من أعلام المغرب الإسلاميpdf

أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي

أ. مكيوي محمد

أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي:

حياته:

الآبلي هو أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن أحمد، وقد اشتهر بهذه النسبة التي تدل على أنه أندلسي الأصل، من مدينة ( آبلة )، إلى الشمال من ( مجريط )- أو ( مدريد )، وهي من مدن الثغور العليا في الأندلس. وبسبب موقعها هذا تعرضت لما تعرضت له الثغور عامة ومدن الأندلس الكبرى من هجمات النصارى في محاولتهم المستميتة استرداد الأندلس وإجلاء المسلمين عنها وخاصة بعد موقعة ( العقاب) التي انتصر فيها النصارى على المسلمين(1).

وكانت منطقة الثغور هذه هي التي ينتسب إليها ( الآبلي ) هي الثغرة التي تدفقت منها أحقاد العدو، ومضى يهاجم المسلمين الذين استطاعوا أن يصمدوا له لولا أن عوامل الفرقة التي كانت تدب في أوصال أمرائهم، وبالتالي تمكن العدو منهم وتبدأ مدنهم تسقط الواحدة تلو الأخرى، وتتهاوى حصونهم ويتسلل الرعب والفزع إلى النفوس، ولا يجد القوم غير الفرار وإخلاء الديار، وهكذا توالت حركات الهجرة نحو بلدان المغرب العربي، وكان ممن هاجروا الآبلي إبراهيم وعمه أحمد، وقصدا في هجرتهما مدينة تلمسان، فاتخذاها موطنا لهما، ومجالا لأسباب عيشتهما، وفي كنف أميرها إذ ذاك يغمراسن بن زيان(2).

الذي وجد في بعض مهاجري الأندلس، وخاصة هؤلاء القادمين من بلاد الثغور، وقد تمرسوا بفنون القتال وحياة الجندية، ما يمكن أن يكون عونا له فيما هو بسبيله، وهكذا كان من اصطنعهم لذلك إبراهيم وأحمد والد ( الآبلي ) وعمه.

ولكن إبراهيم هذا الذي اتخذ الجندية حرفة له كان قد أصهر إلى أحد رجال العلم في تلمسان، وهو القاضي محمد بن غلبون، إذ تزوج ابنته فولدت له محمدا.

إذ كانت حياة الجندية هذه أقتضته أن يترك أسرته ويفارق ولده ومضت به إلى ميادين القتال، فقد كان من الطبيعي أن تلوذ هذه الأسرة بالقاضي، وينشأ الولد في كفالة جده، بعيدا عن ذلك الجو الذي يعيش فيه أبوه، جو الحياة العلمية، وبذلك اختلفت وجهته في الحياة عن وجهة أبيه، إذ نشأ له بذلك كما يقول ابن خلدون: " ميل إلى انتحال العلم وعن الجندية التي كانت منتحل أبيه وعمه" ولد سنة 681هـ(3).

وكانت تلمسان في ذلك الوقت تعد موطنا للعلوم العقلية، وكان من بين فنونها ما كان يطلق عليه اسم ( التعاليم )، وهي: كما يقول ابن خلدون في المقدمة: العلوم الناظرة في المقادير، وهي: علم الهندسة وعلم الإرتماطيقي، وعلم الموسيقى وعلم الهيئة".

هذا هو الجو الذي كان يسود تلمسان حين شب الآبلي، وقد كانت البيئة العلمية التي نشأ فيها قد أحاطته بما جعله متفتح العقل، يقظ الفكر شديد التطلع، فأقبل عليها ينهل من شتى فنونها، يستكمل ما كان بدأه في مجالس جده.

وسرعان ما بدأ يستهويه النشاط العلمي الذي يسمى بالتعاليم ويبلغ فيه منزلة أجلسته مجلس المعلم لها، وهو ما زال صغير السن، كما قال ابن خلدون عنه: "فلما يضع وأدرك، سبق إلى ذهنه محبة التعاليم، فبرع واشتهر، وعكف الناس عليه في تعلمها وهو في سن البلوغ"(4).

رحلته إلى الشرق:

ولكن نتيجة تفاقم الخصومات بين بني عبد الواد وبني مرين أثرت على حياة محمد بن إبراهيم وهكذا بحكم الجندية التي كان يقوم بها أبوه والمكان الذي يحتله منها وخاصة عندما ضرب الحصار على تلمسان في عهد يوسف بن يعقوب المريني.

حيث بدأت حياته تضطرب، وهذا الإضطراب بلغ أعماقه، عندما ترددت الأنباء أن أباه أسر من طرف الجيش المريني(5).

