اللسانيات النسبية واللسانيات الكليةpdf

 

 د . عمر ديدوح

لقد شغلت اللغة اهتمام الدارسين عبر الزمن. وكان التفكير لا يزال قائما بغية الكشف عن بعض جوانبها التي يدرؤها الغموض، ومن ثمة كان لا بد من توظيف مناهج وآليات للبحث. وقد اختلفت هذه المناهج وتعددت بتعدد المرجعيات، والأيديولوجيات، والتوجهات العلمية والفلسفية، والإشكالية المطروحة هي:

ماالمناهج التي قدمت نتائج إيجابية في الدراسة اللغوية؟ هل هي المناهج المعيارية التقليدية التي اتسمت بالنسبية أم المناهج الحديثة والتي وسمت بالكلية؟

إن عالمنا الذي نعيش وسطه، يزخر بآلاف اللغات، و كل لغة تحمل في جوغها عالما معينا، ويمكن القول بأن اللغة هي ذلك الهواء الذي نتنقسه[1] ، وهي بالتالي وسيلتنا لإدراك هذا العالم، وأداة تعاملنا مع الواقع التي نحيل بها المحسوس إلى مجرد ونجسد بها المجرد إلى محسوس، إنها الجسر الواصل بين خصوصية الذات وعمومية الموضوع، فهي تترجم ما في ضمائرنا من معان، كما يقول ابن خلدون: لتستحيل إلى أدوات تشكل الحياة، وتوجه أداء المجتمع و سلوك أفراده و جماعاته[2].

واللغة هي قدر الإنسان الاجتماعي، تبين عن عقليته وقدراته و ميوله الفكرية.و كما أن اللغة ظاهرة وشائعة فهي ـبالقدر نفسهـ دفينة ومستترة، غائرة في ثنايا النسيج الاجتماعي ومتاهة العقل البشري تمارس سلطتها علينا من خلال أياديها الخفية تعمل عملها في طبقات اللاوعي على اختلاف مستوياتها: من اللاوعي الفردي النفسي إلى اللاوعي الجمعي.

وعلى هذا الأساس، اكتسبت اللغة طابع الشيوع، وربما ستظل ذلك الشائع المجهول، الذي حير الفلاسفة والمفكرين اللغويين عبر العصور. متدثرة بأردية اللبس والغموض وهذه هي حالها، كان لابد أن تتقدم وجهات النظر بشأنها، بغض النظر عن تاريخها[3].

فمن البديهي أن تختلف الآراء و تتعارض، لذا فإن فريقا من العلماء صنفها كسلوك مكتسب، أما الفريق الآخر أكد كونها غريزة تولد مع الإنسان، وفريق يراها ظاهرا سطحيا قوامه التجليات المحسوسة والقرائن الساخرة، وفريق يراها متوارية تحت الظاهر السطحي "بنية عميقة" مركبة من علاقات تجمع بين الألفاظ والتراكيب والنصوص، وصنف آخر يجعلها في ارتباط على أساس أنها نظام تواصلي.

 ومن هنا، فإن الذي نحن بصدد كشف حقيقته هو بيان ماهية اللغة ما بين النسبية والكلية.[4] ولعل النسبية اللغوية مثلها عدد من المناهج التي يمكن الاصطلاح عليها بأنها تقليدية كونها لا تستند إلى معطى علمي، وحى وإن كانت معطياتها علمية، تكون قد أهملت جانبا من الدراسة وتجسدت أساسا في المنهج التاريخي، الذي يسعى إلى تتبع تطور الكلمة عبر العصور، والبحث عن أصولها التاريخية، إذن هي اقتفاء أثر التطورات والتغيرات من النواحي الفونولوجية والنحوية والمعجمية والدلالية في لغة واحدة عبر الزمن، أي أنها دراسة تطور لغة من اللغات باعتباره تطورا بين حالات لغوية متتابعة ومن المسلم به أن هذه الحالات اللغوية قد درست قبلا دراسة وصفية والدراسة التاريخية تدرسها من الناحية الحركية التطورية، أما المنهج المقارن فهو يطبق على مجموعة معينة من اللغات، أي اللغات المنتسبة إلى أصل واحد ثم خضعت في تاريخها الطويل لتطورات طويلة منفصلة [5].

