ملامح المدرسة الحديثة في النحو العربي.pdf

 

  د. عبد المجيد عيساني 

يعرف النحو العربي منذ نشأته الأولى تنوعا في الطرح وتوجهات في الرأي , ويعود ذلك إلى طبيعة البيئة العربية أولا ولكثرة الدارسين الذين اشتغلوا بالدرس النحوي خصوصا ثانيا. لهذا يكتسي الموضوع طابعا خاصا نظرا لكثرة الآراء,وكثرة التآليف التي عالجت الموضوع بكيفيات مختلفة, تتفق أحيانا وتختلف أحايين كثيرة. كما يعود ذلك إلى أهمية الموضوع النحوي، وما يحتله من مكانة في المسألة اللغوية عموما، باعتبار أن النحو يمثل قطب الرحى في إعطاء اللغة العربية وجهها الحقيقي.  

ولئن تشكلت في بدايات الدرس النحوي مدارس متنوعة في الرأي فقد تجلى في العصر الحاضر من القضايا النحوية الجديدة ما يجعل منها توجها جديدا يمثل مدرسة نحوية أخرى تضاف إلىالمدارس النحوية القديمة.  

الارهاصات الأولى لبزوغ المدرسة الحديثة :

بدأت الإرهاصات الأولى منذ أكثر من خمسين سنة عندما دعا طه حسين (ت1973) إلى ضرورة الإصلاح اللغوي, وقدم أفكارا في خدمة المشروع التجديدي.  وقد تحدث عن ضرورة التجديد في تعليم العلوم الإنسانية لتناسب العصر الحديث, قائلا: "إن الناس مجمعون على أن تعليم اللغة العربية وآدابها في حاجة شديدة  إلى الإصلاح"(1) هذا بشكل عام في نظر الكاتب, أن الإصلاح أصبح ضرورة ملحة في عصرنا هذا وباتفاق الباحثين, ولكنه يفصل أكثر لإزالة اللبس فيقول: "إن اللغة العربية وما يتصل بها من العلوم و الفنون مازال قديما في جوهره بأدق معاني هذه الكلمة ,فالنحو تعلم الآن كما كانت تعلم منذ ألـف سنـة"(2)  

ويدعم هذا الرأي الجريء في مثل تلك الظروف الباحث: إبراهيم السامرائ  وهو من المدافعين عن التجديد في مقاله الذي وضعه تحت عنوان : "تعريب الوسائل وتيسير تعلم العربية" الذي يؤكد فيه  أولا على ضرورة حفظ هذا التراث لأنه:"من حق التراث علينا أن نصونه ونحفظه بطريقة عقلانية" (3) وهذه الطريقة العقلانية التي يجب أن تعتمد, دون مس بجوهر هذه العربية الفصحى هي التي : "صلة رحم قوية تتجاوز الحماسة الجوفاء إلى شيء آخر نصل به التراث القديم بمسيرة حياتنا". ( 4) وذلك لاعتقاد الكاتب الراسخ بأنه لا يحصل تقدم دون أن يكون للماضي الفعال دور في هذه المسيرة. فوصل الحاضر بالماضي هو المنهج الذي ينبغي أن يسود بغية أن يستفيد اللاحقون من خبرات المتقدمين وتجاربهم. وأهم الاقتراحات التي يقدمها الكاتب في هذا المجال عملا على التجديد:

  أولا: أن نزيل عنه الغث البالي ليتجرد الأصيل منه و يظهر على حقيقته.

 وثانيا : ضرورة دراسة هذه العلوم بمنظور علمي تماشيا مع متطلبات الحياة.( 5)

ومثل هذا  العمل الذي يطرحه الباحث يقتضي جهدا جبارا من الباحثين, لتنقية علوم اللغة العربية ومنها المادة النحوية من كل الشوائب التي علقت بها عبر التاريخ و خصوصا في الفترات العصيبة وفترات الضعف التي مرت به البلاد العربية مما كثرت الحواشي و تعقدت الأساليب... الخ، وقد فصل الباحث أكثر ودعا إلى ضرورة تحقيق القضايا التالية:

أولا : تحديد المادة التعليمية التي يجب أن يعرفها التلميذ أولا في بداية حياته التعليمية مركزا على عملية (القراءة) لدورها في تنمية قدرات التلميذ قبل عملية الكتابة.

ثانيا : المرحلة التي يجب أن يكلف فيها التلميذ بتأليف بعض الجمل القصيرة عن طريق الدربة والمران، والأمثلة التي ينبغي استعمالها.

ثالثا : متى تبدأ مادة القواعد و بأي جانب تكون البداية هل بالصرف أم بالنحو ولماذا ؟ منتقدا بعض الكتب المدرسية التي لا تتبع نظاما معينا في توزيع الموضوعات الصرفية تناسبا مع المادة النحوية.

رابعا : الخلوص إلى ما ينبغي على الطالب في الجامعات في تعامله مع المادة النحوية.( 6)

وبهذه المقترحات العملية الوجيهة في نظرنا على الأقل يضع إبراهيم السامرائي قلمه على كثير مما يعاني منه الدرس النحوي، ويقف على كثير من المشكلات التي تعاني منها، تسريعا منه للإصلاح اللغوي قبل أن يستفحل الأمر أكثر وتزداد الأجيال الفاقدة للسان الفصيح ، فتزداد الأزمة خطورة ، خصوصا ما يتعلق بالمرحلة الابتدائية التي تعد أصعب المراحل و أخطرها إذا لم يعتن بالتلميذ عناية علمية صحيحة.

 ومن الذي أشاروا  إلى ما ينبغي أن يسود في الدرس النحوي مما يتعلق بالتنظير، سعيد الأفغاني في كتابه "مذكرات في قواعد اللغة العربية" حيث تحدث عن مذكراته أثناء إعداده لنيل شهادة الثقافة العامة، يذكر في تلك المذكرات أسسا ينبغي الاعتماد عليها في تأصيل قواعد النحو العربي, فيذكر في ذلك جملة من القضايا تتعلق بالشاهد النحوي:

  أولا: أعلى الكلام العربي من حيث صحة الاحتجاج به: القرآن الكريم بجميع قراءاته الصحيحة السند، ثم ما صح أنه كلام الرسول نفسه، ثم نثر العرب وشعرها في جاهليتها بشرط أنهم قالوه بلفظه، ويلي ذلك كلام الإسلاميين الذين لم تشوه لغتهم بالاختلاط.

