الكرامة الصوفية من الشفوية إلى الكتابةpdf

كتاب "البستان "لصاحبه ابن مريم الشريف المليتي  عينة

د. مشري بن خليفة

أ. فائــزة زيتوني

1 - الإطار المعرفي لكتاب " البستان " :

 يمكن حصر الإطار الزماني لتراجم كتاب "البستان" ما بين القرنين التاسع والعاشر للهجرة، وعلى الرغم من أن هذه الفترة ليست طويلة جدا إلا إنها شكلت انعطافات هامة، وتحولات كبرى في تاريخ تلمسان خصوصا والجزائر عموما، فهي مرحلة تشكِّل عهدين، أو سلطتين: أيام الفترة الزيانية العبدوادية في آخر أيامها.والفترة العلية العثمانية بالمغرب الأوسط –في بداياتها- وسبب ضعف الدولة الزيانية هو الصراعات الداخلية والخارجية بينها وبين جيرانها حيث أنّ وجود تلمسان « عاصمة المملكة الزيّانية في الطريق الواصل بين البحر وما وراءه من أقطار، وبين الصحراء عن طريق سجلماسة وواحات توات وما خلفها من بلاد الزنوج ...جرَّ عليها الويلات والدَّمار لأنَّها قامت في قطر محصور بين دولتين منافستين لها، الدولة الحفصيّة في الشرق ... والدَّولة المرينية من الغرب ... فتوالت عليها الاعتداءات والمحن ، تأتيها مرّة من الغرب ومرَّة من الشرق، وفي بعض المرّات من كلتا الواجهتين في آنٍ واحد »[1]

إن الأخطار التي أحاطت بالبلد « جعلت الناس يتجهون بقلوبهم إلى الله سبحانه ملتمسين منه المنَّ والحماية، وجعلتهم يزدادون تعظيماً لأهل الله وأوليائه »[2]. وهو ما أكسب كتاب " البستان " أهمية كبرى، ووضعه في مكانةٍ مرموقة، إذ أنه شفى غليل الكثيرين في الإطلاع على سِيَرِ الصالحين من عُبَّاد تلمسان والتَّزود من أخبارهم وكراماتهم بزادٍ روحيٍّ يجعلهم قادرين على مواجهة واقعهم المادي الاجتماعي المزري، وانهزامهم السياسي والعسكري المخزي.

 ترجم " ابن مريم[3] " من خلال "البستان" لاثنين وثمانين ومائة (182) وليّ وعالم، كانوا على اتصال قريب بتلمسان، إما عن طريق الولادة، وإما عن طريق النشأة، وانتهى من تأليفه 1011هـ بمدينة تلمسان، واستفاد فيه من تأليف عدَّة. يقول في خاتمته: « وقد انتخبته من نيل الابتهاج بتطريز الديباج للشيخ أحمد بابا السوداني، وبغية الرواد في أخبار الملوك من بني عبد الواد، ومن تقييد سيدي محمد السنوسي في مناقب الأربعة ومن روضة النسرين في مناقب الأربعة المتأخرين، ومن النجم الثاقب، ومن الكواكب الوقَّادة فيمن كان نسبته من العلماء والصالحين والقادة، ومن كتب عديدة...»[4].

أما عن سبب التأليف وغايته فنجده يقول في مقدمة كتابه عن ذلك : « أن ذكر العلماء وحكايات الصالحين واقتصاص أحوالهم أنفع للنفس بكثير من مجرّد الوعظ والتذكير بالقول... لأن الصالحين إذا ذكروا نزلت الرحمة، وفيه عُدَّةٌ لكم وأوثق عروة وأقرب وسيلة في الدارين لأنه إذا كان مجرد حب الأولياء ولاية وثبت أن المرء مع من أحبّ، فكيف بمن زاد على مجرد المحبة بموالاة أولياء الله تعالى وعلمائه وخدمتهم ظاهرا وباطنا بتسطير أحوالهم ونشر محاسنهم وأقوالهم وأفعالهم... نشرا يبقى على ممرّ الزمان ويزرع المودة لهم والحب في صدور المؤمنين للإقتداء بهم بحسب الإمكان »[5].

