المقاربة السيميائية لتحليل الخطاب الإشهاريpdf

 

  أ.د.عبد الجليل مرتاض

  لم يَعُدْ أرباب المال والأعمال يشكّون أدنى شك في الاعتماد الواسع على الإشهار المغري لتسويق منتوجهم وترويجه، وترغيب الزّبُون للإقبال عليه، والزبون لغةً، وهي كلمة مستحدثة في العربية، نقال للمشتري لأنه يدفع غيره عن أخذ المبيع، أي ما يُعرض من سِلْعة أو بضاعة.

 ويكون الإشهار للمنتوج أكثر ضرورة كلما كان العرض أكثر من الطلب، ولما كان المنتوج مُعَوْلَماً، ولم يعد له وطن معين، أصبح المنتوجون يلجأون إلى التعبير عنه بلغة من الإشارات لا تقبل التمفصل المزدوج، فهي أشبه بعلامات تدلّ بنفسها على نفسها مثل السحاب، والدخان، وملامح وجه، و... وكلما كانت الصور واللوحات الإشهارية أكأر صمتاً، كانت أكثر حساً، وكان الزبون أشد رغبة في الإقبال على مثلول الصوء من باب الفضول اللامبالي أو الاطلاع الصادق بغية إقتناء ما جذبه إليه، ولو بشتّى الورائل والطرق لاحقاً.

 ويجب أن يدرك بأن الخطاب الإشهاري لا يُشْهر من قبيل الصدفة، هو ثقافة "مُفَنَّنة" ومقنَّنЩ، لكنها ثقافة تراعي المرسل إليه أكثر مما تراعي المرسِل نفسه، ومن ثم فإل الخضاب الإشهاري موجه أساساً إلى المستهلك أكثر مما هو خاص بالمنتج، هو بالمعني التقري في فن، أو إبداع، أو كتابة لا يستخدم لغة صوتيةЌ ومتلقيه أي المستهلك قارئ، لكنه إبداع واعٍ، وغير بريء لأنه يكاد يرغمك إرغامإً الى تلقِّوه بصورة أو بأخرى، نظراً لتضخيم إشكار المنتوج وتجويده وإضفاء صبغة هائلة من الروعة و الجمال.

 وقد يكون الخطاب الإشهاري عاماً، وقد يكون خاصا، وهنا تظهر ثقافة الآخء من دين، وعادات وتقاليد، وبعد تقارب الشعوب وتعارفها أكثر فأكثر منذ زهاء قرن، وتطور وسائل التبليغ، وظهور نظريات إسانية وأنترـبولوجية، والتحكّم الفني والتقني في بناء الصور الإشهارية وإخراجها، أصبحت الخطابات الإشهارية على تباينها ونفور ناس منها تفرض وجودها وقبولها لدى فتات عريضة من متلقيها، حتى ولو كانت ثقافتهم على النقيض من ذلك.

 سواء أحببنا أم كرهنا، سَخِطْنا أم رَضينا، فإننا كمستهلكين غير منتجون لا مناص لنا من أن نبحث عل الطرق المناسبة للتعايش مع هذه الخطابات الإشهارية الرهيبة التي غدت تعزو بيوتنا ňقلوبنا وأذواقنا، ولم يعد أمامنا في تقديرنا اختيار واحد، ءن نفكر في مناهؤ اجتماعية وتربوية تجعل أجيالنا المستهلكة الصاعدة تفر من هذه الخطابات الإشهارية أيّاً كان نوعها وحظرها، دون أن تذوب فيها، بدلاً من منهج القمع والأمر والنهي، إذ من الغريب حقاً أن تقول اليوم أو غداً لابنك أو حفيدك: "اشتر هذا، ولا تشتر ذاك، أقْبِلْ على هذا، وتجنَّب ذاك!".

ومن جهة أخرى، يجب أن نفكّر مَليّاً أو جديّاً بأن الإشهار أصبح رلطة تكاد تكون مطلقة في عالم المال والعمل والتجارة ـالاقتصاد، وهذه السلطة لم تَعُدْ من الظواهر العارضة التي تحضر وتغ؊ب حتى يمكن الاستهانة بها، بل هي سلطة قاهرة، ولا تزيد في كل لحظة ءلا رسوخاً وانتشاراً، وهي سلطة تمتاز بالقهر الرحيم المتحوّل والمتلوّن، فالصورة الإشهارية تجاوزت اللغة نفسها، بفهمها "المثقف" مثلما يفهمها الأمّي، ويتلقاها الوطني مثلما يتلقاها الأجنبي، وتعبر القارات دون استئذان ولا تأشيرة معقدة.

 الإشهار وثقافته بين اللسانيات والسيمياء:

لا يمكن لنا أن نتوصّل في أي تحليل إلى مقاربات مضمونة إذا كنا متذبذبين بين إزاء المفهوم الذي تتحرك في فضائه أو مدلوله، مبدئياً هناك كمجموعة من المصطلحات التي قد تطلق على مفهوم واحد، وهي مختلفة بينما المتحدث عنه قد يكون شيئاً واحداً أو يحملعلامات مشتركة،ومن هذه المصطلحات"سيميوطيقا"،"سميولوجيا"،"سيميائية"، "سيبرنطيقا"، بل حتى "اللسانيات".

"ولم لا؟ أم ليس هناك عنصر مشترك بين كل أصناف الإشارات والعلاقات، سواء أكانت هذه لسانية أو غير لسانية؟ أو بعبارة أخرى: أليست كل إشارة أو علاقة تحتوي على دالّ ومدلول في الآن ذاته، سواء أكانت هذه الإشارات أو العلامات مما يمتّ بصلة إلى الإشارات غير اللسانية أو العلامات اللسانية، ولا أقول: لغة إنسانية ولغة غير إنسانية؟"(1).

