الثنائيات المكانية عند شعراء "جماعة الرابطة القلمية "pdf

– من جغرافيا المكان إلى شعرية المكان-

أ.بن عمر سهيلة  كلية الآداب واللغات

جامعة الجيلالي ليابس سيدي بلعباس- الجزائر

Résumé:

Constamment l'homme à être associé à la place d'un lien là et d'affiliation, et si attachée lieu humaine normale est la plupart du temps ci-joint de façon significative, cet attachement est différent pour le poète, qui se caractérise la complexité, qui exige que la relation entre le poète et l'endroit est la relation est directement au-delà placer réaliste dimensions Ltd, et est la plus importante caractéristique des poèmes groupe Association stylet lorsque vous les décrire dans leur esthétique contexte, l'émergence de la fonction de cette relation, où vous n'utilisez pas l'endroit utilisé innocent ou gratuit, mais l'utilisation de la sémantique intentionnelle, le lieu décoloration, où la poésie des images de nombreux psychologique et émotionnel et mental, il n'était pas assujetti à des limites géographiques de physique, mais était soumise à une unité pleine et coule à l'expérience émotionnelle et poétique propre, donc face à des lieux dans leurs poèmes sur aire de répartition géographique pour varier l'esthétique poétique, et pour cette raison et pour d'autres raisons nous oblige à s'interroger:

Qu'est-ce que ça veut dire lieu où les poètes Pen Association, est une composante structurelle de cheveux ou de justification esthétique ou les moyens de mettre en évidence la vision artistique ou de la perception ou de la souffrance et émotionnel? Les poètes vivaient Association Pen, et des endroits pour dévissions dimensions physiques aux dimensions de la sémantique

الملخص:

دأب الإنسان أن يرتبط بالمكان ارتباط وجود و انتماء، و إذا كان تعلق الإنسان العادي بالمكان هو في أغلبه تعلق مادي محسوس ، فإن هذا التعلق يختلف بالنسبة للشاعر، حيث يتميز بغموضه و تعقيده ، ما يستدعي أن العلاقة بين الشاعر و المكان هي علاقة غير مباشرة تتجاوز المكان الواقعي بأبعاده المحدودة ، و إن أهم ما يميز أشعار جماعة الرابطة القلمية عند توصيفها ضمن سياقها الجمالي ،بروز ملمح هذه العلاقة ، حيث لم يكن استخدامهم للمكان استخداماً بريئاً أو مجانياً ، بل هو استخدام دلالي مقصود ، حيث تلون المكان في أشعارهم  بالعديد من الصور النفسية و الوجدانية و الذهنية ، فلم يكن خاضعاً للحدود الجغرافية المادية ، بل كان خاضعاً في وحدة تامة و مُنسابة للتجربة الشعورية و الشعرية الخاصة بهم ، لذا انحازت الأمكنة في قصائدهم عن مداها الجغرافي إلى مداها الشعري الجمالي ، و لهذا السبب و لأسباب أخرى يستدعي منا أن نتساءل:

ماذا يعني المكان عند شعراء الرابطة القلمية ،هل هو مكون بنائي شعري أم مسوغ جمالي أو وسيلة فنية لإبراز رؤية أو تصور ما أو معاناة وجدانية ؟ عاشها شعراء الرابطة القلمية ، و هل انزاحت الأمكنة عن أبعادها المادية إلى أبعاد دلالية و فنية و جمالية ؟

أولاً: الثنائيات المكانية عند شعراء الرابطة القلمية :

تميز الشعر المهجري بشكل عام ،و شعر شعراء الرابطة القلمية بشكل خاص بتنوع الموارد الثقافية و الفلسفية و الفكرية التي ثأثر بها هؤلاء الشعراء كاطلاعهم على الآداب و المذاهب الغربية الحديثة أهمها المذهب الرومانسي فاستلهموا من مبادئه تلك الروح الابداعية الـمُجددة التي تدعو إلى العودة للطبيعة و التفاعل معها ، من خلال اعتبارها موضوعاً شعرياً يعبرُ عن وجودهم و أفكارهم ، و قد نتجﱠ عن هذا التأثر ولادة صور و لغة شعرية جديدة مُعبرة و مشحونة بالدﱠفقات الشعورية ، متحللين من قيود المذهب الكلاسيكي الذي أبعدﱠ الأدب العربي لزمن طويل عن الروح الإبداعية الـمُجددة ، و ظلﱠ مُثقلاً بالروح الاتباعية الــمُقلدة.

و إن عاش شعراء الرابطة القلمية نفس الظروف التي عاشها نظرائهم الشعراء الرومانسيين الغربيين من خلال عدم قدرتهم على التكيف مع المجتمع الذي تسوده السلبية و المادية ،فتطلعوا إلى عالم مثالي يُجسد طموحاتهم و أحلامهم الذي تمثل في عالم الغاب المقابل لعالم المدينة ، ما يعني أنﱠ هناك تشابه كبير بين المدرسة الرومانسية الغربية و جماعة الرابطة القلمية من خلال الأفكار و المبادئ لا في التفاصيل الجزئية ، حيث تفردوا في رومانسيتهم ، ذلك أن " الرابطة القلمية رغم أنها انتهت إلى المبادئ الرومانسية التي عرفتها أوربا فإنها اتخذت الطريق المعاكس "1.

و بالتالي نبعت رومانسية الرابطيين من عمق معاناتهم و آلامهم التي تولدت عن عدم قدرتهم في التكيف مع المجتمع الغربي الذي حطم أحلامهم و أمانيهم ،فثاروا على حياة المدينة الفاسدة و تمسكوا بحياة الغاب المثالية ، فجمع شعرهم بين هاذين العالمين، من خلال ثنائية المدينة و الغاب و التي تفرع عن هذه الثنائية العديد من الثنائيات التي لها علاقة بالقيم كثنائية الخير و الشر، الموت و الحياة.... و غيرها من الثنائيات التي لها علاقة بالأمكنة، مثل ثنائية الوطن و المنفى، ثنائية المكان الحلم و المكان و الواقع، بالإضافة إلى العديد من الثنائيات التي سنسلط حولها الضوء من خلال هذه الدراسة.

