pdfدراسات الجدوى الاقتصادية بين المتطلبات النظرية والإشكالات العملية

أ/ تمجغدين نور الدين- جامعة ورقلة

ملخص : تعتبر المشروعات الاستثمارية الإطار الحقيقي لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أي بلد ونجاح خطة التنمية يعتمد بالأساس على نجاح مشروعاتها، وتمثل دراسات الجدوى إحدى الأدوات الهامة التي تساهم في ترشيد قرارات الاستثمار وتمويل هذه المشروعات، إذ تبين أن هناك صلة قوية بين دراسة تقييم جدوى المشروعات ومعدلات التنمية الاقتصادية المتحققة والتي في حقيقة الأمر تعتمد على الكفاءة الاقتصادية في استخدام القدر المتوفر من الموارد الاقتصادية.  تحاول هذه الدراسة تسليط الضوء على موضوع دراسات الجدوى الاقتصادية والتي لطالما كانت مجالاً خصباً يهتم به الكثير من الباحثين والمستثمرين والمؤسسات المالية وغيرها من الأطراف التي يهمها الأمر.

الكلمات المفتاح : دراسات الجدوى، القرار الاستثماري، المخاطرة وعدم التأكد، متطلبات المشروع، المحيط، المعايير التقليدية، التقييم.

تمهيد : تعد مسألة تقييم المشروعات من المواضيع التي نالت اهتمام وعناية كبيرة خاصة في البلدان المتقدمة، باعتبارها تشكل مدخلا أساسياً في صناعة القرار الاستثماري والتمويلي، ولما له من أثر فعال على تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية، وذلك من خلال دراسة هذه القرارات وتحليلها والعمل على ترشيدها. ولأن إقامة المشروعات الاستثمارية أمر لا تتوقف آثاره على مستوى المستثمر فقط بل تتعدى لتشمل أجزاء الاقتصاد الوطني ككل، ولهذا فإن المشروعات التي تختارها منشآت الأعمال اليوم هي التي تتسبب في مقدرة المنشأة على التنافس في مجال الأعمال في المستقبل. فكفاءة المشروع الاقتصادي تقاس بمدى قدرته على تحقيق أقصى عائد ممكن وتحقيق الكفاءة الإنتاجية وزيادة الطاقة الإنتاجية وحسن استخدام الموارد المتاحة وتحقيق القيمة المضافة.

   تعتمد عملية التقييم على ما يعرف بدراسات الجدوى الاقتصادية "Les études de faisabilité" والتي تشكل في الوقت الحاضر إحدى الأدوات الهامة للتخطيط الإستراتيجي، انبثقت من صلب النظرية الاقتصادية لتكون أداة علمية ذات أهمية كبرى في صناعة القرارات الاستثمارية، فالنظرية الاقتصادية تنظر إلى الموارد الاقتصادية المتاحة للاستثمار بأنها نادرة نسبيا، وهناك استخدامات متعددة عند توظيفها لإنتاج السلع والخدمات، لهذا لابد من استخدامها بشكل أمثل ومن ثم تطرح مشكلة التخصيص والاختيار من بين البدائل المتاحة، ومن هنا جاءت الحاجة إلى وجود علم لدراسة الجدوى الاقتصادية يضع المنهجية العلمية لاتخاذ القرارات الاستثمارية في ظروف تتسم بالمخاطرة وعدم التأكد، ولأن هناك ترابط وتداخل شديدين بين القرارين الاستثماري والتمويلي فإنه لا يتم تمويل المشروع ومنح القروض إلا بعد القيام بمثل هذه الدراسات والتي تمثل إحدى الأدوات الرئيسية التي يستند عليها لإثبات ربحية المشروع وجدارته الائتمانية، فهي تعد نوعاً من التخطيط والتقدير المستقبلي يحدد بشكل عام أبعاد المشروع من كافة نواحيه منذ بداية كونه فكرة حتى يحقق العائد المرجو منه.

 

         هذا ما سنحاول إبرازه في هذا المقال من خلال العناصر التالية :

I- تحديد ماهية دراسات الجدوى وخصائصها.

II- أهمية وأهداف دراسات الجدوى.

III- متطلبات وأساسيات دراسات الجدوى.

IV- صعوبات تقييم أو قياس مخاطر الاستثمار.

V- مشاكل وصعوبات دراسات الجدوى.

I- تحديد ماهية دراسات الجدوى وخصائصها :

         تمتد جذور دراسة الجدوى إلى عام 1936 عندما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإصدار قانون التحكم في الفيضانات، الذي يجيز إقامة مشروعات مقاومة للفيضان في حالة تفوق منافعها عن تكاليفها. وتعتمد في ذلك على أسلوب تحليل المنافع والتكاليف، ولقد شاع استخدام هذا المصطلح في العديد من الكتابات بمفاهيم عديدة نلمسها خاصة في الكتابات الأولى للاقتصادي كينز عندما تناول فكرة معدل العائد على الاستثمار وفكرة رأس المال والكفاية الحدية لرأس المال أو عند الاقتصادي Dean Joel سنة 1951 عندما أصدر أول كتاب لمعالجة مشاكل المشروعات الاستثمارية، إلا أن أول عمل ظهر محتوياً المبادئ الأساسية لتلك الدراسات كان عام 1950 في صورة كتاب قامت لجنة فيدرالية بالولايات المتحدة الأمريكية بإعداده وعرف بالكتاب الأخضر(1). ولقد تلت بعد ذلك عدة أعمال وكتابات عن هذا الموضوع محاولة وضع المبادئ والقواعد الأساسية المتبعة في تقييم المشروعات من أهمها: دليل منظمة التعاون الاقتصادي OECD عام 1969، وتم تطويره عام 1974، دليل البنك الدولي عام 1975، دليل لإعداد دراسات الجدوى من منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية عام 1972 وطور عام 1993، وبفضل هذه الأعمال بدأ يتبلور هذا الموضوع ليشكل أحد الفروع الهامة في الاقتصاد التطبيقي ويستمد منهجيته من النظرية الاقتصادية بشقيها الجزئي والكلي ومتأثراً إلى جانب ذلك ببعض العلوم الأخرى مثل المحاسبة والإدارة وبحوث العمليات.

