آراء ابن رشد النحوية في كتابه pdf

                     "الضروري في صناعة النحو"                       

د. أحمد جلايلي 

 أ.  سمية بن الصديق

 يعتقد العامة أن ابن رشد كان فيلسوفا محضا، تميزت كتبه بشروح مختلفة لكتب أرسطو، وبانتصاره لفلسفة أرسطو في هذا الرد وفي كتب أخرى.  وبردوده على الغزالي، إلى جانبكونه فقيها كتب كتابا متميزا عنوانه: "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، وألفأيضا في الطب كتاب "الكليات.

فهذا فيلسوف قرطبة لم يكن مجرد مؤلف مفلد فحسب، بل كان في كل ما كتبينزع نحو التغيير والإصلاح والتجديد. وكان صاحب مشروع، أعلن عنه في مؤلفاته.

وفي العصر الحديث أثيرت مسألة تيسير النحو العربي بحدة، وحينهاحظي ابن مضاء القرطبيباهتمام خاص، لاسيما بعد تحقيق كتابه: "الرد على النحاة"، فانقسم الدارسون إلى مؤيدين لابن مضاءوإلى رافضين، كان ذلك وهم يجهلون كتاب ابن رشد في النحو، لأنهكان في حكم المفقود. وبعدما اكتشف الكتاب ونشر وجدالقارئ نفسه بإزاء مذهبآخر، مذهب لايناديبثورة على نظرية العامل، بليطرح بعمق مسألة بنية النحو العربي ذاتها، ويرى أن السبب فيما في النحو العربي منصعوبات إنما مرجعه إلى طريقة التأليف فيه، ومن ثمة يتيسرتعليمه.

إن بنية النحوالعربي في نظر ابن رشد ليست مبنية على الطريقة "الصناعية"، يعني العلمية. ومن هناكانت مسألة تيسير النحو العربي عملية تتطلب القيام بإصلاح جوهري في بنيته،وللتعرف على هذا الإصلاح وتبيينه لابد أن نعرض مشروعه النحوي.

 1- بناء الجملة:

وضع ابن رشد تحديدا دقيقا لبناء الجملة العربية لم يسبقه إليه أحد، إذ يعرض الألفاظ المفردة ثم المركبة، وهي التي يطلق النحاة عليها القول، هذا القول يتركب على صورتين عنده.

الأولى: قول تام كاف بنفسه، وهو المفيد و يسميه النحاة كلاما.

الثانية: قول غير تام ، وهو بمنزلة الاسم المفرد، وهو المسمى تركيب تقييد(1)، ويقع جزءا من قول تام، أو من تمام قول تام.والجمل التامة عند ابن رشد صنفان :

الأول: الجمل الخبرية؛ وهي التي تحتمل الصدق و الكذب.

الثانية: جمل إنشائية؛ وهي لا تحتمل الصدق ولا الكذب.

كما قسم الجمل الخبرية على أشكال ثلاثة:

1-   مبتدأ وخبر .

2-   فعل وفاعل .

3-   فعل ونائب فاعل.

 ويمكن أن نطلق عليها "الجمل البسيطة" التي تمثل أقل ما تنعقد به الجملة ويكتمل معناها، وتتضمن علاقة إسناد واحدة، بين المسند والمسند إليه، وهي بذلك تمثل الجملة النواة، أو الجملة الأساسية.فابن رشد ينطلق من هذه الجملة البسيطة؛ ليبين كيفية اتساع الجملة، وهو ما يعبر عنهبتقييد الجملة. ويكون التقييد بالحروف والأفعال، كما تتقيد الجملة بمقيدات لفظية ومقيدات معنوية.

أ- تقييد الجملة البسيطة بالأفعال:

1- ظن وأخواتها :

تقيد الجملة النواة، المكونة من مبتدأ وخبر بالفعل الناسخ "ظن" أو إحدى أخواتها، مثل:"ظننت زيدا قائم"ا، و"حسبت عمرا شاخصا". فهذا التقييد لا يعد خالصا من جهة تبويبه وقسمته عند ابن رشد، فعلى الرغم أنه سلكها في إطار تقييد الجملة البسيطة بالفعل، ينظر إليها باعتبارها تقييد جملة بجملة .(2)

      فهي عنده موزعة بين صورتين :

الأولى : تقييد الجملة البسيطة الفعلية بالفعل (ظن).

الثانية: تقييد الجملة البسيطة بجملة أخرى.

وهنا ينبغي التساؤل عما جعله يصنف الجملة البسيطة المقيدة بالفعل عمليا في إطار الصورة الأولى؟ يبدو أن السبب في تصنيف ابن رشد هذا يمكن رده إلى عدة اعتبارات هي:

1-       إن هذا الصنف من الأفعال (ظن وأخواتها)، ليست من الأفعال المؤثرة، إنما هي أفعال تدخل على الجملة البسيطة (المبتدأ والخبر) فتجعل الخبر يقينا أو شكا.(3)

2-       إنه إذا حذفت هذه الأفعال كان ما بعدها كلاما تاما.(4)

3-       لأن الإسناد الأصلي يقع في الأصل بين الميتدإ والخبر، أي: بين المفعول الأول والمفعول الثاني.  فهي على ذلك أقرب ما تكون إلى الجملة البسيطة المقيدة بالفعل.إلا أن ابن رشد يرى بأنها تقييد جملة بجملة، ويمكن تفسير ذلك من خلال فهم التركيب على مستويين:

الأول:مستوى السطح؛ الذي ينظر إلى أن الفعل"ظننت" في صورته الشكلية بحاجة إلى فاعل، وهما معا يمثلان جملة تقيد الجملة الأصل (المكونة من مبتدأ وخبر).