  ثانيا: لا يحتج بكلام مجهول القائل.

  ثالثا: يفيد جدا الرجوع إلى الشاهد في ديوان صاحبه إن كان شعرا، و في مصادره الأولى إن كان نثرا لمعرفة ما قبله وما بعده، فكثيرا ما يكون الشاهد الأبتر داعية الخطأ.

 رابعا:  ينبغي التفريق بين ما هو للضرورة الشعرية وما هو على السعة والاختيار".(7)

ذلك بعض ما ذكره الكاتب من ملاحظات تتعلق بالدرس النحوي من حيث الاحتجاج والتنظير، وهي من الأهمية بمكان ما تجعلنا نراعيها بغية الاستفادة منها أثناء انتقاء الأمثلة لتأصيل قاعدة من القواعد إبعادا للزيف وبحثا عن الحقيقة الغائبة في كثير من قواعد النحو العربي. والمتصفح بتأن مسألة الشواهد النحوية بمختلف أنواعها قرآنا وشعرا أو نثرا سيقف على حقائق تجعله يعمل بالضرورة على ما هو أنسب وأليق لمقام النحو وذلك بسبب الخلط الكبير واللامعقولية التي سادت الشواهد النحوية. ومن ذلك دفع عدد من القراءات القرآنية الصحيحة وعدم القبول بها في وضع قاعدة من القواعد النحوية أواعتماد شطر بيت مجهول القائل مثلا لا يعرف له نسب ولا موضوع. أو الاعتماد على قراءة شاذة مجهولة غريبة بدلا من قراءة صحيحة, أو كتفضيل شعر على قراءة صحيحة, وكأن للشعر حظوة من الصحة والقوة ما ليس للقراءة القرآنية, وغير ذلك من الشوائب العالقة.

أما إذا عدنا إلى الحديث الشريف والأسباب التي جعلت من النحاة يبعدونه عن الاحتجاج فتلك ثغرة عظيمة جدا تتطلب جهدا مضاعفا لإعادة الأمر إلى صوابه، ويعاد الحديث الشريف إلى مكانته المرموقة في ظل الشواهد النحوية التي ينبغي أن يوضع فيها. وعليه فإن ما أثاره الكاتب إنما هي التجربة الميدانية و دراسته المتأنية لموضوع الاحتجاج، مما جعله يؤكد على تلك الملاحظات السالفة الذكر.

ويتعرض الكاتب إلى (مشروع تيسير النحو) الذي قدم في جمهورية مصر العربية سنة 1938 وقد قدمته سوريا إلى المدرسين للإدلاء بآرائهم في المشروع, ليؤكد الكاتب أن الإجابة كانت واحدة من الجميع على رفض تفاصيل ذلك المشروع المقدم، مبينا أن صعوبة القواعد المشتكى منها في مصر لا تعالج بتغيير القواعد الإعرابية، وإنما بطريقها الصحيحة هي ممارسة الفصحى في المدارس تدريسا وحديثا ، و اصطناع أساليب التربية الحديثة في تعليم اللغة".(8) ذلك ما يراه الكاتب صوابا في معالجة المشكلة النحوية لا غير. لذلك يؤكد أنه في المؤتمر التالي الذي عقد بالقاهرة كذلك سنة 1961 أكد جميع الحاضرين على رفض المشروع وأصدروا قرارا في ذلك.( 9)

ونقف عند عبد الفتاح الدجني في كتابه "الجملة النحوية" على جملة من الاقتراحات يراها مناسبة لحل معضلة الدرس النحوي، لكنه قبل ذلك يورد محاولات المجامع اللغوية ذاكرا بعض الموضوعات التي خاضت فيها المجامع اللغوية مثل: إعدام الكلمات الحوشية. وتصفية الشواهد المجهولة القائل. والاستغناء عن التأويل والتقدير.(10)

يريد أن يؤكد الكاتب من خلال ما ذكره في كتابه من مجهودات المجامع اللغوية أن الموضوع قد فرض نفسه على تلك المجامع، مما أجبر أعضاءه على الإدلاء ببعض الاقتراحات المناسبة للموضوع. ويصل الكاتب في كتابه إلى خلاصة عامة هو أن تلك المحاولات والدراسات المختلفة لم يكتب لها النجاح في نظره، ويتقدم بجملة من النصائح تتمثل في:

- أن نحونا ليس بحاجة إلى إصلاح لأنه علم مرتبط بتاريخنا و ديننا فهو كامل البناء .

- أن يدرس النحو العربي دراسة جديدة لا تمس الجوهر إنما تحاول التسهيل في الأسلوب وتعمل على حذف الآراء الانفرادية والشاذة التي لا تخدم مادة النحو.

- إحياء التراث النحوي العربي القديم و إخراجه إلى حيز الوجود في ثوب جديد.

- على أن يكتب تاريخ نحونا كتابة تاريخية علمية تقوم على ذكر الشواهد وتقترن هذه الدراسة بالنواحي السياسية والاجتماعية التي طرأت على العالم العربي.(11)

ويتبين من خلال هذه الاقتراحات أمران هما:

أولا: إن الكاتب يرفض (الإصلاح) لأن ذلك يمس من جوهر النحوي، ويعني ذلك عنده هو الإصلاح الذي يلامس المادة النحوية نفسها بالتغيير والحذف والزيادة، فذلك عنده مساس بجوهر النحو وعليه يجب رفضه.

ثانيا: إن المطلوب في عصرنا هذا هو تيسير الأساليب التعليمية التي تحبب المادة للتلميذ وضرورة حذف الآراء الشاذة والانفرادية. وإخراج المادة بأسلوب بعيد عن التعقيد.

إضافة إلى اقتراح مادة جديدة تؤرخ لمادة النحو العربي شريطة أن تكون الكتابة هذه علمية دقيقة متبوعة بالشواهد مقرونة بالظروف التاريخية التي مرت بها البلاد العربية. وهذه المقترحات تعكس لنا توجه الكاتب في قضية تجديد النحو على أن يتعلق التجديد بالأساليب والطرائق دون مساس بجوهر النحو ومادته وهو اتجاه شائع عند المصلحين.