I-1- تعريف دراسات الجدوى :

         رغم تعدد المفاهيم حول مصطلح دراسة الجدوى إلا أنه يتراوح مداها بين المفهوم الواسع الذي يشمل كافة الدراسات التمهيدية والتفصيلية التي تتم على الفرص الاستثمارية منذ بحثها كفكرة استثمارية حتى الوصول إلى القرار النهائي بقبول الفرص أو رفضها حسب المعايير الاقتصادية، أما المفهوم الآخر لدراسة الجدوى فيتمثل في المفهوم الضيق والذي يميز بين دراسات التعرف على الفرص الاستثمارية، ودراسات الجدوى والتقييم، وبغض النظر عن تعدد التقسيمات لمراحل جدوى المشروعات فإن الهدف النهائي من ذلك كله هو الوصول إلى قرار قبول أو رفض الفرص الاستثمارية محل الدراسة، الأمر الذي يحتم على متخذي قرار الاستثمار القيام مسبقاً بمجموعة دراسات متكاملة لمعرفة جدوى الفرص الاستثمارية المتاحة من مختلف جوانبها وما يمكن أن تفرزه من آثار ونتائج على تنفيذها على المستوى الفردي والكلي.

  وانطلاقا من الهدف النهائي الذي تصبو إليه دراسة جدوى المشروعات الاستثمارية وعلى ضوء ما سبق تعرف دراسة جدوى المشروعات الاقتصادية على أنها : "تلك المجموعة من الدراسات التي تسعى إلى تحديد مدى صلاحية مشروع استثماري أو مجموعة من المشروعات الاستثمارية من عدة جوانب: سوقية، فنية، مالية، تمويلية، اقتصادية، اجتماعية...الخ، وذلك تمهيداً لاختيار تلك المشروعات التي تحقق أعلى منفعة صافية ممكنة، بالإضافة إلى عدد آخر من الأهداف"(2). وعلى هذا الأساس يمكن النظر إلى دراسات الجدوى على أنها أداة علمية تستخدم لترشيد قرار الاستثمار وتشكل دعامة قوية في توفير النجاح والأمان في مثل هذه القرارات.

I-2- خصائص دراسات الجدوى :

إن المكانة التي تحتلها دراسات الجدوى في عمليات صناعة القرارات الاستثمارية والتمويلية تجعلنا نتوقف عند ماهية هذه الأداة من خلال التعرف على خصائصها والتي تبرز جوانب في غاية الأهمية، إذ يمكن القول بأن هذه الدراسات تعتبر لازمة وضرورية لكل أنواع المشروعات مهما كانت أهدافها، حيث نجدها مطلوبة للمشروعات العامة والمشروعات الخاصة، وفي المشروعات الزراعية والصناعية والخدمية أيضاً، كما يتوقف حجم هذه الدراسات وتكلفتها على حجم المشروع وطبيعة حجم الأموال المستثمرة فيه وتتميز مراحل دراسة الجدوى بالترابط والتكامل، فنتائج كل مرحلة تمثل مدخلات للمراحل التي تليها، ونظراً للجوانب المختلفة التي تسعى دراسات الجدوى إلى تحليلها لإقرار مدى صلاحية المشروع فهي بحاجة إلى إشراك عدد كبير من الخبراء المتخصصين لإنجاز مثل هذه الدراسات من خلال توظيف مهاراتهم ومعارفهم الإدارية والتقنية والاقتصادية والتسويقية والمالية...الخ(3).

إن المشروع الاستثماري لا يعدو أن يكون توليفة متناسقة من الموارد الاقتصادية يتم القيام بها لتحقيق منافع للمجتمع، وهذا ما تحاول دراسات الجدوى القيام به من خلال اكتشاف الفرص الاستثمارية الجديرة بالدراسة والتعرف على مدى جدواها لتطبيق معايير الاستثمار التي تهم المستثمر الخاص والاقتصاد القومي، وبذلك تعد دراسة الجدوى نموذج محاكاة للمشروع يتم تصوره قبل البدء في تنفيذه لضمان الحفاظ على الموارد النادرة من الضياع، وما يزيد من الأمر صعوبة هو وجود متغيرات داخلية وخارجية مختلفة تتحكم في السلوك الاستثماري للمؤسسات، ومن ثم وجوب البحث عن طرق التقييم المناسبة للوصول إلى اتخاذ القرارات السليمة وهذا ما تقدمه دراسات الجدوى بوصفها كمنهجية علمية لاتخاذ القرارات الاستثمارية في ظل ظروف عدم التأكد والمخاطرة.

 ويمكن النظر إليها على أنها أداة لاستشراف المستقبل انطلاقاً من معطيات قائمة وتأسيساً على فروض تتنبأ به للسيطرة على المخاطر المحتملة والوصول إلى أقل مستوى ممكن، ومن ثم تحقيق أقصى عائد ممكن من قرار الاستثمار (4)، ويجب الإشارة إلى أنه على الرغم من الطبيعة العلمية لهذه الدراسات إلا أنها كثيراً ما تتأثر بخبرة وجهد وطبيعة وغرض القائم بها، الأمر الذي يؤثر أحياناً على مصداقية نتائجها، كما يتضح من خلال التعريف السابق أن دراسة الجدوى تسعى إلى تحديد مدى صلاحية المشروع الاستثماري من خلال التوصل إلى إجابات محددة لعدد من الأسئلة المتعلقة بالمشروع المقترح من أهمها(5) :

أ. هل هناك سوق كافية لاستيعاب إنتاج المشروع المقترح طوال سنوات عمره الاقتصادي ؟ بمعنى آخر هل هناك حاجة لمنتجات المشروع في الوقت الحاضر أو المستقبل ؟

