التعالق اللغوي في "مقام البوح" لعبد الله العشيpdf

               

 د. لبوخ بوجملين

 أ. كليبي سليمة

   للخطاب الشعري مقوماته الأساسية والمركزية التي تؤدي شاعريتها دون عناء أو تكلف فتربط بكلمة بين وجدان المتلقي وبين رؤية الباث المختزنة في الفكرة الشعرية، إلى جانب ذلك تحقق وحدتها وتميزها. فالخطاب الشعري المعاصر يختلف باختلاف الرؤى ويتعدد بتعدد المناهل والمشارب، كما تفعل فيه البيئات المختلفة المتعددة فعلها، فيجيء ذلك الخطاب فائحا بتربة وطنه وبوهج قوميته وآلام مجتمعه وقضاياه، من ثمة كان الخطاب الشعري الجزائري متأثرا بالقضايا الجزائرية أولا، والحالات الشخصية وبالذات ثانيا.

   كما أن القصيدة الحديثة تكتسب حداثتها وتتشكل كبنية مستقلة وكواقع من نوع ثان، فهي بنية نوعية تختلف عن الواقع المادي الذي أنتجها وان اشتركت وإياه في مستويات عدة أبرزها؛ الكلية والشمولية، والشكل أو المعمار والبناء، وتلتقي القصيدة بصيغة الوجود، ليس من جانب محاكاتها للعالم كما بين أرسطو من قبل، ولكن بكونها كينونة حيوية أيضا فهي وجود آخر يحاول محاورة الوجود الكوني، بإعادة تشكيل القوى، وخلق انتظام رؤيوي مجاوز لحركة الواقع وترسباته الاعتيادية المزمنة، للوصول إلى اللاتناهي باعتباره المنفذ العميق الذي تثوي فيه الرؤى الشعرية، بوصفها قوى حيوية متعالية لا تحاكي فقط بل تعمل على توليد عوالم أخرى وفق إنتاجية إبداعية[1]

إن الشعر عند عبد الله العشي-من خلال مقام البوح- هو مغامرة مكنت الشاعر من ولوج عالم متعدد الأبعاد، تضحى فيه الذات تمارس كينونتها كامتداد لاستمرارية الوجود الإنساني، فهو رؤيا تولدت عنها صناعة لغوية مكنت للنص بناءا شعريا راقيا اتخذ من "العنصر الأنثوي" في العالم وفي الكون نواة دلالية[2]، ومن الفكرة الغزلية العادية التي تسمو إلى التصوف معجما متميزا يعج بالعبارات الشعرية الشفافة والألفاظ الصوفية بداية من العنوان "مقام البوح" وإلى آخر قصيدة "مديح الاسم".

إذن، فالكتابة عند "عبد الله العشي" هي بلوغ الرؤيا وتجاوز عتبة الواقع العيني واختراق البعد اللامرئي فيه، حيث تتراءى الحياة حياة رموز ودلالات وإشارات إيحائية تؤول العالم، وتعيد امتلاكه، وتحقق كينونة الإنسان باعتباره ظاهرة متعددة، وباعتباره قابلا للكشف وإعادة التأويل، وهنا سر نجاح المتصوفة في قراءة الوجود قراءة تعيد تأليف المتضادات، وفق وحدة خارقة.

 إن التصوف تجربة العمق منها إشراقٌ معرفيٌ ذوقيٌ يلقي بأفيائه على السلوك تعبيراً حركياً،وعلى اللغة تعبيراً فكرياً . وهنا تبرز أهمية اللغة لابوصفها ناقلاًللأفكار وحسب،وإنما بوصفها منظومة تهيكل التواصل الإنساني وفقاً لقوانينها،ومن ثم يصوغ نفسه منها وبها .

 يظل موضوع اللغة الصوفية هاجس هذه الدراسة ، لكنه يقتصر على اللغة في الشعر الصوفي، ذلك الشعر الذي بدأ شعر تجاوز بالمفهوم المطلق لمعنى التجاوز. إنه شعرٌ فوق السائد وفي عمقه في آن، هو شعر التجربة الكشفية الذوقية،شعر ممارسةٍ وخيالٍ يرفض الكثرة بينما يعيشها،مثلما يرفض الفردية ويعيشها، هو شعرٌ من الخارج نحو الداخل باتجاه الخارج مجدداً في جدلٍ مستمرٍّ.

