pdfأهمية تدخل الحكومات في حماية البيئة من خلال الجباية البيئية

 

د/ فارس مسدور - جامعة البليدة 

ملخص:حاولنا في هذه المقال أن نبين أن الاهتمام بالبيئة عرف لدى المسلمين من خلال مؤلفات عدة قدمها علماء مسلمون، اهتمت بالأرض والنباتات والحيوان، والأعشاب الطبية، بالإضافة إلى التنوع البيولوجي، وغيرها من المواضيع التي تهتم بالبيئة والتي كان للمسلمين السبق في الحديث عنها. كما تطرقنا إلى بيان تلك العلاقة الموجودة بين البيئة وعلم الاقتصاد، وأعطينا تعريفا لعلم الاقتصاد البيئي، وأيضا استخلاص تعريف لعلم الاقتصاد البيئي في الفكر الاقتصادي الإسلامي، وتوضيح الفارق الجوهري بين التعريفين.

وجوهر هذا المقال كان من خلال التطرق إلى توضيح كيف يمكن للجباية البيئية أن تسهم في كبح جماح التلوث البيئي، وذلك باعتماد ضرائب ورسوم على المنتجات، وعلى النشاطات الإنتاجية الملوثة للبيئة، كما أوضحنا أن الجباية قد تكون محل تهرب وغش جبائي، لذا فإنها تتضمن إعفاءات وتحفيزات جبائية قد تكون أكثر جدوى من الضرائب والرسوم، ثم أن الدولة يجب أن لا تتخلى عن واجبها الرقابي، من خلال مختلف الهيئات التابعة لها، على أن تكون المتابعة صارمة ومستمرة حتى لا تصبح جهود حماية البيئة دون جدوى. 

الكلمات المفتاحة: الدولة، البيئة، الجباية، الجباية البيئية.

 

تمهيد:إن تطور النشاط الاقتصادي واتساع رقعته، واعتماد فكر العولمة الاقتصادية، جعللهذه المعطيات إفرازات تتوافق مع حجمها وطبيعتها، ومن بين إفرازاتها المشاكلالبيئية التي ازدادت تفاقما ودفعت بالدول إلى البحث في أساليب التخفيف من آثارهاالسلبية، لكن هنالك من الدول من أفلح في كبح جماح تطور النشاط الاقتصادي على حسابالبعد البيئي، ومن الدول من سنت قوانين صارمة في مجال مكافحة المظاهر البيئيةالسلبية لكنها وقفت عاجزة عن تنفيذ تلك القوانين، وبعضها الآخر كان من يدفعثمن التطور الاقتصادي. والسؤال الذي نحاول أن نجيب عنه من خلال هذا المقال هو: كيف يمكن للحكومات أن تسهم في مكافحة التلوث البيئي من خلال الجباية البيئة؟ ثم ألا يعتبر الأسلوب العقابي النابع من كون الذي يلوث أكثر هو من يدفع أكثر، يعتبر مبدءا خاطئا قد يجعل المؤسسات الملوثة تتهرب بشتى الأساليب لتفادي دفع الضرائب والرسوم على التلوث البيئي؟ ثم ألا تعتبر الحوافز والإعفاءات الجبائية أكثر فعالية وجاذبية لتبني تكنولوجيات صناعية صديقة للبيئة؟

 

أولا: مدخل إلى ماهية البيئة وعلاقتها بعلم الاقتصاد

 

أ‌)   مفهوم البيئة:

عرّف المؤتمر العالمي للبيئة المنعقد باستوكهولم سنة 1972 بأن البيئة هي: ”كل شيء يحيط بالإنسان“[1]، كما عرفت تفصيلا على أنها: ”الإطار الذي يعيش فيه الإنسان ويحصل منه على مقومات حياته من غذاء وكساء ودواء ومأوى، ويمارس فيه علاقاته مع أقرانه من بني الإنسان“[2].

