ظاهرة الاعتماد المفرط على الوسائط الحديثة و علاقتها باغتراب الأستاذ الجامعي في محيط عملهpdf

 

 أ.عبد الله كبار

 أ. مازن سليمان الحوش  

الملخص:

 ـ تعد مهنة التعليم والتعليم العالي من أنبل المهن التي عرفتها البشرية، فالرسل والمصلحون وقادة الأمم انتهجوا حرفة التعليم لإنقاذ الشعوب من ظلام الجهل، غير أنهم ركزوا على فنون الخطابة والمحاورة والاتصال الشخصي لنشر العلم والمعرفة.

ـ ومع ظهور الثورة الصناعية ووصولا إلى ثورة الاتصالات والمعلوماتية أصبح لزاما على المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية ومنها الجامعة الاستفادة من خدمات تكنولوجيا الاتصال والمعلومات من حواسيب وبرامج وشبكات الأنترنيت وبهذا أصبحنا نسمع اليوم عن مفاهيم كالتعليم الافتراضي و التعليم الالكتروني، والمكتبات العلمية الالكترونية ...إلخ.

واستعمال وسائط حديثة Data-chow والشرائح والحاسوب المحمول ...إلخ.

ـ ولكن هذه التكنولوجيا رغم إيجابيتها المتعددة إلا أنها قللت من مقومات الإبداع لدى الأستاذ الجامعي حيث أصبحت تنوب عنه في جل الأدوار التي كان يقوم بها والمبنية على التفاعل المباشر مع الطلاب والاستعانة بالمراجع المكتوبة والسبورة والطبشور...إلخ.

ـ إذن هذا التحول أثر على الأستاذ الجامعي وأنتج ظاهرة اغتراب الأستاذ في جامعته وسلبت منه سلطته المعنوية وانطلاقا من هذا الواقع سنطرح الإشكالية التالية:

ما علاقة الاعتماد على الوسائط التعليمية الحديثة بتنامي ظاهرة الاغتراب المهني لدى الأستاذ الجامعي؟

تكنولوجيا الاتصال والمعلومات(لمحة تاريخية):

بعدما صنع الإنسان الآلة البخارية لتنوب عنه عضليا كانت محاولاته متواصلة لصنع آلة تخفف عنه الجهد الفكري (العقلي)وذلك لصنع آلة حاسبة تعمل بعناصر ميكانيكية إلا إن هذه المحاولات كانت تفشل دائما ويرجع السبب  إلى عدم توافر الأسس العلمية وما إن توافرت تلك الأسس العلمية والوسيلة التكنولوجية المناسبة لبناء تلك الآلة الحاسبة حتى تحقق ذلك الحلم المنتظر في نهاية الأربعينات من القرن العشرين وخرج إلى الوجود الكمبيوتر الرقمي ثمر الالتقاء علوم الفيزياء والرياضيات الهندسة الالكترونية وقد أدى ذلك بدوره إلى ثورة تكنولوجيا المعلومات صنيعة الامتزاج الخصب لثلاثية عتاد الكمبيوتر البرمجيات وشبكات الاتصالات

وبعد ذلك ارتقت هذه التكنولوجيا بصورة غير مسبوقة خلال سلسلة من النقلات النوعية لتتوالى أجيال تكنولوجيا الاتصال والمعلومات وصولا بالانترن(1) تلك الشبكة التي تغير من طريقة الأفراد من الاتصالات والتفاعل وتبادل الخدمات والمعلومات كما تمثل نموذجا متغيرا ووسطا متعاونا يمكن الوصول به إلى المعلومات والبيانات ومكان للخبرات المتنوعة في كافة المجالات عن طريق مجموعة أو حزمة من أجهزة الكمبيوتر (الحاسب الآلي)اللانهائية المتصلة معا والتي تقوم ببث وإرسال معلوماتها إلى أجهزة الحاسب الآلي المستقلة في شتى أنحاء العالم(2)

استخدام الحاسوب كأداة لتكنولوجيا الاتصال والمعلوماتية في العملية التعليمية: 

يعد الحاسوب من أهم الوسائل التكنولوجيا الحديثة التي أسهمت بشكل فعال من اجل الإتقان،إذ أصبح بالإمكان استخدام الحاسوب من طرف فرد أو أفراد لتحقيق مبدأ التعليم من أجل التمكن.ويستخدم الحاسوب في عدة مجالات من مجالات التعليم ونجد منها :

أولا: المجال الخاص بالطلبة

-      هو عبارة عن وسيلة للتدريب على إتقان المعلومات والمهارات.