ثمّ ترددت شائعة بين أهل تلمسان تزعم أن السلطان يوسف بن يعقوب لا يرى مانعا في أن يطلق سراح من اعتقلهم، على أن يأخذ أبناءهم رهائن عنده، فحركته غريزة الأبوة واتجه نحو أسوار تلمسان يتسورها، ويلتمس لنفسه الطريق نحو السلطان(6).

ولكن لم يتحقق للآبلي ما غادر من أجله مدينة تلمسان متسورا أسوارها، مخاطرا بنفسه قصد إطلاق سراح أبيه باسترهان نفسه لدى السلطان، وقد بلغ مجلسه وتقدم إليه يرجوه في شأنه ولكن بدون نتيجة.

غير أن السلطان توسم فيه وهو يحادثه في شأن أبيه قابليته للعمل عنده، فعرض عليه أن يكون قائدا للجند الأندلسيين في بعض المناطق.

فلم يستطع أن يمتنع للسلطان رغم كونه غير مهيئ لهذه الوظيفة فقبلها على مضض، ولم يلبث أن ضاق به وكره المقام عليه، فجعل يتحين الفرص ليتخلص منه(7).

ومع مجيء موسم الحج، رأى في ذلك فرصة يجب إغتنامها، فاتخذ زي الفقراء وأدرج نفسه في جملتهم، وسار متخفيا بينهم حتى بلغ معهم ( رباط العباد )، خارج مدينة تلمسان، وهناك لقي بينهم رجلا من أهل كربلاء، يزعم أنه من بني الحسن بن علي، وفد على المغرب ليكون داعية شيعية، ولما رأى أن الجو السائد في هذه البلاد لا يسمح له بذلك أصر على الرجوع، فوجد ( الآبلي ) في ذلك فرصة لمرافقته بين أصحابه وإتباعه، فمضى معهم إلى أن وصلوا مدينة تونس، ومن هناك أخذوا طريق البحر إلى الإسكندرية. وبذلك إستطاع أن يخلص من قبضة السلطان المريني المحاصر لمدينة تلمسان، ولكنه لم ينج من هذه الرحلة بسلام فقد عانى منها نفسيا وماديا الشيء الكثير، حيث أرهقت أعصابه وزلزلت كيانه، فبمجرد ركوبه في السفينة المبحرة للإسكندرية حتى أصابه مرض في أعصابه، ورغم العقاقير التي تناولها فقد زاده المرض، ووصل مصر وهو يعاني هذه المحنة العقلية. وقد فاته بسببه عدم لقائه علماءها منهم على الخصوص: ابن دقيق العيد، ابن الرفعة، وصفي الدين الهندي، وغيرهم من فرسان المعقول ومن مصر اتجه مع مرافقه إلى الحجاز حيث أدى معهم فريضة الحج، ثم عاد إلى تلمسان وقد ذهب عنه المرض وقدرت هذه الفترة من حياته بأربع سنوات(8).

ولأن عودته إلى تلمسان وقد تحررت من ذلك الحصار، وبرئت من تلك الأهوال التي عانتها، ورؤيته لها وقد عاد إليها هدوءها، وإطمأنت الحياة فيها، ووقع الصلح بين صاحبها أبي زيان وسلطان المغرب، أبي ثابت المريني، كان كافيا لتذهب عنه تلك الغشاوة التي غشيت قواه العقلية أثناء رحلته.

فعاد من جديد إلى الدراسة، حيث قرأ المنطق على أبي موسى، عيسى ابن محمد بن الإمام، كما قرأ عنه جملة من المعارف، خاصة علوم الفقه والكلام.

ونظرا لما اشتهر به من قبل وما زال الناس يذكرونه من حذقه لفنون التعاليم وبراعته في الحساب. وصل خبره إلى أبي حمو، ملك تلمسان إذ ذاك وكانت دولته توسعت وتعقدت بذلك شؤونها. فاحتاج إلى من يضبط أمورها فعرض هذا على الآبلي، فضاقت نفسه بذلك ولذلك فرّ من أبي حمو ولحق بفاس(9).

رحلته إلى المغرب:

كان الآبلي في نحو السابعة والعشرين من عمره حين قرر الفرار من تلمسان والنجاة بنفسه من هذا المنصب الذي عرض عليه أبو حمو في ديوانه ليضبط أمواله.

