pdfمتطلبات تطوير الصيرفة الإسلامية في الجزائر                

د/ سليمان ناصـر – جامـعة ورقـلة

أ/ عبد الحميد بوشرمة – جامعة  جيجل

 

ملخص : يحاول هدا المقال التطرق إلى أهم المتطلبات الواجب توفيرها كحد أدنى لتشجيع وتطوير الصيرفة الإسلامية في الجزائر، والتي ما تزال بعيدة عن ماهو مطلوب، أو بالأحرى ما يجب أن تكون عليه هذه الصناعة، ذلك أن نظام الصيرفة الإسلامية لا يتطلب بالضرورة بيئة إسلامية كاملة، بل يمكن تطبيقه بنجاح حتى في البلدان غير الإسلامية، لكن سيادة الديانة الإسلامية ولو مع عدم وجود قوانين وتشريعات تنظيمية إسلامية يمكن أن يزيد من فرص نجاح هذا النظام، وهذا ما يتوفر في المجتمع الجزائري ذو الأغلبية المسلمة.

الكلمات المفتاح :البنوك الإسلامية، التمويل الإسلامي، الصيرفة الإسلامية. 

تمهيد :إن الملاحِظ لتاريخ البنوك الإسلامية والمتتبع لحركتها يستطيع أن يرصد بسهولة النمو والتطور والنجاح الدي حققته تلك البنوك، بالرغم من تجربتها القصيرة، وفي ظل المنافسة القوية من قبل البنوك التقليدية(*)، ومن مظاهر نجاح الصيرفة الإسلامية هو إنتشارها في معظم الدول الإسلامية وغير الإسلامية، حيث وصل حجم هذه الصناعة إلى 729 مليار دولار سنة 2007، وما يقارب 840 مليار في نهاية 2008، ويُتوقع أن تصل إلى حوالي 3,5 تريليون دولار خلال الأربع سنوات القادمة أي في سنة 2013، وبمعدل نمو يفوق 24 ٪ سنوياً([1])، والملفت للانتباه هو أن عدداُ من البنوك التقليدية في أوروبا مثل البريطاني بارركليز (BARCLYS BANK) و السويسري (UBS) وغيرها؛ قامت بفتح نوافذ للعمل المصرفي الإسلامي، وهو ما حدث أيضاً للعديد من البنوك التقليدية في مصر والسعودية وماليزيا، بل إن بنوكاً أخرى عالمية مثل سيتي بانك (CITI BANK) الأمريكي فتح فرعاً إسلامياً مستقلاً بالبحرين إسمه (سيتي بانك البحرين الإسلامي)، وذلك لجلب المزيد من العملاء وبالتالي زيادة قدرته التنافسية.

 إن التطور السريع الذي شهدته الصيرفة الإسلامية، وظهورها كبديل للبنوك التقليدية خاصة في البلدان الإسلامية لم يكن وليد الصدفة، بل كان ضرورة للإستجابة لرغبة العملاء الذين يرفضون التعامل بالربا، وكذلك نظراً لدورها في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، هذا بالإضافة إلى أن التطورات العالمية الراهنة، والتي من أبرزها الأزمة المالية التي يمر بها العالم حالياً([2])، قد أدت إلى زيادة الأصوات المطالبة بتبني النظام المصرفي الإسلامي، وذلك عن طريق توفير مجموعة من المتطلبات، تختلف باختلاف الدول وتراعي الأوضاع السائدة، وهذا ما سنحاول التطرق إليه في هذا المقال مع الإشارة إلى حالة الجزائر، من خلال المحاور الآتية :

- البنوك الإسلامية، المفهوم، الخصائص، الأهداف، أسباب الانتشار.

- صيغ التمويل المصرفي الإسلامي.

- واقع وسبل تطوير الصيرفة الإسلامية في الجزائر.

 

1- البنوك الإسلامية، المفهوم، الخصائص، الأهداف، أسباب الانتشار   :

1-1- مفهوم البنوك الإسلامية : لقد تعددت التعاريف الخاصة بالبنوك الإسلامية ومن أهمها مايلي :

- يُعرّف البنك الإسلامي بأنه مؤسسة مالية تقوم بأداء الخدمات المالية والمصرفية، كما تباشر أعمال التمويل والاستثمار في المجالات المختلفة وفي ضوء قواعد وأحكام الشريعة الإسلامية، بهدف المساهمة في غرس القيم والمثل والخلق الإسلامية في مجال المعاملات، والمساعدة في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، من تشغيل الأموال بقصد المساهمة في تحقيق الحياة الطيبة الكريمة للأمة الإسلامية([3]).

- البنك الإسلامي هو منظمة مالية ومصرفية اقتصادية واجتماعية، تسعى إلى جذب الموارد من الأفراد والمؤسسات، وتعمل على استخدامها الاستخدام الأفضل مع أداء الخدمات المصرفية المتعددة، وتعمل على تحقيق العائد المناسب لأصحاب رأس المال، كما تسهم في تحقيق التكافل الاجتماعي في المجتمع، وتلتزم بمبادئ ومقتضيات الشريعة الإسلامية، وذلك بهدف تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للأفراد والمؤسسات مع مراعاة ظروف المجتمع([4]).

من التعاريف السابقة، يمكن تعريف البنوك الإسلامية بأنها تلك البنوك التي تقوم بالأعمال والأنشطة المصرفية التي تزاولها المصارف التقليدية ولكن دون التعامل بالفوائد، ومراعاتها لأحكام الشريعة الإسلامية، بغرض تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع.

1-2- خصائص البنوك الإسلامية : للبنك الإسلامي عدة خصائص تميزه عن غيره من البنوك الأخرى من أهمها :

- عدم التعامل بالفوائد الربوية أخذاً أوعطاءً : إن أول ما يميز المصرف الإسلامي من غيره من المصارف التقليدية هو استبعاد كافة المعاملات غير الشرعية من أعماله وخاصة نظام الفوائد الربوية، وبذلك ينسجم البنك الإسلامي مع البيئة المسلمة للمجتمع الإسلامي ولا يتناقض معها.

إن الأساس الذي تقوم عليه البنوك الإسلامية في إسقاط الفوائد الربوية من معاملاتها، هو أن الإسلام قد حرّم الربا، و تستعيض البنوك الإسلامية عن أسلوب الفائدة بأسلوب المشاركة والدي يقوم على توزيع مخاطر العمليات الاستثمارية بين الأطراف (المموّل وطالب التمويل) ([5]).