وممن تعرضوا للموضوع من حيث المادة النحوية د.فؤاد طرزي في كتابه (في سبيل تيسير العربية وتحديثها) مؤكدا في البداية على أن " قواعد العربية هي على جانب كبير من الصعوبة "(12) ويرجع الكاتب تلك الصعوبة إلى ما داخل المادة النحوية من عوامل وأسباب جعلتها على غير صورتها الحقيقية التي ينبغي أن تكون عليها، ويعدد تلك العوامل في: اضطراب القواعد وتشعبها، كثرة الشواهد، وكثرة الخلافات، واعتمادها فكرة العامل والعلل المتكررة واعتمادها على الإعراب.(13) و ذكر هذه العوامل لا شك أن الكاتب يريد أن يشير إلى أنها تتطلب تغييرا لكي يكون النحو في مستوى اللغة العربية المسايرة لروح العصر.

و مما يذمه الكاتب التقسيم النحوي القديم بالنسبة للكلمة عندما يجعلونها: اسما وفعلا وحرفا. مقترحا تقسيما جديدا يراه أكثر صوابا وتماشيا مع واقع اللغة العربية. وهو أن الكلمة في العربية: اسم وضمير وصفة وفعل وظرف وأداة.(14)  و هو تقسيم ليس غريبا عند كثير من المحدثين عندما يتعرضون إلى الدرس النحوي. ويشرح الكاتب كل قسم من تلك الأقسام للكلمة العربية ممثلا لها بما يستوجب التوضيح. ومثل هذا الإجراء المنهجي إنما هو تغيير كلي للاتجاه الذي سلكه القدامى في تعاملهم مع أقسام الكلمة العربية التي لم يجعلوها إلا: اسما وفعلا وحرفا، ولم يضف بعضهم سوى (الخالفة) المعروفة: بأسماء الأفعال، وهي الكلمات التي تدل على ما يدل عليه الفعل إلا أنها تزيد عليه معنى القوة ولا تقبل حركاته.(15)

ومن الذين تحدثوا عن صلب المادة و لكن من حيث تقسيمها نجد صاحب كتاب: (الموجه العملي لمدرس اللغة العربية)، عابد توفيق الهاشمي, عندما يتحدث عن قيمة النحو أولا مؤكدا عدم الاستغناء عليه لضرورته "وهو من أسس الدراسة في كل لغة، وكلما كانت اللغة واسعة ونامية ودقيقة زادت الحاجة إلى دراسة قواعدها وأسسها ... "(16) لكن الكاتب لا يعتقد أن جميع القواعد المعروفة في كتب النحو تأخذ نفس الأهمية، بل هي في نظره تتفاوت من حيث ورودها عن ألسن المتحدثين قائلا: "شريطة أن نعني بالقواعد المهمة العملية التي يكثر ترديدها في واقع كلامنا، لا سيما أننا نعيش في عامية بعيدة عن الفصحى ... ".(17) ولعدم لانتشار هذه العامية البعيدة عن الفصحى, ولضرورة التصدي لها, لا يكون ذلك في رأيه إلا بإنشاء القواعد "المهمة العملية" تلك التي تعبر بحق عن فصحى العربية والتي يتعامل بها الكتاب والمتكلمون. ولذلك نجد الكاتب في صفحات أخرى من الكتاب يصنف موضوعات النحو إلى ثلاث مجموعات مختلفة ومتفاوتة وهي:

موضوعات تتكرر بكثرة على الألسن.

موضوعات تذكر بندرة ، أي أقل في استعمالها من المجموعات الأولى.

موضوعات لا تذكر كلية -في نظره- يبتعد المتكلمون عنها.(18)

معبرا عن ضرورة الاعتناء بالموضوعات المذكورة في المجموعة الأولى التي يكثر ترددها على الألسن وعلى الأقلام. وفي نظر مما يجعل المنهجية في غاية من الوضوح والدقة ضرورة الاعتناء بالأمثلة الواردة في الدرس النحوي، شريطة أن تكون: واضحة المعنى، خالية من الغموض شاملة لآفاق الحياة، خالية من التكلف، لها صلة مباشرة بالموضوع المدروس. وهي الصفات التي ما فقدت في كتب القدامى، ذلك أن التجديد يقتضي هذا النوع من الأمثلة.

  ثانيا : الخطوات العملية لتحديث الدرس النحوي:

تتمثل الخطوات العملية في مختلف المنجزات العلمية التي قصد بها أصحابها أعمالا تطبيقية للدرس النحوي إيمانا منهم بضرورة وضع خطوة عملية على الطريق. ونقف في هذا الصدد على مجموعة من الأعمال الجبارة تؤسس عمليا لهذا الحدث اللغوي الهام في مجال النحو. ومن أشهر تلك اللأعمال نقف على كتا الباحث عبد العليم إبذاهيم  وقد سماه بـ(النحو الوظيفي) قاصدًا بذلك: القواعد التي تؤدي الوظيفة الأساسية للنحو، متمثلة في ضبط الكلمات ونظام تأليف الجمل، وذلك تحقيقا ـلأهداف المرجوة من ثراسة النحو و؇لمتمثلة في عصمة اللسان من الخطأ والقلم من الخطأ في الكتابة. وهو النحو الذي يحتاجه جمهرة الدارسين ويدرسونه لسد حاجاتهم من الاستعمال اللغوي الصحيح. خلافا لما يعرف بالنحو التخصصي الذي يتجاوز المسائـل الأساسية ليتيه في المتشعبات ويلج في جزئيات البحوث الدقيقة التي حفلت بها الكتب المطولة.(19) وقد حرȵ المؤلف في هذا الكتاب على أن يخرجه وفق طريقة جديدة تلتقي فيها –كما قال-فكرة النحو الوظيفي وحدوده وأهخا؁ه بفكرة التبويب الجديد لمعالم النحو الوظيفي.(20) وقد أشار الكاتب إلى أن الكتاب لا يخص المبتدئين في هذا العلم ولكلهللذين ȧكتسبوا معالمه الأساسية. ولذلك فإن ما ورد في الكتاب هو الآتي:

-التركيز على المواضيع الإعرابية التي تتغير فيها الحركات في الكلمة الواحدة بتغير التراكيب. أو ما تعرف بالمعربات وذلك بناء على أن الخطأ في ضبط الكلمات هو أبرز المشكلة النحوية، ولذلك حصرها الكاتب في ستة أنواع: الاسم رفعا ونصبا وجرا. والفعل المضارع رفعا ونصبا وجزما. أما بقية الموضوعات المبنية فيراها الكاتب هينة ولا تمثل مشكلة في النطق لعدم تغير صورتها والمتمثلة في بعض الأسماء، و الأفعال وجميع الحروف.