 الاستمرار والتجدد هو الشعر الصوفيّ. هذا يكسبه الفرادة، ويحفز البحث للقبض على مفاصل الشعريّة فيه، بينما ينأى بقدر ما هو قريب، فهو شعر الإنسان بامتياز.

 1.مقام البوح:

    يمثل ديوان "مقام البوح" للشاعر عبد الله العشي عملا شعريا راقيا، وخلاصة تجربة فنية رائدة، في فن كتابة القصيدة المعاصرة، أو قصيدة التفعيلة، ويقع الديوان في سبع عشرة قصيدة، تنتمي كلها إلى الشعر الحر، قدم لها الشاعر بإهداء قصير، يقول فيه:«إلى من يحس أن هذه القصائد كتبت له، أو كتبت عنه، أهدي هذا الديوان»، وهو بهذا الإهداء قد رمى بخلاصة تجربته الشعرية بين يدي القارئ، ليأخذ حريته في قراءتها، ومقاربتها بأي منهج تأويلي يراه مناسبا، لأن القراءات تختلف في عمق الإضافة ويتوقف الاختلاف على وعي القارئ بعملية التلقي، والموقع الذي يتخذه إزاء النص الذي يتناوله.

 2.بنية القصائد:

    تندرج قصائد "مقام البوح" ضمن بنية القصيدة العربية الحديثة المعروفة بالقصيدة الحرة، أو شعر التفعيلة، وبهذا ينسجم عبد الله العشي مع الاتجاه الحداثي في كتابة القصيدة، سواء على مستوى البناء الفني، أو الإطار الموسيقي، الذي لم يخرج عن دائرة العروض العربي، وهو بذلك يصنف من بين شعراء قصيدة التفعيلة.

 وقد استفاد عبد الله العشي من غنى وتنوع بنية القصيدة المعاصرة، من حيث اختيار البحور الشعرية، أو القوافي، لذلك وجدناه قد استخدم أكثر من بحر شعري منتهجا بذلك نهج الشعراء المعاصرين، في تجديدهم لشكل، ومضمون القصيدة تماشيا ومتطلبات الحياة. وهذا التجديد، لا يقصد به تحطيم الأوزان الخليلية، ولا تنويعا في القوافي والروي، وليس طريقة خاصة في رصف الأسطر فحسب، أو على إبداع أوزان جديدة تقتضيها طبيعة الموضوعات، «فالمغالطة التاريخية الكبرى التي رافقت ولادة الشعر الحديث ذاته، حين أعلنت "نازك الملائكة" في قصيدتها (الكوليرا)، و"السياب" في قصيدته (هل كان حبا)، أن استعمال التفعيلة يحرر الشاعر من قيود الشعر التقليدية...»[3]، ولكنه تجديد في الرؤيا، والتناول، والعرض، لموضوع ظل، ولفترة طويلة، يثير انشغال الشعراء وشاعريتهم، إنه موضوع المرأة، رمزا للحب والعطاء، ونبعا لأنبل المشاعر الإنسانية على الإطلاق، كل ذلك في إطار من الوعي الفني، وما يقتضيه راهن الحياة المعاصرة.

 3.اللغة الشعرية:

 الشعر الصوفيُّ يحدث إشكالاً على مستوى الوعي في أنه يعي اللغة والدلالة، ويعجز عن قبض محتوى الشعر الصوفي بقدر ما يعجز عن معايشته، على الرغم من نسقيّة صوره وانبنائها، فاللغة الصوفية لغة موحية لمّاحة، منطلقة أبداً باتجاه متجدد محتمل الدلالات، وتحمل معنىً في بنية مفرداتها موسيقياً وحرفياً يقدم معنى التجربة نفسها ، وحال الصوفي إذ يكون الكشف؛ فهي لغة كشفية فوق الحواس لاتدرك إلا بعين القلب؛ بالذوق محل القلب، والتقلب الدائم والتجدد، لغة حبلى بالتضمينات التي تعبر من قيم ذاتية.