1- تعريف الثنائيات المكانية:

قبل التطرق إلى مفهوم الثنائيات المكانية تجدر الإشارة إلى مفهوم الثنائيات ، و الثنائية dyade"" هو " لفظ مشتق من duo)) معناه اثنان ،و الثنائي من الأشياء ما كان من شقين و الثنائية هي القول بزوجية المبادئ الــمُفَسرة  للكون ،كثنائية الأضداد و تعاقبها أو ثنائية الواحد و المادة ( من جهة ما هي مبدأ لعدم التعيين ) ،أو ثنائية الواحد و غير المتناهي عند الفيثاغوريين أو ثنائية عالم الـمُثل و عالم المحسوسات عند أفلاطون..... " 2.

إن فكرة الثنائية الضدية لها علاقة ببنية الوجود،و بعضها الآخر ماثل في الطبيعة الإنسانية كالقيم الأخلاقية.أيضاً يتجسد مفهوم الثنائية في بناء النص الشعري كوسيلة " من وسائل استشفاف " 3الواقع و حقائق الحياة اليومية ، و بالتاي يتضمن مفهوم الثنائيات الضدية شُحنات دلالية في تعاملهِ مع النص الشعري ،و مع " الأشياء تعاملاً ينقلها من وجودها الثابت في الطبيعة إلى عالم تدخل فيه ضمن شبكة من العلاقات التي تندرج من خلالها في بنية وجودية جديدة ، تصبح فيها علاقتها بالذات علاقة حميمة تقترب من الحلولية  و تلغي فيها الحدود الفاصمة التي تقوم عادة بينها و بين الذات ."  4، و بهذه الصيغة يمكن رؤية العالم و الأشياء بوعي متكامل ، و على أساس هذه الرؤية تنشأ شعرية القصيدة التي تتولد من خلال المزج بين المتناقضات في كيان واحد ، أو المزج بين عالمين متناقضين كعالم المدينة و عالم الغاب ، حيث تُعد هذه الثنائية من أهم الثنائيات المكانية التي تُميز النص الشعري عند شعراء الرابطة القلمية بطابع درامي تتصارع فيه الأحاسيس و تتعدد ، من خلال علاقة الجدل القائمة بين المكان السلبي و المكان الإيجابي أو هناءة ذلك المكان ، و عدوانية المكان الآخر ، حيث أن " «هنا» لا توجد إلا بالتعارض مع «هناك» " 5.و يندرج ضمن هذه العلاقة الجدلية مجموعة من الثنائيات المكانية المتنوعة مثل:

   * ثنائية الوطن و المنفى .

   * ثنائية الانفتاح و الانغلاق.

   * ثنائية المتناهي في الصغر و المتناهي في الكبر .

   * ثنائية المكان العربي و المكان الغربي .

   * ثنائية المكان الحلم و المكان الواقع.

و غيرها من الثنائيات المتعددة التي " تستحيل إلى مكون شعري تتمحور حوله تجربة النص " 6 و هذه التجربة خاضعة في الأصل لرؤية الشاعر و وعيه بالعالم و متغيراتهِ ، و استخدام هذه الثنائيات من قِبل شعراء الرابطة القلمية هو نابع في الحقيقة من إحساسهم بالواقع و تمردهم عليه و تتابع سلسلة الإحباطات التي واجهتهم خلال وجودهم خارج أوطانهم ، و تجسدت هذه الإحباطات في عالم المدينة بشكل خاص فتشظت أرواحهم الرومانسية أمام سيطرة الماديات " فما من مدينة على وجه الأرض تعوض على الإنسان قيمة الفردوس المفقود (...) فهي و إن امتلأت بشراً و ازدهرت حضارة تبقى تُعاني قحطاً دينياً و جوعاً عاطفياً . " 7 و هذا الشعور بالمعاناة و الفقد و الاغتراب عند شعراء الرابطة القلمية منح أشعارهم حالة شعرية استثنائية متميزة على مستوى اللغة و الايقاع ، و الصورة و دلالتها ، و من حيث التشكيل الجمالي و الفني و الدلالي ، مما فتح المجال واسعاً أمام القراءات المتعددة ، و يُثري النص بقيم فكرية و فنية تزيد من عمقه ، من خلال " التقاط المتناقضات ، و الجمع بينهما للخروج برؤية عميقة لما هو حاصل في الواقع ، سواء أكان ذلك على مستوى الذات ، أو المجتمع ، أو العالم " 8.

2- أهمية الثنائيات المكانية في بناء النص الشعري:

لا شك في أنﱠ للثنائيات المكانية أهمية خاصة في البناء الفكري و الفني للنص الشعري، حيث من خلالها يتم ادراك بنية العلاقات المتشابكة في النص و ما يحمله من دلالات يوظفها الشاعر توظيفاً فعلياً ، لما لها من كفاءة إجرائية في استنطاق الفضاءات الأدبية بامتياز ، و تنبثق أهمية الثنائيات المكانية من خلال ارتباطها بقيم الحياة ، هذه القيم هي في الأصل ناتجة عن تفاعل الإنسان مع مجموعة من النُظم الاجتماعية و الدينية و السياسية و الأخلاقية و العقائدية إلى حد الاندماج ذلك أن  الأمكنة أشخاص ، حيث يعكس الفعل الإنساني هوية الأمكنة و يُعطيها قيمة و معنى فلا نستطيع أن نُقَيمَ الأمكنة ببعدها الجغرافي أو الهندسي إلا بمقدار ارتباطها بالبعد الإنساني ، لأن المكان " يقترن بالهوية ، فإذا ما ارتقينا إلى درجة أعلى فإن الإنسان يبدأ وعيه على المكانو يصبح للعالي معنى و للواطئ معنى آخر و كذلك لليمين و اليسار و الخلف و الأمام و الأعلى و الأسفل ، إنها معايير مكانية تموضع الأشياء (...) ، إذ يقوم الإنسان بتنميط مكانه إلى مستويات من منطلق تنظيمه له و التعاطي معه بانسجام أكبر و في الوقت ذاته يصبح لتلك المعايير ما يرادفها و يوازيها من القيم الاعتبارية و الثقافية و الدينية و السياسية و الاجتماعية و النفسية" 9.