-      كما يستخدم لتنشيط دور المتعلم وجعله أكثر ايجابية في التعلم من خلال عرض المفاهيم وتمكين المتعلم من استيعابها .

-      كذلك يستخدم في تعليم الموضوعات التي تحتاج إلى توضيح وأمثلة.

-      كما يستخدم في عرض التجارب العلمية.

ثانيا: في مجال عمل الأستاذ

-      يستخدمه الأستاذ لحفظ المعلومات الشخصية والتحصيلية حول جميع الطلبة لغرض العودة إليها متى شاء .

-      يعد وسيلة تشخيصية تمكن الأستاذ من تحديد نقاط القوة والضعف لدى الطلبة.

-      كما يساعد الأستاذ من الاستعانة بالبرمجيات زيادة على أساليب أخرى من أساليب التعلم بالحاسوب.

-      يمكن للأستاذ من تسجيل التقويم التكويني والنهائي لجميع الطلبة.

ثالثا: في مجال العمل الإداري

-      يعد الحاسوب وسيلة مميزة لحفظ المعلومات عن جميع الطلبة.

-      به يوزع الطلبة وفق معايير تضعها إدارة الجامعة.

-      وضع جداول الدروس وتوزيعها بين الأقسام والمجموعات.

-      تسجيل أثاث الجامعة وموجوداتها.

-     تسجيل حسابات الجامعة وتدقيقها.

-      تسجيل درجات الطلاب حسب صفوفهم ومراحلهم.(3)

تجربة دولة الكويت مع الجامعة العربية المفتوحة:

نظام التعليم المفتوح الذي يتم تطبيقه في الجامعة العربية المفتوحة هو في جزء منه شكل من أشكال التعلم عن بعد الذي يهدف إلى نظم التعليم التقليدية.حيث يوفر نظام التعليم المفتوح للدارسين مواد تعليمية معدة  بأسلوب منهجي مبرمج ومدعمة بإرشادات وأدلة لتيسير دراستهم إضافة إلى استثمار الوسائط التعليمية المساعدة في تفعيل هذا النظام التعليمي،وتتمثل هذه الوسائط في المواد السمعية البصرية والأقراص المرنة والاسطوانات المدمجة وخدمات شبكة المعلومات على مواقع الانترنت وسائط التعلم وقنواته تتبنى الجامعة العربية المفتوحة النظام التكاملي متعددة الوسائط والقنوات في تعليم الدارسين وتشمل هذه الوسائط المواد التعليمية المطبوعة والمسموعة والمرئية واستخدام الحاسب الآلي والانترنت بالإضافة أنها تقدم للدارسين المزيد من الدعم والمساعدة من خلال مراكز الدراسة وشبكة الأقمار الصناعية المتكاملة.(4)

  I- فضاء الجامعة ودور الأستاذ الجامعي:

1- تعريف الجامعة:

أ- لغة: اشتق مصطلح الجامعة في لغتنا العربية من فعل "جمع"، يجمع، جمعا، ونقول جمع الأشياء المتفرقة بمعنى ضم بعضها إلى بعض.

وبناءا على ما سبق فإن كلمة جامعة تعبر على أنها تستعمل في جمع الأمور الحسية والمعنوية وهي مؤنث جامع، نقول كلمة جامعة وأمر جامع ومسجد جامع وقدر جامعة وجوامع وجمعها جوامع(5).