-أما فيما يتعلق بالمنهج فقد أشار المؤلف في المقدمة إلى أن الكتاب لن يسير في تبويب المسائل على المنهج المعهود في كتب النحو قديمها وحديثها، لأن الكاتب سلك فيه مسلكا يوزع فيه الموضوع الواحد على عدة دوائر. فهو مثلا يتطرق لأحد المنصوبات قبل استكمال المرفوعات، أو يتحدث عن أحد المبنيات قبل استيفاء المعربات وهكذا، كما لا يفصل بين الموضوع النحوي والموضوع الصرفي ... وفي كل هذا يقول المؤلف: "قد يدرس الطالب بعضها في المرحلة الابتدائية وبعضها في المرحلة الإعدادية وبعضها في المرحلة الثانوية وبعضها في الجامعة، وربما كان هذا النظام المتبع في المناهج والكتب قائما على أسس تربوية تتصل بعامل التدرج ..."(21) لذلك لا ينفي الكاتب مطلقا أن ما فعله يظل ناقصا قاصرًا حتى يعززه نهج آخر من الدراسة تجمع الصور المتفرقة للموضوع الواحد.

-ويشرح الكاتب طريقته التي اتبعها في مؤلفه بمثال حين يذكر مثلاً أن المفعول به يجده الدارس في نحو ثمانية عشر بابا من أبواب النحو، وهي: (المفعول به، نائب الفاعل، الأفعال التي تنصب مفعولين، المستثنى، المصدر المؤول من أن والفعل، المصدر المؤول من أن واسمها وخبرها، أسماء الأفعال، التعجب، أحرف الجر الزائدة، الاغراء، التحذير، الاقتصاص، الاشتغال، التنازع، عمل المصدر، عمل اسم الفاعل، عمل صيغ المبالغة، عمل الصفة المشبهة) وسبب جمع هذه الموضوعات عند الكاتب هو اتحادها في الضبط والإعراب وذلك بهدف إخلاء ذهن الطالب من المصطلحات الجانبية والتركيز على النواحي الإعرابية. وقد حرص الكاتب حرصه الشديد على الإكثار من التدريبات بأمثلة وشواهد متنوعة بين نصوص قرآنية وأحاديث نبوية شريفة ونصوص نثرية راقية كما استشهد بالشعر قديمه وحديثه وبأمثلة نثرية عديدة. لأن الكاتب يرى أن الإكثار من التدريبات وسيلة مجدية لاجتناء ثمار النحو، وبغيرها لا يرى الكاتب موضوعات النحو إلا كأنها محاضرات يلقيها متخصص في السباحة على ناشئين يريدون أن يتعلموا هذه الرياضة وهو واقف معهم على رمال شاطئ، فقد يلمّ هؤلاء الناشئون بمهارات السباحة ولكنهم لن يعرفوها حقا إلا إذا ألقي بهم في التيار.(22)

 ومن المحاولات التجديدية التي ظهرت على الساحة اللغوية، محاولة د. تمام حسان في كتابه: (اللغة العربية معناها و مبناها) معتمدا كغيره من بعض الباحثين، على الاستغناء على نظرية العامل. التي تعلق بها القدامى، وأراد المحدثون إبطالها ولكنهم فشلوا في ذلك، يريد من خلال ذلك أن يبرهن بأن له نظرية أخرى جديدة تنبني على ما يعرف "تضافر القرائن". ومعنى ذلك أنه لا يمكن معرفة معنى معين لأي مفردة من المفردات إلا إذا استعنا في ذلك بجملة من القرائن وعددها عنده ثمانية(23) ويدرج من بينها قرينة "العلامة الإعرابية" كقرينة أساسية في نظره. إلا إن الكاتب و فيما أقدم عليه إن كان يظن بذلك تسييرا فلا نتصور ذلك حاصلا في كتابه. إلا إذا أراد الكاتب تغييرا لطبيعة النحو وأسسه ولكن بعيدا عن أي تيسير وتبسيط. إن عملية التجديد إذ لم ترتبط بعملية التيسير في هذا العمل النحوي، فلا يعني ذلك التجديد شيئا، وحينها يكون العمل لذات العمل بدل أن يكون لتحصيل فائدة أو تحقيق مصلحة و المتمثلة في عصمة اللسان من الخطأ. وأهم تلك القرائن اللفظية في رأيه: العلامة الإعرابية، الرتبة، الصيغة، المطابقة، الربط، التضام، الأداة، النغمة. ويرى أنها جميعا تتكامل في تحديد المعنى الحقيقي للجملة. أما الواحدة منها بمفردها لا تعني شيئا.

تلكم هي باختصار نظرية الكاتب في المسألة النحوية عزوفا عن العامل النحوي الذي قال به القدامى وإيمانا منه بما سماه بالقرائن اللفظية والمعنوية.

ومن كبار المحاولات الهامة كذلك في الدرس النحوي تنظيرا وتطبيقا نجد د. مهدي المخزومي في كتابه: "في النحو العربي قواعد وتطبيق" الذي جدد الكاتب من حيث المادة والمنهجية في تقسيم أبواب النحو. وإذا أردنا البداية من مؤخرة الكتاب عملا على ذكر المنهجية التي قسم بها الكاتب أبواب النحو سنقف على أنه غير في ترتيب الأبواب كأساس أقام عليه تأليف كتابه  المذكور. إن ما يمكن استنتاجه مبدئيا من خلال محتويات الفهرس جملة من القضايا الأساسية أهمها:

   أولا: افتتاح درس النحو بالجانب الصوتي، الذي يعد جزءا هاما في الدراسة متمثلا ذلك في (حروف الهجاء ) و(مخارج الحروف) و(الصفات). وهي القضايا التي كانت مغلفة في الدرس النحوي القديم، وإن ذكرت إنما يوردها النحاة في مؤخرة الدروس النحوية بدلا من تكون في أوله. ولقد أكد الدرس الحديث أهمية هذا الجانب في بداية الدرس النحوي. مما يدل على أن الكاتب يعتبره جزءا من دراسة النحو بل وله أهمية التقديم عملا على تقويم اللسان أولا في نطق الحروف وإظهار صفاتها والمجتمعة في الصحة والاعتدال والإبدال والإدغام والجهر والهمس ثم الانطباق والانفتاح. ثم يتطرق إلى بنية الكلمة وهي الناحية المتعلقة بالجانب الصرفي الذي لا ينفي فضله على النحو، متطرقا في ذلك إلى تأليف الكلمة والميزان الصرفي والمظاهر المتعلقة به. 

