الجمالية ُوالنّصُّ الأدبي.pdf

 

أ.علاوة كوسة                  

كلية الآداب واللغات             

جامعة برج بوعريريج- الجزائر

Résumé

Questionner la nécessitéesthétique qui émane à la fois de l'intérieur et de l'extérieur de l’êtrehumain pour le quitter et aussitôt le rejoindre et cela à partir de la créationlittéraire en tantqu’unproduitinventif et uneréserveesthétique capable de détecter la corrélationétroite entre le texte et l'esthétique, soit au niveau de la structure et la composition, soit au niveau de la signification et de la représentation, avec une opposition harmonieusequ’explique la dichotomiesuivante : « L’esthétique du texte et le texte de l’esthétique », dans la perspective, d'une part quechaquetextepossèdesespropresesthétiquesainsique les éléments qui luigarantissentsalittérarité, et de l’autreque le texte a sescaractéristiques techniques et esthétiques qui le distinguent des autres types de discourscomme le philosophique, le religieuxou le scientifique.

 الملخَّص:

حاولنا في مقالنا هذا  مساءلةَ الحاجة الجماليّة التي تنبثق من داخل وخارج الذات الإنسانية  وتنطلق منها إليها ، وذلك انطلاقا من المنتَج الأدبيّ بوصفه معطى إبداعيّا واحتياطيّا جماليّا قادرا على كشف التّعالق الشّديد بين النّص والجمالية ،إن ْ على مستوى البنية والتّشكيل ،أوالدلالة والتمثيل ،بتضادمنسجمتعبّرعنهالثنائية:"جماليةُ النّصّ ونصُّ الجمالية "، من زاوية أنّ لكل نصّ جمالياتِه وعناصرَه التي تضمَن له أدبيّتَه من جهة ،وأنّ للنّصّتهويماتِه الفنيةَ والجماليةَ  التي تنزّهه عن أنواع مجاورة أخرى من الخطابات ،كالفلسفيّ ،الدّينيّ والعلمي.

مقدمة :

إنّ الإنسان مطبوع بفطرته على التعلّق بكلّ ما هو جميل و مشدود بحسّه إلى كلّ ما يمتّ بصلة إلى الجمال بمختلف أشكاله ، و شتىّ تجلّياته ، ما السّر في هذا  التعلّق السحري الغامض بين الإنسان والجميل المتعدد؟ و ما مدى حاجة الإنسان إلى الاكتفاء الجماليّ ؟ و فيمَ يتجلّى الجمال ؟ و ما الشّيء الجميل ؟ و أين يمكن أن يكمن في كلّ ما يحيط بالبشر ؟ أشياء و فنونًا، أدبًا و إبداعًا ؟ و إلى أيّ مدى يمكن الحديث

عن الجماليّة كتشكيل و بنية لهذه الفنون  و الأعمال ، و العمل الأدبي ّبصفة خاصّة ؟ ما دام طرحنا يحاول مقاربةَ العمل الأدبيّ    جماليّا ؟ حتىّ و إن كان " الجميل و المبدَع لا تعريف له ، فهو أكبر من التّعريف و حدودها المصطنعة،فالجميل يفرض حدوده التي يستمدّها من اليوميّ و الزّمنيّ"[1]، ما دام – أي الجمال- متعلّقا بأحاسيسنا ،و ذواتنا ،و متعلّقا أيضا بتذوّقنا له لأنّ " الجمال شعور ،و الّذي يشعر بهذا الجمال هو الإنسان.و هي صفة طبيعيّة فيه،فهويفهم الجمال بواسطة مشاعره "[2] و يسعى في كلّ ذلك إلى تحقيق الإشباع الجماليّ   و الاكتفاء منه أيضا"وإن الإنسان يقترب من الجمال وينشده بفطرة طبيعية فيه وأن أول مظاهر هذا الاقتراب تنعكس في احتفال المرء بالزينة"3

و يسعى  الإنسان  من  أجل  تحقيق هذا الإشباع أيضا إلى معانقة كلّ ما في عمقه، و ما حوله ، و محاولة تذوّقه لأنّ "الجمال مردّه إلى الذّوق ،فلا شأن له بالحججو البراهين و الأدلّة ،     و تكون صلة الذّوق بالحقيقة من حيث جمالها لا من حيث البرهنةعليــها"[3] ، إذ الـذّوق وسـيلة و أداة إلى غاية أسـمى هي ملامـسة شغاف كلّ ما هو جميل في هذا الكون.