ب- اصطلاحا: تعرف في المعجم الوسيط على أنها: «...مجموعة معاهد علمية تسمى كليات تدرس فيها الآداب والفنون والعلوم...» (6).

ويعرفها قاموس لاروس على أنها: «...مجموعة المنشآت والهيئات التدريسية التي تقدم معارف خاصة بالتعليم العالي...»(7).

إذا يمكننا تعريف الجامعة بأنها ذلك الفضاء المكون من مبان تحتوي على حجرات للتدريس ومخابر وورشات وإدارة ومكتبات تهدف إلى نشر المعرفة والتعليم العالي وإنتاج معارف جديدة تساهم في التنمية البشرية الشاملة.

2- مكونات الجامعة:

-      مبنى رسمي ومبان فرعية.

-      إدارة.

-      هيئة تدريس مكونة من كوادر (الأساتذة الجامعيون).

-      مقررات دراسية جامعية.

-      الطلبة.

-      المكتبة.

-      العمال.

-      الميزانية.

 3- تاريخ موجز عن الجامعات :

لا يمكننا تحديد من هي أول جامعة في تاريخ البشرية، فهناك من يعتقد أن كلمة جامعة مشتقة من الكلمة اللاتينية "Universitas" التي تعني الكل أو الجماعة، حيث أطلقت على نقابة العمال ثم على النقابة التي تظم رجال العلم من أساتذة وطلاب وبهذا فقد اشتهرت في أوائل القرن الثالث عشر (13) جامعة في باريس اهتمت باللاهوت وأخرى في بولونيا اهتمت بالقانون وأخرى في سالنرو اهتمت بالطب، كما أن الطلاب البولونيون هم أول من أطلق على انفسهم اسم الجامعة بينما بادر الأساتذة في فرنسا بتكوين أول رابطة للجامعة.

إن إطلاق اسم الجامعة على هذا النوع من المؤسسات التعليمية أصبح مستخدما في الربع الأخير من القرن الرابع عشر ميلادي(8).

وفيما يخص العالم الإسلامي فإن أول جامعة تمثلت في جامعة القرويين سنة 859 م تلتها جامعة الأزهر سنة 972 م فالجامعة المستنصرية سنة 1226.

أما في العالم العربي فإن أول جامعة تم إنشاؤها في بيروت سنة 1866 فجامعة الجزائر سنة 1909 ثم جامعة دمشق سنة 1923 أما الجامعة المصرية فقد تأسست سنة 1925م(9).

4- علاقة الجامعة بالمجتمع:

لقد أوجدت الجامعة أصلا لخدمة المجتمع، فرسالتها تتمثل في تعليم أفراد المجتمع وتكوين وتدريب الإطارات كما أنها أيضا تعد نسقا فرعيا في إطار النسق الكلي (المجتمع) وهي تتأثر بحالة الأنساق الأخرى إذن فالمطلوب منها مواصلة المسيرة العلمية للفرد بتزويده بمعارف علمية وتقنية راقية،هذه المعارف تتوج بشهادة علمية تمكن حاملها من الترشح لمنصب عمل في المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه كما أن لها علاقة بالمؤسسات التعليمية والتربوية الأخرى من الطور الإعدادي إلى الثانوي فهي الحلقة الأخيرة في عملية التكوين والتدريب، أما في مجال البحث العلمي الذي هو عصب التقدم فهو ذو لعلاقة طردية مع الجامعة بحيث أنه كلما تطورت واستقامت أحوال الجامعة كلما تطور واستقام حال البحث العلمي والعكس صحيح ، كما أن تطور المسار الجامعي والبحث العلمي أصبح يعد من مؤشرات تقدم الدول ومن مؤشرات التنمية البشرية.

أما في عصرنا الحالي فإنه أصبح ينظر إلى الجامعة كآلية من آليات اقتصاد السوق، بحيث بات يعرف اليوم تعاقد جامعات عريقة مع شركات عالمية عملاقة للاستفادة من إطاراتها كجامعة هارفارد، معهد ماسا شوتس للتكنولوجيا وجامعة مانشستر...الخ.