  ثانيا: إن الكاتب اعتمد في تقسيم الكلمة منهجا فيه إضافة إلى المعهود عند القدامى. وحددها بأربعة أقسام (فعل واسم وأداة وكناية)، بدلا من التقسيم القديم المعهود (اسم وفعل وحرف). مخالفا ما ذهب إليه آخرون من المجددين المعاصرين.

ثالثا: تقسيم الموضوعات النحوية بناء على دوائر إعرابها من رفع وخفض ثم نصب. وعلى سبيل الترتيب تطرق إلى جملة من الموضوعات يراها شاذة، وعنده هي: المثنى والجمع الصحيح والأسماء الخمسة والاسم الذي لا ينون.

رابعا: تقسيم الجملة إلى ثلاثة أنواع، والنوع الثالث عنده هو (الجملة الظرفية) التي لم  يذكرها القدامى كإجماع مثل الفعلية والاسمية.

خامسا: ضم مجموعة من الموضوعات تحت دائرة الأساليب. وهي جميع الموضوعات التي تخضع لصيغ يمكن القياس عليها، بدلا من أن تكون دروسا موزعة لا جامع لها.

ويختم كتابه هذا بجانب الإعراب التطبيقي الذي يتطلبه عنوان الكتاب (قواعد وتطبيق) موضحا الطريقة التي يراها مناسبة في الإعراب (30)

ونؤكد في هذا المجال أن الكاتب وإن كان قد استفاد من بعض المحاولات السابقة لعصره مثل مححولة ابن مضاء القرطبي قديما أو محاولات إبراهيم مصطفى قبله فأن ما استحدثه الكاتب من تجاربه الخاصة هو تركيزه على ضرورة  العناية بالدراسة الصوتية في مدخل الكتاب. كما وضع أسس تبويب النحو وتصنيفه: التشابه في المعنى لا التشابه في العمل الإعرابي، مثل تفريقه بين أدوات العطف ... وجمعه المتفرق في أبواب مختلفة تحت باب واحد ... وتبسيط الإعراب، وتيسيره على الطلاب (انظر الباب المخصص لذلك). وتقسيم الكلمة إلى اسم و فعل وأداة وكناية (الضمائر الإشارات الموصولات... ) وتقسيم الأفعال إلى ماضي و مضارع وأمر ودائم (كما في بعض اللغات الأجنبية).كما يرى أن حركات الفعل المضارع المعرب تختلف بالنظر إلى زمنه، لا بتأثير العوامل.

   تقسيم الجملة عنده صورة حديثة، تدل على اجتهاده و صدق حسه اللغوي.(31)

 وما استحدثه الكاتب  ينبغي الوقوف عنده مليا. لأن الذي استقاه الكاتب من تجربته العملية الشخصية يعد الرصيد الحقيقي للباحث. وأبرز ما يمكن قراءته من خلال ما اقترحه الكاتب ما يلي: أن اعتماد الكاتب على تمهيد يضمنه الجوانب الصوتية في الدرس النحوي (حروف الهجاء أو الأصوات اللغوية) فإن وفق الكاتب في ضرورة البداية بذلك خصوصا في الجانب الهجائي الصحيح اعتمادا على ما ذهب إليه الخليل في مؤلفه "العين" فإن موضوعات الظواهر اللغوية (الإبدال الإدغام الجهر و الهمس الانطباق والانفتاح) ينبغي تأجيلها كدروس تلقى على المتلقين المبتدئين ولكن  بعد مرحلة من الزمن حين ينال التلميذ نصيبه الوافي من الأعمال التطبيقية. أي حين يدركها التلميذ في مراحله الأولى تطبيقا وسماعا من معلمه  لترسخ في ذهنه قبل أن يتعرف على قواعدها نظريا. ولسنا نخالف الكاتب فيما ذهب إليه من حيث هذا الترتيب، وإنما أردنا الإشارة إلى أن المطلوب في المراحل التعليمية الأولى أن تكون ممارسة لا تنظيرا لأهمية ذلك في حياة التلميذ على مستوى السمع قبل تحليلها نظريا.

أما التقسيم الذي اعتمده الكاتب للكلمة العربية (فعل اسم أداة وكناية) فنجد في ذلك مضامين لكل قسم يخالف بها ما ورد عن القدامى. ومن ذلك:

- فهو يجعل (اسم الفاعل ) نوعا من أنواع الأفعال، يقول عنه "وهو فعل حقيقة في معناه و في استعماله، إلا أنه يدل في أكثر استعمالاته على استمرار وقوع الحدث ودوامه"(32) في حين جعله القدامى من المشتقات التي تعمل عمل فعلها. ولهذا يصنفونه في الأسماء لا الأفعال ، لكن الكاتب يعتمد في ذلك على معناه الحقيقي الذي يدل عليه، وعلى استعماله الذي لا يختلف على الأفعال في نصب المفعول به كما مثل الكاتب لذلك: أنا كاتب الرسالة.