- الطابع العقائدي : المصارف الإسلامية هي جزء من النظام الاقتصادي الإسلامي، وباعتبار أن الدين الإسلامي جاء منظماً لجميع حياة البشر الروحية والخلقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فإنها تخضع (المصارف الإسلامية) للمبادئ والقيم الإسلامية التي تقوم على أساس أن المال مال الله، وأن الإنسان مستخلف فيه، ويترتب على هده الخاصية أن تتحرى المصارف الإسلامية التوجيهات الدينية في جميع أعمالها([6]).

- الاستثمار في المشاريع الحلال : تولي البنوك التقليدية اهتماماً قليلاً بالانعكاسات الأخلاقية للنشاطات التي تموّلها. وفي مقابل ذلك يعمل كافة الوكلاء الاقتصاديون في النظام الإسلامي في إطار من القيم الأخلاقية المنبثقة من الإسلام، وليس ثمة استثناء بالنسبة للبنوك، فهي لا تستطيع أن تموّل أي مشروع يتناقض مع نظام القيم الأخلاقية الإسلامية([7])، فهي لا تقوم مثلاً بتمويل مصنع للخمور أو أية أنشطة يحرمّها الإسلام وتسبّب ضرراً للمجتمع.

إن اعتماد البنك الإسلامي لصيغ المشاركات العادلة التي تقوم على التعاون بين صاحب رأس المال وطالب التمويل في حالة الربح والخسارة، تجعل نشاطه مميزاً عن النظام الربوي الذي يسعى إلى طلب أعلى سعر فائدة ممكن، دون مراعاة لطبيعة المشروعات التي توظّف فيها الأموال إن كانت نافعة للإنسان أم ضارة، في حين تخضع لقواعد الحلال والحرام في الإسلام كلّ ما يقوم به البنك الإسلامي من نشاطات، والتي تهدف في مجملها إلى تلبية حاجات المجتمع السياسية وتحقيق مصالحه العليا([8]).

- ربط التنمية الاقتصادية بالتنمية الاجتماعية : إن للمال وظيفة اجتماعية، لذلك كان الاهتمام بالنواحي الاجتماعية أصلاً من أصول هذا الدين، إذ أن البنك الإسلامي وباعتباره مؤسسة اقتصادية مصرفية اجتماعية، فإنه يقوم بتعبئة المدّخرات من الأفراد والمؤسسات واستثمار في مختلف أوجه النشاط الاقتصادي، خدمة لمصالح المجتمع ومن هنا يكون ارتباط التنمية الاقتصادية بالتنمية الاجتماعية أي أن البنك الإسلامي من وراء توظيفه لأمواله لايهتم فقط بالحصول على العوائد، وإنما يتعدى ذلك إلى اهتمامه بالعائد الاجتماعي.   

- التركيز على الإنتاجية مقارنة بالتركيز على الملاءة المالية المقترض: في النظام المصرفي التقليدي ما يهم البنك هو استرجاع قروضه مع الفوائد في الوقت المحدد، ولذا فإن الاعتبار الغالب هو مدى قدرة المقترض على الوفاء بالدين، أما في نظام تقاسم الربح والخسارة أي النظام الإسلامي فإن البنك يتلقى عائداً فقط إذا نجح المشروع وحقق ربحاً، وبالتالي فإن البنك الإسلامي يهتم أكثر بسلامة المشروع([9])، أضف إلى ذلك أن التمويل في هذا الأخير يكون مرتبطاً بالاقتصاد الحقيقي المنتج للثروات (سلع وخدمات) عكس ما هو سائد لدى البنوك الربوبية (التقليدية)، التي تقوم غالباً بتمويل أصول وهمية كالمضاربة على العقود والمشتقات.

 

1-3- أهداف البنوك الإسلامية : إن البنوك الإسلامية ليست مجرد بنوك لا تتعامل بالربا، وتمتنع عن تمويل الأنشطة المحرّمة فقط، وإنما هي بنوك لها دور رئيسي في التنمية الاقتصادية، بما يخدم الصالح العام لمجتمع يسير وفق منظور إسلامي، ومن بين الأهداف التي تسعى البنوك الإسلامية إلى تحقيقها ما يلي :

- إحياء المنهج الإسلامي في المعاملات المالية والمصرفية : حيث تهدف البنوك الإسلامية إلى إحياء المنهج الإسلامي في المعاملات المالية والمصرفية من خلال :

- الالتزام بالقواعد والمبادئ الإسلامية في المعاملات المالية والمصرفية.

- تقديم البديل للإسلامي للمعاملات البنكية التقليدية لرفع الحرج عن المسلمين([10]).

- الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في المعاملات المصرفية والمالية من خلال التزامها هي أولاً، ثم النصح والإرشاد لأفراد المجتمع باتباع السلوك الإنساني في استثمار وتوظيف أموالهم.

- تنمية القيم العقائدية والأخلاقية في المعاملات وتثبيتها لدى العاملين والمتعاملين معها([11]).

- تحقيق أمال وطموحات أصحاب البنك والعاملين به :  أي أن المساهمين في البنك الإسلامي يقومون باستثمار أموالهم في الحلال وبالأسلوب الشرعي، إضافة إلى أن العاملين بالبنك يقومون بأعمال يحرصون فيها على مراعاة أحكام الشريعة الإسلامية، ويمكن للبنوك الإسلامية أن تحقق هذا إذا تمكنت من الوصول إلى([12])

- قدر مناسب من الأرباح للمساهمين. 

- موقف معزز في السوق المصرفية وبالتالي تكوين سمعة طيبة عند البنك، وتحقيق الانتشار الجغرافي لوحداته، والعمل على زيادة عدد المتعاملين معه.

- تنمية الكفاءات والمهارات الإدارية لمديري وموظفي البنك حتى يتمكنوا من الاستمرار في تقديم خدماته وتطويرها.