إن مصطلحEnvironment = environnement هو المصطلح الذي استخدمه العالم الفرنسي ”سانت هيلر st. Heliere“ سنة 1835 دلالة به على المحيط الذي تعيش فيه الكائنات الحية، مبينا تلك الرابطة القوية بين الكائنات الحية والمحيط الذي تعيش فيه[3]، ليصبح مصطلح البيئة يعني:”مجموع الظروف والمؤثرات الخارجية التي لها تأثير في حياة الكائنات بما فيه الإنسان[4].

 

ب‌)      البيئة في الفكر الإسلامي:

لقد وردت في القرآن الكريم إشارات إلى تسخير الله سبحانه البيئة بمختلف عناصرها لخدمة الإنسان، ومن الإشارات القرآنية نجد:

   ”واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوّأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين“ (الأعراف:74)

   ”الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء“ (البقرة: 22)

   ” وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد“ (الحديد: 25)

   ”وجعلنا من الماء كل شيء حي“ (الأنبياء: 30)

   ”وجعلنا السماء سقفا محفوظا“ (الأنبياء: 32)

   ”ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه“ (الحج: 65)

   ”وجعلنا سراجا وهّاجا“ (النبأ: 13)

   وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه“ (الحجر:22)

وكلها إشارات تبين أن هذه العناصر البيئية التي سخرت في مجموعها لخدمة البشرية لا يجب أن تدمر ولا أن تستغل بطريقة غبر رشيدة، بل على الإنسان أن يستغلها لخدمته وخدمة بني جلدته دون أن يلحق الضرر بعناصرها.

 

ت‌)      ملامح اهتمام المسلمين بعلم البيئة:

لقد اهتم علماء المسلمين بعلم البيئة وألفوا فيه العديد من الكتب التي أعطتهم السبق في الاهتمام بمختلف الأبعاد التي يشملها موضوع البيئة وقد تجسد ذلك من خلال العديد من المؤلفات نذكر منها ما يلي[5]:

·        الجاحظ (ت 255هـ): أثبت في كتابه ”الحيوان“ التأقلم الحيواني بالبيئة، وأشار إلى نظرية المكافحة الحيوية باستعمال بعض الحيوانات في القضاء على بعض.

·        زكريا بن محمد القزويني (ت 682هـ): لاحظ في كتابيه ”عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات“ و“آثار البلاد وأخبار العباد“ تأثير البيئة على الحيوان ودرس العلاقات بين الحيوانات، وأثبت فكرة المشاركة والتكافل بينها، هذه الفكرة دعمها:

·        محمد بن موسى الدميري (ت 808 هـ): في كتابه ”حياة الحيوان“.

·        مسلمة بن أحمد المجريطي (ت 398 هـ): أول من استعمل كلمة البيئة بالمعنى الاصطلاحي وأثبت تأثيرها في الأحياء في كتابه: ”في الطبيعيات وتأثير النشأة والبيئة على الكائنات الحية“.

·        أبوحنيفة الدينوري (ت 282هـ): صنف النباتات في كتابه ”النبات“ وشرح علاقاتها ببيئتها.

·        عبد الله بن أحمد بن البيطار (ت 646 هـ): درس في كتابه ” الجامع لمفردات الأدوية والأغذية“ النباتات في مختلف البلاد ووصفها بما يهيئ لتصنيفها بدقة.

 

ث‌)      علاقة البيئة بعلم الاقتصاد:

من تعريف البيئة يتضح أن البيئة عنصر مرتبط بالاقتصاد، من خلال كون الاقتصاد يدرس مشكلة الحاجات البشرية (المتعددة والمتجددة والمتزايدة) ليجد لها حلا من خلال ما توفره البيئة الطبيعية التي تحيط بالإنسان، لذلك فاستغلال الموارد البيئية يعتمد على مختلف التوليفات التي يقترحها علم الاقتصاد من جهة، وحل المشكلات البيئية لا يمكن أن يكون إلا من خلال الأدوات الاقتصادية الترشيدية، أو العقابية، أو حتى تلك التي تقترح إحلالا لأساليب استغلال اقتصادي غير مضرة بالبيئة[6].

