اللغة العربية وتحديات العولمةpdf

 

  أ-عمر بن طرية   

تمهيد:

اللغة العربية -ولا شك- تعتبر من الثوابت الأساسية للأمة العربية الإسلامية، فهي رمز هويتها، وأداة إبداعاتها الفنية،  ومعلم من معالم النتاج الفكري والأدبي، كما أنها وسيلة من وسائل التواصل بين الأفراد،  وهمزة وصل فعالة في بوثقة المجتمع وصهر جميع أفراده من أجل تحقيق كيان الأمة، والسير بها قدما إلى مصاف الدول المتقدمة، والوقوف بها على عتبات التاريخ شامخة كالطود الأشم قديما وحديثا.

 وتتأسس هذه الورقة البحثية على لفيف من العناصر نحوصلها في النقاط الرئيسة الآتية:

 -           ماهية العولمة

 -         أهمية اللغة العربية

 -          اللغة العربية و أصابع الاتهام

 -          اللغة العربية والصراع

 -          موقع اللغة العربية في عصر العولمة

 -           الوسائل الناجعة للوقوف في عصر العولمة

 -            خاتمة

         إن العالم المعاصر اليوم يشهد تطورات جد رهيبة و متسارعة في عالم الاتصال والثورة المعلوماتية و التكنولوجية الحديثة التي اجتاحت العالم بأسره، وأخذت بلبه وسيطرت على ذهنه وفكره ، وانعكس كل ذلك على جميع مناحي الحياة 

 ولعل أخطر مجال طالته هذه الثورة المعلوماتية عنّ في المجال الثقافي واللغوي . لماذا؟

 لأن اللغة تعد عصب الحياة لأي أمة من الأمم، فهي من أهم الثوابت المعبرة عن ملامح أفراد مجتمع من المجتمعات، وهي قناة الاتصال و التوحيد، و التعبير عن الحاجات والمآرب،  ولذلك عرّف "ابن جني" اللغة فقال: ((حد اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم ))(1)

 فابن جني ميّز لنا اللغة، وأبان على أنها أصوات ، كما أوضح وظيفة هذه الأصوات و المتمثلة في الاتصال والتواصل ، من أجل قضاء الحاجات ، والوصول إلى الغايات، ومن ثمة فاللغة  ما هي إلا وسيلة للتعبير ، كما أنها صورة من صور تطور الشعوب أو تقهقرها .

 ماهية العولمة:

 تعد العولمة من القضايا المعاصرة التي صارت تشكل هاجسا يقض مضجع كل باحث و دارس والكل يتناول هذه القضية من جانب معين ، وسر الخلاف الواقع بين الدارسين في تحديد ماهية العولمة مرده إلى زئبقية هذا المصطلح ، وتغلغله في جميع النواحي والأصعدة، مما أفرز لكل صعيد نوعا من العولمة، فألفينا العولمة الاقتصادية ، والعولمة السياسية، والعولمة الثقافية ، والعولمة اللغوية، وهلم جرا.

 ذهب الباحثون والدارسون في تعريف العولمة مذاهب شتى ، وانقسموا طرائق قددا ومن بين هذه التعاريف ما ذهب إليه الدكتور "حسين نصار" حيث يقول: ((العولمة هي إزالة الفواصل بين أقطار العالم، لتصير الكرة الأرضية كلها قرية عالمية ))(2).

 ويعرفها الدكتور "إحسان هندي"  بقوله ((العولمة سماوات مفتوحة ومحيطات مفتوحة ، والحواجز الجمركية لا وجود لها، والعلم بلا وطن ، ورأس المال  كذلك ، وزيادة في حرية العمالة ورؤوس الأموال والأفكار عبر العالم بأسره مما يؤدي في النهاية إلى تحويل العالم إلى قرية كونية ))(3)

 وعرفها "طوماس ولكين"  يقوله: ((العولمة آلية لتكريس الفوارق بين الشمال المتخم بالغنى و الجنوب الذي يعاني من الفقر المدقع))(4)