لقد أعرب "ابن مريم" عن غايته من التأليف فهو من جهة يبغي رضاء أشياخه ومحبَّة أولياء الله، وقربة علمائه ومن جهة أخرى يروم نشر فضائل هؤلاء وحفظ كراماتهم وتقييد خوارقهم حتى يقتدي بها مقتدي، ويزد جر مزدجر.

أما منهجه في التأريخ للأعْلام وترتيبهم فقد كان على حسب الترتيب الهجائي لأسمائهم فابتدأ بمن اسمه أحمد، وختم بمن اسمه يحيى.

والملاحظ أن تراجمه كانت تطول وتقتصر فهناك من الشيوخ من يوجز ترجمته في السطر أو السطرين، وهناك من يفصِّل فيها لتستغرق أكثر من خمسة عشر صفحة، وكان محك ذلك ما بلغه من كرامات هؤلاء، فأصحاب الكرامات المشهورة والمقامات المرضية تطول تراجمهم والعكس بالعكس.

وهو بذلك يعدُّ وثيقة تاريخية اجتماعية دينية مهمّة جدّاً تعكس روح العصر خاصّة في مجال الذهنية الصوفية .

 2 -  كرامات "البستان" من الشفوية إلى الكتابة :

نحن نقف على مشارف مسألة خطيرة متشعّبة، يَعْسُرُ فيها على الباحث القطع برأي، ومأتى الخطورة أن السّمة الشفوية « ظلت عالقة بالأدب العربي المكتوب قرونا متطاولة، أما العُسْر فمأتاه من أن هذه المسألة تمثل منعطفا هاما لم تكد تسلم منه أمّة من الأمم »[6]. تجسّد ذلك في التحول الجذري من نمط عيش إلى نمط آخر، أحدث تحوّلات عميقة على مستوى الطابع الاجتماعي والمعرفي خاصة ميداني التفكير والتعبير .

 وكانت مرحلة الانتقال تلك منعرجا حاسما في مسار الكثير من الأمم ، حتى العربية منها إذ « كل الدراسات السابقة ...أكّدت انتماء الأدب العربي بشكليه الفصيح والشّعبي إلى دائرة الأدب ألشفاهي المتحول في بعض أحواله إلى الكتابية »[7].

على أن البحث في المشافهة والتدوين أكثر عسرا في نطاق الحضارة العربية الإسلامية لاتصاله بضروب متنوّعة من المعارف المقدّسة كالحديث النبوي، ثم الشعر العربي القديم، التاريخ، الخطب...

    كان الصراع بين المشافهة والتدوين قائما على أشدّه خلال القرون الهجرية الأولى خاصة وأنّ الكتابة إعلان بميلاد ممارسة اجتماعية مختلفة تماما عمّا سبق، لمست جوانب اجتماعية، قتصاديّة ، لاشتمالها على حركة: التدوين، التأليف، القراءة، الاستنساخ، البيع، الشراء ....

ومع استمرار الجدل بينهما، لا يمكننا القول أن نمطاً معينّاً( كتابة ، مشافهة ) قد انفرد بنقل المعرفة في مجتمع ما خلال عصر من العصور، لأن المشافهة لم تفقد دورها، وظلّت تسير جنباً إلى جنبٍ مع الكتابة، بل تجاوزت العلاقة بينهما من مجرّد التواجد في إطار زماني ومكاني موحّد إلى« تعاقبهما وتتاليهما في سلسلة متصلة الحلقات فكما أن المنطوق يصبح مكتوبا، كذلك يصبح المكتوب منطوقاً »[8]

إنها لصيرورة عجيبة تلك التي يمرُّ  بها الخبر والكلام من صورة لأخرى، فلا الكتابة تقضي على المشافهة ولا المشافهة تستغني عن الكتابة، وإنما هما يتعانقان ويتعايشان.

انطلاقا مما سبق نتساءل:

هل تدخل نصوص الكرامات ضمن تقاليد الشفاهي؉ ؟

آو أنَّها نصوȵ كتابية لها خصɈصيا؊ الثقافة ئلكتاؠية ؟

أم تجEع بقـكما، فتتعألق من خـالهاȠت؄اليد الؔفوية والكتإبة في كلٌّ مцسجم ؛

إن مثل هذا اڴبحث يفيدɄ؇ فɊ لعбفة المسار الذي سلكتهالكرȧمة، والتحولاٺ الدإخليء وألخارجية إل؊يطرأت عليفا حتووȵلت إلى الشكل الذي بيل أيدينأ.

