مظاهر التفاعل الإبستيمولوجي والإيكولوجي في بلورة مصطلحات النقد العربي القديمpdf

ــ الفحولة عند الأصمعي أنموذجا ــ

أ. وليد عثماني

أستاذ مساعد ( أ)

 كلية الآداب واللغات

جامعة سطيف 02-الجزائر 

This approach: "the Aspects of Epistemological and Ecological interaction forming, the terms of ancient Arabs criticism in "the term of virility as example".

Tries to seek in some characteristics of ancient Arab criticism which  affects the arabpoeticThis term "virility" has a great value because of its relation ship with literary critical side and ecological side. So we focus here in shouding: how could arab critics benefited from the ecological terms to built their critical terms

الملخص:

تشتغل هذه الدراسة على الحفر في جوانب من النقد العربي القديم الذي أثر في الشعرية العربية. فتفاعل النقاد مع قصائد القدماء التي شغلت حيز الدراسة والمعارضة قصد الوقوف عند مواطن الجمال، ونيل ناصية الشاعرية، والأدبية. فتفنّن المصنّفون في تقصّي تاريخ الشعر، وتتبعوا مراحله عبر العصور من أجل استجلاء خصائص البيئات التي ظهر فيها، بِعدِ الزمن والبيئة من العوامل التي تؤثر في هذا المنتج الثقافي، فتدبروا أغراضه ومعانيه.ليتمحور مضمون الدراسة حول مصطلح الفحولة. بعده مفهوما استُنبتْتْ له ملامح ومعايير من المشارب الإيكولوجية/البيئية القائمة على أصول الثقافة التي تشبع بها الناقد ونهل من معينها مادة نقدية يؤصل بها ممارسته الفعلية لمقاربة الأدب وإمعان النظر فيه.

المقال:

واكب العربي منذ القديم مبادئ الطبيعة وما يحيط به من موجودات. وما تأتَّى له ذلك إلا من خلال فلسفته المثالية التي جعلت منه سلطة يمارس كينونته باستنطاق وفك كل ما غمُض تجاهه من إبهامات وأسئلة يعد حلها المنفذ الوحيد الذي يؤَمِّن وجوده واستقراره. فخَلَّد هذه المشاهد والصور فيما انطبع في ذاته من عواطف وأحاسيس ووجدانيات في قالب يسمى الشعر. ولما ارتبط هذا الأخير بميزان مواز له وهو النقد؛اعتنى النقاد بشرح وتفسير واستنباط الأدب. لاستنطاق وفهم بعض الجوانب والملامح التي تعكس ما يحيط به لتبرز مدى انسجامه معها ومدى التأثير والتأثر.

تقوم هذه الدراسةعلى الحفر نقد الأصمعيلقصائد القدماء التي كثيرا ما تشغل النقد بالدراسة قصد الوقوفعند مواطن الجمال، والنيل من ناصية الشاعرية، والأدبية. فتفنّن المصنّفون في تقصّي تاريخ الشعر، وتتبعوا مراحله عبر العصور من أجل استجلاء خصائص البيئات التي ظهر فيها، بِعدِّ الزمن والبيئة من العوامل التي تؤثر في هذا الأدب فتدبروا أغراضه ومعانيه.

كثيرا ما شكلت الفحولة فلسفة جمالية جعلت الشعراء يتسابقون إلى نيل درجتها والانتساب إليها. كما كانت الشغل الشاغل لدى العامة والمتذوقين للأدب بالبحث عن أشعر بيت، وأغزل بيت، وأعذب بيت، وأرثى بيت... وما إلى ذلك من الذوقيات والفنيات التي تطرب لها النفس. وتعد هذه المحطة حوصلة لما يمكن أن نسميه بنقد ما قبل الفحولة؛ حينما صنف المتذوقون ما طربت له الأذن.

سيعالج هذا المقال إشكالية تقوم على أسئلة مهمة مفادها: كيف استُنْبتت ملامح مصطلح الفحولة؟ وكيف نظَّر الأصمعي لظاهرة الفحولة؟ وما هي المعايير التي اعتمدها في ذلك؟ وتأسيسا على ما سبق كيف تبلورت قضايا الشعرية العربية على أصعدة عديدة مثلا: الشاعر ومراحل تكونه وصناعة فحولته. الشعر ومراحل تطوره وبلورته. النقد منطلقاته وأساسياته؟

الفحولة الماهية والدلالة:

  أولا ــ الدلالة اللغوية للفحولة:

الفحولة في لسان العرب لا تخرج عن الاستعمال الطبيعي المستمد من البيئة الصحراوية التي تشتغل على حفظ النسل وتخير السلالات في بيئة الجمال.فالفَحْل: الذكَر من كل حيوان، وجمعه أَفْحُل وفُحول وفُحولة وفِحالُ وفِحالة مثل: الجِمالة قال الشاعر: فِحالةٌ تُطْرَدُ عَن أَشْوالِها.

