مفهوم البلاغة عند ابن خلدونpdf

 

د. عبد الجليل مصطفاوي

يمثل ابن خلدون(808هـ) نموذج العالم الموسوعي الذي تناول بالدراسة والتحليل مختلف العلوم؛ فقد جاءت مقدمته شاملة لكل المعارف الإنسانية؛ مما يدل على رجاحة عقله، وغزارة فكره، وسعة ثقافته. فكل قارئ لمقدمته يجد فيها ضالته، سواء أكان عالماً أم أديباً أم فيلسوفاً أم ساحراً يشتغل بالعزائم والطلاسم. ومن هنا فقد رأيت أن أتناول في هذه الدراسة جانباً معرفياً تمثله آراء الرجل في البلاغة العربية.

وما ينبغي الإشارة إليه أولاً أن ابن خلدون تحدث عن علم البيان في الفصل الذي خصصه لعلوم اللسان العربي التي جعلها أربعة أركان هي: اللغة، والنحو، والبيان، والأدب، وأكد أن معرفتها:" ضرورية على أهل الشريعة؛ إذ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة، وهي بلغة العرب، ونَقَلَتُها من الصحابة والتابعين عربٌ، وشرحُ مشكلاتها من لغاتهم؛ فلا بد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة"(1).

وذكر أن هذه العلوم تتفاوت في التأكيد بتفاوت مراتبها في التعبير عن المقاصد. وأشار إلى أن أهم هذه العلوم هو علم النحو؛ إذ به " يُتَبَيَّنُ أصول المقاصد بالدلالة، فيعرف الفاعل من المفعول، والمبتدأ من الخبر،ولولاه لجهل أصل    الإفادة "(2).

وينبغي أن نسجّل ههنا ملاحظتين هامتين، قبل أن ننقل حديثه عن علم البيان الذي جعله ركناً من أركان اللسان العربي، وهما:

أ- أنه تحدث عن البلاغة عند العرب وسماها علم البيان؛ وذلك من باب تسمية الكل باسم جزئه. وقد درج كثير من الدارسين – ومنهم بعض المحدثين(3)- على تسمية علوم البلاغة بـ " علوم البيان"؛ لما لهذا المصطلح من دلالة وأثر في العقل العربي لارتباطه بالقرآن الكريم؛ فقد وردت مادة (ب ي ن) بمشتقاتها المختلفة في النص القرآني بما لا يحدّه إحصاء(4).

ب- كانت دراسة ابن خلدون لهذا العلم دراسة نظرية خالصة؛ لأن غايته الأساسية هي تعريف هذا العلم الحادث في الملة كما قال.

قال في تعريفه:" وهو من العلوم اللسانية؛ لأنه متعلق بالألفاظ وما تفيده، ويقصد بها الدلالة عليه من المعاني"(5). ثم وضح ذلك بالقول:" وذلك أن الأمور التي يقصد المتكلم بها إفادة السامع من كلامه هي إما تصور مفردات تسند ويسند إليها، ويفضي بعضها إلى بعض، والدالة على هذه المفردات من الأسماء والأفعال والحروف..."(6).

وينتقل بعدئذ إلى الحديث عن ركن مهم في النظرية البلاغية؛ وهو ما يعرف بمراعاة الكلام لمقتضى الأحوال، فيقول:" ويبقى من الأمور المكتنفة بالواقعات المحتاجة للدلالة أحوال المتخاطبين أو الفاعلين، وما يقتضيه حال الفعل، وهو محتاج إلى الدلالة عليه؛ لأنه من من تمام الإفادة. وإذا حصلت للمتكلم فقد بلغ غاية الإفادة في كلامه. وإذا لم يشتمل عليها شيء منها فليس من جنس كلام العرب؛ فإن كلامهم واسع، ولكل مقام عندهم مقال يختص به بعد كمال الإعراب والإبانة "(7).

وواضح من كلامه مدى تأثره بما عرف عند عبد القاهر الجرجاني(تـ 471هـ) بنظرية النظم؛ إذ جمع في آخر كلامه عنها بين الإعراب والإبانة(8). واستمع إليه يقول في هذا الشأن:" ألا ترى أن قولهم: زيد جاءني مغاير لقولهم:جاءني زيد؛ من قبل أن المتقدم منهما هو الأهم عند المتكلم. فمن قال: جاءني زيد أفاد أن اهتمامه بالمجيء قبل الشخص المسند إليه، ومن قال: زيد جاءني أفاد أن اهتمامه بالشخص قبل المجيء المسند..."(9).

وتحدث بعد ذلك عن فروق الخبر التي كان أوردها الإمام عبد القاهر الجرجاني ونسبها إلى أبي العباس المبرد(تـ285هـ) في حواره مع الفيلسوف الكندي، وهي قولهم:

زيد قائم

إن زيداً قائم

إن زيداً لقائم(10).

وتحدث عن الفرق بين التنكير والتعريف في الإبانة؛ فقولنا:

جاءني الرجل مغاير لقولنا جاءني رجل.