 

- تحقيق التنمية الاقتصادية : إن البنوك الإسلامية تساهم في تحقيق التنمية الاقتصادية من خلال :

- تحريك الطاقات الكامنة في المجتمع للوصول إلى أقصى إنتاجية ممكنة، بما يكفل التغيير المنشود في الشرع، ولا شك أن تحريك الطاقات الكامنة في المجتمع أيا كان نوع هذه الطاقات (بشرية، مادية ...) فإنه نوع من التغيير في المجتمع الذي تنشده البنوك الإسلامية كهدف من أهداف المشروع الإسلامي([13]).

- تشجيع الاستثمارات ومحاربة الاكتناز من خلال إيجاد فرص وصيغ عديدة للاستثمار تتناسب مع الأفراد والشركات([14])، أي إيجاد البدائل لأولئك الدين يرفضون التعامل بالربا .           

- إلغاء الفوائد الربوية، وتخفيض  تكاليف  المشاريع  وهذا ما يؤدي إلى تشجيع الاستثمار وبالتالي خلق فرص عمل جديدة ،انخفاض معدل البطالة، وزيادة الدخل الوطني.

- العمل من أجل بقاء رؤوس الأموال داخل الوطن، وبالتالي يزداد الاعتماد على الموارد والإمكانيات الذاتية الأساسية التي توظف داخل البلدان الإسلامية.

- تحقيق التكافل الاجتماعي : تهتم البنوك الإسلامية بتحقيق التكافل الاجتماعي، بين أفراد المجتمع بمختلف الطرق المشروعة، مثل صناديق الزكاة التي تموّل عن طريق موارد متعددة، أهمها الزكاة المفروضة شرعاً على رأس مال البنك وأرباحه، وكذلك أموال الزكاة المتأتية من أصحاب حسابات الاستثمار والذين يفوّضون البنك في إخراجها من أرصدتهم نيابة عنهم، وكذا الزكوات التي يتلقاها من غير عملائه والذين يدفعونها إلى البنك الإسلامي ويفوّضونه في توزيعها، هذا إلى جانب الصدقات والتبرعات التي يتلقاها من الأفراد والمنظمات([15]).

تقوم البنوك الإسلامية بتوجيه هذه الموارد إلى قنواتها الشرعية في صورة نقدية أو عينية لمختلف الجهات والمستحقين لها، وهي الأصناف الثمانية الواردة في قوله تعالى : "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم"([16])، فضلاً عن اهتمام البنوك الإسلامية بالقروض الحسنة الإنتاجية والاجتماعية، والمساهمة في المشروعات الاجتماعية التي لا تهدف إلى تحقيق الربح.

 

1-4- أسباب انتشار البنوك الإسلامية :

إن انتشار العمل المصرفي الإسلامي كما سبق ذكره لم يقتصر على العالمين العربي والإسلامي فقط، بل امتد إلى الكثير من المؤسسات المالية والمصرفية الدولية، والتي حرصت على تبني هذا العمل بعد أن لاحظت الإقبال الكبير على التعامل به، ولعل من بين دوافع انتشار العمل المصرفي الإسلامي  ما يلي :

- الكفاءة العالية للبنوك الإسلامية والتي تمكنها من إدارة الأزمات المالية، وقد أثبتت الأزمة الآسيوية سنة 1997 أن المصارف الإسلامية كانت أقل تأثراً بتلك الأزمة، وقد تعزز هذا الطرح في ظل الأزمة المالية الحالية.

- القدرة على تطوير الأدوات والآليات والمنتجات المصرفية، مما أدى إلى انتشارها بسرعة، وتشير التجربة إلى أن صيغ التمويل الإسلامية تتميز بمرونة كبيرة، مما يجعل من الممكن تطوير وابتكار صيغة مناسبة لكل حالة من طلبات التمويل التي تقدم للمصارف الإسلامية.

- القدرة والمرونة في إدارة المخاطر المصرفية، وذلك لأن منهجية العمل المصرفي الإسلامي تُبنى على أساس المشاركة (أي اقتسام المخاطر) وليس الاقتراض، كما أن ارتفاع أو ﺍنخفاض نسبة المخاطر في المصارف الإسلامية تعتمد على مدى قدرة هذه المصارف على دراسة المشاريع المستهدفة للتمويل، وهي دراسة اقتصادية تقنية وشرعية في نفس الوقت.

- ارتفاع عدد المسلمين في العالم والذي بلغ 1,3 مليار مسلم (20 % أو ما يمثل خمس سكان العالم)، وتزايد عدد الذين يرغبون في التعامل المصرفي وفقا للشريعة الإسلامية إضافة إلى وجود جالية إسلامية كبيرة في جميع أنحاء العالم وخاصة في جنوب شرق آسيا، أوروبا، أمريكا الشمالية، ما أضحى يمثل سوقاً مربحاً وواعداً للمؤسسات المالية الإقليمية والدولية.

إضافة إلى ما تمّ ذكره فإن الأزمة المالية الحالية (2007-2008) قد أدت إلى تزايد الأصوات المنادية بتطبيق النظام المصرفي الإسلامي الذي هو جزء من النظام الاقتصادي الإسلامي.

 

2- صيغ التمويل المصرفي الإسلامي :

تستخدم البنوك الإسلامية في توظيف الأموال واستثمارها أساليب وصيغ عديدة يمكن تقسيمها إلى قسمين هما :

- صيغ التمويل القائمة على المشاركة في عائد الاستثمار.

- صيغ التمويل القائمة على المديونية.

2-1- صيغ التمويل القائمة على المشاركة في عائد الاستثمار : ويتم فيها استبدال علاقة الدائن بالمدين بعلاقة أخرى تعتمد على الاشتراك في تحمّل المخاطر من ربح أو خسارة، مع اقتسام العوائد وفيما يلي أهم هذه الصيغ :

2-1-1- التمويل بالمضاربة : المضاربة هي عملية استثمارية تقوم على اتفاق بين الطرفين هما : صاحب رأس المال، والمضارب أو العامل هو الطرف المكلف باستثمار المال، حيث يتفق الطرفان معاً على مقاسمة ما قد يتحقق من ربح من عملية الاستثمار بنسب معينة فيما بينهما، و في حالة الخسارة إن حدثت فيتحملها صاحب رأس المال([17]). إذن فالمضاربة هي اتجار الإنسان بمال غيره، أي أن يكون المال مقدماً من شخص والعمل من شخص آخر، على أن يكون الربح بينهما على ما تمّ اشتراطه في العقد، والخسارة وإن كانت فهي على أساس رأس المال فقط، أما العامل (المضارب بعمله) فيكفيه خسارة جهده، إلا إذا ثبت في حقه التعدي أو التقصير فإنه يضمن رأس المال.