ومما يتراءى لنا في هذه النقطة أن المجال السيميائي خارج الخطاب الإشهاري الخاص بالمنتوج المراد تسويقه وترويجه أرحب منه داخله، فهو خارج الإشهار لا يختلف اختلافاً جذرياً عن التواصل باللغة الصوتية، إذ لا أحد يجهل أن أبسط علامة "!" تعني في الكتابة الخطية علامة تعجب، وتعني عند سائق السيارة علامة تحذير، وتفيد لَدَى لاعب الشطرنج حركة بارعة، ويقرأها دارس الرياضيات "عاملي FACTORIAL"(2)، وكل واحد من هؤلاء على صواب، فالدالّ أو المشار إليه ظاهرياً رسم واحد، ولكن لديه أربعة معانٍ مختلفة بحيث كل معنى أو مدلول يدخل ضمن نسق متباين من الإشارات.

ويتضح في المثال السابق أنه مثلما "تتعدد المداليل أحياناً أوغالباً في العلامات اللسانية على أن يظل الدالّ الصوتي الخطي أو السمعي مرسوماً في شكل واحد، فكذلك الحال بالنسبة للإشارات تواصل مشروع طالما أن مستعملها الإنسان كبديل للغته الصوتية "إما لأن هذه اللغة لا تزال عاجزة نسبياً أو كلياً لتقوم مقام اللغة غير اللسانية، وإما لأنه يتعمد ذلك تعمداً لأسباب رمزية وثقافية ونحوهما"(4).

إن المثال الذي مُثّل به على المفهوم السيميولوجي أو العلاماتي ليس من قبيل المغالاة... لأن السيميولوجيا الحالية، ومنذ مدة غدت لا تفصل بين مادة التعبير ومعناها، ولذلك كنّا أشرنا في بداية هذا العمل أن الإشهار بوصفه مقاربة سيميولوجية لا يقبل ما تقبله اللغة الصوتية من تمفصل مزدوج، فهو يتشكّل من مونيم وفونيم مستقلّ الواحد منهما عن الآخر بالنسبة لتقطيع أول وثانٍ، بل هو الكل في الكل.

لعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا من خلال ما يحاول المنتج أن يوصله إلى المستهلك، إن الإنسان عاد إلى أصله حين اعتمد حديثاً على استخدام ثقافة الرموز بدل ثقافة اللغة الصوتية، لأن الثقافة الإنسانية لم تكن مجردة عملياً وتطبيقياً مما يحمله مفهوم السيميولوجيا عندنا اليوم، فتلك الثقافات العتيقة الشفهية "كالرسم، والنحت، والنقش، والبناء، والتصوير،... لم تكن تخلو من تضمينات وتفسيرات سيميوطيقية، لأن التفكير أو التأمل حول "العلامات Les Signes"ظل ولوقت طويل مقترناً بالتفكير حول اللغة، وتوجد ضمنياً نظرية سيميوطيقية في التأملات اللسانية Spéculations Linguistiques ورثنا إياها من آثار القدماء،... إن البسطاء في العصر الوسيط كانوا يعبرون أيضاً عن أفكار حول اللغة التي كانت تحمل في طياتها طابعاً سسيميوطيقياً"(5).

وعلى الرغم من أن ظهور هذا العلم قديم يرجع إلى العهد اليوناني العتيق، ليبعثه الفيلسوف الانجليزي جون لوك "JOHN LOKE" المتوفى سنة 1704م بدلالة جد مشابهة لما قدمتها الفلسفة اليونانية الأفلاطونية"(6)، وعلى الرغم من معاودة ظهوره في بداية القرن الماضي على يد الفيلسوف الأمريكي شارل ساندريس بورس (1839-1914)، فإن رائد علم الإشارات أو العلامات بدون منازع "فرديناند دي سوسور"، ذلك أن الرجل لجأ إلى السيميولوجيا باعتبارها حلاًّ إجرائياً لتعليل وتأويل التواصلات اللسانية وغير اللسانية، وبما أنه يعتبر اللغة نظاماً من العلامات المعبرة عن فكرة ما وهي لذلك تضارع الكتابة وأبجدية الصم، والبكم، والطقوس الرمزية، وأنواعاً شتّى من المجالات والشارات العسكرية، ولا تكمن أهمية اللغة إلا لكونها أكثر أهمية من هذه الأنظمة على الإطلاق(7)، ذاهباً إلى أن اللغة ليست إلا قسماً أو جزءاً من هذا العلم الذي سماه السيميولوجيا استيحاء من الكلمة الإغريقية "Sémeion" بمعنى "Signe" أي علامة، والغريب أنها تقابل في بنيتها الصوتية والفونولوجية ودالها الصوتي ومدلولها الكلمة العربية "سيمياء" مداًّ وقصراً.

غلام رماه الله بالحسـن يافعـاً

له سِيمِيَاءُ لا تشُقّ على البَصَـرْ

وتبدو وجهة نظر دي سوسور مؤسّسة إلى حد ما، ما دام العلماء يقولون: "إن لغتنا البشرية نسق إشاري قد تُسْتَخْدَمُ عَنَاصِرُهُ للتعبير عن محتوى أي نسق إشاري آخر، مثال ذلك أن إشارات المرور يمكن ترجمتها إلى لغتنا العادية"(8)، وهذا ما أكده فيما بعد هلمسليف بقوله: "واللغة من حيث هدفها هي أساساً نظم إشارات، وهي من حيث بنيتها الباطنية شيء مختلف تماماً، بمعنى أنها نظم من الأشكال التي يتسنّى لنا استخدامها لبناء الإشارات"(9).