ب. هل من الممكن تنفيذ المشروع من الناحية الفنية ؟ بمعنى آخر هل تتوافر عناصر الإنتاج الأساسية اللازمة لإقامة وتشغيل المشروع طوال عمره الاقتصادي ؟

ج. هل تتوافر الموارد المالية اللازمة لتمويل المشروع في الأوقات المناسبة، وبشروط اقتصادية ؟

د. هل المشروع مربح من وجهة النظر الخاصة ؟ بمعنى هل المشروع مربح من وجهة نظر صاحبه عند استخدام الأسعار السوقية في التقييم بغض النظر عن أي اعتبارات اقتصادية أو اجتماعية أخرى ؟

هـ. هل المشروع مربح من وجهة النظر الاقتصادية ؟ بمعنى هل سيظل المشروع مربحاً إذا استخدمنا الأسعار الاقتصادية في التقييم، والتي تعكس التكلفة الحقيقية بدلاً من الأسعار السوقية التي قد لا تعكسها ؟

و. هل المشروع مربح من وجهة النظر الاجتماعية ؟ بمعنى إذا تم الأخذ بعين الاعتبار الآثار الخارجية للمشروع سواء أكانت إيجابية أو سلبية، هل سيظل المشروع مربحاً ؟

 

يبين الشكل رقم (01) الإطار العام لدراسة الجدوى والذي يعبر عن مجموعة الدراسات المتكاملة والمترابطة لإنشاء مشروع استثماري.

II- أهمية وأهداف دراسات الجدوى :

         إن الاهتمام بدراسات الجدوى يرجع بالأساس إلى ما توفره من إطار تحليلي يستعان به في عمليات اتخاذ القرار الاستثماري من خلال دراسة كل الظروف المحيطة والمتعلقة بالفرص الاستثمارية المتاحة وجمع البيانات وتحليلها للوصول إلى القرار السليم.

II-1- أهمية دراسات الجدوى :

تتجلى أهمية دراسة الجدوى في صناعة القرار الاستثماري بالنسبة للعديد من الأطراف يمكن إيجازها فيما يلي:

§         بالنسبة للمستثمر الفرد(6) :تعتبر دراسة الجدوى أداة لاتخاذ القرار الاستثماري الرشيد، حيث تساعد على الوصول إلى اختيار أفضل البدائل الاستثمارية باستخدام الموارد المتاحة أحسن استخدام ممكن، كما أنها تجنب المستثمر المخاطر وتحمل الخسائر وضياع الموارد خاصة في المشروعات الكبيرة التي يرصد لها موارد ضخمة، وهي بذلك تمثل مرشداً للمستثمر على ضوء ما تحمله من نتائج ومعلومات خلال المراحل المختلفة لتنفيذ المشروع يمكن الرجوع إليها في مختلف مراحل التنفيذ، كما تساهم أيضاً في تحديد الهيكل الأمثل لتمويل المشروع والذي ينتج عنه مفهوم في غاية الأهمية وهو تكلفة رأس المال ويعتبر إحدى الأسس التي يقوم عليها صناعة القرار الاستثماري والتمويلي، والذي حاز على اهتمام كبير من الباحثين في مجال الإدارة المالية.

 

§         بالنسبة للبنك(7) :  تساعد دراسة الجدوى البنك التعرف على ظروف وأحوال البيئة التي يعمل فيها المشروع من خلال المعلومات المتاحة ومراحل نمو تلك البيئة والتفاعل معها، كما يجدر الإشارة إلى أن هناك أوجه تشابه كثيرة بين أساليب التحليل الائتماني التي يقوم بها البنك بغرض منح الائتمان المصرفي وأساليب التحليل في دراسات الجدوى الاقتصادية والتي تتقاطع كلاهما في الوصول إلى التأكد من قدرة العميل على سداد القرض في المواعيد المحددة (قياس الجدارة الائتمانية)، لهذا فالبنك لا يكتفي بالنظر إلى المعلومات التاريخية حول نشاط العميل ولكن يلجأ إلى استخدام أساليب التحليل التي تهتم بالمستقبل مثل الموازنات التخطيطية وتقدير التدفقات النقدية المستقبلية، وبذلك تفيد دراسة الجدوى في تحجيم المخاطر عند اتخاذ قرارات الاقتراض في المستقبل وترفع من درجة التأكد من إمكانية استرداد القرض في مواعيده.

 

§         بالنسبة للدولة(8) : إن القيام بتنفيذ بعض الفرص الاستثمارية دون القيام بدراسة الجدوى يترتب عليه ضياع الموارد الاقتصادية، وأمام الحاجيات المتزايدة لأفراد المجتمع تساهم دراسة الجدوى في تحقيق التخصيص الأمثل للموارد الاقتصادية على المستوى القومي وذلك بتحديد الفرص الاستثمارية المتاحة على المستوى الكلي ثم ترتيب تلك الفرص حسب أهميتها وأولويتها، كما أن اختيار المشروعات ذات النفع العام من طرف الدولة يستوجب وجود أسلوب يساعد على المفاضلة بين هذه المشروعات من خلال مجموعة من المعايير توفرها دراسة الجدوى، وتعمل أيضاً على تحديد علاقة المشروع محل الدراسة بغيره من المشروعات الأخرى لضمان تجانس الأهداف المحددة في الخطة التنموية، وتشترط الدولة أيضاً لمنح ترخيص بإقامة مشروع التأكد من أن الأعباء الاجتماعية الناتجة عن المشروع أقل ما يمكن، وأن العوائد والمنافع الاجتماعية التي يحققها المشروع أكبر ما يمكن، ومع التسارع الذي يشهده العالم اليوم في الميدان التكنولوجي تتزايد بدائل التكنولوجيا في أساليب وطرق الإنتاج، وهذا ما يرفع من درجة المنافسة بين المشروعات وهنا تتعاظم أهمية دراسات الجدوى والإقبال عليها خاصة بالنسبة للبلدان النامية التي تجد صعوبات في تسويق منتجاتها في مثل هذه الظروف.