2-1-2- التمويل بالمشاركة : وهي اشتراك طرفين أو أكثر في المال أو العمل على أن يتم الاتفاق على كيفية تقسيم الربح، أما الخسارة فيجب أن تكون حسب نسبة المشاركة في رأس المال، ويطبّق البنك الإسلامي هذه الصيغة بالدخول بأمواله شريكا مع طرف أو مجموعة أطراف في تمويل المشاريع، مع اشتراكه في إدارتها ومتابعتها([18]).

2-1-3- التمويل بالمزارعة والمساقاة : تعتبر المزارعة نوعاً من المشاركة، حيث يشارك أحد الشركاء بالمال أو أحد عناصر الثروة (الأرض) و العنصر الثاني من جانب الشريك الأخر، وتقوم هذه العملية أساساًَ على عقد الزرع ببعض الخارج منه بمعنى آخر يقوم مالك الأرض بإعطاء الأرض لمن يزرعها أو يعمل عليها، وهذا النوع من التمويل لم يطبّق سوى من بعض البنوك السودانية، ويرجع هذا إلى الأهمية البالغة التي يكتسيها القطاع الفلاحي في السودان، حيث يمثل مصدر دخل رئيسي لأكثر من 75 % من السكان([19]).

أما المساقاة فهي قيام شخص بالعناية بأرض شخص آخر مزروعة بأشجار أو مزروعات مقابل حصة من الثمار أو الزرع حسب ما يُتفق عليه([20]).

 

2-2- صيغ التمويل القائمة على المديونية : تعتبر صيغ التمويل القائمة على المديونية من بين أهم الصيغ التي يتيحها التمويل الإسلامي، ومن أهم هده الصيغ مايلي :

2-2-1- التمويل بالمرابحة : وهي أن يقوم البنك الإسلامي بشراء السلعة التي يحتاج إليها السوق بناءً على دراسته لأحواله، أو بناءً على وعد بالشراء يتقدم به أحد عملائه، فإذا اقتنع البنك بحاجة السوق لهذه السلعة وقام بشرائها فله أن يبيعها لطالب الشراء الأول أو غيره مرابحة، وهو أن يعيّن البنك قيمة الشراء مضافاً إليها ما تكلفه البنك من مصروفات بشأنها، ويطلب مبلغاً معيناً من الربح لمن يرغب فيها زيادة عن قيمتها([21]).

ويتضح مما سبق أن التمويل بالمرابحة ينقسم إلى قسمين :

- بيع المرابحة العادية : وهي التي تكون بين طرفين هما البائع والمشتري، ويمتهن فيها البائع التجارة فيشتري السلع دون الحاجة إلى الاعتماد على وعد مسبق بشرائها، ثم يعرضها بعد ذلك للبيع مرابحة بثمن وربح يتفق عليه.

- بيع المرابحة المقترنة بالوعد : وهي التي تتكون من ثلاثة أطراف: البائع  المشتري والبنك باعتباره وسيطا بين البائع والمشتري، والبنك لا يشتري السلع هنا إلا بعد تحديد المشتري لرغباته ووجود وعد مسبق بالشراء، ويُستخدم أسلوب المرابحة المقترنة بالوعد في البنوك الإسلامية التي تقوم بشراء السلع حسب المواصفات التي يطلبها العميل، ثم إعادة بيعها مرابحة للواعد بالشراء أي بثمنها الأول، مع التكلفة المعتبرة شرعاً بالإضافة إلى هامش ربح متفق عليه مسبقاً بين الطرفين.

2-2-2- التمويل بالتأجير : ومعناه أن يقوم شخص أو مؤسسة باستئجار أصل ثابت (عقارات أو معدات وأدوات) لايستطيع الحصول عليها أو لا يريد ذلك لأسباب معينة، ويكون ذلك بطريقة أقساط محددة تُدفع للمؤجر مع فرصة تملك الأصل في نهاية المدة ولكن بعقد مستقل.

ويمكن للبنك أن يستخدم هذه الصيغة في صورة الإجارة التشغيلية، وذلك حين يودّ الاحتفاظ بملكية العين المؤجرة بعد انتهاء الإجارة، أو الإجارة المنتهية بالتمليك، أي عندما يتجه القصد إلى نقل ملكية العين المؤجرة إلى العميل المستأجر بعد انتهاء عقد الإيجار أو أثناء سريانه([22]).

2-2-3- التمويل بالسلم : السّلم في تعريف الفقهاء هو بيع آجل بعاجل، بمعنى أنه معاملة مالية يتم بموجبها تعجيل دفع الثمن وتقديمه نقداً إلى البائع، الذي يلتزم تسليم بضاعة معينة مضبوطة بصفات محددة في أجل معلوم، فالمؤجل هو السلعة المباعة الموصوفة في الذمة، والعاجل هو الثمن([23]).

وصيغة التمويل بالسّلم تُستعمل في تمويل القطاع الفلاحي وهو القطاع الذي استُحدثت فيه أصلاً، وذلك من خلال مساعدة الفلاحين في فترة ما قبل نضج المحصول، كما يمكن استخدام السلم في تمويل التجارة الخارجية من أجل دفع حصيلة الصادرات.

2-2-4- التمويل بالإستصناع : الإستصناع هو عقد يُشترى به في الحال مما يصنع صنعاً يُلزم البائع بتقديمه مصنوعاً بمواد من عنده، بأوصاف مخصوصة، وبثمن محدد([24]).

إن عقد الإستصناع هو أن يطلب العميل من البنك الإسلامي صناعة شيء معين غير متوفر في السوق، وأفضل مجال يطبّق فيمه البنك هذه الصيغة هو بناء العقارات، حيث يقوم بإنجاز مسكن يصفه العميل ثم يبيعه إياه بالتقسيط عادة مقابل ضمانات تُدفع له مسبقاً.