تمثل الثقاف؉ الشفاهية في الأصل ما يُسمى ؠثقاف؉؇لȳماع، ـأنّ ال؃ذن حاسةȠالمباشбة وئـقرب وȧلЧتеال وعلɂكفكي حاسّة إلنقل والحفؘ وإلذّاكرة.

أما الثقافة الكتابيّب сتسمى بȋقافة ألتأمّل؈ وتمثф العين حاسة المسافة، البعد، الأقفصال، التفȁير، النقد، ألتأويل، وبعدا وجهات إلنظر£ إنّюها حئسّنة المكان فهو لا ترى م؈ضورها رؤيب جيّدة ؤنا"إذا اгتطاعت أن تثبّته وЪحدِّد Сبعادч فيما الأذن حاسة اـزمان، وألثقافة التي تعتمدها ثقافةتРريخ وسرȫ ور؈اية، ثقافة شفوية لا ثقافةȠأDكتا؈ة وئلصورة، ثقافة Тلشوآ لا ثقЧفة الأЯر».[9] 

طبظا لا يُنكر أحЫأاɄفرالة- قبل أن Ȫُقيفد وتُدوَّ٦وتحف8 في أثر يجمعما - كإنت جزأ ؄ايتجزأ من اɄثقافةالشفوقة؈ والمؤكد أيضا أق لهȰا التحول من ȸق؇فة اфسماع إلى ثـافة الت؁Ʌـ أسؠاШ؇. مثلما كاɆ لم أيضا تأثيراته وعلله على اـخطاب ألуرامي.

من خلال القراءة المعمّقة لكرامات "البستأن" ي؅كɆنا آن نستشف ا؀ملامح أـشAهقة التالية، اɄتي تسلّلت من اـخطاب الش؁ـي إلىا؄كتابي، أو كانت نتيجЩ حتمية لȪلك النقلة النوع؊ة والتحɈل الجذري فن مجرد كءامات تؐدّدوبنقل مشافهةإلى كرإمات مقيّدة хدوؑنة في ػصنّفٍ ؊؃توЬ؈Ȧلتر؃يز والنظر ؅ـعميق والتأمل الجات ؙند محا؈لة مقإربتها أو الكشف عن مكɈناتها، وأول مإ يشار إلين في هؐ؇Чلصدد:

1-          ظاهرة السند: إɆ ارتباس كرامات ال؃ولياء بالإسناد كان إعلإنا للتحول ولتيجȩ طبيȹية للاقتق؇ل من المشافه؉ȥไى ؇لكتابة، لأنّ يؤكQد أنّ المЪق اـذي يذدفه ـد مرɑَ بمرЧحل مختلفة وتعȧوȱه أشخئص متعددون، وتؚيرت صواКته فجاءت في صور مختلفة، وغيابه ءو حضوذه مرتبط بغيأب أو حضور ؇لرواة أنفسنم. فالرنخ لم يكن مجرّخ ؊قليد اعتاده الت'بعيق في افتتاح كرȣمات الأولياء إنما كإن حتمية اقتؖاها الت؍؈ل من التقاليد الشفوъة ؅لى التقأليد الفتابيب وЧلتي من مؓتلزماآَإ الȶȨسȌ اфبحديد وخـّة ȧلمصاثر، وȧلتثبّت من صЭّتها. Ɂصحَّةه النɂل Ʌقثفة رلى صحɑة اЄمنګول ف؊ هذا المجاۇ؄ وهو ما بـّأ الءسنئد تلكف اфم؃انب إلمموزة.

2-          ؤن مȂ ابذؒ رلȦمات النص الشفوي السёؑدي؄ ءن يُؤذن بابتداء الحكي فيه بالنّطق بالفعل الماضي: حدثنا، يحكى، روى،... فهذه الألفاظ وغيرها تشدُّنا مباشرة إلى نمط المشافهة الذي طالما سيطر على الحكي العربي. وفيها تأكيد مباشر على الأصل الشفوي للكرامات التي تزخر بتلك البدايات في نصوصها.