 و الجمال يكون في كلّ ما يحيط بالإنسان و هو نوعان :

جمال طبيعيّ و جمال فنيّ ، أمّا " الجمال الطبيعيّ هو من صنع الطّبيعة و الجمال الفنيّ هو من صنع

الإنسان،أي إنّه جمال مبتدع، مكتشف ،مخلوق، إنّه انعكاس النّفس على الطبيعة "[4]و تمثّلات لها في نفس المتذوّق الفنّان،ما دام الجمال "صفة تتجلّى في الأشياء بنسب متفاوتة ،و هو في حركة نشيطة مستمرّة "[5] و على الإنسان أن يساير هذه الحركيّة بحسّه و فكره ،من أجل أن يجسّد لنا

هذا الجمال، و يقدّمه في صور ملائمة، حتىّ و إن اختلفت الرّؤى و النّظرات إلى جمال الأشياء لأنّ" الأشياء تكون جميلة و غير جملية في الواقع من فرد لآخر "[6] و من زمن إلى آخر و من مكان إلى آخر .لبواعث عديدة ، منها النّفسيّة ،الدّينيّة ,والثقافية.

و لقد ارتبط الجمال في ذهن الإنسان بأشياء أكثر من أخرى فلو " أجري استفتاء على جمال شيء ماديّ ، و سُئل أحدهم عن هذا الشّيء: أهو جميل؟ فإن ّمعظم الآراء تتّفق على الجسم البشريّ، و جسدِ المرأة...وجواهرِها و ثيابِها ثم للمنازلوالمدن"[7]، كما قد تكون درجات تَصوّر الجمال و تعالقاته مختلفة و متباينة .كما سبق الذّكر .حسب الظّروف ، الأحوال والثقافات.

إن كان الجمال الطّبيعيّ من صنع الله، فإنّ الجمال الفنيّ من صنع الإنسان ؛حيث إنّ  " الجمال الفني ّ   هو ضرب من الجمال  النّفسي  الّذي  يبدعه  الإنسان  من  خلقه  لمثال الأشياء "[8]:  و ذلك بأدواته الخاصّة و فلسفته البعيدة في الجمع بين الواقع و الخيال ،وهو محاولة للتّحرر من القيود في كافّة أشكالها ،لذلك  " يكون  الفنّ  سبيلاً للإنسان لإدراك كماله المفقود، و الخروج من وجوده المقيّد المحدود "[9] .لذا يمكن الحديث عن الفنّ : هدفًا ،مهْربا ، خيارا أو غاية صغرى يُتَوَسَّلُ بها إلى غايات كبرى : إمتاعا ، تعبيرًا تأريخا لعالم هذا الإنسان، بكل دقائقه ،  و تفاصيله ،على الرّغم من أن ّ" الإبداع الفنيّ عمليّة صعبة و معقّدة ، و لا يمكن أن تُفسَّر إلاّ من خلال مبدعيها ،   و المبدع نفسه قد لا  يستطيع   مساعدتنا   لأنه  لا يعرف هو أيضا كيف يكون ذلك "[10] في أغلب الحالات و الأحيان، و هذا ما يرغمنا على التساؤل عن ماهية الفنّ ، و طبيعة الفناّن؛ هذا المترجم/ المصوّر/ الوسيط بيننا و بين كلّ ما في ذواتنا / أعماقنا ،و ما حولنا.هذا الفنان الذي قال عنه أرسطو بأنه"إنسان ملهم من قوة عليا،مطلع على الحقيقة القصوى،منبئ الناس عنها،فهوأشبه بالرسل والأنبياء"11

و هنا يمكن القول بأنّ الفنّ هو رفيق الإنسان السّاعي إلى اكتشاف نفسه و العالم و كلِّ الأسرار التي تغيب عن فهمه /وعيه، من أجل أن يحقّق جزءً من ذاته ،و يشعرَ بكينونته  و وجوده ، ما دام بعيدَ الرؤى في تفاصيل الحياة ، و ما ظلّ طموحا ، حسّاسا ، جاهدا إلى تحقيق غاياته لفترات قد تطول؛ حيث إنّ " الفنّ خبرة إنسانيّة ،و مبدأ من مبادئ قيم الحياة   في انسجامها   الدّاخلي    و توافقها الجماليّ، من خلال إنعاش الإدراك الحسّي بتذوّقنا للمؤثّرات الجماليّة في هذه الحياة ، التي تَظهر للفنان أسمى من تصوّرها الطّبيعي الظّاهري ، من حيث كونها تلتقي بعاطفته النّبيلة ،   و إرادته  الطموح  و عقلِه المميّزِ لقيمة الشّعور بالجمال ، و في تجسيد ماهية الجميل      و تمييزه غيرَه "[11].