ورجل فَحِيل: فَحْل، وإِنه لبيِّن الفُحُولة والفِحالة والفِحْلة. وفَحَل إِبلَه فَحْلاً كريماً: اختار لها، وافْتَحل لدوابِّه فَحْلاً.

وفَحَلْت إِبلي إذا أَرسلت فيها فَحْلاً.والفِحْلة افْتحال الإِنسان فَحَلاً لدوابّه.والفَحِيل: فَحْل الإِبل إذا كان كريماً مُنْجِباً. وأَفْحَل: اتخذ فَحْلاً...وبعير ذو فِحْلة: يصلح للافْتِحال. وفَحْل فَحِيل: كريم منجِب في ضِرابه؛ قال الراعي:

كانت نَجائبُ منذرٍ ومُحَرِّق

   
   

أُمَّاتِهنّ، وطَرْقُهنّ فَحِيلا

         

وقيل: الفَحِيل كالفَحْل.وأَفْحَلَه فَحْلاً: أَعاره إِيَّاه يضرب في إِبله. وقال: وفي حديث ابن عمر، رضي الله عنهما: أَنه بعث رجلاً يشتري له أُضحيةفقال: اشتره فَحْلاً فَحِيلاً؛ أَراد بالفحل غير خصيّ، وبالفحيل ما ذكرناه، وروي عن الأَصمعي في قوله فحيلاً: هو الذي يشبه الفُحولة في عظم خلقه ونبله، وقيل: هو المُنْجِب في ضِرابه. وقال أَبو عبيد والذي يراد من الحديث أَنه اختار الفحل على الخصيّ والنعجةِ، وطلب جَمالَه ونُبْله.

وفُحول الشعراء: هم الذين غلبوا بالهِجاء من هاجاهم مثل جرير والفرزدق وأَشباههما، وكذلك كل من عارَض شاعراً فغلب عليه، مثل علقمة بن عبدة، وكان يسمى فَحْلاً لأَنه غلب امرأَ القيس في منافسة شعرية(1)

فالدلالة اللغوية للفحل هنا لا تمت للشعر بصلة، بل هي كلمة مفعمة بالذكورة كانت تستخدم أصلا لوصف الحيوانات الذكور التي تستخدم للتكثير. ولا تخرج عن الاستعمال الخاص بالذكر من كل حيوان جملا كان أو كبشا، ثم عممت لتشمل كل ذي روح لتحوي بين جنبيها الإنسان لتتفرع إلى الدلالات التالية:

$11.      فالفحل هو الذكر غير الأنثى.

$12.      وهو القوي غير اللين.

$13.      وهو المنجب غير الخصي والنعجة.

$14.      وهو النبيل الشريف غير الوضيع.

$15.      وهو الأمر العظيم والخطب غير العادي البسيط.

وهذه الصفات الكريمة تكسب صاحبها الفرادة والتميز، وتحقق له الحظوة والمكانة الرفيعة، وهذا المنظور استمده الأصمعي من الاستعمال الإيكولوجي /البيئي كمعيارا لتصنيف الشعراء.

ثانيا ــ الدلالة الاصطلاحية للفحولة عند الأصمعي:

سؤال الفحولة عند الأصمعي يتأسس على ما استنبطه من البيئة الاجتماعية التي تعارف عليها العرب قديما؛ بحيثلم يكن بوسع الأصمعي استحداث ميزان نقدي يتم من خلاله تصنيف الشعراء ووضعهم في المنزلة أو المرتبة التي تليق بكل شاعر؛ ومن ثمة مزيتة كسمة تميزه عن باقي الشعراء لتحدد منزلته البلاغية ومقدرته الشعرية.كما اتضح ذلك جليافي قوله: "قال أبو حاتم: قلت: ما معنى الفحل؟ قال: يراد أن له مزيّةً على غيره، كمزيّة الفحل على الحقاق.قال: وبيت جرير يدلك على هذا:(2)

وابنُ اللبونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ

   
   

لم يستَطِع صولَة البُزلِ القناعيسِ

         

ومن شرح مفردات البيت يبين:

ابن اللبون: ولد الناقة الذي أتمّ عامين وبدأ الثالث. وسبب التسمية أن الناقة الأم قد ولدت غيره فصارت ذات لبن.