2-2-5- التمويل بالقرض الحسن:وهو عقد بين طرفين أحدهما المقرض والثاني المقترض يتم بمقتضاه دفع مال مملوك للمقرض إلى المقترض على أن يقوم هذا الأخير برده أو رد مثله إلى المقرض في الزمان والمكان المتفق عليهما([25])،ورغم أن هذا التعريف ليس فيه ما يفيد الزيادة في رأس المال،إلا أنه تضاف عادة كلمة "حسن"إلى القرض لكي يتم التفريق بينه وبين القرض بفائدة والتي تعتبر ربا، أي زيادة محرمة في الإسلام. وعلى هذا الأساس أي عدم وجود العائد، فإن البنوك الإسلامية لا تقدّم القروض الحسنة إلا على نطاق ضيق لعدد محدود من العملاء.

 

3- واقع وسبل تطوير الصيرفة الإسلامية في الجزائر:

لقد تبنت العديد من الدول الإسلامية والعربية إصدار تشريعات وقوانين تنظّم أعمال المصارف الإسلامية، ولقد كان لهذه الخطوة الأثر الكبير والواضح في ترسيخ دعائم العمل المصرفي الإسلامي، فبالإضافة إلى الدول التي قامت بأسلمة كامل نظامها المصرفي مثل : باكستان، إيران، والسودان، فإن هناك دولاً أصدرت قوانين خاصة لتنظيم عمل البنوك الإسلامية، وتتمثل هذه الدول لحد الآن في : ماليزيا، تركيا، الإمارات العربية المتحدة، اليمن، الكويت، لبنان، وسوريا([26]).

 

أما بالنسبة للجزائر فإن الصيرفة الإسلامية كانت مقتصرة على خدمات "بنك البركة الجزائري" الذي تأسس في : 06/12/1990 أي بعد أشهر قليلة من صدور قانون النقد والائتمان الذي فتح المجال للقطاع الخاص والأجنبي لإنشاء البنوك في الجزائر([27])، ثم فتح أبوابه رسمياً في: 20/05/1991، وهو يُعتبر أول مؤسسة مصرفية تعمل وفق أحكام الشريعة الإسلامية في الجزائر. ثم بعد ذلك بسنوات طويلة ثم تسجيل إنشاء بنك جديد في هذا المجال وهو "بنك السلام"، والدي باشر أعماله حديثاً من خلال تقديم مجموعة من الخدمات المالية وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، ليكون بذلك ثاني مصرف إسلامي يدخل السوق المصرفية الجزائرية. ويقدر رأس مال مصرف "السلام" الدي تم إفتتاحه بتاريخ : 20 /10 /2008 بـ 72 مليار دينار جزائري (100 مليون دولار)، ليصبح حينها أكبر المصارف الخاصة العاملة بالجزائر([28]).

 

إن تجربة البنوك الإسلامية في الجزائر بالرغم من قصر تجربتها، والمشاكل التي تعترضها، والتي من أهمها خضوعها لنفس القوانين واللوائح التي تطبّق عادة على العمل المصرفي التقليدي (أي عدم  مراعاة خصوصيتها)، إلاّ أنها حققت نتائج مرضية، تمثلت في تحقيق بنك البركة لنتائج إيجابية، تجلت بالأساس في تضاعف أرباحه، ورفع قيمة رأسماله، كما حققت تمويلات عمليات المرابحة والاستثمار طفرة كبيرة، تجاوزت 676 مليون دولار في نهاية جوان 2008، محققة زيادة بنسبة 48 ٪ عن النصف الأول من 2007([29])، ولتعزيز مكانة البنوك الإسلامية في الساحة المصرفية الجزائرية، يتطلب الأمر من السلطات النقدية التحمس لهذه الفكرة أولاً، ثم اتباع إستراتيجية واضحة ومتكاملة تعمل على توفير الجو الملائم لعمل المصارف الإسلامية، حتى تتمكن من أن تسهم تدريجياً في عملية تحويل الموارد الاقتصادية من الأنشطة التقليدية التي تهدف إلى الربح فقط، إلى الأنشطة التي تعتمد على تشجيع الاستثمارات الحقيقية.

 

إن انفتاح النظام المصرفي الجزائري على العمل المصرفي الإسلامي سيمكن الجزائر من الاستفادة مما تتيحه المصارف الإسلامية في مختلف المجالات، خاصة وأن الجزائر في مرحلة نمو تحتاج إلى كل ما يدعّم ويعزز هذا النمو والتنمية، ففي مجال تعبئة المدخرات تساهم المصارف الإسلامية في زيادة وترقية الادخار المحلي، خاصة وأن الكثير من الجزائريين يفضّل اكتناز أمواله، على أن يودعها لدى البنوك التقليدية التي تتعامل بالربا، وفي مجال التمويل سيكون للمصارف الإسلامية دورها في توفير التمويل اللازم للقطاع الفلاحي الذي أنفقت عليه الدولة المليارات ولم يحقق أهدافه المنوطة به، بل لم يِؤد ذلك سوى إلى ارتفاع مستمر في أسعار الخضر والفواكه محلياً، وإلى ارتفاع مستمر لفاتورة الغذاء المستورد خاصة الحبوب وقد بلغت هذه الفاتورة ما يقارب 3 مليار دولار سنوياً، كما ستوفر هذه المصارف التمويل اللازم للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التي تُعتبر حجر الزاوية في تحقيق التنمية وتشغيل اليد العاملة، وذلك من خلال الصيغ التمويلية المتنوعة التي توفرها هذه المصارف، والتي تصلح لتمويل هذا القطاع الحيوي.

 

ونظراً للدور والأهمية الكبيرة للبنوك الإسلامية في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإنه يتطلب من السلطات النقدية تهيئة المناخ الملائم لعملها كما ذكرنا، وذلك من خلال عدة متطلبات يمكن تلخيصها فيما يلي :

3-1- تقنين العمل المصرفي : والمقصود بذلك أن تكون أعمال البنوك الإسلامية محكومة بقوانين وتشريعات محددة، صادرة عن الجهات الرسمية والمختصة في الدولة، بحيث يتناول قانون خاص كل ما يتعلق بالبنوك الإسلامية من أحكام إنشائها والرقابة عليها، إذ أن عدم سنّ قوانين في هدا المجال سيؤدّي إلى كثير من الإشكالات في الرقابة والإشراف ومعايير المحاسبة والمراجعة، والعلاقة مع مختلف المؤسسات التي تعمل في السوق المصرفية الجزائرية.