ومنه ظهر ما يسمى علم اقتصاد البيئة، الذي يعني: تسخير علم الاقتصاد بغية الاستخدام الأمثل للموارد البيئية بكل أبعادها بهدف تعظيم الربح وإشباع الحاجات الإنسانية بأقل تكلفة(اقتصادية وبيئية). وهناك من يرى أن علم اقتصاد البيئة هو العلم الذي يقيس بمقاييس بيئية مختلف الجوانب النظرية والتحليلية والمحاسبية للحياة الاقتصادية ويهدف إلى المحافظة على توازنات بيئية تضمن نمواً مستديماً.

 

إلا أن الفكر الاقتصادي الإسلامي يعرفه على أنه: العلم الذي يقيس بمقاييس بيئيةمختلف الجوانب النظرية والتحليلية والمحاسبية للحياة الاقتصادية الأخلاقية الرشيدة في إطار الفقه الإسلامي للمعاملات بهدف ضمان استغلال بيئي عقلاني يحافظ على توازنات البيئة وبما يحقق نمواً مستديماً مباحا. وعليه يظهر البعد الأخلاقي عند المسلمين كمؤشر جديد يبين ترشيد استغلال البيئة بما لا يضر بها ولا بالإنسان، والحقيقة أن التجربة أثبتت أن نظام العولمة وقبله الاقتصاد الحر كان لهما الأثر السلبي على البيئة الطبيعية والبشرية، ما دفع علماء الاقتصاد إلى أن يبحثوا عن الحلول البديلة لضمان موارد مالية تمكن من حماية البيئة بعد أن عمل الإنسان (بسبب جشعه) على تدميرها.

 

ثانيا: العولمة الاقتصادية وخطر التلوث البيئي

إن ظاهرة العولمة الاقتصادية عززت فكرة الحرية الاقتصادية العابرة للقارات، فعرف النشاط الاقتصادي الدولي تطورات كبيرة من حيث الحجم، فالعالم ينتج ما يفوق 48 تريليون دولار، لكن السؤال الذي يتبادر إلى ذهن الباحث الاقتصادي هو: ما هي تكلفة هذا التطور الكبير في حجم الإنتاج الذي يعكس تطورا مقابلا في حجم القاعدة الصناعية؟ والواقع أن أو تكلفة تؤخذ بعين الاعتبار هي البيئة، فالتكلفة البيئية لا يمكن الاستهانة ونحن نتحدث عن التطور الحاصل في النشاط الاقتصادي، وعندما نقول تكلفة بيئية نقصد تدمير البيئة أو بتعبير صريح (التلوث البيئي).

 

أ‌)   العولمة الاقتصادية والبيئة:

وجد تقييم النظم الإيكولوجية للألفية بأن 60% تقريبا من خدمات النظم الإيكولوجية في العالم تشهد تدهورا أو تستخدم بصورة غير مستدامة، وأنه في غضون الخمسين سنة الماضية أحدث البشر تغييرات جذرية في النظم الإيكولوجية في العالم فاقت أي تغييرات في أي فترة مضت في تاريخ البشرية، وأدت هذه الاتجاهات إلى نشوء مجموعة جديدة من الفرص والتحديات على الصعيد الدولي للقادة وصناع القرار الذين يحتاجون إلى أساس رشيد للاستخدام السليم للموارد الطبيعية، ولضمان إمكانية استمرار النظم الإيكولوجية في دعم النمو الاقتصادي والقدرة على تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية[7].

وقد أحست الدول المجتمعة بكيوتو (اليابان) في ديسمبر 1997 بخطورة الوضع البيئي في العالم نتيجة هذا التطور الحاصل في النشاط الاقتصادي، وقد وافقت الدول المجتمعة وعددها 160 بلدا على خفض انبعاث ثاني أكسيد الكربون وغازات الاحتباس الحراري الأخرى.