 هذه التعاريف وغيرها يستشف من خلالها أن العولمة تسعى إلى جعل العالم قرية موّحدة ، وصهر  جميع المجتمعات  في بوثقة واحدة، ومحاولة القضاء على الحواجز والفواصل بين الدول، ولكن حقيقة الأمر تبدو غير ذلك، وهذا ما نستشفه من خلال ما ذهب إليه "طوماس ولكين" في أن العولمة ما هي إلا تكريس للهيمنة و السيطرة من قبل الشعوب القوية الغنية على الشعوب الضعيفة الفقيرة، و ما هي إلا تعزيز للفوارق وإثراء الثري وإفقا ر الفقير.

 ومن هنا يمكننا القول : إن العولمة ما هي إلا هيمنة أمريكية في ثوب قشيب جماله يسبي العقول ، ويخلب الألباب، وبريقه  يعمى الأبصار.

 فالعولمة إلا عودة للرأسمالية من جديد بعدما أعلنت إفلاسها  داخليا و خارجيا، فالأمركة الحديثة تتستر تحت غطاء العولمة.ومن هنا وجب على الشعوب عامة ، والأمة العربية الإسلامية خاصة أن تتفطن لما يحاك  ضدها من مؤامرات للمساس  بشخصيتها ، والإطاحة بثوابتها الأصيلة.

 إن الأمة العربية الإسلامية إذا لم تعمل جاهدة على إيجاد مشروع حضاري مؤسس على أسس علمية سليمة ترتكز على أصالة هذه الأمة ، واستقراء تراثها الفكري والأدبي، والتركيز على الهوية العربية الإسلامية النابعة من روح الدين والعقيدة الصحيحة، حتى يتسنى لها النجاة من إخطبوط العولمة ، والذوبان في الغير، والتبعية لكل وافد من وراء البحار.    

 أهمية اللغة العربية:

 إذا أردنا الخوض في مسألة اللغة العربية من حيث مدى قدرتها على مواكبة الحضارة ، ومسايرة التطور، والرقي والازدهار الحاصل في عصرنا الراهن ، وجب علينا عرض حال للغة العربية على مطياف الحياة الإنسانية المعاصرة ، ولن يتأتى لنا ذلك إلا من خلال التذكير بأهمية اللغة العربية ومكانتها بين أبنائها ، وبين اللغات الأخرى.

 للغة العربية مكانة سامقة في قلوب أبنائها خاصة،  وبين اللغات الأخرى عامة، وهذه اللغة التي نقلت المجتمع العربي من مجتمع بسيط ساذج إلى مجتمع غاية في الرقي الفكري والحضاري منذ أحقاب وأزمان . فهي التي حملت الشعر والأدب ، كما حملت الرسالة الخاتمة، وكانت وسيلة التعارف بين العرب وغيرهم من الأمم الأخرى ، وهي التي خضعت لها جميع العلوم والفنون الوافدة من الرومان و الفرس والهند وغيرها ، لأن السلف أراد للغة العربية أن تتبوأ مكانة مرقومة ، وذلك عن طريق حبهم للغتهم ، وتكريس حياتهم للعلم والمعرفة،  ينضاف إلى ذلك قوة شخصيتهم وتمسكهم بدينهم وعقيدتهم،  والمحافظة على أصالتهم وعراقتهم.

 ولذلك جاءت أهمية اللغة العربية ، ولاسيما بين أحضان أبنائها البررة الغيورين على دينهم ولغتهم،  وثوابتهم الراسخة.ومن هنا لابد على الأجيال أن تولي العناية التامة لهذه اللغة ، ويعملوا جاهدين على الصعود إلى سلم هذه اللغة العريقة، التي تحاك ضدها المكائد للإطاحة بها، ورمي أهلها بالتخلف والتحجر، حتى ينسلخوا عنها، وتطمس بذلك هويتهم ، وتمحى من على خارطة العالم قيمهم وفضائلهم،  ويصبح العربي كرسم دارس تنوح بين جنباته الرياح ، وتزمجر بين عرصاته العواصف.