كما أن سنّ قانون مصرفي خاص بالبنوك الإسلامية، سيوفر الإطار التشريعي الواضح لتنظيم عملها بما يتفق مع متطلبات الاقتصاد الوطني، ولتحقيق ذلك يتطلب الأمر إيجاد مجموعة من الإجراءات والسياسات أهمها([30]):

- إدراج ملف المصارف الإسلامية ضمن ملفات إصلاح المنظومة المصرفية.

- تشكيل لجنة مختصة من خبراء شرعيين واقتصاديين وقانونيين ومصرفيين، وتكليفهم بالسهر على إعداد قانون للمصارف الإسلامية.

- دراسة القوانين المنظّمة لعمل المصارف الإسلامية في الدول العربية والإسلامية وضرورة الاستفادة من تجاربها في هذا المجال.

- قيام تعاون كامل بين الجهات المعنية بهذا الأمر لإنجاحه، مثل: بنك الجزائر، وزارة المالية، جمعية البنوك والمؤسسات المالية، ثم أخيراً البرلمان والحكومة للمصادقة ولتنفيذ هذا القانون.

3-2- تنظيم العلاقة مع البنك المركزي : إن الاختلاف والتميز في طبيعة عمل البنوك الإسلامية، يفرض على البنك المركزي في أي دولة أن يتعامل بطريقة خاصة ومتميزة أيضا مع هذه البنوك، دون أن يعني ذلك خروجها عن دائرة رقابته، بل المطلوب هو إيجاد واستخدام أدوات وأساليب خاصة لهذه الرقابة تتلاءم وطبيعة عملها، وتنظيم هذه العلاقة يكون ناتجاً بالضرورة عن ما ذُكر سابقاً من سنّ قانون خاص ينظم الإنشاء والرقابة على البنوك الإسلامية، وبالتالي يمكن للبنك المركزي (بنك الجزائر) في ظل هذا القانون أن ينظم علاقته مع البنوك الإسلامية (في جوانبها الأساسية) وفقاً لما يلي :

3-2-1- نسبة الاحتياطي القانوني : إن الاحتياطي القانوني الذي يفرضه البنك المركزي على الودائع بالبنوك التجارية، يهدف إلى التحكم في المعروض النقدي، إضافة إلى حماية أموال المودعين لدى البنك، لذا يجب أن تُفرض هذه النسبة أساساً على الودائع الجارية، لأن فرض هذه النسبة على حسابات الاستثمار لدى البنوك الإسلامية، يعني عدم استثمار تلك النسبة من الأموال المخصصة للاحتياطي المطلوب، مما يتسبب في تحقيق عوائد أقل لمجموع الودائع المستثمرة، وبالتالي لا يجب إخضاع الحسابات الاستثمارية لدى البنوك الإسلامية لنسبة الاحتياطي القانوني أو على الأقل تخفيضها وذلك للاعتبارات التالية([31]):

- إن الودائع الآجلة أو الاستثمارية في المصرف الإسلامي، يتم النظر إليها على أنها مساهمات أو محافظ استثمارية تشارك في الربح والخسارة، يديرها البنك لصالح أصحابها وعلى مسؤوليتهم الخاصة، ودون ضمان من البنك بردّ هذه الأموال فضلاً عن أرباحها، أي أنها تعتبر كأموال المساهمين لكنها مؤقتة، أي عكس ما ينطبق تماماً على الودائع الجارية.

- إن المصارف الإسلامية لن تستفيد من هذا الاحتياطي بعكس البنوك التقليدية، لا من حيث تقاضي فائدة عليها لما في ذلك من مخالفة شرعية، ولا من حيث توفير الحماية لأصحاب هذه الأموال لأنها ودائع مضاربة تشارك في الربح والخسارة.

3-2-2- دور الملجأ الأخير للإقراض : يمكن للبنك المركزي (بنك الجزائر) أن يؤدّي دوره كملجأٍ أخير للإقراض بالنسبة للبنوك الإسلامية في الجزائر حين مواجهتها لأزمات السيولة كما يلي :

- في حالة تعرّض البنك الإسلامي لمشكلة سيولة، يمكن للبنك المركزي أن يقدّم له تسهيلات في شكل قروض حسنة، مقابل امتيازات ينالها البنك المركزي، كتنازل البنك الإسلامي عن الفوائد الناتجة عن نسبة الاحتياطي القانوني أو ما يفوقها من أموال مودعة (أحياناً) لدى الأول.

- إنشاء صندوق مشترك يمكن للبنك المركزي أن يجمع فيه الموارد اللازمة لهذا الصندوق، ويتم ذلك من خلال فرض نسبة احتياطي خاص يسهم فيه كل بنك إسلامي، بنسبة معينة يحدّدها البنك المركزي حسب حجم البنك، وتكون المهمة الأساسية لهدا الصندوق المشترك هي تمكين البنك المركزي من القيام بدور الملجأ الأخير للإقراض، أي مساندة البنوك الإسلامية في حالة تعرّضها لأزمات مالية([32])، ويتمّ ذلك بصيغة القرض الحسن، مع ضرورة التأكد من حقيقة ثغرة السيولة من حيث الحجم والتوقيت والأسباب، وفي حالة انتهاء حالة العجز في السيولة يجب إرجاع القرض فوراً.

3-2-3- نسبة السيولة : إن الغرض من فرض نسبة سيولة معينة على البنوك التجارية للاحتفاظ بها، هو الحيلولة دون تعرض هذه البنوك لأزمات السيولة المفاجئة.

إن لوجود نسبة السيولة النقدية بالمصارف الإسلامية أهمية كبيرة بالنسبة للاقتصاد الوطني كعامل تنظيمي وأساسي لحمايته، وبالنسبة للمصارف الإسلامية ﺫاتها، ولكن الأمر يتطلب التمييز بين المصارف الإسلامية والتقليدية في مكونات نسبة السيولة([33])، إذ يجب أن تكون أقل من تلك المفروضة على البنوك التقليدية على أساس اختلاف مكونات الأصول السائلة في البنوك الإسلامية عن مثيلتها في البنوك التقليدية، إذ أن البنوك الإسلامية مثلاً تقبل الكمبيالات على أساس التحصيل لا الخصم لأنه محرم، كما أن من المفترض ألاّ تتضمن النسبة السندات الحكومية أيضاً لأنها بفائدة.