 

II-2- أهداف دراسات الجدوى :

         تسعى دراسات الجدوى إلى تحقيق عدة أهداف نذكر أهمها(9) :

أ. اختيار المشروعات الاستثمارية التي تحقق أكبر نفع صافي للمجتمع، الأمر الذي يؤدي إلى تحقيق التخصيص الأمثل للموارد الاستثمارية النادرة، إذ يتعين على المشروعات التي يقع عليها الاختيار أن تتصف بالفعالية والكفاءة وقابلية النمو والملائمة.

ب. إتاحة الفرصة لاختيار المشروعات التي تساهم في حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية مثل : البطالة، عجز ميزان المدفوعات، عدم عدالة توزيع الدخل، ويتم هذا من خلال إدخال بعض الاعتبارات الاجتماعية في عملية التقييم.

ج. من الأهداف الفرعية الأخرى، الحصول على ترخيص بإقامة المشروع من الجهات الحكومية المختصة، فصاحب المشروع يتعين عليه تقديم دراسة الجدوى إلى الجهات الحكومية المختصة والتي بدورها تقوم بتعديلات على هذه الدراسة لتختبر مستوى الربحية القومية أو الاجتماعية للمشروع.

د. تمثل دراسة الجدوى بالنسبة للبنوك كمستند يثبت ربحية المشروع وكفاءته وقدرته على سداد القرض.

 

III- متطلبات وأساسيات دراسة الجدوى :

         يعتبر قرار الاستثمار سليماً إذا كان قادراً على تحقيق أهدافه الأساسية، لذا تتوقف سلامة ودقة النتائج التي تقدمها دراسة الجدوى على نوعية البيانات والمعلومات ومصداقيتها، وعلى قدرة القائمين على الدراسة في توظيف خبراتهم ومعارفهم في تحليل جدوى المشروع.

 

وحتى يمكن إخضاع المشروع للدراسة والتقييم لابد من توافر عدد من الشروط والتي تعد بمثابة متطلبات ترتكز أساساً على معرفة كل التفاصيل المتعلقة بالعناصر الضرورية لتنفيذ وتشغيل المشروع (الموارد)، ومدى توافرها وإمكانية الحصول عليها من الأسواق المحلية أو من الأسواق الخارجية، إلى جانب ضرورة تحديد طبيعة وحجم السلع والخدمات التي سيقوم المشروع بإنتاجها، وكذا تحديد مستويات الطاقة الإنتاجية لغرض معرفة مدى قدرة المشروع على تلبية الطلب المحلي والخارجي معاً، والمعرفة الدقيقة والتفصيلية لمراحل تنفيذ المشروع وعمره الإنتاجي، والتأكد من قابلية مستلزمات المشروع (تكاليفه) للقياس والتقييم لأن الدراسة ستكون مستحيلة في حالة عدم القدرة على التعبير قيمياً عن المتغيرات، وأيضاً القدرة على قياس وتقييم مخرجات المشروع بوحدات نقدية(10).

 

كما يتعين أيضاً على القائم بدراسة الجدوى أن يكون ملماً بمجموعة من الأساسيات تتمثل خاصة في (11):

 

1.     الإلمام بالتوجه الإستراتيجي : بمعنى توافر المرونة في الإستراتيجية الأساسية للمشروع، والقدرة على التكيف لمواجهة التغيرات والمخاطر في عالم الأعمال، ولا يتأتى ذلك إلا بالاختيار السليم للاستثمارات القادرة على تحقيق الأهداف، وعلى إمكانية الاستمرار في بيئة غير مستقرة، وإدراك أسباب التغيرات الحادثة في المجتمع والعمل على تطوير المهارات اللازمة للبقاء في تلك البيئة.

2.     المعرفة التامة بنطاق المشروع : ويعني ضرورة تحديد نطاق المشروع تحديداً دقيقاً، وهذا حتى تتمكن من وضع التقديرات الخاصة بتكاليف المشروع، ويشمل تحديد نطاق المشروع جميع الأنشطة المقرر تنفيذها في موقع المنشأة، والأنشطة والعمليات المساعدة المتعلقة بالإنتاج والعمليات الخاصة بمعالجة المخلفات وآثار التلوث، وكذا الأنشطة المتعلقة بنقل وتخزين المدخلات والمخرجات بكافة أشكالها خارج الموقع.

3.     الاختيار بين البدائل والتحقق منها : تتعدد البدائل المتاحة أمام القائمين على دراسة الجدوى، فهناك بدائل تتعلق باختيار التكنولوجيا، وبدائل تتعلق بالمعدات وأخرى بالطاقة الإنتاجية وموقع المشروع والتمويل وغيرها، وأمام هذا التعدد في البدائل تقوم دراسة الجدوى ببحثها واختيار أنسبها مع تقديم المبررات.

4.     الحصول على البيانات اللازمة وجودتها : يعتبر عامل الوقت والتكلفة أحد العوامل المحددة لنوعية البيانات المعتمدة في دراسة الجدوى، لهذا يجب توخي الدقة والسلامة في هذه البيانات، وذكر مصادر جمعها بغرض التحقق منها والرجوع إليها كلما تطلب الأمر ذلك.

 

IV- صعوبات تقييم أو قياس مخاطر الاستثمار :

         يعد قرار الاستثمار من القرارات الهامة والخطيرة في مجال الأعمال والذي يترتب عليه بقاء واستمرارية المؤسسات، حيث يشكل ارتباطاً مالياً بمبالغ كبيرة نسبياً ولآجال طويلة وفي ظل ظروف مستقبلية تتسم بعدم التأكد وارتفاع المخاطر، مما يجعل من عملية الاستثمار كما عبر عنها الاقتصادي Schumpeter مثل محاولة إصابة هدف ليس فقط غير واضح وإنما أيضاً متحرك وبطريقة لا يمكن توقعها، كما أنه يمكن تصور الاستثمار على أنه إجراء مبادلة استهلاك أو منفعة حالية مؤكدة مقابل منفعة مستقبلية، والذي من المؤكد أنه إجراء يكتنفه الخطر(12).