 ومن هنا، فإن أبناء اللغة العربية يواجهون حملة شرسة ضد لغتهم ، ومن ثمة فإن المسؤولية الملقاة على عاتقهم تتضاعف يوما بعد يوم، لأن أعداءهم يتربصون بهم الدوائر،  ويكيلون لهم بدل الكيل أكيالا.

 ومن هنا، فنحن جميعا مدعون إلى العودة إلى تراثنا، واستنطاقه ، والغوص في أعماقه، وسبر أغواره من أجل معرفة لغتنا معرفة ، والوقوف عند معالم جماليتها، ومكامن الإبداع فيها،  ومواطن الإعجاز في اللغة التي شرفها المولى أن تحمل الرسالة الخالدة.

 فاليوم نحن ليس كبعض المتوجسين خيفة على مصير اللغة العربية ، والخوف عليها من شبح العولمة، وسيطرة اللغات الأخرى ، وعلى رأسها اللغة الإنجليزية، بقدر ما نحن متوجسين خيفة على هؤلاء، وعلى أبنائنا، لأن اللغة العربية بمنأى عن كل هذا التوجس ، وهذا الفزع. ذلك لأن المولى عز وجل تعهد هذه اللغة بالحفاظ عليها و صيانتها، وبذلك كتب لها الخلود و الحفظ من كل ما يدبر أو يحاك لها.ولرب قائل قد يقول: هذه رجعية و اعتداد بالنظرة الماضوية المنحازة للأسلاف و القديم، ولكن نحن نقول كما قال ربنا جل و على في كتابه العزيز: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون.)(5)              

 اللغة العربية وأصابع الاتهام:

 تعد اللغة من الأمة بمثابة الرأس من الجسد فهي تمثل نسيج وحدتها، وصرح حضارتها فكيف إذا كانت – إلى ذلك –لغة الرسالة الخاتمة التي تربعت علي كرسي العرش وتسنمت ذروة الهرم فكانت سمة من سمات الإعجاز ومشعل العقائد الدينية  فالقرآن الكريم نزل بلغة العرب فكانت وعاء أمثل في الصياغة اللغوية والقوالب التعبيرية العالية فكانت مثلا فريدا ونسيجا متميزا في الإعجاز اللغوي، ومن هنا يتضح لنا جليا أن اللغة العربية تختلف عن سائر اللغات الأخرى لما حباها الله من خصائص وميزات لم ولن تحظى بها لغة  إنسانية أخري  في العالم.

 إن اللغة العربية-بدون شك- تمتلك من الثراء اللغوي والكفاءة التعبيرية ما يجعلها قادرة علي الوقوف في وجه العولمة ودعاتها وبات من المؤكد أن الخوف ليس علي اللغة العربية

 من شبح العولمة بل الخوف علي أبناء اللغة العربية الذين انبهروا بالعولمة الزائفة والتي دفعت بهم إلى الانسلاخ من هويتهم  والتنكر لثوابت أمتهم واحتقار كل ما هو عربي أصيل .

 إن هذه الردة –إن صح التعبير –تشكل خطرا علي الأمة قبل كل شيء أكثر من خطر العولمة.

 ومن هنا يجب علينا أن ننصف لغتنا  ونكف عن رميها بالتحجر والتخلف والجمود وكذا اتهامها بأنها سبب من أسباب تخلفنا وتقهقرنا .إن اللغة العربية براء مما ندعيه كبراءة الذئب من دم يوسف عليه السلام .

 إن التجديد الحقيقي لاينبع من تقليد الأخر والسير علي أثره و التشبت بتلابيبه مجاهرة ومفاخرة اعتقادا منا أننا إذا قلدنا الوافد، وقلنا له سمعنا وأطعنا ذاك هو التقدم والتطور كلا إن التجديد الحقيقي ينبع من أصالة الأمة وعراقتها وكذا من المحافظة علي ثوابتها ودعائمها  الحقة ، وبالعودة إلى تراثها الأدبي والعلمي والفكري  ومحاولة التنقيب فيه ومعرفة أسراره واستكناه جوهرهلجني ثماره ، وفي هذا السياق يقول أمين الخولي :(فأول التجديد قتل القديم بحثا ) (6)

 ومن هنا يتضح لنا أن ما يوجه للعربية من لوم وعتاب ، ونعتها بأوصاف لاتليق بمقامها  لابد من إعادة النظر فيه وتصحيح مسار البحث في هذه القضية الشائكة ألا وهي العولمة اللغوية، أو بعبارة أدق موقع اللغة العربية في عصر العولمة .