غير أن الطرح الديسوسوري، على أهميته ومنطقيته، لا يُقْبَلُ ببساطة ساذجة منا، لأننا إذا عَرَّفْنَا اللغة بأنها نظام من العلامات، فإنه قد يميل بنا الاعتقاد إلى اعتبار كل نظام علاماتي تستعمله الكائنات الحية من أجل التواصل والتخاطب لغة بشكل من الأشكال، لأنه "يمكن أن نتحدث عن لغة الحيوان، وفي هذه الحالة كيف نستطع أن نميّز ماهو تابع لنظام العلامات التي تستعملها اللغة الإنسانية من تلك التي تتواصل بها كائنات غير بشرية؟ بل إذا عرّفنا اللانقاج كنظام من العلامات التي يمكن اتخاذها وسيلة للتبليغ، فإن كل علامة من هذا القبيل لغة، قانون المرور، قانون البحرية الدولي، رسم، تمثال، فيلم، مسرحية، تمثيلية صامتة، سمفونية، رقص، مصارعة حرة، منصب عمل ديني، وحتى تظاهرة رياضية، أو مهرجان سياسي، وزي معين، شارات، عادات وتقاليد،... كل هذه الظواهر أنظمة من العلامات، حتى وإن كنت أرتاح إلى مصطلح الإشارة لما يتعلق بغير اللغة الإنسانية، وإلى مصطلح العلامة لما يتصل لكل تواصل لغوي مزدوج التمفصل، وإذا كنا لم نفرّق بين مدلول الإشارة ومدلول العلامة، أو بين ماهو لساني وما هو غير لساني، فكيف سيكون الفرق النوعي إذاً بين اللسانيات كعلم اللغة، والسيميولوجيا كعلم لكل الأنظمة من العلامات بشكل عام؟"(10).

وأعتقد أن الحدود بين ماهو لساني وغير لساني صارت في وقتنا هذا أكثر وضوحاً على مستوى التلقي والممارسة اليومية، والتواصلات العفوية والقصدية مع الطبيعة والأشياء والإنسان، ويمكن أن نثبت أدناه مثالاً تشخيصياً لما نحن فيه(11).

 


والواقع أنه ما دامت المفاهيم مختلفاً فيها على الرغم من التقدم المعرفي الذي حصل في العقود الأخيرة بشأن هذه المصطلحات العلاماتية المتداخلة، فإنه من غير السهل أن يجازف الباحث بحكم مرجّح على حساب حكم آخر قد يكون أحقَّ بالترجيح، فبارت يعاكس دي سوسور ذاهباً إلى أن السيميولوجيا ليست أكثر من فرع تابع للسانيات، وجورج مونان يعرّفها بأنها الدراسة لأنظمة العلامات كلها بما في ذلك اللغات الطبيعية، وهو هنا يقف موقفاً وسطاً بين سوسور وبارت، بينما كان هلمسليف أكثر وضوحاً في كلامه لأنه يمكن لنا أن نعرّف السيميولوجيا كلغة واصفة Métalangage بحيث تكون هذه اللغة موضوعاً للغة غير علمية(14)، أي كأنها لغة على لغة، مثلاً لغة طبيعية تعارضاً مع علم النبات أو الفيزياء، وأما إذا أضفنا الإشارة إلى الحدود بين السيميولوجيا، والسيميوطيقا، والسيمياء، فهذا إشكال لا مخرج منه في عرض مثل هذا(15).

تحليل الخطاب الإشهاري سيميائياً:

في أحد الحوارات سئل شومسكي: "ما رأيك في الأشكال غير اللسانية للتواصل؟"، فكان جوابه: "فيما يتعلق بالتعبير الإشاري، أفضّل ألاَّ أقدّم أي جواب، ذلك أنّ الإشارات لها ميزاتها الخاصة، وليس لي ما أقوله عنها، ولست أظنّ أنّ بالإمكان الحصول على توضيحات بهذا الصدد انطلاقاً من دراسة اللغة، ويبدو لي أن الأمل ضئيل -ولربما كنت مفرطاً في التشاؤم هنا- في تأسيس سيمياء عامة ذات يوم"(16).

ويستنتج من كلام شومسكي وتشاؤمه من تأسيس علم سيميائي عام أنه لا يجاري النظرية الديسوسورية التي كانت ترى أن اللسانيات جزء من السيميولوجيا، على الرغم من اعتراف شومسكي بأن اللغة الصوتية، وإن كانت أداة للتواصل، فهي ليست وسيلة جيدة جداً، لأنها لا تمثل في جوهرها وسيلة للتواصل، ولأنها في نظره ليست "أداة فحسب، ووسيلة لبلوغ هدف معين من قبيل دفع الناس للاعتقاد بما نقوله، وبما نفكر فيه"(17).

وتبدو نظرة شومسكي للغة بهذا الطرح دافعاً من دوافع إبداع بدائل تواصلية مع المتلقين، ومن هذه البدائل التركيبات الصورية الإشهارية اللانهائية كوسيلة مغرية وناطقة يمكن توجيهها في أي فضاء بصرف النظر عن جنسية المتلقي، ولغته، ومهنته، ومستواه العلمي والثقافي، وهذا لا يعني أننا نزن ماهو لساني مما هو غير لساني بميزان واحد، ولكننا نعتبر في الوقت نفسه أي إشارة غير لسانية إلا وتحمل في مضمونها مرسلة لسانية، ومن ثم فإن الإشارات غير اللسانية لا تُعَدّ مكمّلاً للعلامات اللسانية وحسب، بل هي جزء لا يتجزأ منها.