و الشاعر يبتغي عند توظيف الثنائيات التعبير عن موقفه النفسي و الأيدولوجية ، و التاريخي ، و الفكري، لانتقاد وضع ما، موجود في العالم فتكون معالجته على مستوى الفن من خلال ادراكه و تجربته، يُتَوجهُ ذلك في بناء القصيدة بناءاً واعياً و عميقاً يُساعد على إثراء شعرية النص و إحداث أثر في المتلقي. و على هذا الأساس يمكن القول أن الثنائية هي استراتيجية مناسبة لإظهار الصِراع و تنميتهِ من خلال الأحداث الموجودة في الحياة قصد الإدهاش و إحداث المفارقة ، و ما استخدام شعراء الرابطة القلمية لهذه – الاستراتيجية – إلا لشعورهم بالمعاناة و الآلام التي تكشف التناقض و تُعريه ، و يتعمق شعورهم بهذا التناقض كلما كانوا خارج الوطن يقفون على أرض المنفى غُرباء .

ثانيا : تنوعات الثنائيات المكانية عند شعراء الرابطة القلمية :

$11-               ثنائية القرية ( الغاب ) / المدينة:

يعتبر موضوع المكان بالنسبة للشاعر العربي موضوعاً أساسياً يُشكل من خلاله سدى تجربته الشعرية و الحياتية ، فعرف الشاعر العربي منذ القديم الوقوف على الأطلال و مناجاة الأحبة و الخِلان من خلالها ، فعبر أغلب الشعراء طيلة العصور الأدبية المختلفة عن شوقهم و حنينهم إلى العالم العُذري الأول الذين نعموا فيه بالحب و الهناءة ، و هو عالم القرية المقابل و المضاد لعالم المدينة ، و الذي يضم بين ثناياه ذكريات الطفولة و الأحلام و الخيالات الساذجة و البريئة ، هذا المكان المنبع و الأصل الذي تتم من خلاله العودة إلى الرحم الأمومية ، و يندرج ضمن هذا العالم عالم آخر يشبهه إنه عالم الغاب ذلك " المكان البِكرْ الذي لم تطأه قدما الإنسان الغارقتان في وحل خطيئة التحضر المادي الغربي، أو وحل المذلة و الرضى بالظلم و الاستغلال. "10 .

و هذا العالم يرنو إليه شعراء الرابطة القلمية ،و يعززون انتماءهم إليه من خلال ما نظموه من أشعار ما خلت من هذا الموضوع و تبني موقف ضدي اتجاه المدينة و اللجوء إلى عالم الغاب الذي منحوه أسماء عديدة : كالقفر ، و النور ، و الضياء، و الطبيعة. فجسد عالم الغاب بالنسبة إليهم تلك المغارة التي طمروا فيها حبهم و حنينيهم  لأوطانهم التي هاجروا منها إلى عوالم مختلفة من حيث المعمار الهندسي و الأخلاقي و النفسي فاحتجبوا في الغاب عن هذا العالم الــمُوحِش ناقمين على معالم الحضارة المعاصرة التي أشاعت في حياة الإنسان مظاهر التشيء ، و الإفلاس الروحي ، و من هؤلاء الشعراء الرابطيين ( جبران خليل جبران، إيليا أبو ماضي ، ميخائيل نعيمة ،نسيب عريضة، رشيد أيوب ، ندرة حداد ) متأثرين بالشعراء الرومانسيين الغربيين أمثال ( ورد زورث ، كوليردج ، و شيلي ، و بيلك ، و روسو ، ديدرو ، كيتس ).

فقد مجدﱠ شعراء الرابطة القلمية موضوع الغاب في شعرهم أيما تمجيد ، فارتبطوا بهذا العالم ارتباطاً مشيمياً ، و ألقوا عليه صفات إنسانية و كونية ، و ألبسوها أحلى الحلل و أجملها من خلال أشعارهم حيث كانوا "يرون في كل ما فيها لأشياء حية تحب ُ و تكره تسعد و تشقى ، تفرح و تحزن و ترجى و تخيب ، و هم لذلك يناجونها و يستلهمونها و يتمثلون بها و يبثونها آمال قلوبهم و آلامها و أشواق نفوسهم و حيرتها ،وهي توحي إليهم بالحنين ، إذ تذكرهم بما كانوا يجدونه من جمالها الفتان في ربوع بلادهم."11 ، فكانت تجربتهم الشعرية في هذا المجال فريدة و متميزة من خلال و لوجِهم هذا العالم عبر الشعر الذي منحهم " لذة التمتع بالحياة " 12 ، و التفيء تحت ظلالها بالجمال الحق . خاصة و أن الشعر " أداة للتعبير عن الإنسان في صلتهِ بواقعهِ، زمناً و مكاناً، بطريقة بالغة التأثير. " 13 .

