التحولات الاجتماعيّة والفكريّة في النصف الثاني للقرن التاسع عشرpdf

وأثرها في بواكيرالفن الروائيّ

د.يعرب خضر

جامعة تشرين، اللاذقية - سوريا

ملخص باللغة الإنجليزية

The disintegration of the traditional literary series , and the emergence of

new literary series , represented by the theater , and the article , the story, the novel .. And others, to confirm the depth of social transformations, intellectual and associated literary renaissance ; , which began its implications become clearer since the second half of the nineteenth century .
Renaissance novel worked on loosening the prevailing siso- textualisationstructures , and create a community feature is the values ​​of the Renaissance , the Enlightenment and vocabulary . Has been characterized by early this art control trend of educational and didactic at times, and the emergence of the tendency of rationality and philosophical humanity altogether, baptized as the book to the use of new techniques in writing narrative ; of Cut metaphorical or symbolic , to the use of IT dream, with the employment of hair in the Metn narrative , in order to entrench Renaissance thought in the Renaissance community , and get rid of the false consciousness which line steering ignorance and backwardness colonial period centuries long.
 As a result of this; access to a narrative style can promise the traditional father of the Arab novel , or the introduction of creative introductions .

ملخص :

جاء تفكك السلسلة الأدبية التقليدية، وظهور السلسلة الأدبية الجديدة متمثلة بالمسرح، والمقالة، والقصة، والرواية.. وغيرها، لتؤكد عمق التحولات الاجتماعية، والفكرية، والأدبية المصاحبة للنهضة؛ التي بدأت مفاعيلها تتوضح منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر.

عملت الرواية النهضوية على خلخلة البنى السيسونصيّة السائدة، وخلق مجتمع روائي يتمثل قيم النهضة، ومفرداتها التنويرية. وقد اتّسمت بواكير هذا الفن بسيطرة النزعة التعليمية والوعظيّة حيناً، وظهور النزعة العقلانية والفلسفية الإنسانية حيناً آخر، كما عمد الكتاب إلى استخدام تقنيات جديدةفي الكتابة السردية؛ من قصٍّ مجازي أو رمزي، إلى استخدام تقنية الحُلُمْ، مع توظيف الشعر في المتن السردي، بهدف تجذير الفكر النهضوي في مجتمع النهضة، والتخلص من الوعي الزائف الذي اختطته عجلة الجهل والتخلف الممتدة قرونا ً استعمارية طويلة.

 وكان من نتيجة ذلك؛ الوصول إلى نمط سرديٍّ يُمكنُ عدُّه الأب التقليدي للرواية العربية، أو مقدّمة من مقدماتها الإبداعية.

مقدمة:

يحاول البحث دراسة التحولات الاجتماعيّة والفكريّة في النصف الثاني للقرن التاسع عشروأثرها في بواكير الفن الروائيّ، معتمداً القراءة السيسونصيّة لنماذج من البواكير الروائية لتلك المرحلة، لتبيان عمليات التحول الفكري والاجتماعي على مستوى اللغة والخطاب، وإبراز ماينطوي عليه مشروع النهضة في تحققاته السردية من فضاءٍ قيميٍ، ودلاليّ، وأسلوبيّ، يطمح إلى تجاوز الأشكال التقليدية، أو رفدها بالجديد الفاعل في بنيتها.

لقدكان للتحولات الاجتماعيّة والفكريّة التي شهدها المجتمع العربيّ وقتئذٍ أثرها العميق في النثر الأدبي، ولم يكن الخروج من جلباب القديم حدثاً طارئاً، وإنّما كانَ انعكاساً حقيقياً لتطور المفاهيم، ودخول الأجناس والأنماط الأدبيّة الجديدة -ممثلة بالسرد الروائي- ووقوفها في واجهة المشهد الأدبيّ والفكريّ المؤسِّس لمجتمع النهضة،((ففكرة الإحياء كانت حركة فرضتها ضمناً تصورات وأحاسيس قيميّة وذوقيّة وثقافيّة لمقاومة الجديد الذي نُظِر إليه على أنّه تدهور للنموذج الجاهز والرفيع والمتخيّل والمتعالي))[1].