والسؤال الذي ربما لا يطرحه حتى مسوّقو المنتوج على أنفسهم من خلال الإشهار المضخّم له: كيف يتلقى الزبون المفترض المنتوج بواسطة إشهاره؟ أي خطاب إشهاري إلا ويكوّن بنية الصورة التي ترمز بمنتهى الذكاء إلى ما تعبر عنه، والسؤال المطروح: هل البنية التحتية هي التي تحدّد البنية الفوقية أم العكس؟ ماهو مؤكّد لدينا أن تبليغ أية رسالة سواء كانت لسانية أم غير لسانية إلا ولها هدف قصد تواصلي، وبُعد وظيفي، وأن كل بنية تحتية إلا وتقابلها بنية فوقية، لكن هل البنى التحتية متعددة والبنية الفوقية بنية واحدة؟ إذا قلنا بتعدد بنياتها التحتية، فهي تصبح أقرب إلى علامة لسانية منها إلى علامة غير لسانية، ويصبح لها دالّ يشبه الصورة الصوتية السمعية، ومدلول يشاكل التصوّر، وهذا أقرب إلى الاستحالة منه إلى الممكن، لأن الصورة الإشهارية لا تمثل إلا نفسها ومرة واحدة، ولا تقبل انشطاراُ بين دالها (الصورة) ومدلولها (المضمون).

وإقدامنا على تحليل أي خطاب إشهاري سيميائي يجب ألا يخلو من تساؤلات أخرى، منها أن ما يعرض علينا من خطابات إشهارية، هل هي مجرد علامة فقط، وتعبّر بنفسها عن نفسها أم هي أبعد من ذلك، أي علامة للفكر؟ وإذا كانت على النحو الثاني، فإننا لن نكون ملزمين بالنظر إليها نظرة مادية وفق ما تذهب إليه إحدى الرؤى الماركسية التي كانت تحاول إدراك "الصلة بين الدال والمدلول فيما هو واقع أي في العلاقات الفعلية"(18).

وغير بعيد مما نحن فيه أن رونالد بارت المناوئ للفكرة الديسوسورية باعتبار اللغة جزءاً من السيميولوجيا، وأحد أنصار سيميولوجيا الدلالة الذين لا يرون في العلامة إلا الدال والمدلول خلافاً لأنصار سيميولوجيا التواصل. كان (بارت) يرى أن "كل ثقافة هي في جميع أحوالها نوع من الشكل الخارجي للدلائل"(14)، وهذا الاتجاه، كما نرى، يجعل المحتوى الداخلي لهذه الدلائل "متناسباً مع شكله الخارجي دائماً، فإذا كان اللباس يدل على الجاه والطبقية الاجتماعية أحياناً، فإن شكلاً خارجياً لشيء مهرّب (ممنوع) مثلاً لا يدلّ عليه مطلقاً، وهو عند مهرّبيه مظهر أو سلوك ثقافي خاص بهم، ولكنه ليس دالاً عليهم، وعلى مستوى مجتمع لغوي واحد، هناك خطاب لغوي مسموح به عند فئة، وغير مسموح به عند فئة أخرى، ويصحّ التصريح له أمام جماعة، ولا يصحّ التلفظ به أمام جماعة ثانية... وليس في ذلك من شيء إلا لكون الظاهرة الثقافية ليست في جميع أحوالها التواصلية نوعاً من الشكل الخارجي للدلائل"(19).

ومما نراه معكوساً لقول بارت السابق أن كل ظاهرة ثقافية في جميع أحوالها نوع من المحتوى الداخلي للدلائل، فالإشهار لصناعة يابانية "يوافق لدى الزبون المحتوى الداخلي للمصنوع غير مبالٍ كثيراً بإبراز الرسوم، وتلوين الأشكال، بينما يقف الزبون نفسُه متردّداً أو كالمتردّد إزاء مصنوع صادر عمّا يسمّى بالعالم الثالث حتى ولو كان شكله الخارجي أبهر من الشكل الخارجي للمصنوع الياباني، ولعل مصطلح "الطايواند" الرائج بين الناس في كل أمر هش أو زائف يدعم ما نحن بصدده، وفي مثلنا الشعبي "يا لَمْزَوَقْ مْبَرَّ، وَاشْ حَالَكْ مَدَّاخَلْ"، وفي الحديث: "إِيَّاكُمْ وَخَضْرَاءَ الدِّمَن"(20). ويرى بعض المتنورين أن تركيب صورة في نسق منتظم ينتج دلالة ما معرّفا الصورة من الوجهة السيميولوجية بوصفها علامة دالة بأنها تعتمد على منظومة ذات ثلاثة أبعاد من العلاقات:

1- البعد الأول يتمثل في الألوان والخطوط والمسافات.

2- البعد الثاني يتجلى في أشكال التعبير، ويقصد هنا بأشكال التعبير التكوينات التصويرية للأشياء والأشخاص.

3- البعد الثالث يتبلور في مضمون التعبير، ويقصد به هنا المحتوى الثقافي التي تنبئ به الصورة الإشهارية، وتشير إليه بناها الدلالية الدالة على هذا المضمون من جهة أخرى(21).

وما من شك، فإن هذا الباحث المتنوّر قد استلهم الأبعاد الثلاثة للصورة استلهاماً مكشوفاً من اللساني الدانمركي لويس هلمسليف الذي وسّع ما سمّاه دي سوسور "الشكل والمادة" أو الدالّ والمدلول، وفعلاً انطلق هلمسليف رائد مدرسة "كوبنهاكن" "من تمييز سوسور بين الشكل أو البنية اللغوية، وبين المادة أو الواقع الذي لم ينتظم بعد في بنية محددة، وعند هذه النقطة يرى هلمسليف أنّ الإشارة اللسانية معنية بضربين من ضروب المادة، فهي:

- على صعيد المدلول تُعْنَى بمادة الواقع الخارجي الذي تعرب عنه اللغة (تنظيم المضامين والقيم).