و نستطيع أن نلتمس هذا التأثير الذي يلتقي فيه الفكر المبدع بالفن الجميل مع عميد الرابطة القلمية الشاعر جبران خليل جبران من خلال مطولته الشعرية المعنونة بـــــ المواكب التي نُظمت أبياتها حول ثنائية الغاب و المدينة و قد استندت على قاعدة فلسفية تنبو عن وعي ورؤية فنية خاصة لدى جبران سرعان ما سرت في فكر وروح شعراء الرابطة القلمية ،فكانت هذه الفلسفة شريعتهم  و النبراس الذي تدثروا به و التفوا حوله ، لما تضمنته هذه القصيدة من آراء و مواقف نابعة من تجربة نفسية عميقة و أصيلة ، حيث جسد  جبران خليل جبران في هذهالقصيدة الصراع القائم بين عالمين متناقضين و مختلفين ،يتمثل العالم الأول في عالم المدينة المتمثل في صورة الشيخ الخارج من المدينة و الــمُثقل بالهموم و الآلام ، مُتبرماً من الحياة و ما فيها، أما العالم الثاني فهو عالم الغاب من خلال صورة الشاب الراعي الماكث في الغاب عازفاً على نايه ألحان الخلود ،داعياً أصحاب المدينة بالعودة إلى الغاب حيث الخير و الحب و الجمال ، من خلال قوله :

ليس في الغاب حزنلا                 و لا فيها هموم

فإذا هب نسيم                 لم تجئ معه السموم

ليس في الغابات عقيم         لا و لا فيها الدخيل

هل اتخذت الغاب مثل      منزلاً من دون القصور ؟

فتتبعت السواقي                 و تسلقت الصخور ؟

هل تحممت بعطر                  و تنشفت بنور .؟

و شربت الفجر خمراً       في كؤوس من أثير؟ 14.

  هذه الصورة التي صاغها الراعي عن عالم الغاب الحالم منفية كلياً عن الصورة التي يعبر عنها الشيخ بنبرة حزينة متثاقلة قائلاً:

قل في الأرض من يرضى بالحياة كما      تأتيه عفواً و لم يحكم به الضجر

لذاك قد حولوا نهر الحياة إلى      أكواب وهم إذا طافوا بها خدروا

قد يعربد أن صلى و ذاك إذا         أثرى و ذلك بالأحلام يختمر 15.

و لأن عالم الغاب هو بالنسبة إلى شعراء الرابطة القلمية " رمز الكمال الدنيوي " 16 حرص أغلبهم على أن يجعلوا من الغاب فضاءاً خاصاً للثورة على الثنائية و تحطيمها التي تعمقت في عالم المدينة ، ففروا منها إلى الغاب حيث تتحطم الثنائيات على أعتابه ، ولا يصبح لها وجود يُذكر داخل هذا العالم.

و هذا الشاعر ميخائيل نعيمهشاعر الرابطة القلمية و ناقدها ، يرى في الغاب مكاناً للعودة إلى الطفولة و الاستئناس بهذه الذكريات البريئة ، و مواجهة واقع المدينة التي يسميها بــــ: " الدردور الرهيب " 17 ،حيث كان يطلق هذه التسمية على مدينة نيويورك، فيهرب منها بالعودة إلى الذكريات الحالمة ،و قد عبر عن فرحه الطفولي بهذا الغاب من خلال قصيدة صدى الأجراس التي يدعو فيها رفاقه إلى الذهاب نحو الغاب بدلاً من الانشغال بمن حولهم من الذاهبين لتأدية القداس الأسبوعي ، فيقول :

هو ذا أقبل أترابي      أهلاً بأصيحابي

الناس تسير إلى القداس       و نحن نكر إلى الغاب

دن ... دن ... دن ... دن 18 .

أما الشاعر ندره حداد، فقد رأى في الغاب موطناً للحب، بعد أن بحث عن الحب في المدينة فعاد خائباً يائساً،مُصوراً لنا خيبة رجاءه في القصيدة المعنونة بــــ:  يدعونه الحب:

فتشت في الناس على ضائع       عرفته بالسمع لا بالنظر

يدعونه الحب و كم جاهل        مثلي يظن الحب بين البشر

فتشتُ عنه طول عمري فلم      أجد له في الناس أدنى أثر

فرحتُ نحو الغاب حيث الظبا       ترعى و حيث الطير تعلو الشجر

فبئس عيش المرء في قصره    إن كان خيراً منه سكنى الحفر 19 .

و المدينة عند الشاعر ندره حداد هي ذلك القصر المنبسط في العلياء بعيدأ عن الناس و تبادل المشاعر معهم ، فلا جرم أن نجد الشاعر قد فضل العيش في الحفر دون القصور لإحساسه بمدى المفارقة الواضحة بين عالم الغاب الحق ، و عالم المدينة المزيف.

2- ثنائية الوطن و المنفى:

لم يستطع الإنسان و منذ القدم أن يفصل وجوده و كيانه و روحه عن وطنه، هذا الوطن أو " المكان الأول الذي يبقى هو نواة الأمكنة في العالم." 20 الذي لا يعرف حبه له حدود،لقوله تعالى)و لو أنا كتبنا عليهم أن أقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم( ( النساء/ 66) فحب الأوطان من الإيمان المطلق ، و قديماً قيل لأعرابي" ما الغِبطة ؟ قال: الكفاية و لزوم الأوطان و الجلوس مع الإخوان. و قيل فما الذل؟ قال: التنقل في البلدان، و التخلي و التنحي عن الأوطان " 21. لذلك كان دوماً خروج الشعراء من أوطانهم خُروجاً اضطرارياً لا اختيارياً .