- وعند تعرضه لقسم (الأداة) كنوع من أنواع الكلمة، أراد بها حروف المعاني التي ذكرها سيبويه مثلا بقوله: "حرف جاء لمعنى"(33) مثل:(هل) والكاتب يوضحها بقوله: " كلمات إذا أخذت مفردة، غير مؤلفة، فليس لها دلالة على معنى، لا تدل على معانيها إلا في أثناء الجملة".(34) موضحا أن (هل) منفردة تدل على أنها للاستفهام من غير تحققه، ولا يحصل تحققه إلا بالاستعمال كأن نقول: هل جاءك زيد ؟(35) "والأدوات في العربية كثيرة، دخلت الاستعمال على صورة مجموعات، كل مجموعة منها تنتظم عدة أدوات، تشترك في دلالة عامة، وتختلف فيما بينها في الاستعمالات الخاصة".(36) وبعد أن يرشد إلى ضرورة دراستها في شكل مجموعات لا أفراد لتعميم الفائدة يذكرها كمجموعات كما يلي: "الاستفهام وأدواته النفي وأدواته - التوكيد وأدواته، الشرط وأدواته -الاستثناء أدوات الوصل. (37)

- ويريد بالكنايات مجموعات تتميز كل مجموعة منها باستعمال خاص ويجملها في الضمائر بشتى أنواعها المتصلة والمنفصلة، وأسماء الإشارة، والموصولة والمستفهم به، يقصد " كناية تضمنت معنى الهمزة في الاستفهام، فحملت عليها، واستعلمت استعمالها"(38) وهي (من ما أني متى أيان أين كم كيف أي ) وهي مزج كما ترى بين ما يعرف عند القدامى بأدوات الاستفهام وأدوات الشرط الجازمة لفعلين.

ومن الجديد عنده على مستوى التعاريف ما يعرف به الجملة بأنها: "هي الصورة اللفظية للفكرة (وظيفتها عنده) هي نقل ما في ذهن المتكلم من أفكار إلى ذهن السامع"(39) وهو ما لم يرد عند القدامى، الذين يعرفون الجملة بأنها تركيب إسنادي من (فعل وفاعل ) أو من (مبتدأ وخبر). واهتمامه بالوظيفة كذلك أثناء التعريف جديد في النحو الحديث، فالنحو القديم عموما كان يولي الجانب الشكلي اهتماما على حساب الوظيفة.

ومن جديده  تقسيمه للجملة العربية، انتقاده طريقة القدامى في ذلك للسبب الذي ذكرناه ويوضح قائلا: "ينبغي أن يبنى تقسيم الجملة على أساس آخر ينسجم مع طبيعة اللغة، ويستند إلى ملاحظة الجمل، ومراقبة أجزائها في أثناء الاستعمال، وينبغي أن يستند تقسيم الجملة إلى المسند لا المسند إليه كما فعلوا، لأن أهمية الخبر أو الحديث إنما تقوم على ما يؤديه المسند من وظيفة، وعلى ما للمسند من دلالة ".(40) وعليه يستند تعريفه هذا إلى:

- اعتماد التقسيم بناء على الوظيفة.

- اعتماد المسند أساسا لذلك لذلك التقسيم. وهي مخالفة للقدامى الذين اتجهوا عكس هذا الاتجاه في اعتمادهم الشكلية والمسند إليه.وفي تعريفه لأنواع الجمل (الاسمية و الفعلية) أخذ بطريقة الكوفيين المعتمدة على مالم يعرف عند البصريين.(41) إلا أنه في الجملة الظرفية يلتقي مع كثير من الباحثين المحدثين في تعريفها لها حين يقول: "وهي الجملة التي يكون فيها المسند ظرفا أو مضافا إليه بالأداة، نحو: عند زيد نمرة، وأمامك عقبات، ونحو قوله تعالى: ﴿أفي الله شك؟ وقولك: في الدار رجل".(42) ومعروف أن القدماء لم يتطرقوا إلى هذا النوع من الجمل، وعندهم أن هذا النوع من الجمل هي جمل اسمية، وكل ما في الأمر أن اسمها (نمرة) تأخر وتقدم خبرها(عند زيد) المعروف بشبه الجملة.وقد أدرجوا هذا النوع في الجملة الاسمية. وعلى هذا الأساس الوظيفي الذي جعله أساسا في تبويب موضوعات النحو، كان موضوع العطف الذي فرق بين أدواته بناء على التشابه في المعنى فجعل (الواو الفاء وثم) في جانب و(لا وبل) في جانب آخر، فقال: "إن ما يكون للعطف من هذه الأدوات هو: الواو والفاء وثم، ... وهذه الأدوات الثلاث أدوات تشرك ما قبلها وما بعدها في حكم واحد ...".(43)"و(لا) للنفي، تنفي عن الثاني ما أثبت للأول، و(بل) للإضراب،تثبيت للثاني ما نفي عن الأول،فهي إذن مختلفة معنى ووظيفة فلا يصح جعلها من قبيل واحد".(44)

ونختم الحديث عن (المخزومي) بما ختم به كتابه في حديثه عن الإعراب في التطبيق عندما عرفه بأنه الإعراب بيان أجزاء الجملة الرئيسية، وغير الرئيسية. أو هو تحليل الجملة إلى أركانها، والأجزاء الملحقة بها. ولذلك فهو يتحدث عن الجملة البسيطة ثم المركبة، المعروفتين بالصغرى والكبرى. ويمثل للإعراب ببعض الجمل ومنها قوله: (إلى الذي وجدته أمس يبكي بكاء يفتت الأكباد مر علينا اليوم وهو يبتسم) وهي جملة كبرى يتطرق لإعرابها فيقول:  " العبارة الرئيسية التي انبنى عليها الكلام هي: الرجل مر علينا ...

  والعبارات الملحقة بها هي:  لقيته أمس ...   صلة (الذي)  - يبكي بكاء ...  نعت للبكاء - وهو يبتسم ... حال.  وفي هذا التحليل يبدو أن المخزومي متأثر بالتحليل المعتمد عند     الوظفيين عندما يحددون الجملة الأساسية وتبعاتها بعد ذلك وهي مبادىء التحليل المعروفة عند اندريه مارتيني والمتمثلة في:التركيب الإسنادي كأساس للجملة والتراكيب المستقلة كالظروف والأدوات ثم الوحدات الوظيفية وهي وحدات غير مستقلة. (45)

  وإذا أردنا أن نعرب أحد هذه الأجزاء من الجملة الواردة كالجزء الأول مثلا، قلنا: لقيته: لقي: فعل ماضي. التاء: ضمير الفاعل المتكلم. الهاء: ضمير المفعول. أمس: كناية زمانية، بينت زمان وقوع الحدث، وهو إلقاء. وعبارة لقيته أمس، صلة (الذي)... ".(46)

وكما نلاحظ بوضوح إن الكاتب يلغي (العامل) تأثرا بابن مضاء القرطبي وغيره، ويلقي العلل المختلفة فيقول: (فعل ماضي مبني على الفتح) حيث يكتفي ببيان نوع الفعل فقط. وفي بيان طبيعة الجمل من صغرى أو كبرى إنما يلتقي في ذلك مع بعض المدارس اللسانية الحديثة في تعاملها مع الجملة، حيث تشجرها أو تجعلها في صناديق عملا على تحليلها، كما تعمل ذلك المدرسة التوليدية التحويلية التي أقامها تشو مسكي.