3-          والنقطة الأخرى التي لا تقل أهمية، هي أن قسما كبيرا من تلك الكرامات والأخبار مستمدة من روايات شعبية كانت دائرة فيما مضى على الألسن، حتى قُيِّض لها رواة محترفون، استغلُّوها، حذفوا منها وأضافوا إليها، ولكن عملهم كان متوقفاً على الرواية الشفوية، ثمّ جاء بعدهم من أخذوا على عاتقهم تثبيت تلك الروايات والكرامات المتنوعة بالكتابة، ومنهُ استمدَّ "ابن مريم" دوره المميّز كمؤلف لكتب المناقب الصوفية، ومكانتهُ الرفيعة للجهد الذي بذله في مرحلة حاسمة انزلقت فيها الكرامات من تلقائية الأدب الشعبي إلى تقنين الاحتراف، ومن حريَّة القول والمشافهة، إلى قيود الكتابة والتدوين.

لذا يرى "بلاشير" أنّ الانتقالتَمَّ « من الطريق الشفوية إلى الرسم الكتابي في أطوار متعددة. انطلاقا من رصيد جماعي وشعبي، فأخذ جيل من الرواة يُقنون هذا السيل، ويخضعون بعض الشيء هذا الحجم المبهم من القصص أو الحكايات لجملة من التغيرات... ».[10] من هنا يتعيّن علينا ألا نتردّد في إثبات الطابع الشعبي لأدب الكرامات.

4-          إضافة إلى تلك العوامل التي تثبت الجذور الشعبية لهذا الأدب، هنالك عامل آخر يتمثل في الخلق والتزيُّد، والذي غدا سنّة ضمن هذا الأدب الصوفي، إذ يتقنّع المؤلف أو الراوي خلف غيره، فيترك المجال مفتوحا في السند باستخدام الفعل المبني للمجهول: قيل، يروى، ذكر... أو يعدد في المصادر، مما يشتت ذهن القارئ، كان يقول: «حدثني غير واحد من أصحابي...» أو«أخبرني بعض جيران داره...» والأمثلة في هذا المجال كثيرة، حتى إن كان المؤلف "ابن مريم" مبدعا لهذه الكرامة أو تلك فينبغي أن يتظاهر بأنه نقلها عن غيره، إنّ دور مؤلفوا المناقب الصوفية والكرامات بهذا المعنى يتمثل في الاندراج ضمن هذه السنّة التي تتَّخذ من النقل عن الرواة شكلا ظاهريا لحقيقة باطنية تكاد لا تُمسك هي الإبداع والإضافة والتزيُّد. لعلَّها الضريبة التي ينبغي أن يدفعها أي جنس أدبي أو فنِّي إذا ما أعلن تحوله من حريّة المشافهة إلى قيد الكتابة.

5-          كما ويمكننا أن نضيف إلى ملامح البنية الشفاهية في الكرامات توظيف ابن مريم المكثف للعبارات والصيغ والأوصاف الجاهزة تجاه : شيوخه ، ورواته ، وخوارق العادة في كراماته ... فكلّما « زاد الفكر المنمّط شفاهياً تعقيداً زاد اعتماده على العبارات الجاهزة المستخدمة بمهارة ... وهكذا يُحَمِّلُ التعبير الشفهي زاداً من النعوت ... ترفضه الكتابية العالية بصفته إطناباً ثقيلاً ومضجراً »[11].
كقوله في شيوخه :
« كان الولي الصالح ذو الأخبار العجيبة والفتوحات الغريبة ...».
وقوله في رواته :
«... ما حكاه الشيخ العلامة المشارك المجتهد... ».
ومن قوله عن خوارق العادة في كراماته :
« وله مكاشفات عديدة ... » .
كُلّها عبارات كثيرة التردد في الكرامات

6 - الشيء الآخر الذي تبدو فيه ملامـح الأدب ألشفاهي بارزة في الكرامـة هو : عامية لغتـها؛  فقد كان بإمكان "ابن مريم" أن يكتب بلغة عربية فصيحة وراقية، خاصة وأنه:
-  كان كثير الحفظ والمطالعة يقضي أوقات طويلةً في القراءة .

-  اشتغل بالتدريس وتعليم الأولاد وهذه المهنة تتطلب مستوى لغوي عالٍ .