و إنّ لهذه الخبرة الدّورَ الفعّالَ في صياغة و تشكيل هذا الكون بالطّرُق التي يتوسّل بها الفنّان ُمن أجل تعميق تجربته حيث " تُسهم  ألوانُ  التجارب العديدة التي يستوعبها رجلُ الفنّ عموما     و الأديب على الأخصّ بقسط وافر في إثراء إبداعه  و تعميقه و منحه البعد الضّروري لكي يحظى بالقبول و تتوفر له السيرورة اللّازمة لدى الجمهور المتلقّي ، أمّا إذا اتّسمت تلك التجاربُ المنوّعةُ بالسّطحية و الضّحالة فسيكون  من العسير   على  أيّ  رجلِ  فكر  ٍأو  فنّان  أن  يسترعي انتباه المتلقّي "[12]؛ إذ ممّا لا شكّ فيه أن ّمَن اتّخذ الفنَّ خيارا كان عليه أن يصون و يطوّر و يرعى

خيارَه و يوفّر له كلّ أسباب النّجاحلأنّ " الفنّ عمل جدّي مسؤول ، به فقط يعثر الإنسان على عزاء لمصيره الغامض بين يدي الحياة ، و به يصارع الجهلَ و الظلمة "[13]،و إنّ الفنّ ذاته يساهم في بناء شخصيّة صاحبه ،و العكس صحيح إذ " الفنّان الكبير هو قبل كلّ شيء الإنسانُ الكبير الذي تعمّقت تجربته و اتسعت حتى غدت رمزا للإنسان كلّه "[14] ،و " الفنّانون الكبار (...) يَسْمون إلى رتبة قد تعادل رتبةَ الأنبياء "[15] أحيانا ، و ذلك عندما يسمو هؤلاء بفنّهم إلى أعماق الإنسانية و يتوغلون به إلى آفاق الكون.

و إنّ الفنّان يحتاج في توجّهه هذا إلى خيال فنيّ << لا ينفصل عن الواقع و لو كان يعلو عليه بما يمتلكه من قدرة على التّركيب و الخلق "[16] و إعادةِ تشكيل الواقع بصيغ و معايير تحقق الكفايةَ الجماليّة للمتلقّي ،و إن ّ" الخيال الفنيّ لا يعمل على منوال المنطق المألوف ، و لا يرتبط بقوانين المادّة ،فهو يعمل على اكتشاف علاقات جديدة، تجمع المتناقضات في وحدة منسجمة متجانسة ، كما تتلاقى في ظلّه الأشياء التي يمكنها أن تتلاقى في الوقع المحسوس "[17]، ، كما أن " الفنّ يحوّل ما هو حسن و ما هو قبيح في الطّبيعة إلى جمال "[18] ، و تلك إحدى سماته

الراقية ، تحقيقا لمتعة المتلقّي ، و إشباعا لرغبته في معانقة كلّ جميل في أعماقه و آفاقه ، " فالفنّ       و جماله قيمتان إنسانيتان و تذوّقهما معيار لتحضّر أيّ مخلوق "[19] ،على مستوى فرديّ ،كما أن للفنّ و الجمال سلطانا على الشّعوب و الأمم- تحضّرًا و ثقافة أيضا- ليمد ّكلاهما – الفنُّ          و الجمالُ- هذه الأمم َبالتّقدّم و مواكبة الذّائقة السّليمة ، و يكسبانها ما تنشده من استمرار و خلود من حيث" إنّ الفنّ يعتمد النّفس َالبشريةَ كمادّة أولى؛ بقدر ما يوغل الفنّان في أعماقها ، كاشفا أسرارها و حقائقها المستورة ، بقدر ذلك يسمو و يخلد "[20] و تسمو به و تخلد أمّته و عالمه كله.