ومن الذين بذلوا جهدا معتبرا في هذا المجال،  وألفوا لذلك كتبا ونشروا عددا من المقالات ذات الأهمية في منظوره نجد: د.شوقي ضيف خصوصا في كتابه "تجديد النحو" الذي ألم فيه بما ينبغي أن يجدد في الدرس النحوي، سواء تعلق الأمر بمحتوى المادة المطلوبة في عصرنا هذا، أو بتقسيم أبواب النحو في مجموعات محددة أو بتنسيق أبواب نحوية وإعادتها إلى أصلها المتفرعة عنه. ومما قاله الكاتب في ذلك: "اقترحت تصنيفا جديدا للنحو يذلل صعوباته، أقمته على ثلاثة أسس أخذت بها جميعا في تأليفي لهذا الكتاب (يقصد: تجديد النحو)".(47)أما الأساس الأول عنده فهو إعادة ترتيب أبواب النحو على خلاف ما كان عليه الأمر عند القدماء، فهو يستغني عن طائفة من تلك الأبواب و يرد أمثلتها إلى أبواب أخرى يراها أنها الأصل في الموضوعات الملغية عنده.

     أما الأساس الثاني فنذكر أنه استقاه مما دعا إليه ابن مضاء القرطبي، ويتعلق الأمر بمسألة إلغاء الإعراب التقديري في المفردات سواء أكانت مقصورة أم منقوصة أم مضافة إلى ياء المتكلم أم مبنية.  أما الأساس الثالث فينص على عدم الاشتغال بإعراب الكلمات التي لا تجدي نفعا من حيث صحة النطق وأداء المعنى، ويضرب مثاله في ذلك: في إعراب (إن) المخففة من الثقيلة أو (كأن) و(سيما) وبعض أدوات الاستثناء، و(كم) الاستفهامية والخبرية وأدوات الشرط الاسمية(48) ذاكرا أن الإعراب يجب أن يكون وسيلة لصحة النطق، فإن لم يصحح نطقا لم تكن إليه حاجة".(49)

وكأني بالكاتب في هذه المسألة يشير إلى الأساس الأول الذي من أجله وضع النحو ليكون عمادا بعد ذلك للغة العربية. وذلك عندما أسس له أبو الأسود الدؤلي موضوعه بعد الانحراف الذي وقع فيه الأعرابي في قراءته لقوله تعالى: ﴿إن الله برئ من المشركين ورسوله(50) بكسر (رسوله) بدلا من رفعها أو نصبها، وفي نظر الكاتب أنه إذا انتفى هذا السبب يجب انتفاء العمل الإعرابي، ولكن يجب أن نضيف أنه لصحة المعنى كذلك، لأن الخطأ في الأداء الإعرابي أقصد الحركات يجر إلى المعنى الخاطئ. وقد سرد لنا تاريخ النحو القصة التاريخية المشهورة في المسألة النحوية سواء صحت أم لم تصح قصة (عطشت يا أبت) بفتح (عطشت) بدلا من الضم، والفرق بين المعنيين في اعتماد الحركتين مختلف تماما.(51)

ولم يكتف الكاتب بتلك الأسس فأضاف كما قال ثلاثة أسس أخرى، يتعلق أحدها: بوضع بعض التعريفات والضوابط الدقيقة لبعض المفعولات (المفعول المطلق والمفعول معه) وكذا الحال ... وذلك لأنها تجتمع جمعا وافيا متكاملا في صورة تعبيرية واضحة. والثاني: يتعلق بحذف ما يراه الكاتب زائدا لا فائدة فيه، ويرى أن عرضه كان لغير حاجة. والأساس الثالث  يعكس به الثاني في بعض الإضافات الضرورية التي يجدها الكاتب هامة ويعثر عليها القارئ للكتاب متخللة أبوابه.(52) هذا ما يذكره شوقي ضيف في مقدمة كتابه والتي كانت واضحة المعالم بينة المحتوى، وهي جميعها (أي تلك الأسس الستة) تتعلق إما بمحتوى المادة من جهة أو بالمنهجية التي ينبغي أن تسود أبواب النحو من جهة أخرى.

يقول الكاتب في هذا العمل:"لعلي بهذا الكتاب أكون قد حققت أملا طال انتظاره بتجديد النحو على منهاج وطيد يذلله ويبسطه ويعين على تمثل قواعده واستكمال نواقصه".(53)هذا ما يرجوه الكاتب من عمله هذا وهو أن يعاد النحو على منهج غير منهج القدماء، يسهل دراسته ويساعد القارئ على تصور أمثلته، وسد ثغراته، ذلك هو مظهر التجديد في نظر الكاتب.

ومما حذفه الكاتب من الدرس النحوي باب (الإعلال) الذي يرى أنه "يفرض للحروف المعتلة في الكلمات صورا لا تجري على النطق".(54) وهي تلك الكلمات التي يذكرها النحاة، ويدرسها التلاميذ والطلاب ولكنها بعيدة تماما عن النطق المعهود عندنا ، بل لا يستطيع الإنسان في كثير من الحالات النطق بها ، فيظل السؤال مطروحا: ما جدوى هذا الدرس ؟!

ومن الموضوعات التي ردها إلى أبواب أخرى: (كان وأخواتها)، (ما، ولات، ولا) التي تعمل عمل (ليس) وكاد وأخواتها وظن وأخواتها، (أعلم) وأخواتها. ويقترح أن ترد (كان وأخواتها) وهي الأفعال الناقصة إلى أن تكون لازمة كغيرها من الأفعال التي تكتفي بمرفوعها ولا تتعدى إلى نصب المفعول به. والسبب في ذلك يرده إلى سد ثغرات يجملها فيما يلي:

   عدم تقسيم الفعل إلى تام و ناقص.

   المرفوع بعد الفعل ليس فاعلا.