ومع ذلك يمكن إخضاع جزءٍ مهمّ من الودائع الجارية وجزءٍ بسيط من ودائع الاستثمار لهذه النسبة، حيث يُحسب الأول ضمن الاحتياطي القانوني ولكن لا يبقى لدى البنك المركزي بل لدى البنك الإسلامي وتحت رقابة الأول، ليس من باب توفير الحماية للمودعين كما أسلفنا، بل لمواجهة طلبات السحب على هذه الودائع.

3-2-4- معدل كفاية رأس المال :تُقاس كفاية رأس المال في البنوك (بالصيغة الحديثة) بمعدل رأس المال إلى الأصول المرجحة بأوزان المخاطر، إضافة إلى الأعمال أو الأنشطة خارج الميزانية.

إن أشهر تطبيق لهذه النسبة هو نسبة بازل، خاصة منها بازل IIالمطبقة عالمياً منذ بداية سنة 2007، وقد تبيّن من خلال دراسة تطبيقية على بنك البركة الجزائري أن البنوك الجزائرية لا زالت (في معظمها) تطبّق نسبة بازل I، كما تبيّن أيضاً من خلال هذه الدراسة أن بنك الجزائر يفرض على البنوك الإسلامية تطبيق هده النسبة بنفس الطريقة المطبّقة في البنوك التقليدية، دون مراعاة لخصوصية هذه البنوك([34]).

لذا نرى أن أفضل طريقة لحلّ هذا الإشكال، هو تبني بنك الجزائر لمعيار كفاية رأس المال الذي أصدره مجلس الخدمات المالية الإسلامية IFSB بماليزيا سنة 2005، حيث وُضع هذا المعيار وفقاً لنسبة بازل II ويراعي في نفس الوقت خصوصية العمل في البنوك الإسلامية، وقد تبنت العديد من هذه البنوك هذا المعيار بعد أن لقي اعترافاً من لجنة بازل نفسها، بل إن دولاً عديدة فرضت على بنوكها الإسلامية تبنّي هذا المعيار بتعليمات خاصة.

3-2-5- التدريب والتثقيف الشرعي للعاملين بالمصارف الإسلامية : يسهم وعي العاملين بالمصارف الإسلامية ومعرفتهم الكاملة بأصول المعاملات المالية الإسلامية والتأصيل الشرعي الصحيح لصيغ الاستثمار والخدمات المالية الإسلامية، في إزالة الكثير من العثرات ومعالجة الخلل الذي يصيب كثيراً من البنوك الإسلامية، لذا يجب تهيئة الإطارات المؤهلة علمياً وعملياً للعمل بالمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية، ويتم ذلك من خلال :

- إنشاء مركز تعليمي وتدريبي متخصص في العلوم المصرفية الإسلامية، وذلك لإعداد وتدريب وتخريج الإطارات المصرفية المؤهلة المشار إليها سابقاً. وإذا لم يتسنّ ذلك في القريب العاجل، فيمكن إنشاء قسم خاص لهذا الغرض بالمدرسة العليا للبنوك بالجزائر العاصمة.

- قيام البنوك الإسلامية في الجزائر بإنشاء أقسام متخصصة في تطوير الهندسة المالية الإسلامية وتدعيم الابتكار المالي، ومراكز متخصصة لتدريب العاملين محلياً أي داخل البنك، وفي هذا الإطار يمكن الاستفادة من تجارب بنوك إسلامية رائدة في هذا المجال، كالمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية (جدة)، و مركز الاقتصاد الإسلامي التابع للمصرف الإسلامي الدولي للاستثمار والتنمية (القاهرة).

- ضرورة الاستفادة من جهود بعض الهيئات الإقليمية والدولية، التي تعمل على تطوير الصيرفة الإسلامية، مثل : هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (البحرين)، التي تضع معايير محاسبية متوافقة مع المعايير المحاسبية المطبقة عالمياً من جهة، ومتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية من جهة أخرى، ومجلس الخدمات المالية الإسلامية IFSB (ماليزيا)، الذي يضع قواعد الحيطة والجذر Les règles prudentielles المتوافقة مع المعايير العالمية مثل معايير بازل من جهة، وتراعي خصوصية العمل في البنوك الإسلامية من جهة أخرى.

 

خلاصة :إن تطوير الصيرفة الإسلامية في الجزائر بتهيئة المناخ الملائم لعملها، ضرورة حتمية يجب مراعاتها، خاصة مع تزايد عدد البنوك الإسلامية مستقبلاً، وذلك لتمكين الاقتصاد الوطني من الاستفادة من مساهمة المصارف الإسلامية في تمويل مختلف القطاعات، خاصة وأن الجزائر في مرحلة حسّاسة من مراحل التنمية، تحتاج فيها إلى كل ما يدعم ويعزز هذه التنمية، ذلك أن التمويل الإسلامي يعتبر أكثر كفاءة واستقراراً، وأكثر اتصالاً بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بل وأكثر طلباً من المواطن الجزائري المسلم، مقارنة بالتمويل التقليدي القائم على الربا وعلى التباعد بين دائرة الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد المالي، وبالإمكان تحقيق ذلك تدريجياً وعلى مراحل، في مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات، شرط توفر الإرادة السياسية والإعداد المناسب، ولابد من التأكيد على هذا الشرط الأخير، إذ أن البطء مع الثبات خير من العجلة مع الفشل، وأن نجاح المحاولة يثبت قوة المبادئ الإسلامية، في حين أن أي إخفاق لابد وأن يضرّ بالتجربة، وقد لا تُتاح لها فرصة أخرى مستقبلاً.

 

الإحالات والمراجع :



([1])- جهان المصري : التمويل الإسلامي؛ توقعات بتزايد الإقبال عليه، جريدة الشرق الأوسط، الصادرة بتاريخ: 17 مارس 2009، العدد 11067.

([2])- لمزيد من المعلومات حول الأزمة المالية العالمية، أنظر : د. سامر مظهر قنطقجي : ضوابط الاقتصاد الإسلامي في معالجة الأزمة المالية العالمية، دار النهضة للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق – سوريا، 2008.

([3])- د. جمال لعمارة : المصارف الإسلامية، دار النبأ، الجزائر، 1996، ص : 48.

([4])- عبد الحميد عبد الفتاح المغربي : الإدارة الإستراتيجية في البنوك الإسلامية، البنك الإسلامي للتنمية، جدة، الطبعة الأولى،  2004، ص : 86.