 

لكن الواقع أثبت أن عددا قليلا –مقارنة مع عدد المشاركين في كيوتو- من الدول صادق على البروتوكول، ذلك أنه يدعو الدول الصناعية إلى تخفيض متوسط انبعاثاتها خلال الفترة 2008-2012 إلى ما دون مستويات 1990 بحوالي 5% [8]. وعندما تبحث في التزامات الدول الصناعية تجد أن عددا من الدول ذهب إلى الالتزام بتخفيض أكبر من النسبة المطلوبة في البروتوكول، حيث اعتمد لاتحاد الأوروبي نسبة 8% كهدف يبتغي الوصول إليه في مجال تخفيض ثاني أكسيد الكربون وغازات الاحتباس الحراري، أما الولايات المتحدة الأمريكية فاعتمدت نسبة 7% بينما اليابان وافقت على 6%[9].

 

ب‌)      أسباب تأخر تطبيق التزامات اتفاق كيوتو؟

رغم كل الالتزامات المقدمة من الدول أعلاه (التي تتسبب صناعاتها في تلويث البيئة) إلا أن التطبيق الذي كان ينشده الاتفاق لم يطبق بشكل كامل والسبب في ذلك يرجع إلى ما يلي:

·        ارتفاع تكاليف الحد من الغازات المدمرة للبيئة،

·        الخوف من تراجع نمو الصناعات،

·        الخوفمن الانعكاس السلبي على أسعار المنتجات.

 

وعليه وجب التفكير في تلك الأدوات التي تمكن لدول من تعويض أو تخفيض خساراتها (تراجع نتائج قطاعاتها الصناعية) إن هي أقدمت على اعتماد نسب التخفيض للغازات المدمرة للبيئة التي التزمت بها أعلاه.

ثالثا: التلوث البيئي في الوطن العربي

لا شك أن الدول العربية ليست مستثناة من تلويث البيئة، فالصناعة العربية رغم ضعفها خارج قطاع المحروقات إلا أنها تتميز بتخلف التكنولوجيا المعتمدة لديها ما يعني أن مصانعها القديمة تعتبر من بين العناصر الملوثة للبيئة لافتقادها لتلك التقنيات التي تجعلها صديقة للبيئة أو أقل تلويثا لها ثم أن إنتاج المحروقات يعتبر أيضا من أهم النشاطات الأكثر تلويثا للبيئة في الوطن العربي، علما أنها تشكل أهم مصدر للدخل لعدد معتبر من الدول العربية.

 

من بين الدول العربية المنتجة للبترول نجد الجزائر، التي صرح وزيرها للتهيئة العمرانية والبيئة سنة 2005 أن الجزائر تتكبد خسارة سنوية قدرها 3.5 مليار دولار بسبب التلوث البيئي، علما أن دولة مثل الجزائر كان يمكن أن تخفض هذه الخسارة التي تساوي حاليا فاتورتها الغذائية. في المقابل ثبت أن الجزائر تبنت 12 قانونا سمح بتحديد دور مختلف الأطراف المسؤولة عن حماية البيئة[10].

إن المشاكل المرتبطة بتلوث البيئة في الوطن العربي عززها وزاد من حدتها مختلف المشكلات البيئية التي تأخذ أولوية لدى الدول العربية في القرن الحادي والعشرين ومن أهم هذه المشكلات نجد[11]:

§                ندرة المياه وتدني نوعيتها،

§                محدودية الأرض،

§                التصحر وزحف الرمال،

§                التأثير البيئي لتزايد إنتاج واستهلاك الطاقة،

§                تلوث المناطق الساحلية،

§                فقد الغابات،

§                الاستهلاك غير الرشيد لمصادر الثروة الطبيعية،

§                تدهور بيئة المدن والنفايات الصلبة والسائلة وكذا النفايات الخطيرة،