و إذا كان الفنّ بكلّ هذه القيمة  و المكانة فإنّه قد اكتسى اهتماما بالغا لدى البشريّة،     و صار من قيمها و ثوابتها و مقدّساتها حيث " نحسّ أنّ الفنّ مقدّس كما هو الدِّين (...) لهذا وجب على كلّ من يتقصّى الفنّ أن يتقصّى الدِّين، وهو قادر على أن يلاحظ شدّة ارتباط أحدهما بالآخر على مرّ التاريخ "[21] حيث نجد أنّ كلّ دِين قد تضمّن ملامحَ الفنّ و الجمال إنْ شكلا  أو دعوةً إليهما .

أمّا في الإسلام فإن ّ" كلّ موجود له جماله الخاصّ و قسطه من الجمال و أنّ الموجود الأول هو الله ، جماله فوق كلّ جمال موجودٍ سواه "[22] ، و صار المتداول بين المسلمين أنّ الله جميل و يحبّ الجمال، و يمثّل هذا الجمال من المنظور الدّيني الأخلاقَ البشريّة َو الصّفاتِ ، و القيمَ   و الشّيمَ أيضا، أمّا في المحسوسات فتجسد الجمال في زخرفة المساجد والمباني ،و دفّات الكتب و المجلّدات،     و المصاحف الشّريفة أيضا.

أمّا المسيحيّون فهم يرون بأنّ" مصدر الجمال هو الله ، و أن الطّبيعة هي العمل الفنيّ لله. فالجمال وحدةٌ تنبثق من الواحد الذي هو مصدر الخليقة "[23]كما أنّ الجمال قد كان محورَ اعتقاد الإنسان على اختلاف ديانته ، و من ذلك اعتقاد البوذيّين بأنّ " نصف الإيمان يشتمل على التأمّل في الجمال "[24].

و إذا كان هذا هو ارتباط الجمال بأديان مختلفة فإنّ للجمال أيضا ارتباطاتٍ عديدةً بقيم مختلفةأخرى ؛ كالحق ،الخيروالمنفعة،ومن شأن هذا التماهي الإنساني مع ما هو جميل أن يولد   المتعة التي اقترنت بالجمال  كما يقول بذلك الفيلسوف الألماني" كانت" " إنّ الجمال هو الذي يكون ممتعا بالضرورة ،   و هذه المتعة تنبعث من نفوسنا "[25]..

قد سبق أن استعرضنا مفهوم الجمال و ارتباطاته المتعددة بالدّيانات ،و الموجودات ، وسنحاول التعرّض له من منظور عربيّ حيث " اتخّذت ظاهرة الجمال في الفكر العربي مغزى تجريبيّا من استنتاجهم للأذواق الحسيّة ، و هي النظرة السّائدة في تقويم المنظور العربيّ القديم لمعنى الجمال ، و قِدَمُها يتدرّج بهم إلى عصر ما قبل الإسلام حيث كانوا يربطون النّظرة الحسّيّة بوصف الطبيعة و المرأة ، غير أنّ وصف المرأة كان له الحظّ الأوفر من الإعجاب "[26] ،و من ثمّ فإنّ العرب قد حاولوا على مرّ الأزمان عناق كلّ ما هو جميل ، و قد عكست أشعار الأولين  و الآخرين هذا الحسّ الجمالي ،و هو ما انطبع أيضافي آدابهم.

و منه فإنّ النّصّ العربيّ قد وعى جماليات نصوصه جيّدا ، و أدرك أنها تسييجات لابدّ منها لخلوده من خلود نصّه ،وفق جماليات معينة و فنيّات متعارف عليها.

و يمكن أن نتحسّس ملامح الجمال عند العربيّ في مواضع كثيرة ، فأمّا     " جمال البطولة فنتلمّسه في شعر عنترة ،بينما يتجسّد جمال التّضحية   عند     الخنساء "[27] ،و يرتسم جمال الغربة  و النّجوى في شعر أبي فراس ، و غيره أيضا.

والمتتبع للمنتَج الأدبي العربي المعاصر يتحسس جماليات التجريب في المزج بين الأجناس الأدبية من جهة ،كتوظيف الشعر في الرواية والقصة مثلا ،وفي تنويع الطرح الفني في الجنس الأدبي الواحد كالجمع بين العمودي والحرّ في النص الشعري الواحد وغيرها.