الثاني: مستوى العمق، أو الأصل؛ الذي ينظر إلى أن الجملة الأصل–كمفعولي ظن-المكونة من مبتدأ وخبر في حقيقتهما وما بينهما من علاقة إسناد، هي أقوى –من جهة المعنى- من علاقة التقييد.نخلص من ذلك إلى أن هذه الجملة مركبة من نوعين من الإسناد :

الأول : الإسناد الخبري ، وهو الأصل .

الثاني: الإسناد الفعلي بين ظن والإسناد الخبري.(5)

2- كان وأخواتها :

تشترك  "كان وأخواتها" و"ظن وأخواتها" في ما يأتي:

1- الإسناد الأصلي يقع بين معمولي "ظن"، كما يقع بين معمولي "كان"،

2- إذا حذفت هذه الأفعال "ظن" أو" كان" ظل ما بعدها كلاما تاما.

إلا أن العلاقة بين كان ومعموليها ليست علاقة إسناد، إذ الكلام قبل دخولها يعطي معنى تاما، لان الخبر الذي يستفيده المخاطب بعدمها هو الذي يستفيده بوجودها ، لم تزد فيه "كان" أكثر من أنها جعلته في الماضي .(6)  وهو بعينه ما ذكره ابن جني من أنه ليست "كان" مع اسمها كالجزء الواحد ،من قبل أنك لو حذفت "كان" لاستقل ما بعدها برأسه، فقلت في قولك: "كان أخوك جالسا": "أخوك جالس"، فلما أن قام مابعدها برأسه ولم يحتج إليها لم يتصل به اتصال الفاعل بفعله، نحو: "قام جعفر وجلس بشر". ألا تراك لو حذفت الفعل هنا لانفرد الفاعل جزءا برأسه، فلم يستقل استقلال الجملة بعد (كان) بنفسها.(7) ونخلص مما سبق إلى عدة أمور:

1- إن تركيب الإخبار المنسوخ بكان أو إحدى أخواتها تركيب بسيط، و"كان" ماهي إلا رابط يربط الخبر بالمبتدأ.

2- إن "كان" هنا تخلو من فاعل، وحين تحتاج ظن إلى فاعل، فتصبح مع فاعلها في حكم الجملة،أو تأخذ شكل الجملة.

3- إن "كان" تفيد معنى الزمن فقط، أما "ظن" وأخواتها فإنها بالإضافة إلى الزمن تعطي معنى الشك أو اليقين أو الرجحان في الخبر (المفعول الثاني).   

 3- أفعال المقاربة و الرجاء:

لقد أثار ابن رشد قضايا تخص أفعال المقاربة  تتمثل فيما يلي:

1- ذكر ابن رشد ما تتقيد به الجملة الخبرية البسيطة من أفعال، وهي: "كان" وأخواتها و"ظن" وأخواتها (8ثم شرع في قوانين الإعراب وأضاف إليها قوانين "كاد وأخواتها"، و"نعم وبئس وحبذا" (9)، فهي على ذلك جملة خبرية بسيطة مقيدة بالفعل (كاد).

2- الجملة الخبرية البسيطة من أفعال، في نظره داخلة في قوانين الألفاظ المركبة، من تركيب إخبار وتركيب تقييد.(10)

3- إنها تدخل كذلك في قوانين الأقاويل المركبة من جزأين اثنين.وهو ما يجعل تركيبا واحدا يعالج من منظورين مختلفين، أو يدرس في مستويين متفرقين، فابن رشد يجعل الجملة :

- عسى زيد أن يحج.

- كاد زيد يدخل المدينة.

جملة أصل –من مبتدأ وخبر- مركبة تركيب إخبار، قيدت بالفعل الناقص عسى أو كاد ، فهي على ذلك تتكون من: تركيب إخبار وتركيب تقييد .أو أن تكون من الأقاويل الخبرية المركبة من جزأين اثنين، وذلك إذا جعلناه على قول ابن مالك في نحو قوله تعالى: ﴿ فَعَسَى اللهُ أنْ يَأْتِي بِالفتْحِ﴾ بأن المرفوع اسم عسى، وأن والفعل سد مسد جزأي الإسناد ، كما كان يسد مسدهما لو لم يوجد المبدل منه، فإن المبدل في حكم الاستقلال في أكثر الكلام (11)، أي أنه بمنزلة جملة استؤنفت للتبيين(12).وما ذهب إليه الكوفيون في "كاد" يبلغ من الدقة مبلغا عظيما في فهم أصل التركيب ، فإنهم يرون أن الفعل " يقوم" في : (كَادَ زَيْدٌ يَقُومُ) ، بدل من الاسم ، والمعنى عندهم : قرب قيام زيد.  ثم قدم الاسم وأخر المصدر، فيصبح:( قَربَ زَيْدُ قِيَامهُ)، ثم جعلته بالفعل، أي:( قَرُبَ زَيْدُ يَقومُ) .  والفعل "كاد " تام هنا ، وليس ناقصا(13).وبالنظر إلى اعتبار أن البدل في حكم الاستقلال، أو بمنزلة جملة أخرى استؤنفت، تكون –على ذلك من الأقاويل الخبرية المركبة من جملتين –جزئين.