وهكذا اتجه نحو مدينة فاس ومع وصوله إليها، تبدأ مرحلة جديدة في حياته قدرت نحو أربعين سنة، قضاها في المغرب الأقصى، في مواطن مختلفة منه، يعيش للعلم يطلبه(10)

وتقع هذه الفترة في عهود ثلاثة من سلاطين بني مرين: أبي الربيع سليمان بن عبد الله أبي عامر الذي ولى المغرب ما بين 708هـ- 716هـ، وأبي سعيد، عثمان بن عبد الحق الذي خلفه، والتي امتدت ولايته إلى 731هـ وابنه أبي الحسن علي إلى أن مضى معه، سنة 748هـ، إلى إفريقة(11).

وكان فرار الآبلي من تلمسان متجها إلى المغرب الأقصى، تاركا ما أسنده إليه أبو حمو من وظيف، قد أغضبه وجعله يرسل في طلبه وخاصة بعد تحسن العلاقات بين تلمسان وفاس، بمعاهدة السلام التي عقدها أبو الربيع معه، فكان على الآبلي أن يبحث على ملجأ يلجئ إليه ويتوارى فيه، حتى يهدأ الطلب. فاتخذ من دار رجل من يهود فاس هذا الملجأ وهذا الرجل هو ( خلوف المغيلي )، الذي يصفه ابن خلدون أنه شيخ التعاليم بهذه المدينة(12).

وربما الأسباب التي قادت الآبلي إلى هذا اليهودي، هو ما كان لليهود عامة في فاس من منزلة ظاهرة لدى القصر. وهي منزلة بلغوها منذ أيام السلطان يوسف بن يعقوب.

فقد كان ( خلوف المغيلي )، بانتمائه إلى هذه الطائفة التي تملك الدهاء والحنكة والحذر ما يجعلها تحكم التدبير وتحسن التأتي للأمور، والذي يتمتع بهذه المنزلة، جديرا أن يوفر له من الأمن والطمأنينة ما يرجوه، وأن يحميه من ملاحقة أبي حمو له. ثم هو فوق هذا جدير أن يهيئ له بأستاذتيه في فنون التعاليم في مقامه بداره، من الجو العلمي ما يتطلع إليه، إذ يستطيع أن يتابع عليه دراسة هذه الفنون التي استهوته وشغفته، وتدعوه، في إلحاح، إلى مواصلة درسها ومعالجة قضاياها.

ومن فاس اتجه إلى مراكش وربما يكون أكثر أمنا وأوفر طمأنينة، وأن يتجنب ما كانت تضطرب به فاس وما حولها من فتن، أواخر عهد السلطان أبي الربيع سنة 710هـ. والسبب الأوفر هو أن يتوغل أكثر في درس فنون التعاليم على شيخها أبي العباس بن البناء، الذي يجمل ابن خلدون صفته في قوله عنه: " شيخ المعقول والمنقول، والمبرز في التصوف علما وحالا(13).

ولكن إذا كان مجلس ابن البناء قد أفاض على الآبلي من طمأنينة النفس وسكينة الضمير ما هو في حاجة إليه، فإن مراكش نفسها لم تلبث أن أخلفت ظنه حيث بدأت تضطرب، في السنوات الأولى من عهد السلطان أبي سعيد من حركات مناهضة له متمردة عليه. وكان يتولى هذه الحركات بعض الهساكرة المقيمين بها.

وكان هذا الوضع لا يتفق مع طبيعة الآبلي، الوادعة، وحاجته إلى السكينة والطمأنينة، والبعد عن كل ما يعكر الصفو ويبعث القلق.

لقد حققت له مراكش ما كان يرجوه، من لقاء ذلك النموذج الإنساني الرائع، متمثلا في ابن البناء، والجلوس إليه ليمتع عقله ووجدانه بأحاديثه، وينير بصيرته ليتدارك ما فاته من فنون المعرفة المختلفة، وخاصة العلوم العقلية(14)

وبعد الدعوة التي وجهها له شيخ الهساكرة بالجبل، علي بن محمد بن تروميت، فلم يتردد الآبلي في قبول دعوته، ليكون في منأى عن الفتن، وليغمر نفسه بالسكينة ويوفر له الجو الملائم للدرس والتأمل والنظر، فصعد إليه، وأقام عنده مدّة قرأ عليه فيها، فحقق الآبلي ما كان يرجوه من هذه الدعوة، ولقي حضوة كبيرة عند ابن تروميت، ومودة صادقة، ورغبة في التحصيل، أثلجت صدره ورفعت من شأنه بين أبناء الجبل، فأقبل عليه طلاب العلم يجلسون إليه ويأخذون عنه العلم. وتبوأ مكانه للمرة الأولى، بعد عهد الشباب في تلمسان، أستاذا كبير المنزلة، ذائع الصيت، وبذلك نعتبر تحول الآبلي إلى الجبل ومقامه به يعد معلما من معالمه البارزة ذات الأثر البعيد في مسيرة حياته العلمية(15)