5- الجامعة في عصر العولمة وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات:

بعد سقوط المعسكر الاشتراكي وظهور أحادية القطب في العالم بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وكذا ظهور شبكة الانترنت وتطور وسائل الاتصالات والمعلوماتية التي بشرت بظهور عصر معولم مبني على سيادة القيم الأمريكية الرأسمالية التي انتشرت لتصبح ذات بعد عالمي ترسخت قيم العولمة بأبعادها الاقتصادية، الثقافية، والسياسية، والجامعة لم تكن بمنأى عن رياح العولمة والتغيير وبهذا أصبح من الشائع أن نسمع عن جامعة الأمم المتحدة التابعة لهيئة الأمم المتحدة (ONU) والتي تهتم بقضايا وشؤون الشعوب والمجتمعات، غير أن سطوة وسائل الاتصال الحديثة والمعلومات وغزوها لمجالات واسعة في المجتمع كالبنوك، والمصانع، والخدمات ووصولا إلى الجامعات ولهذا أصبحنا نسمع بالجامعات الافتراضية، التعليم الإلكتروني، حوسبة المقررات الجامعية، والمكتبات الإلكترونية...الخ.

إن هذا الانتقال والتحول لوظيفة الجامعة بسبب ظروف العولمة أصبح يطرح أكثر من سؤال خاصة مع وجود مشكلات لوجستية في البنى التحتية لجامعاتنا مع نقص في تكوين الكوادر الجامعية بسبب المتغيرات الجديدة بالإضافة إلى تبني مناهج مستحدثة في التدريس لا تتماشى مع خصوصياتنا وثقافتنا، كذا وجود مشكلات حقيقية في تمويل البحث العلمي وضعف الاستفادة من المكتبات وقلة إنتاج أوراق بحثية تتماشى مع شروط التنمية المحلية والدولية، هذه الأسباب جعلت جامعتنا تدخل في دوامة معقدة من المشكلات العويصة وهذا ما أثر في مردودها البيداغوجي والعلمي فالتقارير العالمية تؤكد بأن جامعاتنا أصبحت تصنف في مؤخرة الجامعات العالمية وهذا ما أحدث حالة من الطوارئ في الدول العربية منها الجزائر.

6- الأستاذ الجامعي خصائصه وأدواره:

أ‌-   تعريف الأستاذ الجامعي: هو شخص حائز على شهادة علمية أكاديمية في تخصص ما، سواء أكانت شهادة الماجستير أو فما فوق، يقوم بالتدريس في المؤسسة الجامعية وإنجاز البحوث العلمية والمشاركة في الحياة العامة.

ب- دور الأستاذ الجامعي: و يتمثل في ما يلي:

-      التدريس.

-      الإشراف العلمي على الطلبة.

-      المساهمة في إعداد المقررات البيداغوجية.

-      العمل ضمن إطار المخابر العلمية للجامعة.

-      إعداد البحوث والمقالات العلمية.

-      إعداد المؤتمرات والندوات العلمية.

-      المشاركة في الإدارة الجامعية (إن طلب منه ذلك).

ج- علاقة الأستاذ الجامعي بترقية البحث العلمي: يعد الأستاذ الجامعي والأستاذ الباحث المحرك الرئيسي لعملية البحث العلمي، فتفرغه للبحوث والدراسات هو الذي يؤهله لتطوير البحث، كما أن تبنيه لشروط البحث العلمي يجعله عضوا في الجماعة العلمية المحلية أو العالمية، إن العقل البشري هو الذي يتعامل مع المعرفة ويتحسسها ونتيجة لذلك فإن الإبداع العلمي هو إبداع بشري بالدرجة الأولى ونتيجة لذلك فإن الإبداع العلمي هو إبداع بشري بالدرجة الأولى والفروقات الموجودة بين الباحثين هي التي تدفعهم للاجتهاد واستنباط الجديد، كما أن الهيئات العلمية الدولية أصبحت تصنف رقي المؤسسات الجامعية بعدد الأوراق البحثية التي ينتجها الأساتذة الجامعيون المنتمون لهذه الجامعات والجديد في براءات الاختراع التي يكتشفونها كما أن الجوائز العالمية وعلى رأسها جائزة نوبل هي عرفان لتفوق باحثين على حساب آخرين، وبهذا فالبحث العلمي هو تأشيرة الأستاذ الجامعي الباحث نحو الاعتراف والاستحقاق العلمي والذي يعد وساما للأستاذ الجامعي في سلم التراتيبة العلمية في الفضاء الجامعي.