 

ومنه يظهر أن لمعالجة المشاكل البيئية (التلوث البيئي) تزيدها هذه المشاكل صعوبة، ما يعني أن قدرة الدول العربية على مواجهة ظاهرة التلوث تتطلب بالإضافة إلى الرغبة السياسية القوية أيضا تنمية قدراتها الوقائية وتعززها بأدوات علاجية لأهم المشكلات البيئية المذكورة أعلاه، ومنه يمكن تسخير جزءا هاما من الإيرادات البترولية (مثلا) للدول العربية المنتجة للبترول في رفع احتياطاتها من المياه الصالحة للشرب والسقي ما قد يعزز من قدراتها في مكافحة التسحر الزاحف وتطوير المساحات الخضراء وتطوير استخدام الطاقات البديلة الصديقة للبيئة مثل الطاقة الهوائية، الشمسية،...

 

رابعا: ماهية الجباية البيئية

قبل أن نلج في الحديث عن الجباية البيئية وجب علينا أن نطرح السؤال التالي: هل هناك طرق مالية لكبح جماح التلوث البيئي؟

ومن هنا تتجلى أهمية اعتماد فكرة الجباية البيئية كأساس لمكافحة التلوث البيئي ذلك من خلال نظرتين:

·        اعتبار الضريبة البيئية كغرامة (عقوبة مالية) ضد التلوث.

·        أن الموارد المتأتية من الضرائب البيئية تستغل في محو آثار التلوث البيئي وتطوير أساليب جديدة صديقة للبيئة في شتى المجالات،

·        الإعفاء الضريبي وهذا مقابل تطوير تقنيات الحد من التلوث البيئي في المصانع.

 

فالجباية البيئية تشمل مختلف الضرائب والرسوم التي تفرضها الدولة على الأشخاص المعنويين والطبيعيين الملوثين للبيئة بالإضافة إلى أن الجباية البيئية قد تشمل مختلف الإعفاءات والتحفيزات الجبائية للأشخاص المعنويين والطبيعيين الذي يستخدمون في نشاطاتهم الاقتصادية تقنيات صديقة للبيئة.

 

أ‌)   الضرائب البيئية :

أو الجباية الخضراء، هي تلك الضرائب المفروضة على الملوثين الذين يحدثون أضرارا بيئية من خلال نشاطاتهم الاقتصادية المختلفة الناجمة عن منتجاهم الملوثة أو الملوَّثة، واستخدامهم لتقنيات إنتاجية مضرة بالبيئة.

يتم تحديد نسبة هذه الضرائب على أساس تقدير كمية ودرجة خطورة الانبعاثات المدمرة للبيئة هذه الضريبة سميت باسم الاقتصادي (بيجو Pigou) وتدعى (les taxes pigouviennes)

 

ب‌)     الرسوم البيئية: نظرا لما توفره الدولة من خدمات خاصة تستخدم فيها تقنيات التطهير والسلامة البيئية فهي تفرض على المستفيدين من هذه الخدمات رسوما خاصة لا تظهر إلا عند الاستفادة المباشرة من خدماتها (مثل: رسم التطهير أو النظافة، رسم الاستفادة من المياه الصالحة للشرب...)

وتجدر الإشارة إلى أن نظام المعلومات الخاص بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يستخدم تعريفا أوسع نطاقا للضرائب البيئية (أو الإيكولوجية)، بحيث يتضمن كافة الضرائب ذات الصلة بالبيئة والمفروضة على المنتجات[12].

والملاحظ من خلال الضرائب والرسوم البيئية أن استحداثها وتطبيقها يحتاج إلى:

·        ضرورة تدخل الدولة بشكل مباشر في حماية البيئة،

·        ضرورة توفر تقنيات قياس درجة التلوث،

·        ضرورة وجود عقد اجتماعي لمكافحة التلوث،

·        عدالة متخصصة في المسائل البيئية.