وهذا يؤكده يحي بن خلدون في كتابه ( البغية )، عن هذه الفترة من حياته إذ يقول منوها باتجاهه العلمي، ومنزلته بين علماء عصره: "واستقر بجبال الهساكرة، عند على محمد بن تروميت، وكان طالبا للعلم، جماعا للكتب، فعكف عنده على النظر، إلى أن أفاق أهل زمانه في العلوم العقلية بأسرها، حتى إني لا أعرف بالمغرب وإفريقية فقيها كبيرا إلا وله عليه مشيخة"(16).

ومهما يكن من أمر، فقد كانت إقامته هذه في الجبل، بعيدا عن الفتن وأسباب القلق التي كانت تضطرب بها مراكش، والحفاوة التي تلقاها من أهله، وما حققه لنفسه من تحصيل للعلم، ترشيحا لإقامته بعد ذلك في فاس، مركز الحياة العلمية في المغرب الأقصى، وأحد المراكز الكبرى في المغرب الإسلامي، والعالم الإسلامي أستاذا موفورا الجلال، تعرف الدولة قدره، ويسعى إليه أهل العلم وطلابه من كلّ جهة(17).

وأخيرا يغادر الجبل ضمن خطة رسمتها الدولة إزاء الهساكرة للقضاء على فتنهم التي يثيرونها عليها، ومن هذه الخطة أن تستنزل شيخهم المقيم بالجبل، على بن تروميت، لتقيمه معها في فاس محترما ويمكن مراقبته بعيونها، فنزل ومعه الآبلي.

ها هو ذا يعود إلى فاس من جديد أستاذا ناضج الشخصية، ثابت القدم، في العقد الرابع من عمره، "فانهال عليه طلبة العلم من كلّ جهة، فانتشر علمه، واشتهر ذكره"(18).

واستقر بفاس للتدريس، وقد أصبحت مجالسه مهوى قلوبهم.

وتخرج عنه أجيال من أهل العلم على مستوى المغرب الإسلامي كلّه، ومن هؤلاء الذين تخرجوا عليه في هذه الفترة من صاروا من الأعلام المرموقين الذين يحتلون في الحياة العلمية مكانا رفيعا، كأبي عبد الله، محمد بن محمد بن الصباغ(19)، وقد ذكره ابن خلدون في التعريف به: إنه " من أهل مكناسة، كان مبرزا في المنقول والمعقول، وعارفا بالحديث ورجاله، وإماما في معرفة كتاب الموطأ وإقرائه، أخذ العلم عن مشيخة فاس ومكناسة، ولقي شيخنا أبا عبد الله الآبلي ولازمه، وأخذ عنه العلوم العقلية، فاستنفذ طلبه عليه، واختاره السلطان لمجلسه، ولم يزل معه إلى أن هلك غريقا في ذلك الأسطول"(20)

وقد بدأت صلة الآبلي بالسلطان منذ عهد أبي الحسن على بن أبي سعيد عثمان بن يعقوب المريني، ولكن على وجه غير ذلك الوجه الذي أريد له غير مرة، فأثار كراهيته ونفوره وفراره نحو المشرق مرة ونحو المغرب مرّة أخرى.

إنها اليوم صلة العلم، منذ أن اختاره السلطان أبو الحسن لعضوية المجلس العلمي21، الذي أراده أن يتألف من صفوة العلماء، وكان اختيار أبي الحسن له فور عودته، سنة 737هـ، من الحملة التي قادها لفتح تلمسان، وبعد أن حقق نصره، دخل تلمسان واستدعى إليه شيوخ الفتيا فيها، فكان ممن وفد عليه "الإمامان الشهيران، أبو زيد عبد الرحمن وأبو موسى عيسى، ابنا الإمام".

وكان ثانيهما أستاذ الآبلي في تلمسان حين عاد إليها من المشرق، واستأنف فيها حياة الدرس. فإذا كان الحديث بين أبي الحسن وبينه حول مشروع المجلس العلمي الذي كان يراوده ويدور في خاطره، تذكر تلميذة الآبلي، فلم يلبث أن ذكره له بأطيب الذكر، ووصفه بالتقدم في العلوم، ولهذا بمجرد عودته إلى المغرب استدعاه من مكانه بفاس وألحقه في طبقة العلماء، بمجلسه، ولهذا فحديث أستاذه ابن الإمام عنه هو الذي رشحه لعضوية هذا المجلس، وهيأ له الصلة بينه وبين السلطان أبي الحسن(22)

ومنذ ذلك لازم صحابة أبي الحسن حتى أنه حضر معه واقعة طريف. وهي الواقعة التي وقعت سنة 740هـ، حيث انهزم فيها سنة 741هـ.