و هي كلّها ملامح جماليّة جسّدتها بوادرُ التّجريب في النّصوص المعاصرة ، و ذلك وفق فنّيّات مختلفة قصد تحسّس مواضع عميقة للجمال الكامن في أنفسنا من خلال تحسّس و مقاربة أشكال جديدة   و مضامين متجددة في هذه النّصوص، و لا يكون هذا الفعل إلا بملكة القراءة      و التلقي من طرف المرسل إليه، بعد ملكة الإنتاج و الإبداع  من طرف المرسل الذي هو الكاتب .

و عليه فإنّ " علماء العرب قد عرفوا للأدب ثلاث ملكات : ملكة منتجة تتجلّى في الشعراء و الكتّاب و الأدباء و الخطباء،و ملكة ناقدة تستطيع أن تتبين مواضع الجمال في الأعمال الأدبية ،  و ملكة متذوّقة تُدرِكُ بنفسها أو  بواسطة  النّاقد  ما في  النّصوص  الأدبيّة  من  حسْن     و جمال "[28]،و بذلك تقدّر قيمة النّصّ الجماليّة،      و هي مبتغى القارئ /المتلقّي في كلّ زمان و مكان "   و على طول تاريخ البشريّة لم تستغن أيّةُ أمّة عن القيم الجماليّة ،بل بقيت تسعى إلى تحصيلها         و القبض عليها في أيّ مجال فنيّ أو أدبيّ ، و ما الآثار الأدبيّة الباقية للأمم إلاّ خير دليل. فلليونان الإلياذة  و الأوديسة ، و للرّومان الإنياذة ، و للفرس الشهنامة ، و للعرب المعلقات .. و لم تكن هذه الأمة لتحتفظ بها في ذاكرتها و تخلّدها لولا احتواؤها على قيم جمالية معيّنة"[29] ، و بذلك تصبح القيمة الجمالية مطلبَ متلقٍ شغوف بملامسة شغاف الجمال من جهة ، و شرطَ خلود و دوام لكلّ شيء حملها – القيمة الجمالية- في ذاته/ متْنه، حيث " الجمالية تمثّل رؤيا خاصّة للفنّ و طريقةً لملامسة شغاف الجميل في النّصّ لأجل تذوّقٍ فنيٍّ يكشف حقيقةَ تلك النّصوص،     و أثرها على الفرد الباحث أو الأفراد الآخرين المتذوقين "[30] لهذه النّصوص، كما أنّ " الجمالية علم غرضه صياغة الأحكام التقديريّة من حيث كونها قابلة للتّمييز بين الجميل  و القبيح "[31]   و ذلك عند مواجهة الأعمال الفنية عموما و الأعمال الأدبية خصوصا.

كما يراد بالجمالية أيضا تجريد النّصّ من كلّ عوالقه الخارجيّة ،و الانطلاق في مقاربته من الداخل حيث إنّ " الجماليّة تنكر القيمة الخارجيّة و الخلقية و الدّينية     و الفلسفيّة للعمل الأدبيّ، لأنها لا تؤمن بأيّة جدوى من ورائه"[32] ولا مجال حينها إلاّ لما يقوله النّص ، إذ النّص حينها وحدَه من يتكلّم ، ووحده المخزن لقيمه الجمالية  ، التي يُعدّ فيها صاحبُه الأقدرَ على تضمين عمله بالقدر الذي يريد من الجمال و المتعة حيث إنّ " فلسفة الجمال الفنيّ المعاصرة على اختلاف مواقفها تلحّ على أن المنظور الوحيد للعمل الأدبيّ ، هو الإدراك الجماليّ الخالي من أية غاية"[33] .