علما أن العناصر السابقة لا يمكن أن تفي بالغرض في تأسيس قاعدة متينة لتعزيز مكافحة الدولة للتلوث البيئي ما لم يكن هنالك عناصر مساعدة يمكن أن نجملها في الآتي[13]:

·        منظمات المجتمع المدني النشطة التي تحسس الأعوان الاقتصاديين وأفراد المجتمع بخطورة التلوث البيئي،

·        سياسات تربوية ترسخ حماية البيئة في عقول تلاميذ وطلبة المدارس،

·        إستراتيجية إعلامية مقنعة بضرورة المساهمة في حماية البيئة والحد من التلوث البيئي،

والإشكال الذي يفرض علينا الارتكاز على العناصر السابقة في تأسيس قاعدة متينة لحماية البيئة والحد من التلوث يكمن في السؤال التالي: هل يكف فرض رسوم وضرائب للحد من التلوث البيئي؟

 

ت‌)     الحوافز والإعفاءات الجبائية :

الواقع أن النظام الجبائي ليس كله ضرائب ورسوم، وإنما يوجد فيه الحوافز والإعفاءات الجبائية التي قد يكون لها أكبر الأثر في اعتماد صناعات ونشاطات اقتصادية صديقة للبيئة، لأن فرض الضرائب والرسوم قد يواجه بالتهرب والغش الجبائي، بينما التحفيز والإعفاء قد يقابله الاستجابة التلقائية واعتماد تكنولوجيات وتقنيات صديقة للبيئة، علما أن الإعفاء والتحفيز قد يأخذان الأشكال التالية:

§  الإعفاء الدائم: وهذا من الضرائب والرسوم التي تفرض على النشاطات الاقتصادية المختلفة وهذا للتمييز بين النشاطات الاقتصادية الملوثة للبيئة وتلك الصديقة لها.

§  الإعفاء المؤقت: والذي يكون لمدة محدودة، كأن يتم إعفاء المؤسسة المعنية في الخمس سنوات الأولى من بداية نشاطها، وهذا لتحفيزها وتعويضها عن اكتساب تكنولوجيات مكلفة صديقة للبيئة بالإضافة إلى مساعدتها بشكل غير مباشر في إنتاج سلع أكثر تنافسية مقارنة بالسلع التي تستخدم تكنولوجيات ملوثة للبيئة.

§  الحوافز الجبائية: كأن يتم إعفاء التجهيزات والمعدات المستوردة الصديقة للبيئة من دفع الضرائب والرسوم الجمركية، ومختلف الضرائب والرسوم الأخرى، وذلك بغية تحفيز المؤسسة على استيراد التكنولوجيات الصديقة للبيئة، ما قد يساعد في توسيع دائرة النشاطات الاقتصادية التي لا تضر بالبيئة.

 

خامسا: أهمية الجباية البيئية في كبح التلوث

إن مبدأ الجباية البيئية يرتكز إلى قاعدة أساسية مفادها أن الذي يحدث أكثر ضررا بيئيا (تلوثي) هو من يدفع ضرائب أكثر، وذلك كعقوبة على تدمير البيئة خلال اعتماد تكنولوجيات عدوة للبيئة، وعليه كلما كانت الضرائب أكبر كلما أحس الملوثون بأثرها، ما قد يجعلهم يغيرون استراتيجياتهم الصناعية أو الإنتاجية المرتكزة على التكنولوجيا الرخيصة الملوثة إلى البحث في سبل اعتماد تكنولوجيات صديقة للبيئة، والتي عادة ما تكون غالية، لكن في المقابل يوجد تلك الحوافز الجبائية التي ذكرناها والتي من شأنها أن تخفف عنهم وطأة التكاليف الباهظة التي يتحملونها بغية اكتساب تلك التكنولوجيات غير  الملوثة، ثم أن الإعفاء كلما كان لمدة أطول كلما اضمحلت تكلفة اكتساب تلك التكنولوجيات مع مرور الزمن.