 اللغة العربية والصراع:

 إن اللغة العربية منذ القدم تشهد صراعا عنيفا بينها وبين اللغات الأخرى ، ويتبلور هذا الصراع من خلال صراع أبناء الأمة العربية مع الاستدمار الذي حاول منذ الوهلة الأولى طمس معالم الشخصية العربية وعنّ ذلك في محاولة الاستدمار للقضاء على اللغة العربية لأنه يعلم أن في اللسان العربي مكمن  الخطر عليه ، وكذا أنه السبيل القويم لتشكيل الوحدة بين أبناء العروبة، ولذلك سخر كل الإمكانات من أجل فصل العرب والعمل على سلخهم من ثوابتهم ، وعلى رأسها اللسان العربي،  وحاول أن يجعل لسانه هو الأداة الوحيدة للتعامل والتواصل ، فألفينا الاستدمار الفرنسي يحاول استبدال اللغة العربية باللغة الفرنسية وذلك في بلاد المغرب العربي واستبدال اللغة العربية باللغة الإنجليزية في بلدان المشرق وعلى رأسها الخليج العربي.

 إذا تاريخ اللغة العربية من حيث الصراع ، لم يكن وليد اليوم ، ولكن ترجع أصوله إلى أيام الاستدمار. ومن ثمة فلا تعجب إذا ما ألفينا الصراع على أشده حول مكانة اللغة العربية بين اللغات العالمية في عصر التكنلجة الحديثة، والثورة المعلوماتية المعاصرة التي يشهدها العالم،  والتي برزت تحت غطاء ما اصطلح عليه بالعولمة. 

 و في هذا السياق يعجبني ما ذهب إليه الدكتور "مازن المبارك"  وهو يتحدث عن علاقة الغرب والشرق أيام كانت الأمة العربية في أوج قوتها ، وتفوقها على الغرب حيث يقول: (( وإذا كان لنا من التاريخ غيره فهل حدثنا تاريخ التقاء الغرب بالشرق حين التقينا أول مرة لقاء الغرب المتعلم مع الشرق المعلم،  هل حدثنا أن الغرب استشرق أو استعرب بلسانه ؟ هل ذكر تاريخ أمة في الدنيا أن غريبا واحدا نادى يوم كان الغرب يقعد من الشرق العربي  مقعد التلميذ من أستاذه ، بأن تكون العربية لغة التعليم في الغرب ؟))(7)

 ويعقب قائلا: (( إننا لم نسمع بشيء من هذا ولن نسمع به ما دام بين الناس من يعرف أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتفاهم، وإنما هي جزء من شخصية الأمة، وركيزة من ركائز قوميتها،  وشيء من معناها إننا لن نسمع أحدا - عند غيرنا - ينادي بالتخلي عن لغته إلا إذا سمعنا مخلوقا ينادي بالتخلي عن جلده ليكون له لون آخر، وعن لسانه ليكون له  ترجمان غيره،  وعن فكره ليكون له لون آخر و أسلوب آخر في التفكير، وعن روحه التي بها مسكه الحياة وقوام الأمر ليكون له من بعد ذلك كله خلق آخر.))(8)

 كما لا يخفى على كل ذي حجر أن الاستدمار تطور كما تطورت الأشياء من حولنا، فالاستدمار تخلى عن زيه العسكري  المكشوف والمتمثل الدمار أو تهيئة الجيوش  والترسانات الحربية إلى شكل جديد وقالب مغاير تماما ، وبرز ذلك في الاستدمار الفكري الذي يوفر على نفسه تلك المشاق والمتمثلة في تجهيز الجيوش والتصدي للثورات ، وإرهاق نفسه الأشلاء والسيول من الدماء والجماجم، و يضمن لنفسه اختراق الأمم والشعوب والنفاذ إلى أعماقها عن طريق الاستلاب الفكري والغزو الثقافي باسم التكنولوجية الحديثة وعلوم الاتصال والثورة المعلوماتية والتي اصطلح عليه اليوم بمصطلح العولمة.