وباعتبار أنها من أخوات كان، فهي أفعال ناقصة دخلت على الجملة الأصل المكونة من تركيب إخبار وتركيب تقييد.

4- نعم و بئس وحبذا:

توقف ابن رشد عند أسلوب المدح والذم وقفة متأنية، وفهمه لتراكيب العربية، فينظر إليها على أنها مركبة من جزئين اثنين. وعلى أنها تركيب إخبار وتركيب تقييد، وهو الأولى عنده.(14). فالجملة الخبرية المقيدة ب "نعم" أو"بئس" مثل: نعم الرجل زيد، وبئس الرجل عمرو.  إما أن تكون :

- جملة خبرية بسيطة مقيدة بالفعل "نعم أو بئس" إذ من الأصوب أن يعتقد فيه أنه مركب من النوعين من التركيب، أعني أن يكون "نعم الرجل" تركيب تقييد، والجملة تركيب إخبار".(15)    أو: مركبا من تركيبين خبريين.فهو ينظر إلى البنية العميقة للتركيب، فتكون "نعم الرجل" فعلا وفاعلا ، و"زيد" خبر لمبتدأ محذوف، كأنه لما قيل: (نعم الرجل)، قيل: من هذا الممدوح؟، قيل: زيد، أي: هو زيد، وحذف المبتدأ في كلامهم(16)، وهذا الوجه من الكلام فيه جملتان.

الأولى:   نعم الرجل ـــ جملة فعلية.

الثانية: زيد ــــ جملة اسمية و المبتدأ فيها محذوف تقديره هو.   ولا يختلف الأمر كثيرا مع " حبذا " في مثل : حبذا زيد.

فالإعراب الذي قدمه ابن رشد  يوجه المعنى والتركيب إلى تلك البنى السطحية أو العميقة ؛ فيتضح منها بناء التركيب على أنحاء مختلفة.  فهو إن جعل "زيد" مبتدأ، وحبذا خبره، فهو تركيب إخبار مقيد بالفعل "حبذا".وإن جعل "زيد" خبرا لمبتدأ محذوف، و"حبذا" فعلا وفاعلا ، فهو يتكون من تركيبين : تركيب فعلي "حبذا" ، وتركيب اسمي "زيد" المبتدأ فيه محذوف.  ولا يبقى –عند ابن رشد- من هذا الأسلوب سوى أن يأتي الاسم نكرة منصوبة ، مثل: نعم رجلا زيد.وهي عنده داخلة في الكلام المجموع من تأليفين : خبري وتقييدي فقط.  بعد فراغه من الإخبار المقيدة بالأفعال ينتقل إلى الإخبار المقيدة بالحروف وهي:(17)

- إن وأخواتها

- ما الحجازية

 - لا النافية للجنس

ويذكر قوانينها (18)، ويضيف إليها "ما" التعجبية.(19)

والذي يعنينا هنا –أن ابن رشد يسلك التعجب في الجملة الخبرية البسيطة المقيدة بحرف، ويؤكد ذلك بقوله:" وما ها هنا حرف منصوب يدل على التعجب، كما جعل النداء للإسماع، وحرف الندبة للتفجع "(20 وهو ما يخالف فيه النحاة ، فسيبويه يرى أن (ما) نكرة تامة بمعنى شيء(21) وقال الفراء و ابن درستويه: هي استفهامية دخلها معنى التعجب(22) .

والغالب في آراء النحاة أنها اسم سواء كانت نكرة أو استفهامية أو موصولة، إلا في قول الكسائي الذي يرى حرفيتها(23). ولم يقل أحد بنصبها إلا ابن رشد .

أما المحدثون فمنهم من يقول بحرفيتها (24)، وفيهم من يراها أداة تعجب.(25)

وإن كان بعض الدارسين يوافقون ابن رشد فيما ذهب إليهفي قوله بحرفية "ما"ودلالة التركيب على التعجب، فيكون على ذلك جملة خبرية بسيطة مقيدة بالحرف "ما" الدال على التعجب.إلا أنه يمكن متابعته في كون "ما" منصوبة، إذ الحرفية فيها تتعارض مع كونها منصوبة (26)، وعليه يرى محقق كتاب "الضروري في صناعة النحو" أن الأولى أن يقال: هي حرف للتعجب لا موضع له من الإعراب.(27)

ب- الجمل الخبرية المقيدة بالأسماء:

وهي عند ابن رشد على ضربين :