 

         ولقد بات واضحاً اليوم أن المؤسسات تعيش في ظل محيط أقل ما يقال عنه هو أن الشيء الوحيد الثابت فيه هو التغيير، فلقد تطور مفهوم المؤسسة من نظام مغلق إلى نظام مفتوح يبحث عن التأقلم مع المحيط، ولكن مع التطورات السريعة والمعقدة في محيط المؤسسة لم تعد مسألة التأقلم كافية وإنما أصبحت المؤسسات تحاول معرفة تطورات المحيط قبل حدوثها قصد اتخاذ التدابير والقرارات المناسبة مسبقاً، فلقد تحولت المؤسسات من نظام متأقلم بواسطة رد الفعل (Réaction) إلى كيان يسبق الأحداث بواسطة الفعل المسبق (Pro- action) (13)

 

         إن هذا التغير السريع وما أحدثه من تقلبات جذرية ولد حالة من عدم اليقين والذي قد نقصد به عدم يقين داخلي أي يخص المؤسسة في إطار حدودها أو عدم يقين خارجي يخص محيطها وبالتالي خارج نطاق حدودها (14).     ويمكن أن تواجه المؤسسة أثناء قيامها باتخاذ قرار إنشاء مشروع ما مجموعة من المخاطر كانخفاض حجم الطلب على منتجات المشروع مما يترتب عليه انخفاض الإيرادات المتوقعة، أو تحول الطلب إلى منتجات أخرى بديلة، احتمال دخول منافسين جدد إلى السوق، ارتفاع أسعار المدخلات في المنتج النهائي مما يؤثر على ربحية المشروع، انخفاض أسعار البيع تحت تأثير المنافسة وهو ما يؤثر سلباً على التدفقات النقدية الداخلة للمشروع، بالإضافة إلى مخاطر تقلبات أسعار الصرف خاصة إذا كان المشروع يعتمد في نشاطه على استيراد مكون أجنبي من الخارج، وكذا عدم استقرار الهياكل الإدارية والتنظيمية(15).

 

وأمام هذه المخاطر والخصائص التي يتميز بها المحيط الذي تعمل في إطاره المشروعات لابد من التحسب والاحتياط لذلك واعتماد أساليب وأدوات تسمح بمواجهة هذه المخاطر وتقليص آثارها إلى أكبر درجة ممكنة. إن ما يعرف بالمعايير التقليدية في تقييم المشروعات الاستثمارية والمتمثلة خاصة في القيمة الحالية الصافية (VAN) والمعدل الداخلي للربحية (TIR) وفترة الاسترداد (Période de remboursement)، قائمة على فرضيات أساسية تصطدم في الواقع مع الظروف الحالية المحيطة بالمشروعات، مما يجعلنا نعيد النظر في مدى صلاحيتها في عملية التقييم وإلى أي درجة يمكن الاعتماد عليها ؟

 

ويتضح ذلك من خلال فحص هذه المعايير والتي تبين أنها قائمة على عنصر واحد وهو رأس المال وتهمل العناصر الأخرى التي تؤثر على نشاط المؤسسات كالعمل والتسيير والمحيط، بالإضافة إلى أنها لا تأخذ في الحسبان ما يعرف بالمسؤولية الاجتماعية لهذه المشروعات وذلك باعتماده على الجانب الاقتصادي البحت مهملة الرابط المعنوي الذي يجمع المؤسسة مع شركائها في المحيط (الالتزامات الأخلاقية لهذه المؤسسات اتجاه محيطها) (16).

 

كما أن هذه المعايير تفترض وجود حالة من اليقين بشأن المستقبل، فتوقعاتها قائمة على أساس فرضيات معينة كاستقرار المحيط بمختلف جوانبه وعدم اضطرار المؤسسة إلى تغيير هدفها الإنتاجي والتسويقي وغيرهما، وهذا منافياً تماماً لما تكلمنا عنه بشأن أوضاع المحيط، بالإضافة إلى تغير السلوك الاستثماري للمؤسسات وتوجهها نحو الاستثمار أكثر في الأصول المعنوية (مؤسسات المعرفة)، لذا من الضروري اليوم تجاوز المقاربات الكلاسيكية في مجال تحليل وتقييم المشروعات والاستفادة من النظرية المالية الحديثة وتعميم نماذج وطرق التحليل الإستراتيجية، ولهذا فإن عملية التقييم للمشروعات الاستثمارية يجب أن توضع في إطارها الصحيح والذي يأخذ بعين الاعتبار عناصر عدم التأكد والمخاطرة، وأبرز التحليلات التي تعتمدها المشروعات في الكشف عن التهديدات التي تواجهها، وكذا الفرص التي يمكن استغلالها هو ما يعرف بنموذج SWOT  والذي يبرز نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات التي تواجه المشروع وهذا ما يبينه الشكل رقم (02).

 

ولابد من الإشارة إلى أن التدفقات النقدية الداخلة للمشروع تتأثر بمجمل السياسات المختلفة داخل المشروع مثل : السياسة الإنتاجية، البيعية، الشرائية، التمويلية، وسياسات المخزون وسياسات التسعير. وأن تفاعل هذه السياسات وسلامة إدارتها هي أساس نجاح أو فشل المشروع، وهو ما يؤكد أهمية الجانب التنظيمي والإداري في صناعة مثل هذه القرارات، كما أن سلامة إدارة المشروع لأصوله وخصومه وكفاءة سياسة رأس المال العامل يمثلان الأدوات الهامة لضمان تحقيق المشروع لتدفقاته المقدرة في الدراسة، وخفض المخاطر المرتبطة بها وتقليل درجة عدم التأكد المحيطة بها.