 موقع اللغة العربية في عصرالعولمة:

 يطرح الكثير من الباحثين والدارسين إشكالا مفاده؟ ما موقع اللغة العربية في العولمة ؟والأحرى أن نطرح السؤال طرحا سليما , وأكثر منطقية وتتساءل :

 ما موقع الإنسان العربي في عصر العولمة ؟ لماذا؟لأن اللغة ما هي إلا أداة من أدوات التواصل والتخاطب ، والتعبير عن المقاصد والحاجات ليس إلا.ومن ثمة فالعيب ليس في اللغة بقدر ما هو في الناطقين بهذه اللغة . وليس هناك ما يدع مجالا للشك لدى الداني والقاصي بأن اللغة العربية لم تكن في يوم من الأيام عاجزة على مسايرة الحضارة , ومواكبة عصور القدم ولعل لغة استطاعت حمل كتاب الله وأحكامه ، وكانت وعاء يتسع لآي الذكر الحكيم ، لن تعجزها أسماء ومخترعات بشرية تتسم بمحدودية العلم ونسبية المعرفة , مصداقا لقوله تعالى:(( وفوق كل ذي علم عليم ))(9)

 ومن هنا بات من المؤكد على الإنسان العربي أن يراجع حساباته ، ويرتب بينه من الداخل ترتيبا سليما، وصحيحا، ويعود ويستقرئ لغته من جديد وينقب عن مكوناتها ، ويغوص في أبعادها ليستخرج كنوزها ودررها، حتى يتسنى له الوقوف في وجه العولمة ،  وبسط نفوذها على العالم ونتائج ذلك قائلا: (( العولمة آلية لتكريس الفوارق بين الشمال المتخم بالغنى والجنوب الذي يعاني من الفقر المدقع))(10)

 وفي اعتقادنا : إن العولمة ما هي إلا ثوب تلبسه أمريكا من أجل استعادة مجدها وغطرستها لاحتواء العالم , وجعله يأتمر بأوامرها وينته بنواهيها , ومن هنا وجب على الدول العربية أن تستيقظ من سباتها العميق , وتفكر بجدية وأناة في إيجاد البدائل المناسبة والحلول الناجعة من أجل ، إيقاف هذا الزحف ، والسيل الجارف الذي بات يهدد ثوابت الأمة العربية أكثر من ذي قبل ، ويحاول طمس معالمها ،والحط من مكانتها , والانتقاص من شخصيتها واستدمارها من جديد ، وبأسلوب جديد تحت غطاء ما اصطلحوا عليه بالعولمة .

 ولرب معارض يقول :العولمة فرضت نفسها , وما يبدئ هذا الكلام وما يعيد ؟

 والحقيقة هي غير ذلك ، لأن بعض القائلين بهذا الكلام واحد من اثنين ,إما لم يفقهوا أبعاد العولمة ، وإما أذناب للثقافة الغربية ومتمسكين بتلابيبها وأدرانها ، وإلا فما هي الدوافع التي تحملهم على الإقرار بالعولمة ، والخضوع للغة الإنجليزية، أو ما يسمى بـ ((الأنجلزة )) ، ثم إلقاء التبعة على اللغة العربية ؟

 وكان الأجدر بهم أن يفتشوا في أنفسهم ، وينقبوا عن ذواتهم ،ويسألوا : ماذا قدموا للغة العربية ؟ وهل – فعلا- أضافوا إلى اللغة أشياء جديدة؟ وهل سألوا أنفسهم –يوما- لماذا اللغة الإنجليزية فرضت نفسها على لغات العالم ، وتجاوزت ذلك إلى الجوانب الاقتصادية ، والسياسية، والاجتماعية ، والثقافية ؟