وعندما اعتزم أبو الحسن بعد ذلك بسبع سنين أن يمضي إلى إفريقية كان الآبلي معه في مسيرته بين أعضاء مجلسه(23).

وانتهت بذلك هذه المرحلة التي نازهت الأربعين عاما، واعتبرت مرحلة مقاومة في المغرب، بين فاس ومراكش وجبل الهساكرة، ومن هذا السياق نرى أن المغرب الأقصى كان كبير الأثر في إنضاج شخصيته، وإبراز ملامحه، وتقوية نوازعه، لا بمن كان يضمه من العلماء وأهل الفكر، ولا بما تحول إليه فيه من أستاذية مرموقة، ولا بما أصاب فيه من شهرة ذائعة وصيت بعيد، ولا بما كان له أن يصبح عضوا كبير المكانة في المجلس العلمي الذي شكله السلطان أبو الحسن، فحسب بل ساعده المغرب أن يطلع على ما كان يضمه من ميراث الأندلس وذخائره، وقد وجد الآبلي بنوازعه العلمية، ومزاجه العقلي، وتطلعه إلى آفاق المعرفة المختلفة في فاس زادا عقليا متجددا يمد حاجاته الروحية والعلمية.

وبعد هذه المرحلة الطويلة الحافلة في حياة أبي عبد الله الآبلي بدأت مرحلة أخرى بمضي السلطان أبي الحسن إلى تونس، مستصحبا مجلسه العلمي، وكان الآبلي ضمنه، بل أبرز أعضائه وأوثقهم بالسلطان صلة.

ومنذ أن بلغ تونس، سنة 748هـ، وقعت صلته بآل خلدون، ولم تلبث هذه الصلة أن توثقت، وكانت هي التي مهدت لابن خلدون سبيله إليه، فاتخذه أستاذا له، فكان من اخلص تلاميذه وأصدق مريديه.

وقد قال في هذا الشأن ابن خلدون: " ...وكانت قد حصلت بينه وبين والدي، رحمه الله صحابة كانت وسيلتي إليه في القراءة عليه. فلزمت مجلسه، واتخذت منه، وافتتحت العلوم العقلية بالتعاليم، ثم قرأت المنطق وما بعده من الأصليين، وعلوم الحكمة. وعرض أثناء ذلك ركوب السلطان أساطيله من تونس إلى المغرب. وكان الشيخ في نزلنا وكفالتنا فأشرنا عليه بالمقام، وثبطناه عن السفر، فقبل وأقام.

وطالبنا به السلطان أبو الحسن، فأحسنا له العذر، وتجافى عنه. وكان من حديث غرقه في البحر ما قدمناه. وأقام الشيخ بتونس، ونحن وأهل بلدنا جميعا نتساجل في غشيان مجلسه والأخذ عنه"(24).

    وما يمكن استخلاصه من كلام ابن خلدون:

-      نشاطه العلمي في هذه المرحلة، مجالس العلم التي كانت تتميز بقوة الجاذبية بحيث كان أهل تونس جميعا يتساجلون في غشيانها.

-      وكان نشاطه العلمي الأول اهتمامه بالعلوم العقلية ( التعاليم والمنطق وعلوم الحكمة ).

-      وقد أتاح له هذا الجو العلمي بروز نزعته العلمية ومؤاثراته البقاء بين تلاميذه على أن يصحب السلطان في رحلته عن مغادرته إفريقية وتكليف تلاميذته بالإعتذار عند السلطان بدله.

وبانتهاء عهد أبي الحسن بغرق الأسطول الذي أراد أن يعود به من إفريقية إلى المغرب، بعد موقعة القيروان، بدأ عهد جديد بقيام ابنه أبي عنان بالأمر من بعده، ومسيرته إلى تلمسان ليستردها من بني عبد الواد حتى تم له ذلك سنة 753هـ، فقد كان أول ما عني به استقدام أبا عبد الله الآبلي من إفريقية، ليأخذ مكانه في مجلسه العلمي، وقد بلغ حرصه به، أن جعل دعوته أياه في كتاب خاص بعث به إلى السلطان تونس، أبي إسحاق الحفصي، يستأذنه في استقدامه إليه، مع رسول خاص، كما وجه إليه أسطوله الخاص ليعود به(25)

    هذا بالإضافة إلى ما كانت تثيره تلمسان في نفسه من روح الحنين.