 والصورة هي المعمل الذي من خلاله يرى الشاعر الحقيقة، أو تبدو من خلاله الحقيقة المنفلتة كما المجهول، ومن هنا يأخذ الخيال معنىً مقلوباً لدى الصوفيّ هو حقيقته، هو باطنه؛ فالأشياء في باطنها تكمن الحقيقة. والوصول إلى الباطن هو الطريق إلى فهم الشعر الصوفي، ومن ثم معايشة نصوصه في صفائها وفي شعريّتها، فالدلالة بهذا تبقى محل إشكالٍ حقيقي فلا الأسماء هي المسميات، فالإنسان هو الخالق، والخالق هو المخلوق، والعاشق هو المعشوق، والباطن هو الظاهر...إلخ.

 إن اللغة بكل ما تشتمل عليه من ألفاظ وصيغ وتراكيب ومعان ثابتة قائمة أو ممكنة أو محتملة أو غير محتملة هي الأداة التي يبرز بها الشاعر كل ما يكتشفه ويستشعره ويتنبأ به، فهي بالنسبة له «بنية العالم الخارجي بأجمعه أو مرآة هذا العالم»[4]، لذلك هو دائم البحث عما يمكنه من جعل هذا العالم متسعا رحبا مستوعبا لعالمه الداخلي الخاص متوافقا معه، موازيا له في عمقه وامتداده، مجسدا لكل حقائقه، معبرا عنه بصدق وأمانة.

 إن الشاعر الحقيقي، كما يشير (باشيلار) لا يريد أن يصف عالمه الذي يراه أو يحسه ويستشعر به وصفا فلسفيا بلغة تصورية، ولا يريد أن يسمح لنا بأن نفكر في هذا العالم، وإنما يريد أن يجسده لنا بلغة تأثيرية غير عادية، تسمح لنا بأن نراه يحيا ونحسه يتحرك[5]، فبذلك يتمكن من بث نبوءته وحدسه وشحنات أحاسيسه، ويتمكن بالتالي من أداء رسالته بإخلاص، ويحقق أهدافه في الإبلاغ والكشف.

 تلكم هي لغة الديوان التي أراد لها الشاعر أن تعج بالرمز الصوفي الذي لم يؤد إلى قتل المعنى أو موت الدلالة، ولكنه حقق الدهشة الشعرية على المستوى الجمالي، مما يشعر القارئ بلذة المغالبة من أجل بلوغ المعنى المقصود.

 امتلك عبد الله العشي الدلالة ثم أخفاها عن القارئ، ليجعل منه مغامرا في سبيل البحث عن المجهول عبر فك الرموز، بداية من العنوان الذي يعد مدخلا إلى عمارة النص، أو حسب بورخيس: «البهو الذي ندلف منه إلى النص»[6]، وإلى المتن الذي تعكسه لغة متعدية بفضل طابعها الاستعاري الجمالي، لغة لازمة لا تتجه صوب مرجع خارجي بل صوب ذاتها: صوب ما تحتشد به من شعرية وتوتر[7].

 إن تقريرية الجمل المبثوثة عبر النصوص، لا تدل على التجدد والخلق فحسب، بل تؤدي- إلى جانب ذلك- وظيفة التلاحم بين العناصر المكونة لبنية القصيدة، وتربط الجملة بين انبثاق الرؤى المتفجرة من أعماق الشخصية الشعرية وبين أحوال الأنثى، بكل ما تثيره من تداعيات، إنسانية، تخيم على الواقع المعيش 

 4.توظيف الرمز:

 إن الشعر يمتلك نمطا لغويا معينا يتجاوز به اللغة العادية، وهذا ناتج عن طبيعة الوظيفة التي يؤديها، فهو لا يقتصر على وظيفة التوصيل فحسب، وإنما يسعى كذلك إلى توليد شعور ما لدى المتلقي، وهذا ما يجعله يستعين بعدد من العناصر التي تشكل اللغة عنصرا مهما فيها، حين تستمد منه شعريتها، حيث تغدو مفعمة بالإشارات المجازية مما يجعلها تبدو مبهمة أكثر من كونها واضحة المعالم[8].

 وتقاس درجة نجاح الشاعر في توظيفه للرمز بأنواعه، بمدى نجاحه في تجربته الشعرية على المستوى الفني، المرتبط أساسا بدرجة الوعي، المبني على تفجير المواهب[9]، وهو ما ينسب للشاعر عبد الله العشي، في ديوانه "مقام البوح"، الذي أراد له أن يكون خلاصة تجربة صوفية، تقوم على توظيف الرمز الصوفي، حتى غدت قصائده بنى تمثل كل واحدة منها رمزا صوفيا مستقلا، فتحطمت بذلك حدود الألف