لُزَّ: إذا شُدّ في حبل فاقترن بغيره، واللزُّ قرنُ شيئين معا.

والقَرَنُ: الحبل يقرب بَعِيرَيْن أو شيئين معا.

الصَّوْلة: الحملة

والبُزْل جمع بازل: وهو البعير الذي أتمّ ثمانية أعوام ودخل في عامه التاسع، فبَزَلَ نابُهُ يعني خرج وظهر.

والقناعيس جمع قِنْعَاس: وهو البعير الضخم القوي.

والمعنى الإجمالي للبيت الذي قصده جرير:لا يستطيع أحدٌ إدراكي إذا رام ذلك؛ لأنه مثل ابن اللبونإذا قُرن مع البازل القِنعاس؛ فلن يقوى على مدافعة صَوْلتِهِ مهما رام ذلك لضعفه.والبيت يضرب مثلا للضعيف يحاول فعل الأقوياء فيعجز.فجرير يعني أن هؤلاء الذين يعنيهم بهجائه أصغر من أن يطاولوه في شِعْر محكم كشعره الرصين.

وضع الأصمعي مقياسا لفحولة الشعراء انطلاقا من المزية الكبرى، والصفة العظمى التي يتميز بها الشاعر الفحل عن باقي الشعراء كتلك المزية التي يتميز بها الجمل القوي صاحب السلالة الجيدة؛ إذ يضرب لذلك مثلا حين سئل ما معنى الفحل؟ فأجاب: "أن له مزيّةً على غيره" أي انفراده وتعاليه كرمز للتميز، وأكمل جوابه فقال: "كمزيّة الفحل على الحقاق" أي كمزية البالغ الناضج على الصغير الناشئ. كما أن الحُقّ هو من الإبل الذي استكمل ثلاث سنوات ودخل في الرابعة.(3) وبذلك يكون هذا الرمز المتعالي هو الشاعر الحامل للواء الشعر، الماسك لزمامه، حتى عد الأنموذج المثالي الذي يحتذي حذوه الشعراء من بعده. وقدضرب مثلا من الشعراء بامرئ القيسإذ يقول: "أولهم كلهم في الجودة امرؤ القيس، له الخطوَة والسبق، وكلهم أخذوا من قوله، واتبعوا مذهبه."(4) ومن هنا تتحدد معايير أساسية على الشاعر توخيها حتى يصير في ركاب الفحول. باعتبار أدونيس وهذه المعايير:

  1. الحظوة، أي المنزلة والمكانة.
  2. السبق.
  3. الأخذ من قوله.
  4. إتباع مذهبه.

وإذا عبَّرنا عن ذلك بلغتنا ومصطلحاتنا الحديثة قلنا إن الشاعر العظيم في نظر الأصمعي، هو الذي يبتكر ما لا سابق له، ويؤثر في الذين يأتون بعده فيسيرون فيالطريق التيفتحها"(5) ونجد على هذا الأساس تقسيما بينه الجاحظ في قوله: "والشعراء عندهم أربع طبقات. فأولهم الفحل الخنذيذ. والخنذيذ هو التام. قال الأصمعي: قال رؤبة: (الفحولة هم الرواة) ودون الفحل الخنذيذ الشاعر المفلق، ودون ذلك الشاعر فقط، والرابع الشعرور"(6) ويضيف عبد السلام هارون: المقصود بالرواة الشعراء الذين يروون شعر غيرهم فيكثر تصرفهم في الشعر ويقوون على القول.

وتأسيسا على هذا القول فالفحولة لا تتأتى إلا برواية الشعر وتقفي آثار الفحول بسلك منهجهم واتباع مذهبهم بحفظ أشعارهم وروايتها. ونشير هنا إلى كلمة خنذيذ فهي صفة للأول من الخيول المتسابقة وقد ألحقت بالشاعر الذي يحتل المرتبة الأولى. أما آخر الخيل فهو السُكّيت. كما يسمى آخر الشعراء وهذا نتيجة أيضا لما تفاعل به النقد مع العامل الإيكولوجي.