و بين ثنائية الوطن و المنفى، حفلت التجربة الشعرية العربية و العالمية بالعديد من القصائد التي تتمحور حول هذه الثنائية ، و خاصة الشعر المهجري ومنه شعر شعراء الرابطة القلمية الذي عرف بالامتلاء بالوطن و المعاناة من مأساة الاغتراب المكاني و الزماني و النفسي ، حيث عاش الوطن بداخلهم و في خيالهم ،فتشكل الوطن بكينونته الحية و المتحركة عبر النصوص الشعرية من خلال الخيال الذي جعل الأوطان كتاباً مفتوحاً أو حالة متلبسة في جميع المظاهر و الصور الموجودة في المنفى ،من خلال الأحياز المشابهة أو المناقضة للحيز الأصلي تلك الأحياز القهرية الــمُعذبة التي نفروا منها إلى بلاد فاضلة يلجونها بالروح لا بالجسد ، إنها البلاد المحجوبة التي عبرﱠ عنها جبران بقوله :

يا بلاداً حُجِبت منذ الأزل     كيف نرجوك ومن أس سبيل ؟

أسراب أنت أم أنت الأمل     في نفوس تتمنى المستحيل ؟

ليست في الشرق و لا في الغرب و لا     في جنوب الأرض أو نحو الشمال. 22

  فالوطن بالنسبة لجبران هو مكان أثيري على مدارجه تسكن روحه و تطمئن ، فذاته تشرنقت بالمكان الأول و حلت فيه حلولاً صوفياً ممزوجاً بالتعلق الرومانسي المشوب بالتوتر و القلق الذي مسﱠ التشكيل اللغوي و الفكري في شعره، فالوطن هو المكان الأمومي و المنفى هو المكان الأبوي المتسلط.

و لا يختلف الشاعر نسيب عريضة عن غيره من شعراء الرابطة في حنينه إلى الوطن، حيث تعلو جميع أشعاره نغمة احتجاجية رافضة من قلب المنفى، ينتظر بارقة أمل تلملم روحه المتوثبة في حلم العودة و التنعم في أرض حمص بأنفاس الريحان و نسمات الشيح التي تحملها الرياح الخافقة كلما هبت و هو في منفاه يعاني الإقصاء و الحصار ،فيأتي كل هذا البوح في قصيدته المعنونة بـــــــ: " نشيد المهاجر " .

تهب في الغرب ذكرى الأرز و البان!      و ما هذبتك ليالي البعد يا عاني!

أكلما هبت الأرياح خافقة             تجر في أذيالها أنفاس ريحان

حسبتها الشيح فانطلقت             من أسرها زفرات العافر الوافي

و ليس يرويك إلا نهلة بعدت              من ماء دجلة أو سلسال لبنان

من أنت ما أنت! قد وزعت روحك في      عهدين من شاسع ماضي ومن دان23.

صحيح أن بوادي حمص بعيدة عن منفى الشاعر لكن تنتصب هذه البوادي شامخة في ذاكرته ـ لمجرد أن الريح قد حملت بعضاً من خصائصها، و يمكن أن نُسمي هذه الأمكنة بالأمكنة الشمية24 ، و هذه الأمكنة تتجلى له بمختلف جوارحه و أحاسيسه.

  و من هذا المعين أو المنبع ، تُناجي قصائد الشاعر إيليا أبو ماضيالوطن الذي هو مكان تعيش فيه الروح و تفيض من خلال احساسها بالأشياء كالطبيعة التي تتوحد معها ، فتحل فيه روحه حلولاً صوفياً بقوله:

أنا مياهك قطرة      فاضت جداول من سنا

أنا من ترابك ذرة      ماجت مواكب من منى

أنا من طيورك بلبل      غنى بمجدك فاغتنى25.

    فالأوطان و المنافي بحسب ذلك تتجسد من خلال هذه الثنائية و التي تتمثل في الآتي :

M070101

 

3-  ثنائية المكان العـــــربي و المكان الغــــــــربي :

تنحو هذه الثنائية منحى أيد لوجي بالإضافة إلى منحاها الجغرافي المادي المحدد ، من خلال المكان العربي الشرقي المقابل للمكان الغربي ، حيث أنه كلما ذُكر الشرق أو الغرب كان البعد الأيد لوجي حاضراً و طاغياً على هذا التقسيم ، و يبدو أن شعراء الرابطة القلمية قد أدركوا هذه السمات المختلفة التي تطبع المكان العربي الشرقي الذي أتوا منه و وجود فرق أو فروق بينه و بين  المكان الغربي المقيمين فيه ، و التمسوا هذا الاختلاف على مستوى الحضارة و التاريخ ، و الديانات و المعتقدات و الأصالة و العادات و التقاليد ... و غيرها من المقومات التي تزيد المكان امتلاء بذاته، و تعطيه زخماً ليكون مُشبعاً بالناتج الحضاري و الثقافي و التاريخي و الديني... و قد افتقدوا هذه النواتج – النواة – في المكان الغربي الجديد الذي هاجروا إليه. فغازلوا الشرق تاريخاً و حضارة و ثقافة، فتجلى الشرق في أشعارهم حياً مُشعاً إلا أنه لم يبقى من هذه الأمكنة سوى رمادها الذي يتناثر على جسد القصيدة. 

و نلفي هذا الشغف بالمكان العربي ماثلاً في أشعار الشاعر نسيب عريضة الذي تختزله صورة البادية التي ترعرع فيها فلم يستطع الحضر أن يمحو من ذهنه و روحه بوادي الشام الأصيلة التي تنتصب شامخة برموزها التاريخية و التراثية في قصيدته المعنونة بـــــــ: " أم الحجار السود " قائلاً فيها :

أعرفتها تلك الربوع العالية       ما بين لبنان و بين البادية ؟

الذكريات وقد برزن علانية      نادين عنك بحسرة المطرود

يا حمص ! يا بلدي و أرض جدودي !

جثمت بكلكلها على درب الأمم     جبارة من طبعها رعي الذمم

بلد الهدى أحجارها سود، نعم       لله در سوادك المعبود!