فهذه المدينة هي مسقط رأسه ومسرح صباه وشبابه، ومبعث ذكرياته، وإن كان قد خرج منها مرتين خائفا يترقب، فارا بنفسه من عمل يراد إكراهه عليه، لأن طبيعته تأباه، فإنه بعودته يعود إليها وقد حقق ما كان يداعب أحلامه منذ كان في كفالة جده، عالما مرموقا، لا يشغله شيء غير العلم، يردد المغرب الإسلامي كله اسمه، ويتطلع طلاب العلم الجلوس إليه والتعلم عنه.

وهكذا غادر الآبلي تونس، وينهي بذلك هذه الفترة من فترات حياته ويترك تلاميذه يتأسفون خاصة عبد الرحمن بن خلدون، ويمضي مع رسول السلطان في الأسطول الذي يتجه به إلى تلمسان.

وبمجرد وصوله تلمسان وقدومه على السلطان أبي عنان فقد أحله محل التكريم والإحترام، وضمه في طبقة أشياخه من العلماء. وقد بقي بتلمسان ببقاء أبي عنان فيها، ورحل عنها برحيله إلى فاس، فاستأنف فيها حياته العلمية، إلى أن وافاه أجله، سنة 757هـ، عن سن يناهز 76 سنة(26)

مكانة الآبلي العلمية:

كان الآبلي على حد تعبير المقري الجد من الصدر الأول من العلماء أي من العلماء الذين يفرون من السلاطين وهم يطلبونهم. لقد فرّ الآبلي من السلطان يوسف المريني ثم من السلطان أبي حمو موسى العبد الوادي ذلك لأنهما رغبا في إستغلال مهاراته وكفاءته لمصلحة السلطة. وإذا كان قد لازم مجلس أبي الحسن المريني وابنه أبي عنان فلأنهما مكناه من القيام لما كان يرغب فيه، من تبليغ المعرفة لمن يرغب فيها، لقد آمن أن للعالم رسالة هو مرغم على تأديتها تأدية كاملة لجيله، رسالة من شأنها إبقاء شعلة العلم قائمة ومضيئة ولتنفيذ خطته انصب اهتمامه على التعليم، فالتعليم في نظره وفي نظر العديد من العلماء المسلمين السابقين عنه واللآحقين به هو أنجع وسيلة لتأدية الرسالة المنوطة بالعلماء.

وقد وصف الآبلي بالرجل الفطن، الكثير الإطلاع، والحفظ(27) والبارع في حل الألغاز وتصويب التصحيف.

طرق التعليم عند الآبلي:

يفرق الآبلي بين مستولين في التبليغ، هناك منهجية خاصة بالحلقة ومنهجية خاصة بالمشافهة، فالأولى موجهة للعامة من المتعلمين والثانية تستخدم عند توجيه الخطاب للنوابغ من المتعلمين.

أ- منهجية الحلقة:

استعمل فيها الآبلي الطريقة الإلقائية ويشترط على المتعلم سلوكا ضابطا لسير الدرس.

وتتضمن هذه الشروط من جهة أخرى إصغاء المتعلم لما يتلفظ به المعلم والتركيز كلية عليه، طريقة تسير للمعلم التحكم في سيرورة الدرس من جهة أخرى، فهي تفرض على المعلم التحضير المسبق والدقيق لما يلقيه على طلاب العلم، وهو بذلك لا يدع مجالا للصدفة والارتجال.

وكانت طريقته في معالجة المواضيع ترتكز على إلقاء محاضرة، وكان يصوغ المعلومات في قالب حواري وفي إطار منهجي واضح ييسر الفهم: فهو يطرح الأشكال، ثم يضع الفروض، ثمّ يحلل حتى يتسنى له تبني موقفا.

فكان الآبلي بهذه الطريقة يثير اهتمام المتعلم فيتتبع الدرس بكل تفاصيله دون ككل، وهو بذلك يقضي على سلبية الطريقة من حيث عدم مشاركة المتعلم خلال الدرس.

إن الآبلي استدرك هذا النقص بتقديم المعارف كبناء فكري، وهو الأمر الذي جعل المتعلم عنصرا يشارك في الدرس بكل قدراته العقلية، وبكل جوارحه ما عدا لسانه وصوته.