- وعلى صعيد الدالّ تُعْنَى بمادة الكتلة الصوتية اللازمة للأداء اللغوي (تنسيق المنظومة الصوتية للتعبير)"(22). وكل ما أضافه هلمسليف على ما جاء به دي سوسور في هذا المضمار أنه تجاوز التمييز التقليدي بين الشكل والمادة، وعمد إلى التفريق المنهجي، ولو بشكل معقّد جداً، بين المضمون والتعبير. وتعقيبنا السابق يقودنا إلى الإشارة حتماً إلى المستويات الأربعة للعلامة من وجهة نظر هلمسليف:

1- مادة المضمون، ويُعْنى به الواقع الخارجي قبل تمظهره، إذ لا نتصور صورة إشهارية لمنتوج معدوم

2- شكل المضمون، ويعادل إلى حد ما، ما سماه دي سوسور المدلول، وفي هذه الحالة كل صورة إشهارية إلا وتناسب شكل مضمونها، إذ لا يمكن أن نضع صورة طائرة نفاثة موضع صورة معجون أسنان.

3- شكل التعبير، وينطبق على أيّ دالّ، ودالّ الصورة مقاسها، وحجمها، ولونها،...

4- مادة التعبير تعني لغوياً الكتلة الصوتية المنطوقة قبل أن تصوغها اللغة، ويمكن أن تدخل فيما وراء لغوي، والشيء نفسه ينسحب على الصورة، لأنه لا توجد إلا صورة بعينها لمنتوج بعينه، ومن ثم فإن الصورة تعدّ مادة معرِّفة ومغرية لأي منتوج أو مصنوع على مستوى السوق والتبادلات المقنّنة أو الحرّة.

وتفيدنا المستويات الأربعة لهلمسليف أنّ المحلل لخطاب إشهاري سيميائياً لن يكون في غنى عن توظيف رؤى لسانية لبلورة مقاربة لمدلول الإشهار، فالصورة إن لم تكن كلمة صوتية، فهي ليست بأقلّ من إشارة بصدد مراسلتنا وقول شيء معين لنا، واستحالة نطقها وتقطيعها تقطيعين لا تعني أنها إشارة عدمية الدلالة، بل كل ما في الأمر، يجب أن ننظر إليها نظرة واحدة مكتفية بذاتها لا تحتاج في بلاغها إلى دعامة خارجية، بل ما رأيك لو تأملت كيف أن التعاريف الأكثر حداثة للغتنا الصوتية لا ترى حرجاً من أن تتبنّى الرأي القائل "بأن النظام اللغوي صورة تعكس نظام العالم الخارجي"(23)، ولهذا السبب صُنِّفَتِ العَنَاصِرُ اللغويّةُ لما يحيط بنا من واقع، وفي هذا الواقع "تطالعنا أجسام مادية في حال من التحول والحركة وقابلة للوصف ببعض الخصائص والسمات مما اقتضى وضع زمرة للمواد والأجسام "وهي الاسم"، وزمرة للأعمال والحركات (وهي الفعل)، وزمرة ثالثة للخصائص والسمات (وهي الصفة)، والأمر بالمثل لسائر أجزاء الكلام، وأما التي استعصت على كل شبه بسيط بالعالم الخارجي، فقد أدرجت في زمرة الأدوات اللغوية مثل حروف الجر والعطف وما إلى ذلك"(24).ويمكن بيان المستويات الأربعة لهلمسليف بصدد ما نحن فيه بالشكل الآتي(25):


  لكن ماهو مدى تطابق الصورة الإشهارية لما تريد أن تبلّغه من رسالة لأي مرسل إليه؟ إننا نتفق هنا سلفاً أننا نعتبر الصورة نصاً، فإن لم تكن كتلة صوتية، فهي كتلة مادية بشكل ما، ولنا أن نتساءل:

 - ما تقوله الصورة أم ما نقوله نحن عنها؟

 - هل تبيح لنا صورة أن نطلع على مكوّناتها؟

 - هل الصورة هي التي تراسلنا وتنفتح علينا أم نحن من نشعر بذلك؟

 - هل نسق الصورة هي نفسها نسق الإبداع فيها ما دام أنّناصرّحنا أن الصورة لا تقبل التمفصل إلى شقين؟

 - إذا كانت الصورة ذات هوية فأية هوية نخلع نحن عليها؟

 - كيف نتعامل مع صورتنا من حيث المعنى، الذات، الزمن، القصد،...؟

 - وهل الصورة نموذج مثالي لنفسها أم ليست إلا نموذجا منمَّقاً لسواها؟

 - وكيف يجب أن يتلقى المتلقي صورته تلقياً ممتداً في الماقبلية أو محصوراً في الآنية أم مفتوحاً على المابعدية؟

 - هل تَلَقِّينا لصورة يُعدّ تلقياً لعملية ثانية أم الأمر من قبل، ومن بعد، لا يعدو أكثر من مجرّد تفكيك للمداليل والتمعّن بإعجاب وجاذبية في الدوالّ؟

 هذه الأسئلة ونحوها، تبقى معلّقة إلى إشعار آخر، ولا يبدو، في تقديرنا، هذا التعليق نقصاً فيما هو مطروح أمامنا من قضايا أصبحت تعايشنا طوعاً أو كرهاً منا، ولا نقصاً فينا، لأن الإجابة على كل ما حدث ويحدث في محيطنا طموح فوق طاقتنا وعمرنا وإدراكنا، وأحسب أنّ الأشياء في كل الأحوال هي التي تنبئ عن نفسها في الزمان والمكان اللذين تختارهما هي لنفسها، ولن نكون نحن أكثر من متلقين لها.