نتيجة لما سبقيُعَدُ امرئ القيس ممن يتقدم على الشعراء لما له من أفضال في تهذيب الشعر والسبق في التطرق إلى مختلف الأغراض، والخروج بالشعر من دائرة العادي إلى الرقة والعذوبة والجودة الفنية. فمثله كمثل النجم سهيل الذي يتقدم سائر النجوم علوا ورفعة. ولما كانت له الحظوة في التقدم والقدوة كذلك امرؤ القيس هو سابق الشعراء وقدوتهم في طرق مواضيع مختلفة في الشعر وأغراض متعددة في القصيدة. كما أنه أول من سلك الاستعارات والتمثيلات الجيدة في الشعر ولهذا قدمه الأصمعي .

معايير الفحولة عند الأصمعي:

أولا ــ معيار الكثرة/ الكم الشعري:

من المعايير التي رتب عليها الأصمعي الشعراء فحولا وغير فحولمعياركثرة الشعر. فكلما كان الشاعر مقوالا مكثرا كان له النصاب الذي يرتقي به إلى مصاف الفحول، وبالتالي لا يعتد الأصمعي بالأبيات والمقطوعات القصيرة، بل يتخذ من القصائد الجيدة أنموذجا متعاليا يطالب من خلاله الشاعر أن ينسج على منواله.

في هذا المقام نتطرقللشعراء المقلين كما ورودوا في رسالة الأصمعي، وسنوسع في شأن بعضهم حسب ما أورده المرزباني في "الموشح"لتكون الصورة أكثر واضحة والسبب بين.يقول أبو حاتم السجستاني: "قلت فالحويدرة؟

قال: لو قال مثل قصيدته خمس قصائد كان فحلا"(7)

وأما قصيدته التي قصدها هي العينية ومطلعها:

بَكَرَتْ سُمَيَّةُ غُدْوَةً فَتَمَتَّعِ

   
   

وَغَدَتْ غُدُوَ مُفَارِقٍ لَمْ يَرْجِعِ

         

فالحويدرة من الجاهليين البارزين وهو مقِل عند الأصمعي. على الرغم من جودة العينية التي اتخذها الأصمعي مقياسا في فحولته ولو نسج على منوالها خمسا أخر.

وقال في شأن المهلهل: "ليس بفحل، ولو كان قال مثل:

ألَيلَتَنا بِذِي جُشُمٍ أَنِيرِى  

   
   

إِذَا أَنْتِ انْقَضَيْتِ فَلا تَحُورِي

         

كان أفحلهم، قال: وأكثر شعره محمول عليه."(8)

يحكم الأصمعي على المهلهل بعدم الفحولة لأنه من الشعراء المقلين، ويشير المرزبانيإلى النصاب بخمس قصائد إذ يقول:"أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت الأصمعي عن مُهَلهِل، قال ليس بفحل، ولو قال مثل قوله (السابق) خمس قصائد لكان أفحلهم، قال: وأكثر شعره محمول عليه."(9)

كما أورد المرزباني قضية الكذببقوله: "وزعمت العرب أنه كان يدعي في شعره، ويتكثَّر في قوله أكثر من فعله"(10)فالتاريخ يروي أفعاله في البكريين الذين حاربهم أربعين سنة، وكان المهلهل يقول شعرا يخلد ويمجد بطولاته في تلك الأيام والدارات. وتكفي هذه الصفة الذميمة معيارا يؤخِر من خلاله الأصمعي فحولة المهلهل.

و"قال: ولو قال ثعلبة بن صُعَيْر المازني مثل قصيدته خمسا كان فحلا"(11)ويعني بقصيدته الرائية التي يقول في مطلعها:

هَلْ عِنْدَ عَمْرَةَ مِنْ بَتَاتِ مُسَافِرِ

   
   

ذِي حَاجَةٍ مُتَرَّوِحٍ أَوْ بَاكِرِ(12)

         

نصاب ثعلبة بن صُعَيْر المازني خمس قصائد مع تحديد الأنموذج أيضا.

وقال: "فمعقّر البارقي حليف بني نمير؟ قال: لو أتم خمسا أو ستا لكان فحلا"(13)نصاب معقّر البارقي خمس أو ست قصائد دون تحديد للأنموذج. ثم قال: "قلت: فأوس بن غلفاء الهجيمي؟قال: لو كان قال عشرين قصيدة كان لحق بالفحول"(14)فالأصمعي يرى أوسا من الشعراء المقلين إلى حد كبير وإلا فلماذا حدد نصابه بعشرين قصيدة؟ دون غيره من أصحاب الخمس والست قصائد، دون تحديد للأنموذج.  