 نقول لهؤلاء جميعا : إن اللغة العربية لغة حية فرضت نفسها منذ عهود وآماد خلت ، ولازالت تفرض نفسها ولن يضرها قول قائل ، أو تنطع ناطع ، ويكفيها سموقا أنها حافظت على التراث الإنساني من الضياع ، كما أنها تشكل قوة ضاربة في الأعماق ، وتعد منافسا خطيرا لجميع لغات العالم ، وما إقرار الأمم المتحدة باستعمال اللغة العربية في تجمعاتها وملتقياتها ، واعتمادها لغة أثناء عمليات الترجمة الفورية ،إلا دليل على مكانتها ، وما اعتراف منظمة اليونسكو ، والصحة العالمية باللغة العربية واستخدامها في نشراتها ودعايتها لدليل آخر على أهميتها ، وما بسط نفوذها على القارةالإفريقية لدلالة قاطعة على بروزها كمنافس قوي للغات الأخرى ، كما أن تجاوز عدد الناطقين بها في العالم نسبة 2.5% ،  ومسارعة الكثير من الدول الغربية وعلى رأسهم أمريكا ،ومحاولة أبنائها تعلم اللغة العربية من أجل التواصل، والعمل في الأقطار العربية ، إلا علامة من علامات عظمة هذه اللغة ،وفي هذا السياق يقول المستشرق الفرنسي لويس ماسينون في معرض حديثه عن مكانة اللغة العربية ،وبروزها كلغة عالمية دولية :(( إن اللغة العربية أداة لنقل بدائع الفكر في الميدان الدولي، وإن استمرار حياة اللغة العربية دوليا ، لهو العنصر الجوهري للسلام بين الأمم المستقلة في المستقبل ))(11)وفوق هذا وذاك  يكفيها علو شأن أنها حملت أحكام القرآن الكريم ، وأنها اللغة الوحيدة التي تمكن أهلها من عملية لم الشمل والوحدة والاتحاد ، كما أنها اللغة الوحيدة التي ستبقى محفوظة إلى أن تقوم الساعة مصداقا لقوله تعالى: (( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ))(12)

 ولعل هذه فضيلة لم تحظ بها لغة من لغات العالم بأسره ، وهذا مما يزيدها استشرافا وإشراقا في المستقبل  وتحديا منقطع النظير.

 الوسائل الناجعة للوقوف في وجه العولمة:

 إن الوقوف في وجه العولمة عامة، والعولمة الغوية خاصة لاتتأتى إلا عن طريق عوربة  شاملة،  ومؤسسة على أسس علمية سليمة تأخذ على عاتقها صيانة اللغة العربية من العامي  والدخيل ، وكذا تكريسها في المعاملات والممارسات الحياتية اليومية ومن هنا  تبرز عدة وسائل للحفاظ على اللغة العربية ، والسير بها قدما إلى مصاف الثريا محاكية سهيلا في عليائه نحوصلها في النقاط الآتية :

 -إصلاح المنظومة التربويةعن طريق تعميم استعمال اللغة في جميع المستويات.

 - الوقوف ضد دعاة استبدال اللسان العربي الفصيح  باللسان العامي .

 - العمل على تطوير المناهج والبرامج، وخلق مناهج قادرة على مواكبة العصر .

 - التركيز على أجهزة وسائل الإعلام العربية ومحاولة تحسيس القائمين عليها ، والعاملين بها على تقديم البرامج والحصص باللسان العربي الفصيح ومحاولة إقصاء اللسان العامي، وتقليل من البرامج الناطقة بلغات أخرى.

 - دعوة المجامع اللغوية إلى الزيادة في بذل الجهود من أجل إيجاد المصطلحات العلمية والتكنولوجية للمخترعات الحديثة والحادثة ،  وذلك بالرجوع إلى ما تمتاز به اللغة العربية  من سمات :كالاشتقاق ، والترادف ، والمشترك اللفظي وظاهرة التوليد .