فالدراسة المقارنة التي تقوم على التصنيف، والمقابلة والتطلع إلى استكشاف أوجه التقارب والتطابق بين لفتين، وبذلك فاللغوي المقارن قد يجد كلمات متقاربة لم يحدث تقابلها إلا عن طريق الصدفة أما فيما يخص المنهج الوصفي، فإنه يختص بدراسة اللغة في وضعها الحالي أو الآني و لذاتها ومن أجل ذاتها، وبالتالي تغيرت الرؤى للغة. وأصبح ينظر إليها على أنها بنية أو نظام، عناصره المختلفة يعتمد بعضها على بعض، ووجود هذا النظام مهم بالنسبة لفهم كل من التغير اللغوي، واللغة من حيث هي لغة  وهذا ما يؤكده الفصل القاطع الذي وضعه الألسني دو سوسير، حين ميز بين اللغة من حيث هي نظام مستقر وبين اللغة من حيث هي تغير لغوي، وحكم على هذه الدراسات بالقصور وعدم الشمولية في الطرح، كون الدراسة التاريخية لا تقدم نتائج واقعية وعلمية إذن فهي دراسة عقيمة لا طائل منها[6] وكذالك الأمر بالنسبة للدراسة المقارنة التي لا تمدنا بشيء جديد أما الدراسة الوصفية، و إن اتسمت بنوع من الطرح الجديد والمحايد خلافا لما سبقها من دراسات يمكن القول أنها أهملت جانبا مهما في البحث والجانب العميق أو جانب المعنى لأنها أقصت المعنى من دائرة البحث واعتمدت الجانب الصوري أو المادي للغة، و يبدو أن هذه الدراسات قد صبغت بصبغة نسبية تكاد تخلو من أي أساس علمي، يقول أهل النسبية اللغوية " لغتي هي عالمي، وحدود لغتي هي حدود عالمي"[7].

إن هذا الطرح قد ولد فكرةتقف بشدة ضد النسبية اللغوية و دعا إلى أن تدرج جميع اللغات الإنسانية في إطار النظرية العامة للغة و كذلك مواضع اختلافها و تباينها، علاوة على ذلك فقد تبنت هذه النظرية النموذج الذهني للغة: الذي يفترض كونها غريزة إنسانية يشترك فيها البشر كافة.

ومفاد ذلك أن الإنسان يولد مهيأ عضويا، محمل بطاقات لغوية متوارية في الذهن، وقادر على إنتاج عدد لا متناه من الجمل والعبارات حتى وإن لم يسمعها من قبل عن طريق الإبداعية اللغوية وتتجسد في شكل تلفظ عبر ما يسمى بالأداء الكلامي، وهي كلها تمثل آليات النهج التوليدي، فبعد أن كانت قواعد النحو فيما سبق تحدد عن طريق إعطاء أسئلة من حالات الاظراد والشذوذ و شروط الجواز والتفصيل وما شابه، من البديهي أن هذه الأمثلة مهما تعددت، لا يمكن أن تعطي لا نهاية التعابير اللغوية.

لقد سعى النحو التوليدي إلى صياغة قواعد النحو في صورة قواعد رياضية يمكن من خلالها توليد عدد لا نهائي من التعابير اللغوية المسموح بها في اللغة و الراجح في الأمر أن النهج التوليدي يحتكم إلى العقل في إصدار الأحكام و دليل ذلك تأثر أصحابه بالنزعة الديكارتية، التي تؤمن بأن العقل ذاته مصدر كل معرفة و هو أسمى من الحواس و مستقل عنها، وأن هناك متصورات و قضايا مسبقة مكتسبة دون تجربة، يقوم العقل من خلالها بتفسير معطيات التجربة، فالكفاءة مثلا نظام عقليتصص قابع خلف السلوك الفعلي.

ويعود الجانب الأهم الذي ميّز النحو التوليدي إلى نماذج التحليل النحوي التي قدمها تشومسكي بطريقة مفصلة بدقة و رياضية متناهية، و تجدر الإشارة هنا إلى  أنّ النحو التوليدي ينبني على القواعد « rules »، التي تعد جزءا من الجهاز الذي يولد الجمل النحوية في اللغة، و تختلف عن القواعد الموجودة في النحو التقليدي والنحو الوصفي، فهي ليست معيارية (normative) تعنى بوصف اللغة كما ينبغي أن تكون، و من جانب آ خر ليست وصفيّة (descriptive) تهتم بوصف اللغة كما هي مستعملة بغية إرساء التعميمات، ولكنها تشبه القواعد المعيارية لأنها عبارة عن تعليمات لتوليد الجمل. كل الجمل الممكنة في اللغة

وليس الجمل الصحيحة فحسب، و تشبه القواعد الوصفية لأنها تعتمد وقائع اللغات الفعلية

وليس اللغات المبتكرة من قبل النحاة، و من هنا فإنّها ترتكز على ما يقوله الناس، وليس عما ينبغي أن يقولوه.1