يا حمص ، يا أم الحجار السود !

أنسيم و عرك ما سمعت مهيمنا      أم روح ديك الجن من خلف الحمى

أم شيخنا الجندي حنﱠو رنما      متتغزلا بمعاطف و قدود!

بيضاء في ظل الحجار السود ؟

حمص العدية، كلنا يهواك      يا كعبة الأبطال و إن ثراك

غمد لسيف الله في مثواك     و لكم لنا من خشعة و سجود

في هيكل النجوى و من تمجيد !. 26

يصعب على نسيب عريضة  أن يتجاوز هذه الملامح التاريخية البارزة من خلال البعد المكاني و الزماني الماثل في المكان العربي مسقط رأسه حمص ، رغم أنها بلدة صغيرة لا يمكنها استيعاب هذا الثقل التاريخي العظيم و مع ذلك ظلت في وعيه و ذاكرته محطة هامة و حاسمة استوعبت الكثير من المحطات و الأحداث الزمنية ، و بالتالي يتجلى المكان العربي حاضراً في التجربة الشعرية رغم غيابه على مستوى الواقع، و يغيب المكان الغربي في و عيهم و خيالهم رغم أنهم يستشعرون كينونتهم و وجودهم ضمنه، و بمجرد اجراء نظرة فاحصة على أغلب أشعار شعراء الرابطة لا نجدهم يأتون على ذكر المكان الغربي إلا لِماماً ، و إن أتوا على ذكره فهم يذكرونه شاكين منه متبرمين به ، أو استخدامه كعامل للمقارنة بينه و بين المكان العربي .

و لا أبلغ دليل على ذلك من قول جبران خليل جبران في إحدى رسائله التي بعثها لميخائيل نعيمه  بتاريخ 1 كانون الثاني ( ديسمبر) سنة 1921م ببوسطن، قائلاً :" إنما الغرب آلة و كل شيءغي الغرب رهن الدولاب ." 27إن روح جبران الحساسة ترفض أن تبقى حبيسة الآلة و المكننة الجامدة التي تولدت بفعل التطور الصناعي و الحضاري، فيدعو ميخائيل رفيقه إلى الرحيل من هذه المدن بقوله في إحدى الرسائل بتاريخ سنة 1922م بوسطن: " إن هذه المدينة الغشاشة قد شدت أوتار روحينا حتى كادت تنقطع ، و لكن علينا أن نبقى صابرين متجلدين حتى يوم الرحيل. علينا أن نصبر يا ميشا." 28.

و بحسب ذلك يكون المكان العربي و المكان الغربي في قصائدهم – حسب الدلالة – كالآتي :

M070102

4- ثنائية المكان المتناهي في الصغر و المكان المتناهي في الكبر :

يحفل المكان عند شعراء الرابطة القلمية بصور شتى ممتزجة بمشاعرهم و أحاسيسهم و تجاربهم و معاناتهم الخاصة في الحياة ، حيث لا تنفك بعض الأمكنة على أن تكون بالنسبة إليهم حيزاً درامياً يحضن جميع تجاربهم بمآسيها و آلامها العظيمة، و على مستوى هذه العلاقة  بين الشاعر و بعض الأمكنة تنشأ بعض الثنائيات و المفارقات التي تمثل عمق جماليات المكان و شعريته ، حيث أنه ليس من السهل اعتبار بعض الأمكنة متساوية لديهم من خلال القدرة على الذوبان و الاندماج فيها ، فبحثهم عن الحرية دفعهم إلى الانفتاح على العالم و التواصل مع التنوعات المكانية المختلفة التي تفاعلوا و تعايشوا معها ، من خلال البحث عن " الهناءة و القوقعة الأصلية "29الكامنة  في بعض الامكنة دون أمكنة أخرى ، مهما كانت عظمتها أو ضآلتها ،و سواء كانت بالنسبة لهم ظاهرة أو باطنة ، أو تنتمي هذه الأمكنة في أغلبها إلى عالم الحلم أو الواقع.خاصة و أن المكان هو المعنى و هو القيمة التي يرون من خلاله الحياة، و بالتالي كيف رأى شعراء الرابطة الحياة من خلال المكان المتناهي في الصغر و المكان المتناهي في الكبر؟.

ومن الأماكن المتناهية في الكبر " البحر " هذا المكان الذي انجذبوا إليه بسبب غموضه الكامن في عمقه و امتداده،حيث اللانهاية التي شغفوا بمعانقتها و الوصول إليها ، و هذا جبران خليل جبران حاول الوصول من خلال قصيدته المعنونة بــــ: البحـــر إلى الفخامة المتخفية  في هذا المكان المتناهي في الكبر من حيث كونه " رمز القوة العظمى التي بها تنتهي جميع الأشياء " 30 ، يستحضر من خلاله فلسفته الخاصة في تأمل الحياة برمتها، و لا نستبعد أن تكون جسر أطل عبره على عوالم خفية يتضايف فيها الحركة و السكون ، الخلود و الفناء ، التجدد و العدم .... و هذه المتقابلات تمثل في حد ذاتها وحدة هذا الوجود الذي يرى جوهره و عظمته متمظهرة في البحر ، و يقول :

في سكون الليل لما تنثني       يقظة الإنسان من خلف الحجاب

يصرخ الغاب: أنا العزم الذي     أنبتته الشمس من قلب التراب

غير أن البحر يبقى ساكناً

قائلاً في نفسه: العزم لي

و يقول النهر: ما أعذبني     مشرباً يروي من الأرض الظمأ

غير أن البحر يبقى ساكناً

قائلاً في ذاته: النهر لي.