وكان لابدّ من ظهور سمات الفكر النهضويّ فيما يقدّمه الأدباء والمفكرون من نتاج أدبيّ نثريّ، وبخاصة السّرد الروائيّ منه، إذ نجد ملامح الحراك الفكريّ والاجتماعيّ متبدية على نحو كبير في نصوص السّرد الروائيّ التي تمّ إنتاجها في تلك الفترة المفصلية من سيرورة النهضة العربيّة، وكان هذا الحراك ((اجتماعيّاً في البنية التحتية الاقتصاديّة، وكان ثقافيّاً في البنية الفوقيّة الثقافيّة والمعرفيّة))[2]، وتبدى ذلك في صور متعددة منها؛ سيطرة النزعة التعليميّة والترفيهيّة، وظهور النزعة العقلانيّة والفلسفيّة الإنسانيّة، وبروز الرؤى الجديدة، كما نجد التّحول الجذريّ في الكتابة نحو استخدام التقنيات الإبداعيّة الجديدة من مثل؛ القص المجازيّ(allegory)، وتقنية الحُلُم، مع الاستفادة من الشعر وتوظيفه في المتون السردية.

وتركز الاهتمام على اللـغة في محاولة جادة لتخليصها من خطابيتها وتقعرها البلاغيّ، والتحول بها من خطاب القمع والاستبداد إلى الحوار الفكريّ والثقافيّ والعلميّ المتسق مع خطاب التنوير الغربيّ وفعالياته المعرفيّة والحضاريّة.

خاض الفنّ الروائيّ معركة ضارية ضدّ من عدّه دخيلاً تجب محاربته بشتى الوسائل، وكان لتلك المعركة وجوهها المتعددة، لعلّ أهمها تثبيت حضوره واستقلاليته في الحياة الثقافيّة العربيّة، ومن ثمّ أخذ موقعه في السلسلة الثقافيّة الجديدة، والعمل على إحداث تغييرات جذريّة في البنى الثقافيّة السائدة وقتئذٍ، ((وكان التغيير الأبرز الذي أحدثته الرواية، هو التغيير في اللـغة السائدة آنذاك، وهو تغيير عميق شامل استدعته الضرورة، وفرضته الضرورة أيضاً))[3].

اكتسبت ولادة الفنّ الروائيّ صبغة وعظيّة إرشاديّة، وكان لها أهداف تعليميّة تنويريّة وسمت عملها بالمباشرة والخطابيّة، وهي إجمالاً تحثُّ على الإصلاح الاجتماعيّ والسياسيّ، وتُبشر بانتصار القيم النبيلة والفضائل الأخلاقيّة.

ولأنّ الولادة جاءت متعسرة بعض الشيء فقد عانت الروايات النهضويّة من عيوب فنيّة بنائيّة، وتلك حال البدايات، من قبيل تدخل الراوي في الأحداث على نحو مفتعل، واللجوء إلى التكلّف اللفظيّ، والافتعال الفنيّ، فضلاً عن الحشو والتقعر اللغويّ،(( وكلُّ ذلك يحول دون إشاعة التراسل الحار والمباشر بين النصوص وألفاظها من جهة، والنصوص ومتلقيها من جهة أخرى))[4].

وغالباً ما تأتي أفكار الرواية انعكاساً لأفكار المؤلِّف ونتيجةً لإسرافه في الشروحات القيميّة: الأخلاقيّة والدينيّة. ويوضح الروائيّ عبد الرحمن منيف أنّ أسباب ذلك في رأيه تعود إلى (( كون الرواية العربيّة بلا تراث، وبالتالي، فإنّ أيّ روائيّ عربيّ معاصر لابدّ أن يبحث عن طريقة في التعبير دون دليل، أو بأقل ما يمكن من الأدلّـة، ولذلك فهو مُعَرَّض إلى أن يقع في بعض الأخطار، وأن تكون لديه بعض النواقص))[5]. وفي هذا ما يؤكدّ أنّ الرواية نتاج غربيّ صرف انتقلت إلى الشرق عبر الترجمة، وعمليات المثاقفة والاحتكاك الحضاريّ التي بلغت أوجها منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، كما أنّ هذا الفنّ لا جذور له في التراث العربيّ- كما يقول منيف- ونتيجة لذلك يجد الروائيّ نفسه دون تقاليدَ فنيّة توجّه كتاباته، وبلا مرجعيات إبداعيّة تُسهل عليه طريقه، ومن هنا يتطلب الأمر مزيداً من العمل والاجتهاد كي يهتدي الروائيّ إلى تشكيل بنائه السرديّ الخاص، لكنّه قد يرتكب في غضون ذلك عدداً من الأخطاء والهفوات، وقد يعتري عمله بعض النواقص. وهذا الكلام منسجم عمليّاً ومطابق لواقع التجربة بالنظر إلى مجمل الإنتاج الروائيّ المبكر في فجر النهضة العربيّة، والذي سيغدو لاحقاً المرجعيّة الأساسيّة والأب التقليديّ للرواية العربيّة وهي تؤسس لتاريخها الخاص.