 ب- منهجية المشافهة(28):

أما عند المشافهة فترتفع رتبة المتعلم ويصير خلالها عنصرا نشيطا يشارك في سيرورة الدرس ليس بأمثلة، بل بأجوبة وحله المسائل المطروحة، فهو يبني معارفه. وقد سمحت له هذه الطريقة من النفاذ إلى عقول وقلوب طلاب العلم النجباء وذلك حسب استعدادهم، ثم العمل على تنمية ملكاتهم في مواد معينة (29).

موقفه من التأليف وبناء المدارس:

إن الآبلي وعلى غرار علماء عصره الذي نهل من معارفهم، يرفض التأليف الذي لم يقدم جديدا للقارئ. يرفض الآبلي ما سماه هو بتقييدات الجهلة، فإذا كان التأليف ينطلق من مبدأ نقدي، اشتراط الإجتهاد والعمل بموجب الرؤوس الثمانية (30).

أما موقفه من المدارس(31)، فهو لا يرفض المؤسسة التعليمية في جدّ ذاتها، وإنما يرفض المنطلقات السياسية التي من أجلها بنيت هذه المدارس. لقد لاحظ الآبلي أن السلطة المؤسسة للمدارس تخول لنفسها حق توجيهها، في حين يرى الآبلي أن طلب العلم منزه عن أهواء ذوي السلطان ما عدا سلطان العقل. إن غاية المدرسة لا تلبي الحاجات الآنية للسلطة بل عليها أن توثر في المجتمع قصد البناء الحضاري.

فالتعليم المرفوض عند الآبلي هو الذي يهدف إلى تعميم مفاهيم معينة، وبث قوالب فكرية لا تعمل على إيقاظ الهمم بل روضت المتعلم على تنفيذ ما أمر به(32) .

كما لاحظ الآبلي أن بناء المدارس تزامن في غالبيته مع بداية الجمود الفكري في العالم الإسلامي، وهي بذلك وسيلة دعائية في أيدي السلاطين، أكثر منها أداة للنضج والنبوغ الفكري.

آثار الآبلي:

يمكننا الجزم أن الآبلي لم يصنف في علم من العلوم التي كان يتقنها، كما أنه لم يعثر عن تقييد أخذ عنه، لأن أسلوبه التبليغي لا يساعد على التقيد، فهو لا يملي الدرس ويرفض أن يقاطع أثناء الأداء. وهكذا يمكن لذي بصر نافد أن يستشف بصمات الآبلي في مؤلفات تلاميذه المباشرين وعلى رأسهم عبد الرحمن بن خلدون، فيروي ابن خلدون، أهم خبر عن يغمراسن بن زيان، خبر وصيته لولي عهده – عن لسان الآبلي -.

من هذا المنظور ليس فقط صاحب فضل على تلاميذه النجباء، إذ أنهم وبفضله تمكنوا من المساهمة الفعالة في التراث المشترك للإنسانية.

 الإحــالات

1-    التعريف بابن خلدون: ص 633، ابن مريم: البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان، ص 214، الحفناوي: تعريف الخلف برجال السلف، ج1، ص 93.

2-    أنظر: التعريف بابن خلدون، ص 34، ابن مريم، المصدر السابق، ص 214، الحفناوي، المصدر السابق، ج1، ص 93- 94.

3-    أنظر: التعريف بابن خلدون، ص 34، ابن مريم، المصدر السابق، ص 214، يحي بن خلدون: بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد، ج1، ص 17، الحفناوي، المصدر السابق، ج1، ص 94.

4-    التعريف بابن خلدون: ص 34، ابن مرزوق، المسند، ص 147.

5-    التعريف بابن خلدون: ص 34، البستان، ص 214، يحي بن خلدون، المصدر السابق، ج1، ص 17.

6-    عبد الرحمن بن خلدون، المصدر السابق، ص 34.

7-    عبد الرحمن بن خلدون، نفس المصدر، ص 34، 35، يحي بن خلدون، المصدر السابق، ص 17.

8-    عبد الرحمن بن خلدون، التعريف بابن خلدون، ص 35- 36، ابن مرزوق، المسند، ص 147، يحي بن خلدون، المصدر السابق، ص 17، ابن مريم، المصدر السابق، ص 214، الحفناوي، المصدر السابق، ج1، ص 194.

9-    أنظر: التعريف بابن خلدون، ص 36- 37، ابن مريم، المصدر السابق، ص 214- 215، ابن مرزوق، المسند، ص 147، الحفناوي، ج1، ص 94.

10-أنظر: التعريف بابن خلدون، ص 37، ابن مريم البستان، ص 215، يحي بن خلدون، المصدر السابق، ج1، ص 17، ابن مرزوق، المسند، نفس المصدر،  ص 147، الحفناوي، ج1، ص 94.

