس ). أي احتقره ،لأنه بكل بساطة لم ير فيه النموذج الأصلح للخليفة الوارث ،ويقابله في الواقع  الانعكاس الخطير الذي قد يحدث على  نفسية الطفل و المراهق على السواء،حيث تحبط العزيمة منذ أول خطوة في الفعل .

وهذا يعني انتفاء مبدأ العدل في معاملة الأبناء ، ما أثر سلبا -فيما بعد مثلما يظهر في مجريات الحكاية على الأبناء الذين عاملوا أخاهم بونصيص أشد قسوة من الأب، و لكن الحكاية لا تريد أن تنتصر لمشاعر الإحباط النفسي و الهزيمة المبكرة ، بل تنحى بالأحداث منحنى آخر، يبرز كفاءة هذه الفئة و ضرورة الاعتراف بها و بقدراتها المتوارية خلف جسد ضعيف ، مريض ، ولكنها تملك عقولا نيرة، يمكنها أن تقدم الكثير لو أتيحت لها الفرصة.

تبدأ أحداث الحكاية بسفر الإخوة معا؛ الستة منهم يمتطون أحصنة ، و بونصيص يمتطي عتريسا ، فكانوا يسبقونه في كل مرة و لكنه يلحق بهم و هو يردد ( عتيرسي يا عتيرسي نط  نطة جيبني عند خوتي السبعة ) ويرمز الحيوان المقدم للأبناء إلى الوسائل التي قد نمنحها للأبناء ،و التي تقاس بسلامة الجسد ؛ من كان سليماأهديناه أكثر ، و من كان معاقا أعطيناه أقل ، وهذا ما يؤدي إلى مبدأ اللاتكافؤ بين الفرص الممنوحة لكل منهم،فالسلطان في الحكاية منح للأبناء الستة ما يساعدهم في تحقيق الهدف ،بينما حرم بونصيص منها ،وأسهم في عرقلته ، ساعيا لتقييد رغبات الطموح و التألق لديه ، كأنه يقول له يكفيك هذا ، فأنت لن تتمكن من الذهاب بعيدا ، و يرمز السفر هنا إلى رحلة الانسان في الحياة ،و ما يقابلها من  صعاب ، يسعى من خلالها  لاثبات الذات.

إذن تثبيط العزيمة و تكبيل الإرادة و تحديد الفرص ، يبدأ من أول نواة في المجتمع وهي الأسرة ، حيث تطرح الحكاية المشاكل الوجودية بصيغة مختصرة و دقيقة، تمكن الطفل من مجابهة الصعاب في شكلها الضروري ، بينما العقدة الأكثر إسهابا ،قد تعقد له الأمور و تعيق الرؤية، فهي تبسط الأوضاع ،فترسم أشخاصها بوضوح مركزة على التفاصيل المهمة جدا (25) .

   و لعل المستمع يتساءل قبل أن يسمع بقية الحكاية، كيف سيسافر بونصيص على ظهر عتريس ؟ فتوظف الحكاية لمسة سحرية على أحداث الحكاية، فبونصيص يردد ( عتيرسي يا عتيرسي نط  نطة جبني عند خوتي السبعة )،و هذا يرمز إلى صوت الإرادة و الإصرار و العزيمة التي يضطر الانسان الى التمسك به ، في الأوقات العصيبة و التي تكون المخرج الوحيد للمشكلة التى تصادفه ، وهي القوة الداخلية أو الطاقة الكامنة التى نستعين بها عندما نحتاجها ،فهي بمثابة السحر الذي لا نجد له تفسيرا منطقيا .