أ_سيطرة النزعة التعليميّة الوعظية والترفيهيّة:

في مقدمة روايته المعنونة بـ(لطائف السمر في سكان الزهرة و القمر أو«الغاية في البداءة والنهاية») كتب ميخائيل الصّقال يقول: ((أما بعد فهذا كتاب فيه من طلاوة المجاز، وملاحة المرسل، وحلاوة الاستعارة، ما يهذب الأخلاق ويروض النفوس وينقي الضمائر. وفيه من لطافة الكناية وحسن التورية ورقة الإشارة، ما ينّور البصائر ويرقي الأفكار ويطيّب السرائر: سميته بالغاية في البداءة والنهاية: فأقبلوا عليه تجدوا فيه فوائد وآداباً ألقاها عليّ والدي بعد رحيله عن هذه الدنيا فكانت عجباً عجاباً. وتجدوا فيه من الحكم والمواعظ، ما لابدّ منه للحكيم والواعظ))[6].

يلاحظ هنا أن المقدمة التي يوردها المؤلف في سياق حديثه عن روايته، لا تختلف كثيراً عن مقدمات الكتب التراثية بوصفها((تنتمي إلى مجال البحث والتصنيف، لا مجال الإبداع، وهي لا تشكل نصّاً موازياً مستقلاً بذاته، بل هي جزء لا يتجزأ من الكتاب... تمثّل الرأس من جسد الكتاب))[7]، وخطاب المقدمة ذاتي، تكشف فيه الذات عن هواجسها وتطلعاتها، وتحاول إشراك القارئ قدر الإمكان في المسؤوليّة المعرفيّة، كما تكشف عموم الحقائق والإفادات التي تطويها صفحات الكتاب.

وبناءً عليه تتحول المقدمة إلى ((لحظة إبداع تبوح فيها الذات بمعاناتها، وتكشف عن تصوراتها للموضوع ومدى إحاطتها به))[8]، وهذه التصورات قد تُلبي حاجة القارئ الأوليّة لاستكناه المادة القرائيّة وشبكة مكوناتها ومفرداتها، لكنها عند ميخائيل الصّقال تُحيلنا على المرجعيّة الفكريّة التي ينطلق منها وعيه في الكتابة والتأليف، إذ يحتكم إلى جملة من الأفكار والآراء المطابقة لوعي التنوير ذي الصيغة التعليمية والترفيهية، فالهدف واضح وهو السّير في خطا الإصلاح المجتمعيّ على قاعدة العلم والمعرفة، بأسلوب يتخذ الحكمة والموعظة قرينة له، وهو يحاول تخطي أفق القيم التقليدية لمجتمعه ومجاوزتها إلى قيم جديدة يكثفها النّص بوصفها تنويراً للبصائر، وترقية للأفكار، وتنقية للسرائر.

ولا يكفّ النّص عن تطوير احتمالات أخرى للجهد القيميّ الجديد فهناك المزيد من المواعظ والحكم والفوائد، وهي تتفاعل في العناوين الفرعية[9]، وتشير دلالاتها المباشرة إلى مجتمع تتحول فيه المعرفة التنويريّة إلى سلوك عمليّ عبر المقارنة بين ما يحدث على الأرض(مجتمع الأديب)، وما يتمّ في مجتمع آخر تُكني عنه يوتوبيا الصّقال باسم المريخ أو الزهرة وتحيل عليه روائياً بوصفه المكان الأرقى للعيش، إذ ((لا يجد سكان المريخ تعباً ولا مرضاً و لا غمّاً و لا همّاً))[10]، وفي الزهرة تخرج الطبيعة بأجمل مظاهرها، وهي ((مزينة بالأزاهير ذوات الروائح الزكية التي تأخذ بمجامع القلوب سروراً وابتهاجاً كلمّا شممناها قويت أبداننا ونشطنا إلى العمل))[11].