  بناءً على ما قيل فإنّ النحو التوليدي قد قوّض أسس النحو التقليدي وجعل المجال أوسع للدراسة وفتح آ فاقا رحبة أمام الباحثين في هذا الحقل الخصب، والهدف الذي يبتغيه أصحاب هذا النهج هو عولمة اللغة، انطلاقا من وضع قوانين عامة لجميع اللغات.2

ولعل الانطلاقة التي بنى عليها تشومسكي أفكاره هي انتقاده المناهج التي شاع استعمالها منذ سوسير بالنسبة للأوروبيين و بلومفيلد بالنسبة للأمريكان، فهذه المناهج وصفية استندت إلى مقاييس معينة في الدراسة و توصلت إلى نتائج مرضية إذا ما قارناها بالنحو التقليدي الأوروبي الذي كان يعتمد بخاصة على المنطق الأرسطي، وميزتها الأساسية تكمن في التصنيفية المطلقة في حين أنها لم تعط التفسير و التعليل قسطا من العناية. بالإصافة إلى كونها سكونية لا تلتفت إلى ما وراء الظواهر المحسوسة الظاهرة على مدرج الكلام. ولم تفسر كيفية إدراء الكلام و إحداثه فهي من هذه الحيثية فاشلة في نظر تشومسكي وخاصة عند تحليلها للمستوى التركيبي، إذ أنها اهتمت بالجزئيات و أهملت العلاقات التي تر بط بين هذه الجزئيات، فظهور النهج التوليدي التحويلي أحدث انقلابا جذريا في الدراسات التركيبية، وزعزع عدة أفكار كانت تبدو و كأنها مسلمات لا يمكن التراجع عنها.3

بهذا الطرح، يمكن القول إن هناك اتجاهين في هذا الموضوع الأول يؤمن بتأثير الفكر والتصور في اللغة حيث يفترض وجود كليات لغوية تؤدي في آخر المطاف إلى نفس البنية تطبق على  كل اللغات الطبيعية، في حين يرى الثاني أن كل لغة تنم عن تصور معين للواقع وأن اللغة هي التي تهيكل نظرتنا إلى هذا الواقع و مثال ذلك قول دي سوسير:

" إن الأفكار لا توجد موضوعة بصفة قبلية و يظل كل شيء مبهما قبل ظهور اللغة".4

وفي نظر هذا الاتجاه، ليست المدلولات التي تنقلها دوال تنتمي إلى لغة معينة مستقلة تمام الاستقلال عن نظام اللغة المخصوص، و كل لغة لها نظرتها الخاصة لا تطابق بالضرورة النظرة التي تبنيها لغات أخرى.5

وبالتالي فإن نظرية تشومسكي التوليدية التحويلية، استطاعت أن تخلص اللغة من تلك النظرة الأحادية التي جعلت الجانب الصدري (الشكلي) مركز اهتمامها، وأعطت عناية كبرى للجانبين (الجانب السطحي والجانب العميق)، و هو ما جعلها تكتسب طابع الشمولية حين اعتمدت مبدأ تحليل و تفسير الظواهر اللغوية إضافة إلى تعليلها.

  وزبدة القول هي أنّ المناهج على اختلاف توجهاتها ساهمت في إثراء الدراسات اللسانية بهذا الزخم الهائل من الأفكار والنظريات التي عدّة منطلقات لأي بحث لغوي.


الإحــالات 

[1] - الثقافة العربية و عصر المعلومات، تأليف، د. نبيل علي، مطابع السياسة، الكويت ،2001،ص277 .

[2] - المرجع نفسه،ص 228 .

[3] - المرجع نفسه،ص،228 .

[4] - المرجع السابق، ص،229 .

[5] - علم اللغة.د. محمود السعران،ط 2 ، دار الفكر العربي، القاهرة،1997،ص،257 .

[6] - ينظر علم اللغة،د. محمود السعران،ص،58/59 .

[7] - الثقافة العربية و عصر المعلومات،د.نبيل علي،ص،228 .

1- اللسانيات، النشأة و التطور: أحمد مومن، ديوان المطبوعات الجامعية، ط/2، الجزائر 2005، ص: 215.

2 - ينظر: المرجع نفسه، ص: 238.

3– مبادئ في اللسانيات: خولة طالب الإبراهيمي، دار القصبة للنشر، الجزائر، 2000، ص:103.

4– المرجع نفسه، ص:39.

5– المرجع السابق، ص: 39. 

المــراجع

1 ــ الثقافة العربية وعصر المعلومات، تأليف د.نبيل علي، مطابع الكويت 2001 .

2 ــ علم اللغة، د.محمود السعران،ط 2، دار الفكر العربي، القاهرة 1977 .

3 ــ اللسانيات النشأة والتطور،أحمد مومن،ط2،ديوان المطبوعات الجامعية،الجزائر،2005.