وتحدث عن الفصل والوصل، والإيجاز والإطناب، والأسلوب الخبري والإنشائي، وهذه كلها موضوعات تناولها علم المعاني.

ثم انتقل بعد ذلك للحديث عن عن أبواب علم البيان؛ فبدأ بالاستعارة وقال:" ثم قد يدل باللفظ ولا يريد منطوقه، ويريد لازمه إن كان مفرداً، كما تقول:زيد أسد؛ فلا تريد حقيقة الأسد المنطوقة، وإنما شجاعته اللازمة، وتسندها إلى زيد وتسمي ذلك استعارة "(11).

وتحدث عن الكناية أيضاً فقال:" وقد تريد باللفظ ملزومه، كما تقول: زيد كثير الرماد، وتريد به ما لزم ذلك من الجود وقَرْي الضيف؛ لأن كثرة الرماد ناشئة عنهما دالة عليهما"(12).

والملاحظ أنه أطلق علم البلاغة على ما عرف عند السكاكي(تـ625هـ) ومعظم البلاغيين بعلم المعاني؛إذ قال:" وجعل على ثلاثة أصناف؛ الصنف الأول يبحث فيه عن هذه الهيئات والأحوال التي تطابق باللفظ جميع مقتضيات الحال، ويسمى علم البلاغة "(13). واتفق معهم في تسمية ما يدرس التشبيه والمجاز والكناية بعلم البيان؛ وهو الصنف الثاني، وفي تسمية ما يدرس الجناس والتورية والطباق وغيرها بعلم البديع. وقال ملخصاً ذلك:" وأطلق على الأصناف الثلاثة عند المحدثين اسم علم البيان، وهو اسم الصنف الثاني؛ لأن الأقدمين أول من تكلموا فيه، ثم تلاحقت مسائل الفن واحدة بعد أخرى "(14).

وذكر أهم العلماء الذين كتبوا في هذا الفن كالجاحظ وقدامة بن جعفر وغيرهم، وقال عن السكاكي أنه هو الذي مخض زبدة هذا الفن، وهذب مسائله، ورتب أبوابه في كتابه الشهير (مفتاح العلوم) الذي لخصه اللاحقون، يتقدمهم الخطيب القزويني بكتابيه( التلخيص) و(الإيضاح) وابن الناظم بكتابه(المصباح في علم المعاني والبيان والبديع). توالت بعد ذلك الشروح والحواشي والمطوّلات(15).

ثم أشار إلى مسألة هامة – لها كما نتصور علاقة بمنزعه في العمران والاجتماع وسلوك الناس في حياتهم وصناعاتهم المختلفة– وهي أن المشارقة أعنى بهذا الفن (علم البيان) من المغاربة؛ وعلل ذلك قائلاً :" وسببه والله أعلم أنه كمالي في العلوم اللسانية، والصنائع الكمالية توجد في العمران، والمشرق أوفر عمراناً من المغرب كما ذكرناه، أو نقول لعناية العجم، وهو معظم أهل المشرق كتفسير الزمخشري، وهو كله مبني على هذا الفن، وهو أصله. وإنما اختص أهل المغرب من أصنافه بعلم البديع خاصة، وجعلوه من جملة علوم الأدب الشعرية، وفرّعوا له ألقاباً، وعددوا له أبواباً، ونوعوا أنواعاً، وزعموا أنهم أحصوها من لسان العرب. وإنما حملهم على ذلك الولوع بتزيين الألفاظ، وأن علم البديع سهل المأخذ، وصعبت عليهم مآخذ البلاغة والبيان لدقة أنظارهما، وغموض معانيهما، فتجافَوْا عنهما"(16).

ثم ربط هذا الفن بالإعجاز القرآني الذي يحتاج فيه الباحث إلى التزود من هذه الأصناف الثلاثة للوقوف على أسرار النص القرآني ودقائقه ولطائف نظمه وحسن تأليفه.    


الإحــالات

(1) ابن خلدون، المقدمة:452، دار العودة – بيروت.

(2) نفسه: 453.

(3) ينظر مثلاً كتاب الدكتور بدوي طبانة ( البيان العربي: دراسة في تطور الفكرة البلاغية عند العرب، ومناهجها الكبرى)، دار العودة – بيروت ط5، 1972.

(4) ينظر مادة (ب ي ن) في كتاب( هداية الرحمان لألفاظ آيات القرآن)، تأليف الدكتور محمد صالح البنداق، منشورات دار الآفاق الجديدة – بيروت، ط2، 1401هـ-1981م.

(5) ابن خلدون، المقدمة:458.

(6) نفسه:458.

(7) نفسه:458.

(8) ينظر عبد القاهر الجرجاني،  دلائل الإعجاز:67 ، تحقيق الدكتورين: محمد رضوان الداية وفايز الداية، دار الفداء، دمشق.

(9) نفسه:457-458.

(10) ينظر عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز:218-219.

(11) ابن خلدون، المقدمة:458.

(12) نفسه:458.

(13) نفسه:458.

(14) نفسه:458.

(15) ينظر نفسه:458-459.

(16) نفسه:459.