- كان كثير التأليف (أكثر من 12 مصنف...) إلى غيرها من الأسباب التي تجعله متمكنا من العربية الفصيحة إلا أنه تعمّد الكتابة بلغة عامية، واستخدام بعض التراكيب والأساليب الدارجة بما يدلل أنّ "ابن مريم" لم يستطيع التّخلص من الخصائص الشفاهية للكرامات ولا التملّص منها خاصةً وأنّ « البنيات الشفاهية تحقق غالباً ما هو عملي : مثل راحة المتكلم ... بينما البنيات الكتابية فأكثر اهتماماً بالتركيب، وتنظيم الخطاب ... وتطوير قواعد نحوية أكثر دقة وثباتا »[12]

والأمثلة على تلك اللغة العامية في كرامات "البستان" كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:(السُّراق-خديمهُ- هرِّي – القديد – طائر الحداة- خليه – حنش –د وار- مطمر- سباطك - معزة – التلاليس – شامية -حوائج- لحم شارف – مفرطح - في غدوة ذلك اليوم- بحذاء داره - يا لا لّا مريم - عرمة من الذهب - ما يعطونك إلا الوجع - بالك الحصان...).

6-          إنّ سلطة النموذج الشفهي الأصلي للكرامات جعل من مقابلها المكتوب خاضعاً لكثيرٍ من البنيات – المترسّبة من ذلك الأصل – من مثل :

·               الإكثار من عطف الجمل بدلاً من تداخلها وانسجامها وترابطها عضوياً ومنطقياً .

·               غلبة أسلوب تجميع الأحداث والمواقف بدلاً من تحليلها وتفسيرها تفسيراً قائماً على المحاجَّة العقلية التي تتميز بها الكتابة

·               استخدام الأسلوب المحافظ أو التقليدي .

7-          كان ابن مريم يطمح من خلال ما سبق إلى  تحقيق غاية مفادها : التأثير في أكبر قدر ممكن من المريدين ، على وجه الخصوص ، والعامة ، على وجه العموم .

ويكون من الأنسب هنا أن نطلق عليهم لفظ الجمهور، لأنّهم كذلك، فاعتمادهم في عملية التلقي كان على السماع لا على القراءة .

 فلم يكن الوصول إلى أكبر قدر ممكن من أسماع وقلوب وأذواق المريدين و العامة من الناس متاحاً إلا باختيار لغة قريبة من لغتهم اليومية وأساليب بسيطة لا تستعص على الفهم والإدراك،  يُحقق الغاية المنشودة، ويخدم التوجه الصوفي العام خدمة جليلة، و يمارس سلطة عليهم لا حدود لها .

 بمعنى أنه كان أقرب إلى عوالم الحياة الإنسانية ، وأميل إلى إشراكهم وجدانيًا في تلافيف خطاب الحكي، وهذا في حدّ ذاته أحد أهم الديناميات النفسية للثقافة الشفاهية [13].

إن دراسة الكرامات ضمن هذا الباب عسيرة، وكثيرة المزالق، لأنّ هذا الأدب مشدود من جهة إلى الأدب الشعبي خاضع لقوانينه وسننه الشفاهية، و متصل من جهة أخرى بالأدب المكتوب المنفرد بسماته التي تكونت عبر الزمن .

  ومن ثم تكمن أهمية دراسة هذه النصوص التي تعبر عن ثقافة شفوية مرتبطة بالحكي ولكنها في الآن نفسه, تكشف عن ثقافة كانت سائدة في المجتمع الجزائري حينئذ, خاصة ما تعلق بالصوفية والكرامات. وعليه فإن هذه النصوص التي رصدها "ابن مريم " هي جزء من معرفة وثقافة تنتمي إلى ما يسمى بأدب المناقب الصوفية الذي إرتبط ببلاد المغرب العربي عامة والمغرب الأوسط خاصة. ومن هنا نستطيع القول أن كتاب "البستان" يتضمن كل هذا الزخم المعرفي والروحي والتاريخي باعتباره جزء من حركية المجتمع, وتعبيرا عن أزماته بطريقة رمزية واستراتيجة نصية وظف فيها "ابن مريم" كل الإمكانات اللغوية والتعبيرية والسردية.

 الإحالات

1.    محمود بو عيّاد: جوانب من الحياة في المغرب الأوسط، في القرن التاسع الهجري ( 15 م )، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1982 م، ص: 15 .