 

وعليه فإنني أرى أن التخفيف من آثار التلوث البيئي عن طريق الجباية البيئية يتطلب ما يلي:

أ‌)   مرحلة انتقالية: يتم من خلالها إعداد الأعوان الاقتصاديين لمرحلة التصنيع الصديق للبيئة، وهذا لا يكون إلا من خلال إستراتيجية إعلامية موجهة لأصحاب المصانع والنشاطات الإنتاجية التي تتسبب في مشاكل بيئية.

ب‌)     مرحلة المشاريع النموذجية: وهي تلك المشاريع التي تقيمها الدولة (لأنها الأقدر على تحمل تكلفتها)، وتبين أهميتها وضرورة توسيع رقعتها ما يجعل الأعوان الاقتصاديين المتدخلين في النشاط الاقتصادي يأخذون نظرة عن طبيعة تلك المشاريع على أرض الواقع.

ت‌)     مرحلة المشاريع النموذجية المشتركة: قد تكون الدولة طرفا أساسيا فيها،  بحث تجعل الأعباء مقسمة بينها وبين المستثمرين المحليين أو الأجانب بغية تعميق تجربة اعتماد مشاريع مماثلة صديقة للبيئة ما يزيد من التشجيع بضرورة انتهاج نفس النهج من طرف الخواص عن طريق مشاريع مشتركة فيما بينهم أو عن طريق شراكة أجنبية.

ث‌)     مرحلة الاستقلالية: وهي المرحلة التي تخرج فيها الدولة تماما من المشاريع النموذجية السابقة، لتفتح المجال للخواص بغية اعتماد مشاريع كاملة خالية من الملوثات البيئية.

 

 ثم أن تواجد الدولة ضروري من خلال ممارستها للدور الرقابي المباشر على مختلف المشاريع الإنتاجية (الصناعية)، بغية ضمان الحفاظ على مسار التكفل بالبيئة. وعليه فإن للدولة دورا رياديا لا يمكن بدونه أن نقوم بإحلال المشاريع الملوثة للبيئة بمشاريع صديقة لها، علما أن المشاريع الملوثة كلفت الدول أموالا طائلة نتيجة تلك الآثار السلبية التي نتجت عنها.

سادسا: أنواع الضرائب والرسوم البيئية

أ‌)   الضريبة على المنتجات:

وتدعى ( output tax) وهي ضريبة قيمية أو نوعية تفرض على الوحدات الإنتاجية التي تتسبب في تلويث البيئة وينتج عنها أضرار اجتماعية،علما أن الهدف من هذه الضريبة هو خفض مستوى الملوثات إلى مستويات دنيا مقبولة اجتماعيا[14]، أي لا تحدث أضرارا بيئية من جهة ولا تضر بالإنسان من جهة أخرى.

 

ب‌)     ضريبة النفايات أو الانبعاثات الملوثة:

وتدعى (Emission Tax)، وتفرض على مخلفات النشاط الإنتاجي للوحدات الاقتصادية، كما أنها تمارس دور الأسعار السوقية لتكلفة مخرجات لتلوث، وعليه فهي تستهدف الآثار السلبية الناجمة عن المشاريع الملوثة للبيئة[15].

وعليه فنتيجة لهذا الإجراء الضريبي العقابي لمثل هذه النشاطات الإنتاجية ذات المخرجات الملوثة للبيئة، يلجأ المنتجون إلى تخفيض المدخلات التي يتبين أنها سبب التلوث البيئي.

 

الخلاصة : إن حماية البيئة لا يتطلب الاعتماد على الأدوات الجبائية العقابية، وإنما يجب أن يتم التركيز أكثر على الأدوات التحفيزية والإعفاءات الجبائية، ذلك أن اكتساب تكنولوجيات صديقة للبيئة يتطلب تحمل تكلفة باهظة، ما يجعل مخرجاتها من سلع وخدمات تكون بأسعار غير تنافسية.