II- دور تكنولوجيا الاتصال والمعلومات في اغتراب الأستاذ الجامعي:

1- تعريف الاغتراب لغة:

اسم مشتق من الفعل اللاتيني "Alienare" والذي يعني نقل ملكية شيء ما إلى آخر، ويعني الانتزاع أو الإزالة وهذا الفعل مستمد بدوره من كلمة أخرى هي "Alienus" أي الانتماء إلى شخص آخر أو التعلق به وهذه الكلمة الأخيرة مستمدة من اللفظ "Alius"(10).

2- تعريف الاغتراب اصطلاحا:

وفي المعجم النقدي لعلم الاجتماع يعرف الاغتراب بأنه: «...شعور الفرد بأن إيجاد معنى لوجوده أشق عليه في المجتمعات الصناعية منه في مجتمعات أخرى...»(11).

3- مفاهيم ونظريات الاغتراب:

أ- المفهوم الهيغلي:  يرى هيغل أن الاغتراب هو حالة من العجز التي يشعر بها الإنسان عندما يفقد سيطرته على منتوجاته وممتلكاته، وبهذا فإن الفرد يفقد القدرة على تقرير مصيره والتأثير في مجرى الأحداث التاريخية12).

ب- المفهوم الماركسي: يعتقد كارل ماركس بأن ظاهرة الاغتراب هي حالة عامة تكتسح المجتمعات الرأسمالية التي عملت على تحويل الإنسان إلى سلعة وحولته إلى إنسان عاجز، كما أنه حدد أربعة أبعاد لهذ الاغتراب وهي:

1. اغتراب العامل في علاقته بمنتجاته.

2.  اغتراب العامل في عمله بالذات في المجتمعات الرأسمالية.

3. اغتراب العامل في المجتمع الرأسمالي عن الطبيعة نفسها التي هو جزء منها.

4.اغتراب الانسان في علاقته عن الإنسان الآخر(13).

ج- مفهوم ماكس فيبر: «...يرى فيبر أن حالة العجز عامة ولا تقتصر على العامل، بل تتفق فيها جميع العلاقات الاجتماعية، فيؤكد أن العالم والجندي والباحث والأستاذ الجامعي وغيرهم لا يسيطرون على وسائلهم ومنتجاتهم كونها مستقلة عنهم في كثير من الأحيان...»(4'[1]).

د- مفهوم إيميل دوركهايم: لقد درس دوركهايم حالة التفكك الموجودة في المجتمع الفرنسي الذي عاش فيه ولقد اهتم بالمفاهيم مثل التضامن، تقسيم العمل، والأنوميا...الخ، وعلى هذا الأساس فإن حالة الأنوميا (Anomie) تتجلى في صلب المفهوم الدوركهايمي للاغتراب، ويشير هذا المفهوم إلى ظهور أزمات اجتماعية بين الفئات الاجتماعية المتنافسة بسبب تدهور القيم والمعايير التي تقوم بضبط العلاقات الاجتماعية(15).

4- أنواع الاغتراب:

يشمل الاغتراب عدة جوانب في حياة الإنسان غير أن أشهرها ما يلي:

-      الاغتراب الثقافي.

-      الاغتراب النفسي.

-      الاغتراب الاجتماعي.

-      الاغتراب السياسي.

-      الاغتراب الديني.

-      الاغتراب الاقتصادي.

-      الاغتراب المهني.