أما سلامة بن جندل: "لو كان زاد شيئا كان فحلا"(15)لم يحدد الأصمعي هنا النصاب الذي يريده حتى يرتقي سلامة إلى مصاف الشعراء الفحول.

أما نصاب القصائد ككل الذي يعتمده الأصمعي في تحديد فحولة كل شاعر يتوقف عند الخمس قصائد كأدنى تقدير، والحد الأعلى غير محدد؛ أي عند الحويدرة والمهلهل وثعلبة بن صُعَيْر المازني النصاب هو خمس قصائد مع تحديد للأنموذج. أما معقّر البارقي فخمس أو ست قصائد دون تحديد للأنموذج، وأوس بن غلفاءالهجيمي فنصابه عشرون قصيدة دون تحديد للأنموذج أيضا، وسلامة بن جندل لو كان زاد شيئا كان فحلا فلا قصائد تحدد نصابه ولا أنموذج فما سبب هذه التحديدات التي وضعها الأصمعي؟.

تحديد الأصمعي للنصاب والأنموذج جاء متذبذبا بين الشعراء ووراء هذا الأمر خلفية دفعته إلى تحديد النصاب لاعتبار فحولة شاعر على آخر. وربما يكون السبب في الشهرة والمكانة القبَلية التي يحتلها الشاعر؛ أي أن الشاعر صاحب المكانة الرفيعة في قبيلته ـ كالمهلهل مثلا ـ إضافة إلى جودة أنموذج شعري واحد تشفع له ولا يكثر عليه الأصمعي أثناء تحديد الكم على خلاف باقي الشعراء. هذا الذي يمكن أن نرجحه في الفصل في قضية الكم الشعري.

ثانيا ــ معيار جودة الشعر:

لهذا المعيار الذي اتخذه الأصمعي مضمارا يقيس من خلاله فحولة الشعراء قيمة كبيرة، ومزية بارعة تبرز لا محالة براعة ومقدرة كل شاعر في نظم الشعر. كون الشاعر المُجيد له أفضال عديدة على باقي الشعراء؛ لأنه بمثابة المحور الأساس والمرجع. الذي ينهل منه الشعراءأليس الشاعر المجيد هو فاتح الطريق لباقي الشعراء في الكثير من الموضوعات وتطويع الأغراض الشعرية؟. ومثل هذه المكانة الرفيعة أولاها الأصمعي لامرئ القيس وذلك في قوله: "ما أرى في الدنيا لأحد مثل قول امرئ القيس:

وَقَاهُمْ جَدُّهُمْ بِبَنِي أَبِيهِمْ

   
   

بِالأَشْقَيْنِ مَا كَانَ العِقابُ

         

قال أبو حاتم: فلما رآني أكتب كلامه فكر ثم قال: بل أولهم كلهم في الجودة امرؤ القيس، له الخطوَة والسبق، وكلهم أخذوا من قوله، واتبعوا مذهبه."(16)ولم يخف الأصمعي إعجابه الشديد بامرئ القيس لما يحويه من جودة حتى فضَّله على من سواه من الشعراء. 

" قال أبو حاتم: وسأله رجل: أي الناس طرا أشعر؟ قال: النابغة، قال: تقدم عليه أحدا؟ قال: لا، ولا أدركتُ العلماء بالشعر يفضلون عليه أحدا"(17)