 

إن تدخل الدولة كشريك في عملية تحويل هياكل الإنتاج إلى إنتاج صديق للبيئة يعتبر أمرا أساسيا، بل ضروري، ذلك أنها الشخص المعنوي الوحيد الذي يمكنه تحمل تكاليف هذا الانتقال، ويمكن أن يكون ذلك في شكل عقود شراكة متناقصة تنسحب الدولة من خلالها من هذه المشاريع تدريجيا. وعليه فإننا نوصي في نهاية هذا المقال بما يلي:

1.     اعتماد التدرج في فرض الضرائب والرسوم البيئية،

2.     التركيز على التحفيزات والإعفاءات الجبائية عوض التمادي في العقوبات،

3.     استغلال الموارد الجبائية المتأتية من الجباية البيئية في البحث العلمي الهادف إلى إنتاج ابتكارات تعزز الصداقة مع البيئة،

4.     استغلال نسبة من الإيرادات الجبائية المتأتية من الجباية البيئية في تمويل حملات إعلامية تحسيسية بأهمية الحفاظ على البيئة،

5.     في إطار التعاون الدولي نقترح إنشاء الصندوق العربي لترقية بحوث حماية البيئة يكون ممولا بنسبة من موارد الدولة المتأتية من الجباية البيئية.

 

الإحالات والمراجع :



[1] محمد عبد البديع، "اقتصاد حماية البيئة"، دار الشروق، لبنان، 1975، ص 9.

[2] رشيد الحمد، "البيئة ومشكلاتها"، مكتبة الفلاح، الكويت، 1986، ص29.

[3] سعيد محمد الحفار، "الإنسان ومشكلات البيئة"، جامعة قطر، قطر، 1986، ص 17.

[4] محمد عبد القادر الفقي، "البيئة: مشاكلها وقضاياها"، مكتبة ابن سينا، القاهرة، 1993، ص 10.

[5] عبد المجيد عمر النجار، "قضايا البيئة من منظور إسلامي"، مركز البحوث والدراسات، قطر، 1999، ص41

[6] عبد الشافي العشماوي، "الحسابات القومية الاقتصادية البيئية"، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، القاهرة، 5-7 يونيو 2007 ، ص2.

[7] مجلس إدارة برنامج الأمم المتحدة للبيئة، "العولمة، وخدمات النظم الإيكولوجية والرفاه البشري"، نيروبي، 5-9 فبراير 2007، ص2.

[8] جون نورغارد، فاليري ريبلين هيل، "مكافحة التلوث باستخدام الضرائب والرخص القابلة للتداول"، قضايا اقتصادية، العدد25، واشنطن، صندوق النقد الدولي، 2000، ص1.

[9] نفس المرجع، ص1.

[10] مراد عباس، "التلوث يكلف الجزائر 3.5 مليار دولار"، جريدة الخبر، 18 أوت 2004.، ص1 .

[11] نادية حمدي صالح، "الإدارة البيئية: المبادئ والممارسات"، مركز لتنمية الإدارة البيئية، أكاديمية السادات، مصر،2002، ص41.

[12] جون نورغان، فاليري ريبلين هيل،مرجع سابق، ص 3.

[13] صندوق البيئة العالمية، مذكرة الآليات السوقية اللازمة لتمويل الاتفاقيات البيئية العالمية، كيب تاون، جنوب إفريقيا، 29-30 أوت 2006، ص1.

[14]DAVIDcl Nellor, D.C, "Environmental Taxes", Washington,1995, p108-109.

[15] عصام خوري، عبير ناعسة، النظام الضريبي وأثره في الحد من التلوث البيئي،2007، مجلة جامعة تشرين للدراسات والبحوث، المجلد 29، العدد 1 ، 2007، ص 71.