11-أنظر: التعريف بابن خلدون، ص 38، ابن مريم البستان، ص 215، يحي بن خلدون، المصدر السابق، ج1، ص 18، ابن مرزوق، نفس المصدر،  ص148.

12-أنظر: التعريف بابن خلدون، ص 87، ابن مريم البستان، ص 215، يحي بن خلدون، المصدر السابق، ج1، ص 17، المقري: نفح الطيب، ج5، ص 244، الحفناوي، المصدر السابق، ج1، ص 94.

13-أنظر: التعريف بابن خلدون، ص 37، ابن مرزوق، ص 147، يحي بن خلدون، البغية، ص 17، ابن مريم، البستان، ص 215، الحفناوي، المصدر السابق، ج1، ص 95، المقري: نفح الطيب، ج5، ص 244.

14-أنظر: التعريف بابن خلدون، ص 37، 215، يحي بن خلدون، البغية، ص 17، ابن مريم البستان، ص 215، المقري: نفح الطيب، ج5، ص 244، الحفناوي، المصدر السابق، ج1، ص 95.

15-عبد الرحمن بن خلدون، نفس المصدر، ص 37، ابن مريم، ص 215، الحفناوي، ج1، ص 94.

16-يحي بن خلدون، المصدر السابق، ج1، ص 120.

17-عبد الرحمن بن خلدون، نفس المصدر، ص 37، يحي بن خلدون، المصدر السابق، ج1، ص 120.

18-عبد الرحمن بن خلدون، نفس المصدر، ص 37، ابن مريم، نفس المصدر، ص 215، الحفناوي: المصدر السابق، ج1، ص 94.

19-هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن الصباغ، مكناسي الأصل، كانت له معرفة جيدة بعلم الحديث، وكان متضلعا في التعاليم، أخذها عن الآبلي، توفي أيضا أثناء غرق أسطول أبي الحسن المريني، قرب ساحل تونس.

20-عبد الرحمن بن خلدون، نفس المصدر، ص 46.

21-أنظر: عبد الرحمن بن خلدون، نفس المصدر، ص 37، ابن مريم، ص 215، ابن مرزوق، نفس المصدر، ص 147، نفح الطيب، ج5، ص 244، الحفناوي، نفس المصدر، ج1، ص 94.

22-عبد الرحمن بن خلدون، نفس المصدر، ص 37، ابن مرزوق، نفس المصدر، ص 147، الحفناوي، نفس المصدر، ج1، ص 94، ابن مريم، نفس المصدر، ص 215.

23-أنظر: التعريف بابن خلدون، ص 38، ابن مريم، نفس المصدر، ص 215.

24-أنظر: عبد الرحمن بن خلدون، نفس المصدر، ص 38.

25-أنظر: عبد الرحمن بن خلدون، نفس المصدر، ص 38- 39، ابن مريم، نفس المصدر، ص 215، ابن مرزوق، نفس المصدر، ص 148، الحفناوي، نفس المصدر، ج1، ص 95.

26-ذكر ابن مرزوق في المسند، أنه توفي في حدود 756هـ، ودفن ما بين المدينة البيضاء وفاس وحضر السلطان جنازته، راجع المسند، ص 147.

        أما ابن خلدون، فيذكر أنه توفي سنة 757هـ، راجع التعريف، ص 39.

       أما يحي بن خلدون، فقد ذكر في بغيته، أنه توفي بفاس، سنة 757هـ، في شهر   

      ذي القعدة.

27-نفح الطيب، ج7، ص 245، أنظر نفس المصدر، ص 246، كتاب عبد الرحمن بن خلدون، المصدر السابق، ج14، ص 1024، نيل الإبتهاج، لأحمد بابا، ص 419، البستان لابن مريم، ص 216، تعريف الخلف، برجال السلف، للحفناوي، ص 105.

28-تعني المشافهة تقديم معلومات ومعارف ذات مستوى عال لشخصي واحد، ويرادفها لفظ أسرة أي قدم أسرار علمية لمن يستحقها.

29-نفح الطيب، ج7، ص 288.

30-كان عادة القدماء من المعلمين أن يأتوا بالرؤوس الثمانية قبل انفتاح كل كتاب، وهي: الغرض، والعنوان، المنفعة، المرتبة، وصحة الكتاب ومن أي صناعة هو وكم فيه من أجزاء وأي أنحاء التعاليم فيه.

31-نفح الطيب، ج7، ص 272.

32-البستان، ابن مريم، ص 299.