5- مظاهر اغتراب الأستاذ الجامعي في محيطه المهني:

بسبب سطوة تكنولوجيا المعلومات والاتصال الحديث في التدريس الجامعي، وجد الأستاذ الجامعي كمصدر لتلقين وتطوير المعرفة نفسه مجبرا على التماشي معها ومجاراتها حتى لا يتهم بالتقليدية والتخلف، طبعا ينطبق هذا الحديث على الأستاذ الجامعي في الدول المتقدمة الغربية منها والآسيوية، غير أنه لحسن الحظ فإن الأستاذ الجامعي في العالم العربي وفي الجزائر خاصة لا يزال يقوم بمهامه التدريسية وفق الطرق الكلاسيكية التي تعتمد على المحاضرة والتفاعل مع الطلبة سواء في المدرجات أو في قاعات التدريس ويعود ذلك أساسا إلى ضعف إمكانيات الجامعات المحلية التي لا زالت تستعين بأدوات التعليم الكلاسيكية كالسبورة والطبشور...الخ

ولكن في المستقبل القريب ومع دخول نظام LMD إلى حيز التنفيذ، سنشهد استعمالا مكثفا ل "جهاز عرض"Data-Chow  وتقنية التدريس بالـ: PowerPoint واستعمال الحواسيب المحمولة التي تعتمد على شبكة الانترنت في إطار ما يسمى بالتعليم الالكتروني.

ومن مظاهر الاغتراب التي سيعيشها الأستاذ الجامعي والطلبة على حد سواء مستقبلا نجد مايلي:

1. الحيرة: وهو أن يشعر الأستاذ والطلبة أن مصيرهم ليس بأيديهم بل تصنعه هيئات خاصة تحدد لهم كمية ونوعية المعلومات التي يتلقونها والخضوع لهذه البرامج للحصول على شهادات معينة تقتضي الاهتمام بالمعلومات وتلغي إنسانية الإنسان، وهكذا سيشعر الأستاذ الجامعي بأنه فقد القدرة على ضبط الأمور التي كان يتحكم بها مسبقا وأنه أصبح تابعا لهيئات خارجية.

2. اللامعنى: ويتمثل في شعور الأستاذ الجامعي بأن دوره لا معنى لعه مقابل هذه الآلات والتقنيات الحديثة التي افتكت منه سلطته المعنوية والأدبية، وبأنه هو في حد ذاته أصبح حلقة من حلقات هذه التقنيات الحديثة، وبأنه غير قادر على استيعاب ما يدور حوله من أحداث وبأن التعليم الجامعي لا معنى له في ظل تغول التكنولوجيا .

3. الأنوميا:وهو شعور الأستاذ بأن هناك خلخلة في القيم والمعايير التي باتت تتحكم في مسار الحياة الجامعية، وسيادة قيم الخوف من المستقبل والقلق والفوبيا من كل ما هو جديد أو لا يتماشى مع القيم الإنسانية السائدة.

4. العزلة الاجتماعية: إن انتقال السلطة من الأستاذ إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ومن يقف وراءها من مهندسي الإعلام الآلي ومواقع الانترنت تخلق في نفسية الأستاذ نوعا من اللأمن وهو ما يدفعه إلى العزلة والانعزال عن الأفراد مما يؤثر على علاقاته الاجتماعية وضعف تكيفه الاجتماعي.

5. الاغتراب عن الذات: ويتمثل في عدم قدرة الأستاذ على التواصل مع نفسه وشعوره بنوع من الانفصال عما يرغب في أن يكون عليه. إن الاهتمام بالصحة النفسية للأستاذ والباحثين في الغرب يشكل عنصرا مهما لأن هذا الاستقرار يتولد عنه إبداع وتجديد وتقدم في مجال البحث العلمي، ولكن مع سيطرة التكنولوجيا سيتحول دور الفرد بصفة عامة والأستاذ الجامعي الجزائري في محيطه المهني بصفة خاصة إلى مشكلة حقيقية يجب اتخاذ الاحتياطات لعلاجها.