و من هذه المنطلقات الدّاعية إلى تحسّس كل مكامن الجمالية في العمل الأدبيّ ، و البحث في سبل استقصاء جماليات هذه الأعمال فإنه قد بُدئ في صياغة نظرية أو علم الجمال الذي سيتكفّل بالبحث في كلّ ما يتعلق بالجمال ،" و يعدّ بومجارتن أوّل من أفرد هذا المصطلح- علم الجمال- في كتاب خاص عام 1750م، فعلم الجمال علم قديم حديث، ارتبط بالمباحث الفلسفية في أول الأمر ثم استقل كعلم في بداية النهضة الأوربية"[34] ، و من ثمّ أمكن مقاربته للنص الأدبي ،لتلمّس جمالياته،   و كلّ ما يثبت أدبيته،" و قد ارتبط هذا المنهج الجماليّ بتغيّر النظرة نحو مفهوم الأدب و الفنّ بعامّة و صلتهما بالحياة.مما أضفى على شعور الأديب و الفنّان إحساسا قويّا بأهمّية الكلمة و مدى فاعليتها(...) و اعتبر دعاةُ المنهج الجماليّ العملَ الأدبيَّ كائنا لغوياّ قائما بذاته ، كما اهتمّوا بالعنصر البنائيّ فيه، و تحديد القيم الجمالية"[35] التي يختزنها ، و إيلائه الاهتمام الكامل بكلّ جزئيّاته و تفاصيله التي تشكّل عمادَ جماله الذي هو غاية من غايات كاتبه و متلقّيه في الحين نفسه.و منه فقد أصبح " لجماليّات النّص أكبرُ دخل في تحديد الارتباط به و قوّته و درجة الانجذاب إليه ، و الانطباع في الذاكرة، و التّأثير على القلب  و النّفس ، فالقارئ في حاجة إلى جرعة جماليّة ، و يسعى للإحساس الجمالي لأجل الاكتفاء الجمالي، فلا يجد بدّا إلاّ التّطلع إلى ملامح الجمالية التي تنطوي عليها النّصوص الأدبيّة "[36] ، لأن للنص قيما جمالية يتوخّاها القارئ بعيدا عن أيّة خلفية إيديولوجية قد تحدّ من تعمّقه في ثنايا النّصوص ، فتحرمه من ملامسة جمالها ، و قد وقع هذا الانسداد و الحرمان عندما " اهتمّ النّقد الإيديولوجيّ/ أو الماركسيّ بمحتويات النّصوص الأدبيّة ،و حوّلها إلى خطابات إيديولوجيّة دعائيّة، أهمل فيها بدرجات متفاوتة الجانبَ الجماليّ في النّص الأدبيّ ، بوصف هذا الجانب الميزة الأساسية للأدبيّة ضمن المنظومة الثقافية"[37] و بوصف الجمال ركيزةَ كلّ عمل أدبيّ .    و هو من يجعل المتلقّي ينفعل مع ما يقرأ أو يسمع من حيث " إنّ الانفعال هو أصل كلّ تجربة جمالية  و نفهم بالانفعال تلك الحركة الشّعورية التي تطغى على النّفس و تسيطر على قواها "[38] ، فتجعل هذه الأعمال النفسَ تهيم /  تتمتّع  /  تتأمّل /  تتألمّ  /  تعاني  و  تتفاعل  مع  جمال  النّص و تتمثّله ،  إذ   " الانفعال الجمالي هو حالة تعانى و لا تفهم "[39] ، و في تلك المعاناة الغامضة متعة و إشباع جماليان قد لا يتحقّقان إلاّ لقارئ /متلقّ ٍجيّدٍ وواعٍ بأنّ لأيّ نصّ أدبيّ بعدا جماليّا ، و أنّه " يمكن أن ينظر إلى البعد الجمالي للعمل الفنّي من خلال قراءاته التي تتعدد حسب طبيعة القارئ و خبرته السّابقة"[40] ، و من ثمّة تتحقّق المتعة الجمالية التي طرفاها النّص الأدبيّ و المتلقّي.

و يساعد في تحقيق المتعة الجمالية في النّص ذاته " الانسجام بين شكل العمل الفنّي و جمال الفكرة ، كما أنّ الجمال الأصيل يعود إلى الفكرة الجميلة "[41] ، وأنّ " الإيقاع و الانسجام و التنظيم و ما في حكمها أشياء تنتمي إلى الجمال و تقترن بالجميل في مفهومه"[42] ،    و هي كلّها سبل قد يتوسّل بها النّاص و النّص لتحقيق الغاية من كلّ عمل أدبيّ ليتمّ الحكمُ على نجاحه فنّيّا و جماليّا. إذ " الحكم الجماليّ مرهون بوجود رغبة لاشعورية متستّرة وراء أحداث      وتطوّرات العمل الفنّي الذي يقوم باستخدام كلّ الوسائل الممكنة(...) و يضع في إطارٍ جميلٍ   تلك   المضامين "[43] و الأحداثَ ، و بذلك تتحقق غاية النّص و النّاص معًا.

ـــــــــــ

الهوامش:

[1]- رمضان كريب :فلسفة الجمال في النقد الأدبي ، ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ،2009،ص18.

2- فريدريش شيللر:في التربية الجمالية للإنسان،تر :وفاءمحمد إبراهيم، الهيئة المصرية للكتاب.1995،ص39

3- رمضان كريب:المرجع السابق ، ص 20.