 ولا يمكن لنا أن نصبح ذات يوم من صُنّاع الخطابات الإشهارية إلا إذا صرنا قادرين على صناعة المنتوج، وإلى ذلك اليوم، فإننا سنظل أتباعاً لهذه الخطابات الإشهارية التي غَدَتْ تغزونا في تلافزنا وملاعبنا وشوارعنا... سواء أحببنا أم كرهنا، ولن نتخلص من عبوديتها وهيمنتها بالإقبال على كل ما دبّ وهبّ منها، بل بالخلق والابتكار المضادّين، بل يمكن القول إن أصنافاً كثيرة من هذه الخطابات الإشهارية لم تعد بحاجة قصوى إلى ترجمة لغوية، فهي أفصح من سَحْبَانَ بْنِ وائل عن نفسها، ولذا فربما كان تأويلها سيميائياً أولى وأنسب من ترجمتها وشحْنها لسانياً.

 المادة الإشهارية ومدى تطابقها مع الإشارة والتبليغ:

 لم نصادف في حياتنا أن صورة ما لا تطابق إلا نفسها، لكنا لا نراها ولا نحسبها إلا كذلك، لأن هذا الاعتقاد منا هو التأويل السطحي القريب من قدرتنا التي لا تتمكن من خرق الأشياء من الداخل، إذ هل ما نراه من أرض هي الأرض، وما نراه من بحر هو البحر،... وبالتالي، فإن ما يعرض من صور إشهارية تتسم بالكمال والجمال هي نفس ما تخفيه تحتها؟

 وما كان أعظم أرسطو، وهو يتحدث في مقدمة كتاب "العبارة" المشروح من الفارابي، عن التمييز بين مجال المنطق، ومجال اللغة، قائلاً: "إنه ينبغي أولاً أن نثبت تعريف الاسم والكلمة (الفعل في النحو) ثم نثبت بعد ذلك ماهو الإيجاب وما هو السلب، وما هو الحكم، وما هو القول المركب، فنقول: إن ما يخرج بالصوت دالٌّ على أحوال النفس وعلى آثارها، وما يكتب ألفاظاً دالّ على ما يخرج بالصوت، فكما أن الألفاظ ليست واجدة بعينها لجميع الناس، كذلك ليس ما يخرج بالصوت واحداً بعينه لهم"(26).

 وفي معنى مدى تطابق الصورة لمحتواها من عدم ذلك، يحضرني ما كان يُسأل به العرب من غيرهم: "لم تسمون أبناءكم بالأسماء المستشنعة، وعبيدكم بالأسماء المستحسنة؟ أجابوا: نسمي أبناءنا لأعدائنا، وعبيدنا لأنفسنا"(27)، ويبدو من هذه المحاورة التي لا تخلو من دلالة بالنسبة لما نحن فيه "أن العربي حين كان يسمّي ابنه نحو: أسد، وليث، أو ذئب، أو عملّس، أو كلب أو ضبّ،...، فإنه كان لا يبالي بالحاصل الماديّ الدالّ على كون المسمّى ابناً آدمياً وحسب، بل كان ينظر إلى جوهر المدلول الدالّ أو الرمز في داخله إلى الرعب، والقوة، والبطش،... وقد كان يخرج الرجل من منزله، وامرأته تمْخَض، فيسمّي ابنه بأول ما يطالعه (ثعلب، ثعلبة، ضبة، قرد، خنزير،..."(28).

 فكان العربي إذا رأى حجراً أو سمعه سمّى به ابنه متأولاً فيه الشدة والصلابة والبقاء والصبر، "وإن رأى ذئباً تأول فيه الفطنة والنكر والكسب، وإن رأى حماراً تأوّل فيه طول العمل والوقاحة، وإن رأى كلباً تأول فيه الحراسة وبعد الصوت والإلف، وعلى هذا يكون جميع ما لم نذكره من هذه الأسماء"(29)، وهذا النوع من الصور أو العلامات التي تدل بنفسها على نفسها لغيرها، لأن الليث أو الأسد أو الحجر المصطلح عليها لغوياً لا تدل على إنسان بشر حتى لو سمّي بأحد أسمائها.

 وكان أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد (223-321هـ) في تقديرنا، سيميولوجياً بالطبع، أليس هو القائل: "كان الأميُّون من العرب... في جاهليتهم الجهلاء، وضلالتهم العمياء، لهم مذاهب في أسماء أبنائهم وعبيدهم وأتلادهم �من ولدوا ببلاد العجم ثم حُمِلوا إلى بلاد العرب صغاراً)، فاستشنع قوم إما جهلاً، وإما تجاهلاً، تسميتهم كلباً وكليباً وأَكْلُبَ، وخنزيراً وقرداً وما أشبه ذلك..."(30)، ثم أردف ممّا لا يدع لنا مجالاً للشك في تفكيره السيميولوجي: "واعلم أنّ للعرب مذاهب في تسمية أبنائها، فمنها ما سمَّوْهُ تفاؤلاً على أعدائهم نحو غالب، وغلاّب، وظالم، وعارم (صاحب حدّة وشرس)، ومُنازِل، ومُقَاتل، ومُعَارك، وثابت... ومنها ما تفاءلوا به للأبناء نحو: نائل، ووائل، وناج، ومدرك، ودرّاك، وسالم، وسليم، ومالك، وعامر، وسعد، وسعيد، ومسعدة، وأسعد،... ومنها ما سُمِّي بالسباع ترهيباً لأعدائهم نحو: أسد، وليث، وفرّاس، وذئب، وعملّس، وضرغام،... ومنها ما سُمّي بما غَلُظ وخَشُنَ من الشجر تفاؤلاً أيضاً نحو: طلحة، وسَمُرة (واحدة السَّمر، وهو شجر الطّلْح)، وسَلَمة (واحدة السَّلَم)، وقتادة (شجر له شوك)، وهَرَاسَة، كل ذلك له شوك وعِضَاهٌ (شجر له شوك كالطلح والعوسج)، ومنها ما سُمِّي بما غَلُظ من الأرض وخشن لمسُه وموطئه، مثل حجر وحجير، وجَنْدل وجَرْول، وحَزْن وحزم"(31).