الخاتمة:

مما سبق يمكننا أن نخلص إلى أن الاهتمام بتطوير أساليب وطرائق التعليم والتعليم العالي هو مفتاح التنمية البشرية الخلاقة، لأن ترقية العلم والمعرفة هو رأس مال اجتماعي مستدام، كما أنه وفي ظل العولمة العالمية وجب الانفتاح على التجارب العالمية الحديثة ومنها الاستفادة من تكنولوجيا المعلومات والاتصال الحديثة في العملية التدريسية وتدريب الكوادر البشرية، والجامعة باعتبارها حلقة مهمة في عملية التنمية والتقدم الاجتماعي وجب عليها إحلال موقع مهم في معترك الحياة الاجتماعية والاستفادة من ثورة التكنولوجيا الفائقة والمعلومات من أجل البحث والحصول على المعلومة بأقل تكلفة وبأسرع وقت، كما ان جودة التعليم الجامعي أصبحت مرهونة بقدرة الكفاءات البشرية العاملة داخل الجامعات بالإضافة إلى الاستغلال الأمثل للإمكانيات التكنولوجية الحديثة في الرفع من القدرات التعليمية للطلبة والأساتذة تماشيا مع اقتصاد السوق، ولكن وبالرغم من هذه المكتسبات الحديثة إلا اننا نبدي بعض التحفظات بسبب المخاوف من اختزال دور الأستاذ وتحويله من صانع القرار إلى تابع، وكذا تقزيم مكانته لصالح المهندسين وخبراء المعلوماتية ومن أجل الحد من هذا المشكل المستقبلي نقترح التوصيات التالية:

1.  ضرورة الاهتمام بالبعد الإنساني والاجتماعي في عملية التدريس، لأن العلم يؤخذ من أفواه الرجال وليس من بطون الكتب أو ذاكرات التخزين للحواسيب.

2.   ضرورة رسكلة وتكوين الأساتذة الجامعيين لمواكبة التطورات التكنولوجية الحديثة في مجال المعلوماتية.

3.   ضرورة حظ الأساتذة الجامعيين المزاوجة ما بين الطرق الكلاسيكية والحديثة في التعليم الجامعي.

4.   ضرورة تشجيع المطالعة والاعتماد على المكتبات الورقية والبحوث المطبوعة.

قائـمة المــصادر والمراجـــع:

1-    نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، العدد 265 سلسلة عالم المعرفة، مطابع الوطن، الكويت، يناير 2001، ص 68.

2-    أحمد عبد الله العلي، التعليم عن بعد، دار الكتاب الحديث، مصر، ب ط ، 2005،ص97

3-    محسن محمد عطية، تكنولوجيا الإتصال في التعليم الفعال، دار المريخ، الأردن، ط1، ص276

4-   أحمد عبد الله العلي ، مرجع سابق ، ص 214

5-    المعجم الوسيط ،ج 01،ص 134

6-    نفس المرجع ، ص 134

7-                   Dictionnaire de francais،larousse،2001، 439

8-   محمد عقيل بن علي المهيدلي ، الجامعة ومكوناتها الأساسية في الفكر المعاصر ، دار الحديث ، مصر ،د ط، د ت، ص 15

9-   فوزي العكش، البحث العلمي، دائرة المطبوعات للنشر، العين، الإمارات العربية المتحدة،1997، ص 14

10-             عبد اللطيف محمد خليفة ، دراسات في سيكولوجية الاغتراب ، دار غريب، مصر، ط، 2002، ص 23.

11-              ريمون بودون ، ف – بوريكو، المعجم النقدي في علم الإجتماع ، ت ر: سليم حداد ، مجد للنشر ، لبنان ، ط2، 2007، ص 32

12-             حليم بركات،الاغتراب في الثقافة العربية : متاهة الإنسان بين الحلم والواقع ، مركز دراسات الوحدة العربية ، لبنان ،ط1 ، 2006، ص 37

13-              نفس المرجع ،ص ص 39- 40

14-             نفس المرجع ،ص 42

15-             نفس المرجع ،ص 44