4-إيليا الحاوي: في النقد الأدبي ،ج2: دار الكتاب اللبناني ،: بيروت ط4،1979،ص14.

[1]5-رمضان كريب : المرجع السابق ، ، ص17.

-6- عز الدين إسماعيل: الأسس الجمالية في النقد العربي، دار الفكر العربي ، ط3 ، 1974 ، ص76.

7- إيليا الحاوي : المرجع السابق ، ص 14.

8- إيليا الحاوي: المرجع السابق ،ج2،ص15.

9- إيليا الحاوي: - المرجع السابق ، ص20.

10- عبد الكريم هلال خالد:أسس النقد الجمالي في تاريخ الفلسفة: منشورات جامعة قاريونس: بنغازي، ليبيا،ط1،2003،ص111.

11-أميرة حلمي مطر:فلسفة الجمال(نشأتها وتطورها)دار الثقافة للنشر والتوزيع،ط31983،ص5

12[1]- عبد القادر فيدوح : الجمال في الفكر العربي، مجلة الفيصل ، ع 239 ،(سبتمبر-أكتوبر 1996) ص94.

13- أحمد فلاق عروات : النزعة المثالية في نهج البلاغة ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، 1998،ص 291

14- إيليا الحاوي : المرجع السابق ، ج2 ، ص07.

15- إيليا الحاوي : المرجع السابق ، ص08.

16- إيليا الحاوي: المرجع السابق ،ج2 ، ص 09.

17- رمضان كريب : فلسفة الجمال في النقدالأدبي ، ص 143.

[1]18 رمضان كريب : المرجع نفسه ، ص 143.

19- إيليا الحاوي : المرجع السابق ،ص14.

20- رابح خدوسي :انطباعات عائد من مدن الجمال ، منشورات   دار  نورشاد ،  الجزائر  ،  ط1، 2009، ص10.

21- إيليا الحاوي : المرجع السابق ،ج2، ص 356-357.

22- أحمد كمال زكي : الأساطير ، دراسة حضارية مقارنة ، دار العودة بيروت ، ط2 ، 1979 ، ص138.

23- رمضان كريب : المرجع السابق ، ص 59.

24- عز الدين إسماعيل : الأسس الجمالية في النقد العربي ، ص 48.

25- و،ي ، إيس بارويني ، العنصر البوذي في الثقافة الهندية ، مجلة ثقافة الهند ، ع 3 -4  ، 1989 ، ص91.

26- عدنان رشيد : دراسات في علم الجمال ، دار النهضة العربية للطباعة و النشر ، بيروت ، ط1، 1985 ، ص11.

27- عبد القادر فيدوح : الجمال في الفكر العربي ، مجلة الفيصل ، ص 94.

28- عبد القادر فيدوح : المرجع السابق ، ص95.

29- عبد العزيز عتيق : تاريخ النقد الأدبي عند العرب،دار النهضة العربية للطباعة والنشر بيروت لبنان.ص48

30- محمد الصالح خرفي: بين ضفتين ، ، ص25.

[1]3- محمد الصالح خرفي: المرجع السابق ، ص22.

32- رمضان كريب : المرجع السابق ، ص 63.

33- عز الدين إسماعيل المرجع السابق ص 392.

34- رمضان كريب : المرجع السابق ، ص 05.

35- محمد الصالح خرفي : بين ضفتين ، ص 21.

36- رمضان كريب : فلسفة الجمال في النقد الأدبي ، ص 06.

37- محمد الصالح خرفي ، المرجع السابق ، ص 19.

38- يوسف لطرش : سيمياء النص الأدبي ، نشرية الملتقى الوطني الأول لسيمياء النص الأدبي ، جامعة سطيف أيام 12-13 ماي 1998 .

39- إيليا الحاوي ، في النقد الأدبي ،ج2، ص 10.

40-إيليا الحاوي، المرجع نفسه ،ج2، ص 08.

41- موسى ربابـعة : جماليات الأسلوب و التلقي ، دار جرير للنشر و التوزيع ، عمان ، الأردن ، ط1 ، 2008 ، ص 108.

42- عدنان رشيد : دراسات في علم الجمال ، ص 09.

43- عبد الكريم هلال خالد : أسس النقد الجمالي في تاريخ الفلسفة ، ص 29.

44- عبد الكريم هلالخالد : المرجع نفسه ، ص 126.