 

V- مشاكل وصعوبات دراسات الجدوى :

         بالرغم من زيادة الاهتمام بموضوع دراسات جدوى المشروعات باعتبارها من الأساليب العلمية المساعدة لكل من المستثمر والحكومات على تحديد مدى جاذبية المشروعات التي تخدم خطط وأهداف التنمية، إلا أن هناك العديد من المشاكل والصعوبات التي تقف أمام انجاز هذا النوع من الدراسات وما يتسبب ذلك في ارتفاع حالات الفشل في المشروعات الاقتصادية، ويمكن إبراز أهمها في مسألتين أساسيتين :

1.     عدم توافر ودقة المعلومات : تعتبر مشكلة عدم توافر ودقة المعلومات العقبة الأولى أمام الدراسة العلمية لجدوى المشروعات، والتي تؤدي إلى صعوبات كثيرة في إعداد التقديرات الصحيحة التي يمكن الاستناد عليها في اتخاذ قرار استثماري سليم، وتزداد حدة هذه المشاكل مع عدم دقة المعلومات الصادرة من الجهات المختلفة، وفي الكثير من الحالات الامتناع عن تزويد القائم بالدراسة بالمعلومات المطلوبة بدعوى سريتها، ويرجع ذلك بصفة أساسية إلى عدم وضوح دور أجهزة المعلومات في توفير المعلومات لطالبيها، ومثل هذه المشكلات تزيد من صعوبة الاعتماد على الدراسات المقدمة لمشروع ما.

2.     النقص الواضح في المتخصصون في دراسات الجدوى : إذ يتطلب القيام بدراسات الجدوى وجود فريق من الخبراء ذوي الاختصاصات المختلفة، وقد أدى النقص في ذلك إلى دخول العديد من غير المتخصصين في هذا المجال مما ترتب عليه ضعف وقصور الدراسات المقدمة التي يغلب عليها الطابع الشكلي والبعد عن المصداقية المطلوبة.

 

بالإضافة إلى صعوبات أخرى تواجه القائمون على دراسات الجدوى بخصوص تقدير المتغيرات الداخلة في دراسة الجدوى كالطلب والتكاليف لاسيما عندما يكون حجم المشروع كبيراً وعمره المتوقع طويلاً، أو أن تكون بعض المتغيرات من النوع غير المباشر أو غير القابل للقياس الكمي كما هو في حالة المشروعات العامة التي تتولى تقديم خدمات كالتعليم والصحة، وأيضاً ارتفاع تكاليف دراسة الجدوى بخاصة عندما يكون المشروع صغير وميزانيته ضئيلة، وكذلك الصعوبات الفنية المتمثلة في تحديد وقت البدء والانتهاء للمشروع والتصاميم الهندسية، ومخاطر عدم التأكد في تقدير المتغيرات الداخلة في دراسة الجدوى خلال فترة حياة المشروع، وخاصة ما يتعلق منها بالتغيرات المفاجئة في الأسعار والطلب ذات الطبيعة الاستثنائية، وكذا مشكلة اختيار المعيار أو المعايير الملائمة للتقييم، فليس هناك معايير محددة يمكن تطبيقها في كل مكان وزمان، كما أن المعايير التي تطبقها الدول المتقدمة قد لا تصلح للدول النامية بسبب تباين الهيكل الاقتصادي في كل منها، فضلاً عن اختلاف الأهداف(17).

 

تجدر الإشارة إلى أنه في بعض الحالات قد نجد في الواقع العملي بعض المشروعات تفشل بالرغم من امتلاكها لدراسة جدوى واعدة، كما أن بعض المشروعات قد تحقق نجاحاً ملحوظاً رغم أن دراسة جدواها متواضعة، وهذا ما يقودنا إلى التعرف على الأسباب التي تساهم في فشل المشروعات وذات صلة وثيقة بدراسة الجدوى نذكر أهمها (18):

أ. وجود ثغرات أو أخطاء معينة لم تكن واضحة عند دراسة وتقرير الجدوى الاقتصادية للمشروع، كتلك التي ترتبط بعدم تقدير تكاليف المشروع تقديراً مطابقاً للواقع.

ب. تقييم المشروع خلال فترة غير كافية عند الحكم على نجاح أو فشل المشروع.

ج. تغير الظروف المرتبطة بالمشروع أو المحيطة به، إذ تمثل أحد الأسباب التي قد تحول مسار نتائج دراسات جدوى المشروعات، ومثال على ذلك تغيرات متوقعة في الطلب، دخول منافسين جدد، ارتفاع في معدلات التضخم مما يتسبب في ارتفاع أسعار المواد والمدخلات التي يستخدمها المشروع.

د. الانحراف عن النهج الأخلاقي والعلمي عند مزاولة النشاط، مما يؤثر تأثيراً ملحوظاً على انعدام الثقة من جانب العاملين بالمشروع أو من جانب المتعاملين معه وعملائه مما يؤدي حتماً إلى تدهور نشاط المشروع.

هـ. وجود أخطاء أثناء مزاولة النشاط، فعدم توافر المهارات الكافية على مستوى القائمين بالمشروع والإداريين وعلى مستوى العاملين مما يؤدي إلى حدوث أخطاء إدارية أو فنية جوهرية على مستوى التنفيذ لمهام وأنشطة المشروع.

و.إغفال أهمية التحديث المستمر للمشروع.

 

أما بالنسبة لواقع تقييم المشاريع الاستثمارية في الجزائر، فلقد ارتبطت عملية التقييم بالمراحل التي مر عليها الاقتصاد الوطني بداية من مرحلة الاقتصاد الموجه الذي تبنته الجزائر بعد استقلالها، والذي أسندت فيه مهام أخذ القرار الاستثماري آنذاك إلى مجموعة من الهياكل التخطيطية والمتمثلة خاصة في الأجهزة التالية: المجلس الوطني للتخطيط (1962)، كتابة الدولة للتخطيط (1970)، وزارة التخطيط والتهيئة العمرانية (1979)، المجلس الوطني للتخطيط (1987). وبالرغم من مساهمة هذه الأجهزة في إعداد نماذج تقييم تتلاءم وطبيعة الاقتصاد الجزائري، إلا أنها كثيراً ما واجهت العديد من الصعوبات والنقائص فالتناقض الناشئ عن تطبيق المقاييس المالية والاقتصادية في اختيار المشاريع، والذي كثيرا ما أدى إلى حالة من الجدل المستمر بين الماليين اللذين ينحازون إلى ترجيح القرار المالي على حساب القرار الاقتصادي والصناعيين بصفة معاكسة، هذه الوضعية جعلت الكثير من القرارات تتم دون الرجوع إلى طرق الحساب الاقتصادي مما جعل من قرار الاستثمار فعل سياسي أكثر منه اقتصادي(19). بالإضافة إلى المشاكل التي كانت مطروحة على مستوى النظام المالي المسؤول على تمويل هذه المشروعات والتي تميزت بالتداخل والتعارض بين أدوار الخزينة والمنظومة المصرفية، وغياب السلوكات الاقتصادية الحرة، إذ كانت الدولة هي المتعامل الاقتصادي المهم والمنفردة بملكية عوامل الإنتاج.