   المنصوب بعدها يكون خبرا.(55)

ذلك ملخص ما ذهب إليه شوقي ضيف في كتابه (تجديد النحو) و هو كما ترى قد لامس جوانب من صلب الموضوعات النحوية كما لا مس المنهجية المألوفة في الكتب القديمة ليعدل عنها إلى غيرها.وخلاصة القول:  أن المدرسة الحديثة بدأت معالمها تتضح من خلال جملة الاقتراحات والأعمال التي ألفها أصحابها قاصدين بذلك تجديد الدرس النحوي الحديث. ويمكن تلخيص تلك المعالم في النقاط التالية:

1- ضرورة العمل على الإصلاح الذي أصبح ضرورة في عصرنا هذا وباتفاق الباحثين,                      

2-  ضرورة تنقية التراث وغزالة الغث عنه ليتجرد الأصيل منه و يظهر على حقيقته.

3-  العمل على  دراسة هذه العلوم اللغوية بمنظور علمي نزيه تماشيا مع متطلبات الحياة العصرية.

4- من حيث الإحتجاج  يؤكد أغلبهم على الكلام العربي من حيث صحة الاحتجاج به: القرآن الكريم بجميع قراءاته الصحيحة السند، ثم ما صح أنه كلام الرسول نفسه.

5- أن يعود الحديث الشريف إلى مكانته اللائقة وما الحجج التي قدمها القدامى إلا ثغرة عظيمة جدا تتطلب جهدا مضاعفا لإعادة الأمر إلى صوابه.

6- إعادة ترتيب أبواب النحو على خلاف ما كان عليه الأمر عند القدماء، والاستغناء عن طائفة من الأبواب والموضوعات . ومنها أن تضم مجموعة كثيرة من الموضوعات تحت دائرة الأساليب. وهي جميع الموضوعات التي تخضع لصيغ محددة يمكن القياس عليها، بدلا من أن تكون دروسا نحوية موزعة لا جامع لها.

7-  يرى بعضهم ( الخزومي- تمام حسان)  ضروورة الاستغناء على نظرية العامل. التي تعلق بها القدامى،  وأراد هذا البعض إقناع الاخرين بذلك  ولكنهم فشلوا في ذلك.  

8 – إعادة النظر في تقسيم الكلمة وتحديد أنواعها كأن تكون أكثر مما هي عليه عند القدامى الذين  جعلوها: اسما وفعلا وحرفا. مقترحين تقسيما جديدا يرونه أكثر صوابا وتماشيا مع واقع اللغة العربية. كأن تكون:  اسما وضميرا وصفة وفعلا وظرفا وأداة.

9- إعادة تقسيم الجملة العربية  بإضافة النوع الثالث هو (الجملة الظرفية) التي لم  يذكرها القدامى كإجماع مثل الفعلية والاسمية.

10- التركيز على المواضيع الإعرابية التي تتغير فيها الحركات في الكلمة الواحدة بتغير التراكيب. أو ما تعرف بالمعربات بناء على أن الخطأ في ضبط الكلمات هو أبرز مظاهر المشكلة النحوية، ولذلك حصرها الكاتب في أنواع: الاسم رفعا ونصبا وجرا. والفعل المضارع

11 -  افتتاح درس النحو بالجانب الصوتي، الذي

12-  وبالاضافة إلى كل هذا يرى كل الباحثية أن المطلوب في عصرنا هذا هو تيسير الأساليب التعليمية التي تحبب المادة للتلميذ وضرورة حذف الآراء الشاذة والانفرادية. وإخراج المادة النحوية بأسلوب شيق بعيد عنالتعقيد.تلكم هي مجمل الاقتراحات التي أصبحت تشكل الملامح الحقيقية للمدرسة النحوية الحديثة على غرار المدارس النحوية القديمة.


الإحــالات

1))  طه حسين . مستقبل الثقافة في مصر – دار المعارف – مصر- دط-1944- ص363.

(2) نفسه.

(3) إبراهيم السامرائي – التعريب ودوره في تدعيم الوجود العربي. مركز دراسات الوحدة العربية ص441.

(4) نفسه

(6) نفسه  ص443 إلى 448.

(7) سعيد الأفغاني، مذكرات في قواعد اللغة العربية، ص 35.

(8) سعيد الأفغاني، من حاضر اللغة العربية، ص199.

(9) نفسه، ص200.

(10) عبد الفتاح الدجني، الجملة النحوية، ص67. (نقلا من مجلة المجمع المصري)

(11) نفسه  ص82 -83. (نقلا من مجلة المجمع المصري)

(12) فؤاد طرزي، في سبيل تيسير العربية وتحديثها، ص11.

(13) نفسه، ص15 –16.

(14) نفسه، ص17 –24. (والكاتب يلتقي في هذا المقام مع تمام حسان في كتابه: اللغة العربية معناها ومبناها)

(15) جمال الدين بن هشام  قطر الندى  ص31.

(16) عابد توفيق الهاشمي، الموجه العملي لمدرسي اللغة العربية، ص195.

(17) عابد توفيق الهاشمي، الموجه العملي لمدرسي اللغة العربية، ص195.

(18) نفسه، ص205 –206.

(19) عبد العاليم إبراهيم، النحو الوظيفي، ص(هـ-و-ز) من المقدمة.

(20) نفسه، ص(د) المقدمة.

(21) نفسه، ص (ك) المقدمة.

(22) نفسه، ص(ح) المقدمة.

(23) تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها، ص205.

(30) فهرس الكتاب  ص9 إلى 14

(31) نفسه.

(32) نفسه  (فهرس الكتاب)، ص23.

(33) سيبويه، الكتاب ج ،ص .

(34) مهدي المخزومي، المرجع السابق، ص37.

(35) نفسه.

(36) نفسه، ص38.

(37) نفسه، ص39 إلى 45.

(38) نفسه، ص55.

(39) نفسه، ص83.

(40) نفسه ص86.

(41) نفسه.

(42) نفسه.

(43) نفسه، ص191.

(44) نفسه.

(45) خولة طالب الإبراهيمي  مبادىء في اللسانيات ص101

(46) مهدي المخزومي، المرجع السابق، ص227.

(47) تجديد النحو، ص04. (المقدمة)

(48) نفسه.

(49) نفسه، ص26.

(50) الآية: 03  ، سورة التوبة.

(51) قد رويت في ذلك روايات كثيرة وقصص مختلفة.

(52) تجديد النحو، لشوقي ضيف، ص04 -05.

(53) نفسه، ص08.

(54) نفسه، ص11.

(55) نفسه، ص11 –12.