2.    حسين مؤنس: تاريخ المغرب وحضارته، مج: 2،ج:2، ص: 147.

3.  هو: الشيخ الإمام العلامة القدوة الهمام أبو عبد الله محمد بن محمد بن احمد الملقب بابن مريم الشريف المليتي المديوني التلمساني، كان حيًّا حتى عام 1044( هـ1605م) وهو من منطقة الحنايا بالقرب من تلمسان، احترف التعليم وسار على خطى أبيه في ذلك حيث كان والده معلما للصبيان بالمكتب وكان أن أمره والده قبل موته أن بأخذ مكانه ويواصل تعليم الصبية القرآن، وأحكام الشريعة ودعا له فتمكن من ذلك فعلا وتخرج على يديه الكثير من التلاميذ والتابعين كان لمعظمهم دوراً بارزاً في الحياة الفكرية والعلمية والروحية بتلمسان فجمعوا بين علوم الظاهر والباطن ويقال أن عددهم أزيد من أربعين طالب، منهم خاصة عيسى البطيوي الذي سار على خطى أستاذه في تاليف كتب المناقب من خلال كتابه (مطلب الفوز) وصف البطيوي شيخه ابن مريم بأنه لم يرى مثله في قيام الليل وتلاوة القرآن والحرص على نشر العلوم وانه كان كثير المطالعة للكتب وانه كان يقول:« ما أردت كتابا إلا ومكنني الله منه دون تعب». كان ابن مريم يبدي إعجابا شديدا بشيوخه وأساتذته الطريقة من كبار الصوفية كالمقري، والسنوسي، ويُنظَر إليهم نظرة القداسة لذلك أكثر من سرد كراماتهم وخوارقهم، والتأليف فيهم. ترك ابن مريم عند وفاته نحو ستمائة كتاب(600) لكن معظمها للأسف قد أفْنَتْهُ أيدي النسيان، وأذهبت به عوادي الأيام، ولم يكد يسلم من الضياع سوى كتابه الشهير الموسوم بالبستان وقد ذكر منها في خاتمة كتابه أثنا عشر مؤلفا له كلها في العقائد والأذكار، والأحاديث النبوية، وحكايات الصالحين، وسير الأولياء والإيمان بكراماتهم وبركات دعائهم منها:

1- تحفة الأبرار وشعار الخيار في الوظائف والأذكار المستحبة في الليل والنهار.
2- فتح الجليل في أدوية العليل لعبد الرحمان السنوسي.
3- كشف اللبس والتعقيد عن عقيدة أهل التوحيد.
 4- تعليق مختصر على الرسالة في ضبطها وتفسيرها بعض ألفاظها.
5- غنية المريد لشرح مسائل أبي الوليد.
6- فتح العلام لشرح النصح التام للخاص والعام لسيدي إبراهيم التازي.
7- التعليقة السنَّية على الأُرجوزة القرطبية.

8-ومنها هذا التأليف-أي البستان-« المشتمل على عدد أولياء تلمسان وفقهائها في حوزها وعمالتها الأحياء منهم والأموات هذا ما أمكنني جمعه أما الإحصاء فلا أقدر على إحصائهم».

4.    ابن مريم: "البستان"، الخاتمة، ص: 314.

5.    ابن مريم: "البستان"، المقدمة، ص: 5 - 6.

6.    محمد القاضي: الخبر في الأدب العربي، دراسة في السردية العربية،دار الغرب الإسلامي بيروت - لبنان، كلية الآداب،منوبة - تونس، ط: 1، 1419 هـ - 1998 م، ص: 147.

7.    والتر  أونج: الشفاهية والكتابية، ترجمة: حسن البنّا عز الدين، مراجعة: محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد: 182، فبراير 1994 م، ص: 34.

8.    محمد القاضي: الخبر في الأدب العربي، دراسة في السردية العربية، ص: 154.

9.    عمر عبد الواحد: السرد والشفاهية، ص: 10.

10.محمد القاضي: الخبر في الأدب العربي، ص: 201.

11.والتر  أونج: الشفاهية والكتابية، ص: 78 – 82.

12.المرجع نفسه، ص: 81.

13.يُنظَر: والتر  أونج: الشفاهية والكتابية، ص: 86.