 أهناك من شك في أنّ الرجل فسّر تسمية العرب لأبنائهم وعبيدهم وأتلادهم تفسيراً سيميولوجياً؟ إن ابن دريد نبّه على أن تلك التسميات تحمل عند العربي القديم دلالات تحتية لا صلة لها بالبنية الصوتية إلا شكلياً، أما بنيتها القصدية فعلامة دالة على ما تشير إليه من تفاؤل، أو تشاؤم، أو شجاعة، أو صبر، أو ثبات، أو سعادة،...الخ.

 ومن الممكن أن نستشف من رؤية ابن دريد وغيره من اللغويين العرب القدماء أنها تجمع بين أنصار سيميولوجيا التواصل المشروط سلفاً بالقصدية وإرادة المتكلم "في التأثير على الغير، إذ لا يمكن للدليل أن يكون أداة التواصلية القصدية ما لم تشترط التواصلية القصدية الواعية"(32)، وبين أنصار سيميولوجيا التواصل الذين يرون "في الدليل الدال والمدلول والقصد"(33)، خلافاً لأنصار سيميولوجيا الدلالة الذين لا يرون في العلامة إلا الدال والمدلول، ومن الممكن أن نضيف إلى القصدية لدى أولئك العرب "العفوية"، لكنها عفوية غير بريئة.ويجب أن نميل إلى الاقتناع بأن الاسم الذي يتقمّصه إنسان بهذا الطرح السميولوجي لئن لم يكن صورة إشهارية مثالية في تقديمها وتنميقها وإخراجها، فإنها لا تخلو من أن تكون صورة لها دال، ومدلول، ونيّة لا تخلو من قصدية.

 وإذا كان رونالد بارت اهتم بالأنساق الدلالية غير اللسانية في تحاليله السيميولوجية، ولاسيما فيما أسماه بلاغة الصورة، حيث يرى أن للصورة ثلاث رسائل(34):

 - رسالة لغوية                   Message Linguistique

 - صورة تقريرية                         Image Constative

 - بلاغة الصورة                     Rhétorique de l'image

 فإن صورة الإشهار، فضلاً عن كونه رسالة تقول شيئاً أو أشياء، صورة متحركة، وليست ثابتة، ومن هنا يجب أن نميّز بين صور الجرائد، والكاريكاتير كصورة "أيوب" في "الخبر"، والرسومات الهزلية، والنحت، والخطوط،... وصور الإشهار التي تعدّ أبلغ من رسالة لسانية، ولذا فإن تحليل الصور الإشهارية يختلف اختلافاً عمودياً عن غيرها من الإيقونات الأخرى التي لا تتجاوز نفسها، أي هذه الأخيرة أقرب إلى العلامات الطبيعية الدالّة بنفسها على نفسها، ومن ثم فهي مكملة للغة الصوتية، حتى وإن كانت عاجزة عن أن تنبئ عنها، وهي في الوقت نفسه مدونة ثانوية بالنسبة لمدونة سيميولوجية حقيقية تساعدنا من باب التأويل أو التواضع على فهم ما يتحرك أمامنا من سلوكات اجتماعية غير لسانية.

 وكل المطلعين على الآثار السيميولوجية لرونالد بارت يعرفون أن هذا الأخير حاول أن يطبق هذا الحقل، اقتداء بذلك الطبيب والفيلسوف اليوناني القديم (جالينوس) الذي كان يطبق هذا الحقل على مرضاه، في أمثلته الشهيرة المتعلقة ببعض الإشهارات الخاصة بالصناعات الغذائية"(35)، حيث نجد الرجل يركّز اهتمامه "على العلاقات الأيقونية، ويتعامل معها من زاويتين متطابقتين: حرفية ورمزية مع التمييز المعروف  بين الدلالة التعيينية والدلالة الإيمائية، وفي عمله على إغناء هذا التعارض يضعه في علاقة مع طرق أخرى للتباين:

 - التعـرف/ التأويـل

 - المعنى الطبيعي/ الدلالة الثقافية.

 - التعبير المركبي بوساطة التسلسل المتواصل للعلامات/الإيحاء الجدولي بوساطة السمات المتقطعة.

 - الخطـاب/ البلاغـة.

 - . . . . . . . . . . . الخ"(36).

 ويقصد بارت بعلامات الدلالة التعيينية فيما مثل به على المواد الغذائية : المعجونات، العلبة، الْكِيسُ، الطماطم، البصل،...الخ.

 وهذه الموارد كلها محتاجة إلى تجميع خاص وفق كميات مضبوطة، وهذا التجميع ينبئ عنه تركيب الصورة الملونة المغرية، وأما علامات الدلالة الإيحائية عنده فتفسّر بمتعة الذهاب إلى السوق، وإلى وفرة المنتوجات المعروضة أمام المتسوق، وإلى الشعور الجمالي إزاء الطبيعة الجامدة الذي توحي للمرسل إليه لذة ذاتية، بل قد توحي إليه إيحاءات أخرى يشعر بها، ولا يستطيع أن يعبّر عنها.