بونصيص رمز للإنسان المعاق جسديا ولكن عزيمته من حديد ،خاض الصعاب مع أول خطوة بدأ فيها معركة إثبات الذات ، فالحكاية تنقل الانطباع السائد بالقدرة على النجاح ،رغم الضعف الجسدي، منتصرا على كل الصعاب و العراقيل .و معنى هذا أن الحكاية تخاطب في أساسها الطفل الذي لا تتأسس اختياراته بشكل خاص على الخير المعارض للشر ولا على الشخصية التي توقظ تعاطفه وحنوه ، أو تلك التي نجدها عدائية، فكلما كانت الشخصية خيرة و بسيطة و مباشرة ،توحد الطفل بسهولة معها و رفض الخبيثة و السيئة فهو لا يتماثل مع الطيب بسبب الفضيلة و لكن لأن وضعية البطل يجد فيها صدى عميقا .(26)

مبدأ قلق الانفصال :

      أما النقطة الثانية التي تعالجها الحكاية في بدايتها هي معالجة ما يسمى بقلق الانفصال ،و الذي يكون بموت أحد الوالدين  أو طلاقهما أو مثلما في حكاية بونصيص ( الانفصال عن الوالدين ) لإثبات الذات ،وهي تسعى لإرشاد المتلقي ( الطفل خاصة ) على ضرورة التخلي عن الميولات الطفولية بالتبعية ،بغية الوصول إلى وجود مستقل وعالم خاص به ،وكذلك الطفل المعاق لابد أن يلقن كيفية الاعتماد على نفسه ،مهما كانت الصعاب ،وأن يعامل معاملة الطفل العادي الذي يمكنه اختيار حياته المستقبلية .

مبدأ اللذة و مبدأ الواقعية :

 أما الجزء الموالي من الحكاية المتعلق ، باختيار الأبناء لبيوتهم و للمواد التي تبنى منها ، حيث اختار الإخوة الستة الأكلات التي يحبونها لتصنع منها بيوتهم ، أما بونصيص فطلب بيتا من حديد .

 حيث يظهر الإخوة الستة التفكير الطفولي الآني ،البعيد كل البعد عن تقدير الأمور التي قد تقع مستقبلا،وهذا يعني سيطرة مبدأ اللذة ،على فئة كبيرة من الأطفال و المراهقين ، أين يسعى هؤلاء لتحقيق الفرحة و الإشباع الآنيين ، دون تقدير للمخاطر التي قد يفرزها الواقع، و لعل التهام الغولة للإخوة الستة ،يعني أن تسلط مبدأ اللذة على الطفل ، يؤدي إلى القضاء على كل شيء  ، لأنه يتنافى مع مبدأ الواقعية ، الذي يحقق التوازن بين اللذة الطفولية و متطلبات الحياة اليومية ،و الحكاية بطريقة ذكية و محترفة تكرس مبدأ الاختيار المحدد ، و الذي يطرح أمام الطفل فكرة ترتيب أموره ، وعدم الانقياد وراء اللذة المطلقة .

و بالمقابل ترسم الحكاية نموذجا مغايرا ( بونصيص ) الذي ينسجم مع مبدأ الواقعية ، و يتمكن من التحكم في مبدأ اللذة لديه ،ليؤخر رغباته الملحة ، و التنبؤ بما يمكن أن يحدث مستقبلا في واقع لا يمكن الاطمئنان إليه أبدا . و هذا ما يعكس تطور الشخصية التي تكون في البداية مسيطر عليها من الهو ،لترتقي إلى الشخصية المتأثرة بالأنا الأعلى و المراقبة الخاصة للأنا(27) حيث تبدأ الغولة بإغراء بونصيص: مرة برغبتها القيام بواجب الضيافة ، و مرة برغبتها مشاركته في جني التمر، و لكن بونصيص هذه الشخصية الضعيفة البنية ، المعاقة تستطيع أن تراوغ  وتخدع من هو أقوى منها حجما و بطشا .فتختلق لها الأعذار و الحجج في كل مرة ، وبعد أن يئست الغولة من استدراج بونصيص إلى فخها ، غيرت خطتها و ترصدت حركاته لتوقع به في النهاية ، و تقرر تسمينه لتجعل منه وليمة لصديقاتها ، وتكرير الزيارة هنا تعني تكرار الصعاب التي تصادف الطفل في حياته اليومية.

 هي شخصية جديدة (الغولة  الشريرة)، التي تجسد القوى اللااجتماعية و اللاشعورية المفترسة ،التي يجب نتعلم مكافحتها ، وحماية أنفسنا منها ، والتي يمكن التغلب عليها بواسطة الآنا .فهذه القوى تتجسد في المحيطين بالبطل ، كما أنها هي ذاتها العراقيل و الصعاب التي تقف حائلا دون الوصول إلى الهدف المنشود ، فعالم الغول يرمز للخوف من العالم الخارجي المحيط بنا .