ينظر الأصمعي إلى الشعراء غير الفحول نظرة بصير خبير بالشعر، ليتمكن بذلك من التمييز بدقة جودة الشعر ورداءته ويحكم من خلالها على فحولة وعدم فحولة الشعراء؛ أي فالشاعر الجيد الشعر فحل تارة باجتماع خصائص، وغير فحل بنقص بعض الخصائص تارة أخرى. ونجد الأصمعي يحكم على لبيد بن ربيعة بأنه"ليس بفحل. ثم قال مرة أخرى: كان رجلاً صالحاً، وكأنه ينفي عنه جودة الشعر"(18)فلبيد في رأي الأصمعي ليس من الفحول والسبب هو نفي عنه جودة الشعر كما اعتقد أبو حاتم. وقد حدث الأصمعي ذات مرة قال: "سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: ما أحد أحب إلي شعرا من لبيد بن ربيعة، لذكره الله عز وجل، ولإسلامه، ولذكره الدين والخير؛ ولكن شعره رحى بزر"(19)فلمعيار الجودة الشعرية هنا أساس اعتمده الأصمعي كركيزة أساسية في تقييم شعر لبيد وإنزاله منزلته التي يستحقها ويفَصل أدونيس في هذا الشأن فيقول: "وتعني هذه الكلمة أن أبا عمرو بن العلاء يحب لبيدا لصلاح شعره، لا لقوته الفنية أو المعنوية. والجودة هنا لا تعني الصنعة، بدليل قول الأصمعي عنه أيضا شعر لبيد كأنه طيلسان طبري يعني أنه جيد الصنعة وليست له حلاوة"(20)

وهذا دأب الأصمعي في تمييز الشعراء الفحول وغير الفحول عبر معايير متمايزة حسب ما وجد عند الشاعر من جودة وحسن نظم. ففي موضع آخر نراه يقرر أن كعب بن سعد الغنوي " ليس من الفحول إلا في المرثية، فإنه ليس في الدنيا مثلها"(22) ومرثيته هي البائية التي رثى فيها أخاه إذ يقوله في مطلعها:

تَقُولُ ابْنَةُ العَبْسِيِ قَدْ شِبْتَ بَعْدَنَا 

   
   

وَكُلُّ امْرِئٍ بَعْدَ الشَبَابِ يَشِيبُ

         

وهذا دليل على إعجاب الأصمعي الشديد بجودة هذه القصيدة، وبالتالي فمكانة كعب بن سعد الغنوي عنده مرموقة فقد أولاه درجة الفحولة.

وكذلك فعل الأصمعي في تحديد جودة الشعر مع أبي ذؤيب الهذلي في جيميته حيث قال: "ليس أحد يقوم للشماخ في الزائيةوالجيمية إلا أن أبا ذؤيب أجاد في جيميته حدا لا يقوم له أحد. قال: هي التي قال فيها:

كَأَنَّ ثقال المزن بين تضارع

   
   

وشامة برك من جذام لبيج"(23)

         

فمعيار جودة الشعر من أحكم وأقدر المعايير التي تحدد مقدرة الشاعر الفنية ومدى حسن نسجه وبراعة نظمه، ليتبين مدى مكانته بين الشعراء وفحولته.

ثالثا ــمعيار الزمن:

يعتمد الأصمعي على الزمن الذي يحدد مكانة الشاعر على مر العصور، فقد وردت آراء وأحكام وفقه وهذا تفصيل لها. "قلت: فجرير والفرزدق والأخطل؟ قال: هؤلاء لو كانوا في الجاهلية كان لهم شأن، ولا أقول فيهم شيئا لأنهم إسلاميون"(24)فالشاعر الإسلامي عند الأصمعي له مكانة أخرى غير مكانة الفحول الجاهليين ويتحرج في إصدار أحكام فيهم."قال أبو حاتم: وكنت أسمعه يفضل جريرا على الفرزدق كثيرا فقلت له يوم دخل عليه عصام بن الفيض إني أريد أن أسألك عن شيء ولو أن عصاما يعلمه من قبلك لم أسألك، ثم قلت: سمعتك تفضل جريرا على الفرزدق غير مرة. فما تقول فيهما وفي الأخطل؟فأطرق ساعة، ثم أنشد من قصيدته :

لَعَمري لقد أَسْرَيْتُ لا ليلَ عاجزِ

   
   

بساهمَةِ الخَدّين طاويَةِ القَرَبْ

         

فأنشد أبياتا زُهاء العشرة، ثم قال:من قال لك إن في الدنيا أحدا قال مثلها قبله ولا بعده فلا تصدقه."(25)

يحبذ الأصمعي الشعر الإسلامي أو بصفة عامة الشعراء غير الجاهليين ويرويه وينشده ويطرب له، وذلك راجع إلى ما فيه من الحلاوة والروعة والجمال من القوافي الرقيقة والمعاني الحلوة السهلة. لكن الأصمعي شديد الصرامة في الفصل بين الشعراء، فهو لغوي بالدرجة الأولى، وفي تقسيمه للشعراء تداخل في حجيتهم للغة إضافة إلى إبراز مكانتهم. فهو بذلك يميز في تمييزه بين الشاعر الفحل وغير الفحل، الشاعر الحجة في اللغة والشاعر غير الحجة، فالشاعر الجاهلي حجة بالغة، وما دون ذلك لا حجية له وإن فاقت جودة شعره. حتى ولو كان أبو عمرو بنالعلاء يفضل الأخطليقول الأصمعي: "سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: لو أدرك الأخطل من الجاهلية يوما واحدا ما قدمت عليه جاهليا ولا إسلاميا"(26)