و يقول الفكر: إني ملك      ليس ف العالم غيري من ملك

غير أن البحر يبقى هاجعاً

قائلاً في نومه: الكل لي. 31

و الذي يُلفت النظر في هذه القصيدة خصائص النظرة الصوفية إلى الطبيعة، من حيث كونها ذلك الجزء الذي يمثل الكل برمته ، فقد حصر جبران في هذه القصيدة العديد من صور الطبيعة – الغاب، النهر ، الطود – التي تتحد جميعها في الذات الكبرى – البحر- التي تسعى إليه جميع الذوات الجزئية.

و إذا ما أقبلنا على أشعار جماعة الرابطة القلمية، نميز أمكنة أخرى و المتمثلة في الأمكنة المتناهية في الصغر التي بإمكانها حسبهم احتواء العالم بأكمله ما يمنحها أن تكون مصدراً للعظمة و القوة ، و نشير بذلك إلى بعض منها :كالكوخ أو البيت الريفي الأليف الذي تهفو إليه أنفسهم للبحث عن  "القوقعة الأصلية "32 ،التي تمنحهم الشعور بأن هذا الكوخ مُسيج بطابع فردوسي و حميمي و أمومي رغم ضآلته إذا ما قارناه ببيوت المدينة الفارهة.

و لنسير خطوة أكثر تفصيلاً ، من خلال تناول قصيدة "الطمأنينة" لميخائيل نعيمه الذي يُفسح لنا مجالاً واسعاً في الانتقال معه إلى البيت الحالم الذي يستمد منه الطمأنينة، و الشعور بالدفء و الحميمة البعيد عن سيطرة الزمان و أهواله ،حيث ينقلنا من خلال القصيدة إلى مشهد عاصف تثور فيه الطبيعة مزمجرة غاضبة ، و الكوخ في ظل هذه الظروف المضطربة يقف صامداً في هذا المكان بقوة و عنفوان كبيرين ، فيقول:

سقف بيتي حديد ركن بيتي حجر     فاعصفي يا رياح و انتحب يا شجر

و اسبحي يا غيوم و اهطلي بالمطر     و اقصفي يا غيوم لست أخشى خطر

سقف بيتي حديد ركن بيتي حجر

من سراجي الضئيل أستمد البصر     كلما طال الليل طال الظلام و انتشر

و إذا الفجر مات و النهار انتحر     فاختفى يا نجوم و انطفئ يا قمر

من سراجي الضئيل أستمد البصر33.

يجلس الشاعر و حيداً في هذا الكوخ مستبشراً مُستأنساً بنور سراجه الضئيل الذي يستمد منه البصر رغم انتشار الظلام ،و اختفاء النجوم و تواري القمر خلف السحب الكثيفة، فإنه مع ذلك يستمد بصره من نور السراج الذي يحرسه، و يجعل أجواء كوخه اللطيف أكثر شاعرية و حساسية على العكس من الأجواء العاصفة خارج الكوخ ، لكن هو في الداخل متدثر بشعور الحماية و الانتماء لهذا المكان الصغير  مجال الخصوبة و الأحلام الطفولية البريئة ،التي تتكثف في خياله و وعيه الباطن ، فأحب الكوخ المنسي على أطراف التلة أو السفح و عشقوا تفاصيله و منمنماته المعنوية لا الهندسية أو المعمارية.

و من الــمُحقق أن شعراء الرابطة القلمية تطلعوا إلى المكان المتناهي في الصغر و الكبر، من حيث وجوده بداخلهم و تجذره في وعيهم الباطن ، فارتبطوا بهذه الأمكنة و تنوعاتها المختلفة ، لشعورهم بحيويتها و ديناميتها المطلقة في إثارة أحلامهم البريئة و خيالاتهم الخلاقة ، لذلك كشفوا من خلال هذه الأمكنة عن مواقفهم الفكرية و الإنسانية و النفسية المختلفة ، و عبرها حاولوا الاقتراب من واقعهم بُغية التكيف و التآلف معه روحياً و نفسياً.

و هذا يقودنا إلى أن نستنتج أن المكان عند شعراء الرابطة القلمية تتجاذبه ثنائية الحضور و الغياب ، حيث يتعمق المكان الغائب في وعيهم كلما حاصرهم  المكان الفعلي الحاضر، و هو المكان الواقع الذي هو حد من حدود القهر الكبرى ، أما المكان الغائب فهو المكان الحلم الذي ينكشف في اللاشعور، و يبرز من خلال التجربة الشعرية ظاهراً ماثلاً تتعايش على إثره الذات الشاعرة مكانها الذاتي أو المكان الداخلي الذي يحافظ على صفاءه و عفويته ، و جوهره الخالص من شوائب مفاسد المكان الخارجي أو الواقعي ، و على ضوء ما سبق فإن هؤلاء الشعراء قد نزعوا نزوعاً مستمراً في البحث عن هذه الأمكنة الحلمية الداخلية، بل و ارتبطوا بها من خلال أشعارهم بعد فقدهم للمكان الأول الذي عاشوا فيه ذكريات جميلة أصبحت من الماضي المنقضي

و ما ذكرنا ذلك إلا ليتضح أن المكان عند شعراء الرابطة القلمية أضحى حيزاً للتجربة المعيشة و التأمل فيها، فقدم هؤلاء الشعراء المكان على إنه إطار مكون من عواطف و أحاسيس و خيالات و تجارب نفسية و واقعية و مواقف يومية  بسيطة و معقدة ، و أفكار و ذكريات حزينة و سعيدة ، فالمكان ارتبط بذاتهم و وعيهم ، لهذا كان جوهر التحول في تناول المكان هو أنه أضحى حالة ذهنية مرتكزة في أذهانهم ، و يعبرون عنها في أشعارهم عن حالاته و تنوعاته المختلفة من خلال انزياح دلالة المكان عن المعنى العام، و ذلك  بالابتعاد بالكلمات عن معجمها المألوف ، فتوحي الكلمات أكثر مما تقول ما يحقق الفجوة: مسافة التوتر ، و هذا يمنح القارئ متعة التلقي من خلال – النص الغبطة – حسب رولان بارت.