و تدخل شخصية جديدة في مسار الأحداث و هي ابنة الغولة ، التي تحرص بونصيص الذي استطاع أن يغريها بفرحة أمها الغولة و غبطتها ، عندما تجد ابنتها قد أعدت الوليمة ، مما سهل عليه القضاء عليها ، وخداع الغولة  وصديقاتها ، بأن أطعمهم لحم الغولة الصغيرة.

و أخيرا تمكن من القضاء على الغولة ، و الوصول إلى الحكم ،و يرمز أسر البطل ( بونصيص ) تحت قبضة الغولة إلى مرحلة الفشل الآنية ، التي قد يشعر بها  الطفل، و التي تنعكس سلبا على النفس البشرية إذ تفرز إحباطا نفسيا مؤقتا ، سرعان ما ينتهي ، بتفعيل طاقة جديدة للخروج من المأزق .

وهي مرحلة تطوير الذكاء، التي تسمح للطفل أو المراهق من التخلص من العراقيل، والقوى الشريرة (الغولة). وتحقق مبدأ العدالة الذي يعني معاقبة الأشرار الذين يسيئون التصرف . وهذا يعنى أن الجزاء من جنس الفعل مما يشعر النفس بالطمأنينة  والأمان و السرور، كما أن الحكاية تنتصر لذلك الطفل المهمًش والمحقًر منذ بداية الحكاية ، إذ هو الذي يحقق مبدأ العدالة و ينتقم لإخوته الستة الذين أكلتهم الغولة، ويتمكن من تحقيق ذاته  والوصول إلى الحكم في النهاية.

أزمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــات النمو:

إن المتأمل للأحداث التي مرت بها الحكاية من البداية حتى النهاية،يستنتج أنها تصور لنا تطور الفكر عند الطفل و المراهق ؛ ففي البداية يكون تفكيره حسيا ( مبدأ اللذة ) الأكل، ثم كيف يتدرج نحو التجريدي ، في تطوير فكره شيئا فشيئا، حتى يتغلب على العراقيل التي يصادفها ، وهذا ما ينتقل به من مرحلة الاضطراب إلى مرحلة التوازن النفسي المؤدي إلى النضج النفسي والجسدي، الذي يحقق له الاستقلالية التي كان يبحث عنها ، بمعنى آخر أنها تعالج أزمات النمو التي قد يصادفها الطفل و المراهق معا ،وتمنح لهما الطمأنينة الداخلية.

وفي الختام نقول أن التحليل النفسي خلق ليجعل الانسان قادرا على قبول الطبيعة الإشكالية للحياة، بدون أن يستسلم أمام هجومها ، وبدون أن يلتجئ إلى مسالك خاطئة . ما أراده فرويد هو أن الرجل لا يستطيع التوصل إلى إعطاء معنى لوجوده ، إلا اذا قاوم بشجاعة ما يظهر له لا مساواة ساحقة (28).

وحكاية بونصيص ذات طابع محلي، يرقى إلى مصاف العالمية، لأنه يتقاطع مع حكايات عالمية أخرى في الخطوط الكبرى، يعالج قضايا إنسانية مشتركة؛ وضعا غير سليم في المجتمع، عن طريق الانتصار لفئة المهمشين المستضعفين ( فئة الأطفال والمراهقين )، خاصة منهم المعاقين، مؤكدا أن الإعاقة عقلية و ليست جسدية، و أن الاستثمار الإنساني في هذه الفئة ضروري و ملح، يفتح أبواب الإبداع و التميز و العطاء، إذا وفرت لهم الوسائل اللازمة، وهو انتصار نفسي بالدرجة الأولى، عن طريق تحقيق مبدأ العدالة و الوصول إلى تحقيق الذات.وإجمالا الحكاية عالجت النقاط التالية:

- ظاهرة التهميش التي تمارس في المحيط الأسري ( الأب – الإخوة ) ثم تمتد إلى المجتمع ـ

$1-       تكرار الفعل غايته تصوير الصراع من أجل إعطاء معنى للحياة

$1-       معالجة أزمات النمو، وتحقيق النضج النفسي والجسدي .