ثم إن جمع الشعر جاء من أجل تقويم اللسان العربي وهذا ما يتطلب منهجا قويما وصارما، كما أن هذه الدقة المنهجية تلزم صاحبها الموضوعية والتجرد من جميع الأهواء والذاتية. فالشاعر الجاهلي فحل وصاحب حجة كبيرة لا يتقدمه شاعر آخر مهما كان ومهما قال من الشعر، والإسلامي والمولد ممن تأخر ولو فاقت بلاغته فهو متأخر وفاقد للاحتجاج في اللغة لأن لسانه أصابه من اللحن ما أفسد اللغة، فكل حسب منزلته وكل بمقداره." قال الأصمعي: أنشدت أبا عمرو بن العلاء شعرا فقال: ما يطيق هذا من الإسلاميين أحد ولا الأخطل"(27)فمهما بلغت مكانة الشاعر، وجودة شعره، ولكن إذا تعدى ذلك الفارق الزمني وخرج عن الجاهلية فلا حجة له ولا تقديم له.

مفسدات الفحولة

يعتمد الأصمعي على عامل أخلاقي نابع من أصول الدين. فلمفسدات الفحولة أمور عدة اتخذها الأصمعي سببا في تأخير بعض الشعراء من خلال تحكيم المعيارين الأخلاقي والاجتماعي وهي:

$11.      النيلمن أعراض الناس بالهجاء يقصي الشعراء الهجَّائين من الفحولة.

$12.      الانتحال والتقول في الشعر: فالكذب والزيادة في الشعر أمر لا أخلاقي يقصي الشعراء من الفحولة.

$13.      ظاهرة الصعلكة: الشعراء الصعاليك ممن تمردوا على الأخلاق وانقلبوا على القيم الاجتماعية يتمإقصاؤهم من الفحولة.

$14.      اعتماد الشعراء مواقف ومناسبات لقول الشعر، واقتصارهم على المكانة الاجتماعية كالكرم والجود، أو غرض واحد يقصيهم من الفحولة.

فكل شاعر خالف العرف الاجتماعي أو خرج عن نطاق الأخلاق لا يُكسبه مرتبة الفحول والأصلح له أن يسمى بما اعتمده، واتخذه صنعة أو كما سماهم الأصمعي.

وتتلخص معايير الفحولة عند الأصمعي في المخطط التالي:(44)

M070301

سلم الفحولة عند الأصمعي:

من خلال المخطط السابق الذي رصد أهم المعايير التي أقام عليها الأصمعي مفاضلته بين الشعراء. استطعنا أن نخرج وفقها بسلم يخص مراتب الفحولة، بِعَدِهَا درجات ومنازل تم تحديد مكانة الشعراء من خلالها:

M070302

وإذا نظرنا في هذا السلم الذي استنبطناه من جملة ترتيبات الأصمعي، وقفنا على جملة من الإشارات كان للأصمعي دور كبير في بيان أقسام الشعراء ومنازلهم. وبيان أن لمضمار الشعر درجات، ومعايير من شأنها أن تميز شاعرا عن آخر طبقا لما يؤسس له الشاعر في نظام قريضه.

فالأصمعي ينطلق في ترتيبه للشعراء من خلال أنموذج. شكل مكانة رفيعة في مضمار الشعر كامرئ القيس. لميزة انفرد بها كالحظوة والسبق إلى طرق أمور عديدة في جماليات الشعر من استعارات وتشبيهات بكر.

وتصنيف الأصمعي للشعراء من خلال امرئ القيس إنما المراد منه الوقوف عند الفحول الذين يؤسسون بشعرهم لديوان العرب الذي يبني صرح اللغة. معتمدا في ذلك على جملة من المعايير والمقاييس كالزمن ليحدد به مكانة الشعراء المولدين، والعبيد والذين خالطوا العرب من الذين لم يخالطوا، وحجية الشعراء من عدمها. كما اعتمد على المقياس الاجتماعي ليحدد به الشعراء الفرسان، الكرام، والصالحين.