 

ومع انتقال الجزائر إلى نمط اقتصاد السوق أصبح هناك دوراً بارزاً للقطاع الخاص، واعتماد آليات أخرى لتشجيع الاستثمار من خلال سلسلة من القوانين والمتمثلة خاصة في قانون الاستثمارات 93/12، والأمر 01/03 المتعلق بتطوير الاستثمار والذي انبثقت منه مجموعة من الهيئات المسؤولة على رقابة ومتابعة المشاريع الاستثمارية مثل: المجلس الوطني للاستثمار، الوكالة الوطنية لتطوير الاستثمارات، لجنة ترقية وتوطين الاستثمارات. ورغم ما تهدف إليه هذه الهيئات من التخفيف من العراقيل التي يواجهها المستثمر وتوفير التحفيزات المناسبة، إلا أن الإشكال مازال قائماً حول مستوى دراسات الجدوى التي يقدمها المستثمرون والتي لا تستند إلى الأسس العلمية الضرورية، مما يجعل منها دراسات ضعيفة المستوى لا تترجم حقيقة وواقع المشروعات في الميدان، وهذا ما نلمسه خاصة في مشكل آجال الإنجاز التي تعاني منها أغلب المشروعات، بالإضافة إلى الإصرار على أن هذه الدراسات لا تعد مجرد استكمال ملف إداري للحصول على تراخيص تنفيذ المشروع أو موافقة البنك على تمويله.

 

خلاصة : إن الاهتمام بدراسات الجدوى يرجع إلى كونها وسيلة تساعد في اتخاذ قرارات استثمارية رشيدة مما يسمح بتحقيق الكفاءة الاقتصادية في استخدام القدر المتاح من الموارد الاقتصادية، فهي بذلك تشكل صمام أمان من الدخول في أنشطة استثمارية لا عائد من وراءها ومن ثم فهي توفر درجة معينة من اليقين وحسن استخدام الموارد، ولقد حاولنا من خلال هذه الدراسة إبراز أهمية دراسات الجدوى والكشف عن المتطلبات الأساسية في إنجاز مثل هذا النوع من الدراسات والوقوف على أهم الصعوبات والمشاكل التي يمكن أن يواجهها القائمين على هذه الدراسات، ويمكن أن نخلص إلى النتائج التالية :

-        يعتبر تحديد الهدف من إنجاز المشروع كنقطة بداية في تحليل جدوى المشروع.

-        إن إعداد دراسة الجدوى للمشروع الاستثماري هي في جوهرها سلسلة من الدراسات تتميز بالترابط والتكامل، وانجازها يتطلب بالضرورة معلومات تختلف من مشروع إلى آخر حسب طبيعته وحجمه.

-        الحصول على دراسة جدوى ذات جودة أمر يتوقف على مدى توافر كافة البيانات والمعلومات ذات الصلة بالأهداف الأساسية للمشروع، وعلى وجود فريق عمل متخصص في إعداد مثل هذه الدراسات.

-        يمكن إعداد دراسة الجدوى من وجهة نظر المستثمر الخاص وتسمى في هذه الحالة بدراسة الجدوى الخاصة، والتي تهدف إلى تحقيق أقصى ربح ممكن، أو إعدادها من وجهة نظر المجتمع ككل وتسمى بدراسة الجدوى الوطنية والتي تهدف إلى تحقيق أقصى حجم من الرفاهية الاقتصادية.

-        إن استعمال ما يعرف بالمعايير التقليدية في عملية التقييم للمشروعات الاستثمارية تكتنفه مجموعة من النقائص والتي تتجاهل حقيقة هامة وهي الظروف المحيطة بالمشروعات والتي تتعامل معها هذه المعايير على أنها مستقرة، وهي في الحقيقة بعيدة عن الواقع الذي يتسم بمحيط شديد التعقيد والتغير مما يزيد من عناصر عدم التأكد والمخاطرة.

-        إن قرار الاستثمار في النهاية لا يعدو كونه محاولة للسيطرة على كافة المتغيرات الحاكمة لمحددات صناعة القرار.

-        مع تزايد الاهتمام بالقضايا البيئية وبروز مفهوم التنمية المستدامة، وجدت المشروعات الاستثمارية ومنها الصناعية خاصة ملزمة بتحمل مسؤوليتها اتجاه البيئة والمجتمع، وذلك بسبب أنشطة لا تأخذ بعين الاعتبار البعد البيئي، وهذا ما يجعل من دراسات الجدوى تتطور على النحو الذي يستوجب تحليل الآثار البيئية وتقييمها عند اتخاذ قرار إنشاء مشروع ما.

-        إن استخدام هذه الدراسات في الدول النامية يبقى مرتبط بالعديد من النقائص والمشاكل التي تحول دون تأصيل الجوانب النظرية لدراسات الجدوى بما يتواءم والواقع العملي.

 

كما لا يفوتنا أن نقدم بعض التوصيات التي من شأنها حل بعض المشاكل والنقائص التي تواجهها مثل هذه الدراسات، وتفعيل دورها في ترشيد القرار الاستثماري والتمويلي نذكر منها :

-        يجب أن تكون دراسة الجدوى شاملة ودقيقة وموضوعية، مستوفية الجوانب المتعددة والخاصة بالمشروع.