 كما يجب العمل على إشراك ذوي الكفاءات والمهارات اللغوية من باحثين وإعلاميين وغيرهم .

 - العمل على وجادة المعجمات العلمية التقنية المتخصصة  المساعدة على تذليل الصعوبات والحد من العقبات الكؤود التي تقف حاجزا أمام الباحثين العلميين والتقنيين .

 وفوق هذا وذاك يجب تفعيل دور الإنسان العربي لأن اللغة بأهلها والناطقين بها ، واللغة لا يمكننا أن نحملها ضعفنا وأمارات تخلفنا وسمات تقاعسنا  ونكوصنا  وجعلها مشجبا نعلق عليه هزائمنا وعقدنا الكثيرة تجاه الآخر.حقيقة إنما يذهب إليه بعض الدارسين في البلاد العربية من خلال آرائهم العقيمة ومجادلتهم الجوفاء ، ليعد السم الزعاف الذي ينخر جسد هذه الأمة ،وليعد أكثر خطورة من العولمة ذاتها.

 خاتمــة

 لاشك وأن تقزيم اللغة العربية والشعور بعقدة النقص وسيطرة الأجنبي تعد من أهم العوامل التي أدت إلى ضعف شخصية الفرد العربي  واستسلامه للهزيمة، والانتقاص من شأن لغته الأم ، وتخليه عن كل ما هو عربي أصيل ، وراح في رحلة خيالية ملأى بالأوهام يبحث عن كل ما هو غربي وافد من وراء البحار اعتقادا منه بفعله هذا سيرتقي ويتطور وينال بهذه التبعية مكانة راقية ، ولكن الأمر ليس كما يتوقع ، بل إن مثل هذا التصرف يجعله أكثر تبعية للغير وذوبانا في الآخر، مما يجله مطموس المعالم، مهزوز الشخصية. 

 إن اللغة العربية –ولا شك- تمتلك من الخصائص و الميزات التي تجعلها قادرة على مسايرة العصر ، و مواكبة عالم التكنولوجيا و التطور الحاصل جراء الثورة المعلوماتية، و الانفتاح على شبكات الإنترنيت و وسائل الاتصال الحديث.

 ومن هنا وجب على الباحثين و أصحاب الحل و العقد في هذه الأمة أن يصرفوا جل جهودهم من أجل تعميم استعمالات اللغة العربية في المؤسسات التربوية وفي وسائل الإعلام وكذا العمل على تعليم اللغة العربية لغير العرب ، وعلى وجه الخصوص تلك الشعوب التي تعتنق الدين الإسلامي ،كماليزيا، تشاد ، و اندونيسيا و غيرها.لأن صيرورة اللغة، واتساع رقعتها لن تتأتى إلا عن طريق مشروع عربي حظري تتكاثف حوله جميع الكفاءات والقدرات من أجل إنجاح المخططات الراوية إلى السمو بالإنسان العربي، والقفز به قفزة نوعية تأهله للوقوف، وبثبات أمام شبح العولمة و أخطارها.

 الإحالات

 1.   ابن جني، الخصائص، دار الكتب المصرية، الجزء الأول، ص33.

 2.   مجلة العربي، اللغة العربية و تحديات العولمة، العدد 503 ، أكتوبر 2000 ، ص 23

 3.   مجلة معلومات دولية، العولمة و أثرها السلبي على سيادة الدول، العدد 58، السنة السادسة 1998 دمشق، ص63 .

 4.   طوماس ولكين، العولمة و الجنوب، ص30

 5.   الحجر، الآية 9

 6.   أسعد علي، فيكتور الكك، جذور العربية فروع الحياة، دار السؤال للطباعة و النشر، دمشق الطبعة 2، 1981، ص 23 24

 7.   مازن مبارك، نحو وعي لغوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1 ، 1979، ص 34

 8.   المرجع نفسه، ص 34 35

 9.   يوسف، الآية 76

10.مجلة دراسات عربية ، العدد 1، السنة 14/11/1977، ص 43

 11.المرجع نفسه ،43

 12.الحجر، الآية 9