وبهذا التصنيف ومقاييسه استطعنا أن نرسم سلما للفحولة انطلاقا مما ورد عند الأصمعي من مراتب للشعراء. لتشكل الأنثى أدنى الدرجات، والفحولة أعلاها. فكما يقول الأصمعي: " طريق الشعر إذا أدخلته في باب الخير لان، ألا ترى أن حسان بن ثابت كان علا في الجاهلية والإسلام فلما دخل شعره في باب الخير
من مراثي النبيr وحمزة وجعفر ابن أبي طالب رضوان الله عليهما وغيرهم لان شعره"(45) لأن طريق:"الشعر هو طريق شعر الفحول مثل امرئ القيس وزهير والنابغة، من صفات الديار والرحل والهجاء والمديح والتشبيب بالنساء وصفة الحمر والخيل والحروب والافتخار، فإذا أدخلته في باب الخير لان"(46)وهكذا ترتبط الفحولة بالهجاء والمدح. ففي رواية عن ذي الرمة أنه قال للفرزدق: "ما لي لا ألحق بكم معاشر؟ فقال له: لتجافيك عن المدح والهجاء"(47) وهذا قول يدل على أن للمدح والهجاء أهمية كبيرة تبرز مكانة الشاعر ومقدرته. كما تبين أن باب الشعر هنا غير الخير؛ فشعر الكرم والجود من القيم الاجتماعية النبيلة التي تنبع عن ذات لينة، غير المدح والهجاء القائمين على دافعية القوة والشر.

خاتمة

لقد مكن هذا المقال من دراسة مفهوم الفحولة عند الأصمعي من خلال ما قدمه كتصنيف للشعراء وفق ما رآه مناسبا من معايير تشمل النظم والقول الشعري ككل. وهو ما فتح باب الاجتهاد والنقد قصد تحديد ثوابت يمر عبرها الشعراء ليحققوا النموذج المحتذى في قول الشعر.. ومن ثم يتحدد وفق الأصمعي معايير: الكثرة/ الكم الشعري، جودة الشعر، ومعيار الزمن. النموذج النقدي الذي يتيح الممارسة النقدية لما هو آت من نظرات ونظريات نقدية حول الشعر.

الهوامش:


(1) ابن منظور، لسان العرب، دار المعارف، مصر، 1979، مادة فحل.

(2) الأصمعي، سؤالات أبي حاتم السجستاني للأصمعي ورده عليه فحولة الشعراء، تحقيق: محمد عودة سلامة أبو جرى، مكتبة الثقافة الدينية، مصر، 1994، ص: 30.

(3) أدونيس، الثابت والمتحول بحث في الإتباع والإبداع عند العرب، دار الفكر، لبنان، 1986،ج2، ص: 40.

(4)الأصمعي، فحولة الشعراء، ص: 30.

(5) أدونيس، الثابت والمتحول، ج2، ص: 40.

(6)الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي القاهرة ، 1998، ج2، ص: 9.

(7) الأصمعي، فحولة الشعراء، ص: 40.

(8)نفسه، ص: 41.

(9) المرزباني: الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الفكر العربي، لبنان،دط، ص: 94-95.

(10)نفسه، ص: 94.

(11) الأصمعي، فحولة الشعراء، ص: 42.

(12) المفضل الضبي، المفضليات، تحقيق: أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون، دار المعارف، مصر، 1979، ص: 128.

(13) الأصمعي، فحولة الشعراء، ص: 46.

(14)نفسه، صص: 50-51.

(15)نفسه، ص: 53.

(16)نفسه، ص: 30.

(17)نفسه، صص: 30 – 31.

(18)نفسه، ص: 50.

(19) المرزباني، الموشح، ص: 89.

(20) أدونيس، الثابت والمتحول، ص: 39.

(22)نفسه، ص: 48.

(23)نفسه، ص: 68.

(24)نفسه، ص: 43.

(25)نفسه، صص: 43-44.

(26)نفسه، ص: 44.

(27)نفسه، ص: 44.

(44) رحمن غركَان،مقومات عمود الشعر الأسلوبية في النظرية والتطبيق،منشورات إتحاد الكتاب العرب دمشق، 2004صص: 58-59.

(45) المرزباني، الموشح، ص: 75.

(46)نفسه، ص: 85.

(47)نفسه، ص: 274.