([5])- نسيمة حشوف : ماهية البنوك الإسلامية، من موقع الإنترنت : www.kantakji.com، تاريخ الإطلاع : 17/03/2009.

([6])- حسن سالم العماري : المصارف الإسلامية ودرها في تعزيز القطاع المصرفي، ورقة مقدمة إلى مؤتمر "مستجدات العمل المصرفي في سوريا في ضوء التجارب العالمية"  المنعقد بدمشق - سوريا، أيام :  2 - 3  تموز 2005.

([7])- طارق الله خان وﺁخرون : التحديات التي تواجه العمل المصرفي الإسلامي، البنك الإسلامي للتنمية، 1998، ص : 17.

([8])- بشير بن عيشي ، غالم عبد الله : ﺁثار العولمة المالية على الأجهزة المصرفية؛ إشارة خاصة للمصارف الإسلامية، بحث مقدم إلى الملتقى الوطني الأول حول المنظومة البنكية في ظل التحولات القانونية والاقتصادية، المنظم بالمركز الجامعي ببشار - الجزائر، أيام : 24 - 25 أفريل 2006.

([9])- طارق الله خان وﺁخرون : التحديات التي تواجه العمل المصرفي الإسلامي، مرجع سبق ذكره، ص : 17.

([10])- مصطفى إبراهيم محمد مصطفى : تقييم ظاهرة تحول البنوك التقليدية للمصرفية الإسلامية، رسالة ماجستير، جامعة مصر الدولية، 2006، ص : 22.

([11])- المرجع السابق، ص : 23.

([12])- عبد الحميد عبد الفتاح المغربي : الإدارة الإستراتيجية في البنوك الإسلامية، مرجع سبق ذكره، ص : 90.

([13])- عبد الحميد محمود البعلي : المدخل لفقه البنوك الإسلامية، الإتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، 1983، ص : 153.

([14])- مصطفى إبراهيم محمد مصطفى : تقييم ظاهرة تحول البنوك التقليدية للمصرفية الإسلامية، مرجع سبق ذكره، ص : 22.

([15])- عبد الحميد عبد الفتاح المغربي : الإدارة الإستراتيجية في البنوك الإسلامية، مرجع سبق ذكره، ص : 93.

([16])- سورة التوبة، آية : 60.

([17])- مروان جمعة درويش : المصار ف الإسلامية ودورها في التنمية الاقتصادية، بحث مقدم إلى الملتقى العلمي الخامس لكلية الاقتصاد والعلوم الإدارية، المنعقد بجامعة الزرقاء الأهلية، الأردن، أيام : 27 - 29 تشرين الثاني 2006.

([18])- د. سليمان ناصر ، علاقة البنوك الإسلامية بالبنوك المركزية في ظل المتغيرات الدولية الحديثة، مكتبة الريام، الجزائر، 2006، ص : 175.

([19])- د. محمود سحنون ، زنكري ميلود : مبررات وﺁليات انفتاح النظام المصرفي الجزائري على العمل المصرفي الإسلامي، بحث مقدم إلى المؤتمر  الدولي الثاني حول "إصلاح النظام المصرفي الجزائري قي ظل التطورات العالمية الراهنة" المنظم بجامعة ورقلة - الجزائر، أيام : 11 - 12 مارس 2008.

([20])- مروان جمعة درويش : المصارف الإسلامية ودورها في التنمية الاقتصادية، مرجع سبق ذكره.

([21])- مصطفى كمال السيد طايل : القرار الاستثماري في البنوك الإسلامية، مطابع غباشي، طنطا - مصر، 1999، ص : 201.

([22])- عبد الستار أبو غدة : المصرفية الإسلامية؛ خصائصها وﺁليات تطويرها، بحث مقدم إلى المؤتمر الأول للمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية، المنعقد بدمشق - سوريا، أيام : 13 - 14 مارس 2006.

([23])- خديجة خالدي ، زهية موساوي : التمويل الإسلامي للمشاريع الاقتصادية؛ فرص وتحديات، مجلة الباحث، العدد 4/2004، جامعة ورقلة، ص : 52.

([24])- مصطفى أحمد الزرقا : عقد الإستصناع ومدى أهميته في الاستثمارات الإسلامية المعاصرة، البنك الإسلامي للتنمية، جدة، 1999، ص : 20.

([25])- مصطفى حسين سلمان وآخرون : المعاملات المالية في الإسلام، دار المستقبل للنشر والتوزيع، عمان – الأردن: 1990، ص : 51.

([26])- د. سليمان ناصر : علاقة البنوك الإسلامية بالبنوك المركزية في ظل المتغيرات الدولية الحديثة، مرجع سبق ذكره، ص : 244 وما بعدها.

([27])- لمزيد من المعلومات، أنظر في ذلك : الطاهر لطرش : تقنيات البنوك، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2005، ص : 203.

([28])- عبد الرحمن أبو رومي : "السلام" ثاني بنك يقتحم سوق الجزائر، من موقع الإنترنت : www.islamonline.net. تاريخ الإطلاع : 17-3-2009.

([29])- عبد الرحمن أبو رومي : "السلام" ثاني بنك يقتحم سوق الجزائر، مرجع سبق ذكره.

([30])- د. محمود سحنون ، زنكري ميلود : مبررات وﺁليات انفتاح النظام المصرفي الجزائري على العمل المصرفي الإسلامي، مرجع سبق ذكره.

([31])- بكر ريحان : رقابة البنك المركزي على البنوك الإسلامية، من موقع الإنترنت: www.arablawinfo.com. تاريخ الإطلاع : 28-10-2008.

([32])- أحمد شعبان محمد علي : إنعكاسات المتغيرات المعاصرة على القطاع المصرفي ودور البنوك المركزية، الدار الجامعية، الإسكندرية، 2007، ص : 216.

([33])- د. محمود سحنون ، زنكري ميلود : مبررات وﺁليات انفتاح النظام المصرفي الجزائري على العمل المصرفي الإسلامي، مرجع سبق ذكره، ص : 18.

([34])- أنظر: د. سليمان ناصر : علاقة البنوك الإسلامية بالبنوك المركزية في ظل المتغيرات الدولية الحديثة، ،مرجع سبق ذكره، ص : 278 وما بعدها.