 أيّاً كان الأمر، فإن الخطابات الإشهارية برمتها وأصنافها صارت، ومنذ أمد بعيد، عاملاً أساساً لأرباب الشركات والمال والأعمال لتعريف منتوجهم وتحبيبه إلى نفوس المشترين، وهو يعظم بشكل مسرف لدى الشركات العالمية الكبرى، والدول المتطورة صناعياً وتكنولوجياً، حتى إذا الخطاب الإشهاري لدى هؤلاء جزءاً من المنتوج نفسه، أو قل صار الخطاب الإشهاري دالاً والمنتوج نفسه مدلولاً، بل صار الخطاب الإشهاري أدلّ وأفصح على المنتوج.

 من دلالة المنتوج نفسه على نفسه:

 إن الخطاب الإشهاري بكل مكوناته الاجتماعية والاقتصادية والفنية والصناعية ليس إلا مرآة عاكسة ينمّ عن ثقافات الشعوب البدائية والتقليدية، ويدلّ على الطور الذي بلغته هذه الشعوب في تعاملها وعلاقتها مع الآخر، خاصة إذا كان هذا الآخر لا يتجاوز كونه كائناً خاملاً يستحلي الاستهلاك، والركون والخمول غير مبالٍ بالعملية الإبداعية مجاراةً أو منافسة، فهو كالقارئ الذي ينتظر صحافات الصباح والمساء.

 إن الخطاب الإشهاري في الدول المصنّعة أصبح، مثلما أشرنا، جزءاً من صناعتها، وصار لديها مؤسساً على دراسات وتقنيات، بل صار يراعي شعور المرسل إليه وثقافته، وأذواقه، ورغباته العاجلة أو الآجلة في الاستهلاك، حيث صار العالم المنتج مخبراً لقياس وتقدير أهواء هذا المرسل إليه أو ذاك دون أدنى تجاوز في حق ما لا يسمح به كدينه، وعاداته وتقاليده، لأن كل ما يهم هذا العالم ويشغل باله أن يفكّر في الرسالة الإشهارية التي يبلّغها لزبون بغية تزويج سلعه عبر وسائل الإعلام التي أضحت تساعده على ترجمة صوره الجامدة الصامتة نحو الزبون دون حاجة إلى لغة وسيطة.

 المراجع

 1- دراسة سيميائية ودلالية في الرواية والتراث ص:4.عبد الجليل مرتاض،دار ثالة (الجزائر)ط: 1/2005.

 2- الأصوات والإشارات ص12-13. كندراتوف،، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط: 1972.

 3- سيميائية ودلالية في الرواية والتراث ص: 4.

 4- نفسـه ص: 4-5.

 5 -Dictionnaire Encyclopédique des sciences du langage P: 113. Oswald Ducrot/ Todorov édition du seuil, 1972 Paris.

 6- انظر: ماهي السيمويولوجيا؟ ص: 37. برنارتوسان ترجمة محمد نظيف.

 7 -Cours de linguistique générale P: 33. F. desaussure Enag édition, Alger1990.

 8- الأصوات والإشارات ص: 117.

 9- السابـق ص: 29.

 10- اللغة والتواصل ص: 30-31. عبد الجليل مرتاض، دار هومة (الجزائر)، ط: 2/2003.

 11-Dictionnaire de didactique des langues, P:482.

 12- الظاهرة والمختفي (طروحات جدلية في الإبداع والتلقي) ص: 46،عبدالجليل مرتاض، ديوان المطبوعات الجامعية، ط:1/2005

 13- نفسه، ص: 47.

 14- المرجع السابق، ص: 488.

 15- سبق لنا أن عالجنا هذا بشيء من التفصيل في كتابنا "دراسة سيميائية ودلالية في الرواية والتراث".

 16- مجلة "بيت الحكمة" ص: 14. عدد: 6 عام 1987 (المغرب).

 17- المجلة نفسها ص: 15.

 18- عصر البنيوية ص: 35. ترجمة جابر عصفور، ط: 2/1986، "عيون"، الدار البيضاء (المغرب).

 19- المرجع السابق ص: 79.

 20- دراسة سيميائية ودلالية في الرواية والتراث ص: 118-119.

 21- نفسـه ص: 119.

 22- انظر: قراءة الصورة وصورة القراءة ص: 5-7. د.صلاح فضل، ط: 1/1997، دار الشروق (القاهرة).

 23- مدخل إلى اللسانيات ص: 67. رونالد إيلوارد، ترجمة بدر الدين القاسم، ط: 1/1980 (جامعة دمشق).

 24- السابـق ص: 103.

 25- نفسـه ص: 103.

 26- المرجع والدلالة في الفكر اللساني الحديث ص: 8. إفريقيا الشرق (الدار البيضاء، المغرب).

 27- الاشتقاق ص: 4. ابن دريد، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، ط: 1959،  السنة المحمدية- القاهرة.

 28- دراسة سيميائية ودلالية في الرواية والتراث ص: 82.

 29- فقه اللغة ص: 54. ابن فارس، تحقيق: د.مصطفى الشويمي، أ.بدران للطباعة- بيروت، ط: 1963.

 30- الاشتقاق لابن دريد ص: 3.

 31- المرجع نفسه ص: 4-5.

 32- الاتجاهات السيميولوجية المعاصرة ص: 6. مارسيلوداسكال، مجموعة من الأساتذة (إفريقيا) الشرق، ط: 1987، الدار البيشاء (المغرب).

 33- نفسـه ص: 7.

 34- سيميائية الصورة ص: 271. قدور عبد الله ثاني، ط: 2005، دار الغرب (وهران).

 35- دراسات سيميائية أدبية لسانية ص: 32-33، عدد: 1، خريف 1987 (المغرب).

 36 -Introduction à la sémantique, P: 43 SALEMACHAKER O.P.U Alger.