$1-       تعزيز الثقة بالنفس عن طريق اقتراح حلول لبعض المشاكل .

$1-       الحث على ضرورة المواجهة والقضاء على الصعاب لا الاستسلام لها .

$1-       الانتصار للعقل لا للجسد .

الإحالات :

$11)    انظر : عز الدين اسماعيل - التفسير النفسي للأدب- ط 4 - دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع ،القاهرة  ص 06 .

$12)    انظر : يوري سوكولوف - الفولكلور : قضاياه و تاريخه - ترجمة حلمي الشعراوي وعبد الحميد حواس ، التهيئة العامة للتأليف و النشر ، مصر ، 1971.

$13)    انظر : فاروق خورشيد - الموروث الشعبي - ط 1 ، دار الشروق ، 1992 م ، ص 12 .

$14)    انظر : محمود ذهني – الأدب الشعبي العربي ( مفهومه و مضمونه )- مطبوعات جامعة الزقازيق (د.تا)، ص55.

$15)    المرجع نفسه ، ص70 نقلا عن : العقد الفريد ، ابن عبد ربه ، ج2 ، ص45.

$16)    انظر : المرجع نفسه ص70 ، ص71.

$17)    انظر : فريدريش فون ديرلاين -الحكاية الخرافية – نشأتها ، مناهج دراستها ، فنيتها - تر : نبيلة إبراهيم مراجعة : عز الدين اسماعيل ، مكتبة غريب ، القاهرة (د.تا) ، ص05

$18)    انظر : المرجع نفسه ص19 ، ص26.

$19)    انظر :سعيدي محمد - الأدب الشعبي بين النظرية و التطبيق – ديوان المطبوعات الجامعية ، سلسلة دروس جامعية ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، 1998 م ، ص55، ص 56.

$110) انظر :نبيلة إبراهيم - أشكال التعبير في الأدب الشعبي - دار غريب للطباعة و النشر و التوزيع ، القاهرة ص87.

$111) انظر :علي جواد الطاهر- منهج البحث الأدبي- ص14،عن عثمان أمين-قواعد لهداية العقل-ص78.

$112) الاختلاف  حول تسمية وحدات الحكاية.

$113) نظر : نبيلة ابراهيم - قصصنا الشعبية من الرومانسية إلى الواقعية – دار العودة،بيروت،1974،ص13

$114) انظر : المرجع نفسه ص18 ، ص19.

$115)انظر : برونو بتلهايم - التحليل النفسي للحكايات الشعبية - تر:طلال حرب،دار المروج ، 1985م،ص12

$116) انظر : نبيلة ابراهيم- قصصنا الشعبي.....ص22،ص23

$117)انظر : شوقي ضيف – البحث الأدبي ،طبيعته،مناهجه،اصوله،مصادره- مكتبة الدراسات الأدبية،ط7،دار المعارف،القاهرة،105.

$118) انظر : المرجع السابق،ص107،ص109.

$119) انظر : شوقي ضيف – البحث الادبي .......ص115

$120) انظر : عز الدين اسماعيل – التفسير النفسي ......ص12،ص13

$121) انظر : برونو بتلهايم - التحليل النفسي......ص11. نقلا عن : نظريات الفولكلورالمعاصر- د.دورسون – ص102

$122) انظر :برونو بتلهايم – التحليل النفسي ....ص11

$123) انظر : سعيدة حمزاوي ، الحكاية الشعبية في المجتمع التيجاني – دراسة ميدانية في بلدة تماسين – بحث لنيل شهادة ماجستير، إشراف:روزلين ليلى قريش ،قسم اللغة العربية ،جامعة الجزائر،(1999م-2000م)،ملحق النصوص، ص43 إلى ص45

$124) انظر : برونو بتلهايم – التحليل النفسي –ص27.

$125)انظر : المرجع السابق- ص 27.

$126)انظر: المرجع نفسه ،ص 29.

$127)انظر: برونو بتلهايم – التحليل النفسي – ص24.

$128)                       انظر: المرجع السابق - ص26،ص27.