-        على الجهات المسؤولة عن الاستثمار أن توفر الإطار الملائم والآليات الضرورية التي تسمح باجتذاب رؤوس الأموال وتوجيهها نحو المشروعات التي تخدم أهداف التنمية وهنا يقع على عاتقها مسئولية التسويق السليم لفكرة الاستثمار.

-        إعادة تنظيم مهنة الاستشارات بحيث تقتصر على المتخصصين ممن لهم خلفية كاملة عن الجوانب المختلفة لدراسات الجدوى.

-        ضرورة توفر قاعدة معطيات وبيانات دقيقة مستحدثة تسمح بالإعداد الجيد لهذه الدراسات على أسس علمية وتقديرات سليمة.

-        التنسيق مع الهيئات المسؤولة عن متابعة الاستثمار بضرورة الإعداد الجيد للدراسات المقدمة للمشروعات الاستثمارية، والالتزام بوضع مجموعة من المقاييس في إعداد هذه الدراسات.

 

والجدير بالذكر أن نشير إلى أنه رغم أهمية دراسات الجدوى الاقتصادية إلا أنه يجب عدم النظر إليها على أنها ضمان كامل لنجاح المشروع، فهي تعتبر فقط مؤشر يوضح إمكانية القيام بالمشروع، وتحقيق نشاط ذو جدوى من ورائه، ولكنها لا تضمن لصاحب المشروع النجاح بصورة مطلقة، وهذا ما يقتضي تحليل ما بعد نتائج دراسة الجدوى للمشروع وذلك بالاستناد إلى التجارب الواقعية للمشروعات القائمة والاستفادة من ذلك التحليل بما يساعد على التغلب على الأسباب التي قد تعرض هذه المشروعات إلى الفشل، والأخذ بالتوصيات التي تفيد في دعم وتنمية هذه المشروعات.


ملحق الأشكال البيانية

الشكل رقم (01) : مراحل الإطار العام لقرار إنشاء المشروعات الجديدة

المصدر : أحمد غنيم، "قرارات إنشاء المشروعات الجديدة نظرياً وتطبيقياً"، المكتبات الكبرى، القاهرة، 1998، ص 23.

 


الشكل رقم (02) : تحليل نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات (نموذج SWOT)

 

ا

المصدر : أحمد غنيم، مرجع سبق ذكره، ص 17.


الإحالات والمراجع :

1-  عبد الحميد الشواربي، محمد عبد الحميد الشواربي، "إدارة المخاطر الائتمانية من وجهتي النظر المصرفية والقانونية"، منشأة المعارف، الإسكندرية 2002، ص 107.

2-    صلاح الدين حسن السيسي، "دراسات الجدوى وتقييم المشروعات"، دار الفكر العربي، القاهرة 2003، ص 19.

3-  عبد المطلب عبد الحميد، "دراسات الجدوى الاقتصادية للمشروعات الاستثمارية وقياس الربحية التجارية والقومية، "مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية، مصر 2000، ص 25-26.

4-    أحمد غنيم، "دور دراسات الجدوى والتحليل المالي في ترشيد قرارات الاستثمار والائتمان"، المكتبات الكبرى، القاهرة 2002، ص 10.

5-  عبد القادر محمد عبد القادر عطية، "دراسة الجدوى التجارية والاقتصادية والاجتماعية مع المشروعات BOT"، الدار الجامعية، الإسكندرية 2000، ص 13-14.

6-    عبد المطلب عبد الحميد، مرجع سبق ذكره، ص 27-28.

7-    عبد الحميد الشواربي، محمد عبد الحميد الشواربي، مرجع سبق ذكره، ص 109-110.

8-  علي محمد خضر، فيصل مفتاح شلوف، صالح الصابر شعيب، "أسس دراسة الجدوى للمشروعات الاستثمارية الزراعية"، منشورات جامعة عمر المختار، البيضاء، ليبيا 1996، ص 26.

9-    صلاح الدين حسن السيسي، مرجع سبق ذكره، ص 25-26.

10-           طلال كداوي، "تقييم القرارات الاستثمارية"، دار اليازوري العلمية للنشر، عمان، الأردن 2008، ص 31-32.

11-           يحيى عبد الغني أبو الفتوح، "أسس وإجراءات دراسات جدوى المشروعات"، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية 2003، ص 31.

12-   لسلوس مبارك، "تقييم المشروعات الاستثمارية في قطاع الري الزراعي بالجزائر"، أطروحة دكتوراه دولة في العلوم الاقتصادية، غير منشورة، جامعة الجزائر 2003، ص 05.

13-   عيسى حيرش، "محاولة لحصر بعض معايير التمويل الإسلامي للمشروعات"، ورقة بحثية مقدمة في الدورة التدريبية حول : تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتطوير دورها في الاقتصاديات المغاربية، جامعة سطيف 25/28 ماي 2003، ص 03.

14-       ALAIN Spalanzani, "Précis de gestion industrielle et de production", office des publications universitaires, 1994, p 19-20.

15-       أحمد غنيم، "قرارات إنشاء المشروعات الجديدة نظرياً وتطبيقياً"، المكتبات الكبرى، القاهرة 1998، ص 20.

16-       عيسى حيرش، مرجع سبق ذكره، ص 04.

17-       طلال كداوي، مرجع سبق ذكره، ص 33-34.

18-       أحمد عرفة، سمية شلبي، "دراسات الجدوى وماذا بعد الجدوى"، مكتبة النهضة، مصر 2005، ص 200-207.

19-   بريبش السعيد، بشكر إلهام، بن علي سمية، "نماذج تقييم البدائل الاستثمارية بين النظرية والتطبيق"، ورقة بحثية مقدمة في الملتقى الدولي حول: صنع القرار في المؤسسة الاقتصادية، جامعة المسيلة، 14، 15 أفريل 2009، ص 19-20.