و هذا ما خلق شعوراً لدى القارئ أن الأمكنة عند شعراء الرابطة تكاد تكون ماثلة و حية ، لأنهم حافظوا على نوياتها الخفية  التي تُولدُ جسراً شعورياً متواصلاً بين الشاعر و المكان و المتلقي ، لذا كانت الأمكنة في أشعارهم موحية ومثيرة تبعاً لخصائصها و كيفية تمثيلها في قصائهم الزاخرة بها.

الهوامش:

$11-                مراد عباس ، مدارس الشعر العربي الحديث بين النظرية الغربية و التطبيق العربي، دار المعرفة الجامعية ، مصر، دط، 2003م ،ص 68.

$12-                جميل صليبا، المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية و الفرنسية و الإنكليزية و اللاتينية ،دار الكتاب اللبناني ،لبنان،دط، 1978،ص 379.

$13-                سهير القلماوي ، فن الأدب و المحاكاة ، دار الثقافة ، القاهرة ، دط ، 1973 ، ص 104.

$14-                كمال أبو ديب، الشعرية ، مؤسسة الأبحاث العربية ، بيروت لبنان ، ط1، 1987 ، ص 21.

$15-                Abraham. A, moles est Elisabeth Rohmer. La psychologie de le space. P 55..

$16-                الأخضر بركة ،الريف في الشعر العربي الحديث قراءة في شعرية المكان ، دار الغرب للنشر و التوزيع ،وهران ،دط، 2002،ص 28.

$17-                محمود شرتح ، تجربة المدينة في شعر خليل الحاوي ، مجلة الفكر العربي المعاصر ،العدد العاشر ، شباط/فبراير ، 1981، ص 89.

$18-                عاصم محمد أمين بني عامر، لغة التضاد في شعر أمل دنقل ، دار صفاء للنشر و التوزيع ، عمان ، ط1 ،2005 ، ص 16.

$19-                طاهر عبد مسلم ،عبقرية الصورة و المكان- التعبير – التأويل- النقد ، دار الشروق للنشر و التوزيع، الأردن ، ط1 ،2002 ، ص17.

$110-             الأخضر بركة، الريف في الشعر العربي الحديث ،ص 83.

$111-             عيسى الناعوري ، أدب المهجر ، مكتبة الدراسات الأدبية ، دار المعارف ، مصر ،ط3 ، 1977 ،ص 98.

$112-             ميخائيل نُعيمه ، الغــــربال ،مؤسسة نوفل ،بيروت لبنان ، ط 12، 1981 ،ص 77.

$113-             علي جعفر العلاق، في حداثة النص الشعري – دراسة نقدية – دار الشروق للنشر و التوزيع ، عمان الأردن ،ط1، 2003 ، ص137.

$114-             جبران خليل جبران ، المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران خليل جبران العربية ، دط ، دت ، ص362.

$115-             جبران خليل جبران ، المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران خليل جبران العربية ، ص 354.

$116-             إحسان عباس، محمد يوسف نجم، الشعر العربي في المهجر- أمريكا الشمالية – دار صادربيروت،ط4، 2005، ص 171.

$117-             جوزيف الخوري طوق، موسوعة الأديب العملاق ميخائيل نعيمه و ملحمة الهجرة، دار نوبليس،بيروت، ط3، 2007 ، ص 212.

$118-             ميخائيل نعيمه، المجموعة الكاملة همس الجفون ،المجلد الرابع ، دار العلم للملايين ، بيروت لبنان ، ط6 ، 1999،ص38.

$119-             ندره حداد ، أوراق الخريف ، دط ، 1941، ص 150.

$120-             محمد عز الدين المناصرة ، جمرة النص الشعري مقاربات في الشعر و الشعراء و الحداثة و الفاعلية، دار مجدلاوي للنشر و التوزيع ،عمان ، دط ، 2006 ،  ص 249.

$121-             أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ البصري، المحاسن و الأضداد، المكتبة العصرية،بيروت، ط1، 2003، ص 108.

$122-              جبران خليل جبران ، المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران خليل جبران العربية ، ص599. 600.

$123-             نسيب عريضة ، الأرواح الحائرة نيويورك ،دط،1946 ، ص139.

$124-              ينظر: باديس فوغالي ، الزمان و المكان في الشعر الجاهلي، عالم الكتب الحديث ، الأردن ، ط1، 2006 ، ص304.

$125-             إيليا أبو ماضي ،ديوان إيليا أبو ماضي شاعر المهجر الأكبر ،دار العودة ، بيروت، دط ، 1986 ، ص 738.737.  .

$126-             نسيب عريضة ، الأرواح الحائرة ، ص 144 .

$127-     جوزيف الخوري طوق ، موسوعة جبران خليل جبران – ماذا بين جبران خليل جبران و ماريا هاسكل ؟رسائل- ذكريات ، المجلد الثالث و العشرون ، دار نوبليس ، بيروت ، ط3 ، 2007 ، ص 118.

$128-             المرجعنفسه، ص 123.

$129-             غاستونباشلار، جماليات المكان ،ترجمة: غالب هلسا ، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع ، بيروت ،ط2 ، 1984، ص 36.

$130-             روز غريب ،جبران خليل جبران في آثاره الكتابية ، دار صادر ،بيروت لبنان ،ط3 ، 2002، ص208.

$131-             جبران خليل جبران ، المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران خليل جبران العربية ، ص 606.

$132-             غاستونباشلار، جماليات المكان ،ص 36.

$133-             ميخائيل نعيمه، المجموعة الكاملة همس الجفون ،ص 67.