إنّ هدف المقارنة الجلي هو تنبيه الوعي المجتمعيّ إلى مثالب الواقع، وحفزه على الترقي وفقاً لأنموذج مفترض، وعلى هدي تشريعات مستحدثة من مسار المثاقفة النصيّة بين مجتمعين واضحي المعالم، لكنهما يقعان على طرفي نقيض، وذلك على الرّغم من طابع الخصوصية الذي يسم البنية الاجتماعية والثقافية لكلّ منهما.

ثمّة أسئلة، في هذا الخصوص، توجب التأمل، وتستدعي النظر.فما المقابل الواقعي لمتخيل الصّقال السرديّ المعبّر عنه في مادة الحلم المزعوم؟وهل يوجد في تجربة المبدع الحياتية ما يسوّغ لحلمه احتمالات الحدوث أو مقاربة الحدوث؟ ألا يبقى الحلم حلماً يخضع لعمليات التفكك والانقطاع و النسيان التدريجي؟ما الذي دفع الكاتب كي يثبته في عالم الكتابة نصّاً إبداعيّاً؟ وكي يلجأ إلى تفعيل نمط التلقي المجانس له في المختبر الروائيّ المستحدث في مجتمع النهضة الجديد، وإلى تركيز الانتباه على ضرورة القراءة وأهميّة استخلاص الحكم والمواعظ.

 قد نلمح الجواب عن مثل هذه الأسئلة في كون النّص وصيّة الأب لابنه، حفظته الذاكرة النابهة، وعملت على تعميمه نصيّاً، بلغة أرادها الأبّ معاصرة، إذ يخاطب الأب ابنه قائلاً: ((إني أريد أن لا تكتب بلغة عالية كما يفعل أكثر كتبة العرب فيحبسون تآليفهم عن العامة مع إنّها أولى بها من الخاصة. فقلت أخشى أن أجمع بين العامي والفصيح فلا أدرك الغاية. فقال: اكتب الكلام والعبارات التي دارت بيننا نفسها، وهي لغة قريبة الفهم ما خلا بعض كلمات لابدّ منها فاجعل لها شرحاً))[12].

الأب في منطوق النص لا يكتفي بالوصية/ النص، بل يجعل نفسه مسؤولاً عنها شكلاً ومضموناً، لغةً وتأليفاً، ويتحول الابن البار إلى وسيلة تقوم بتنضيد الكلام وترتيبه ثم دفعه إلى المطبعة، وهناك يتم تقديمه للعامة بغية إكمال التنفيذ. وهكذا يداور الكاتب ويمتحن صبرنا عبر مكاشفته النصيّة الواعية بحقيقة القمع سواء أكان في مجتمع التخلف أم في سلطة الخوف والاستبداد التي لا تحتمل مثل تلك المجابهة النصيّة المعلنة، ومن الممكن أن تكون النتيجة سوءاً يلحق به، لكن هدف الإصلاح المعلن لا يحتمل التأجيل أو المهادنة.

وإذا كان هدف الإصلاح قد وجد سبيلاً إلى التغلغل في بعض مظاهر الحياةالاجتماعيّة عن طريق معالجة القيمة الأخلاقيّة، فإنّه يجد هذاالسبيل أكثر وضوحاً ومباشرة فيما يعكسه الوضع الاجتماعي من أحوال سيئة، ومظاهر تفتقر أكثر من غيرها إلى البناء والإصلاح الذي يضمن للمجتمعاتّصالاً صحيحاً بشكل التمدن الحقيقي، وتنحية صريحة لما هو عليه من تخلف .لذا تأتي الرواية، بنزعتها التعليمية التي تعالج أحوال المجتمع السيئة،لتشترك في هدفها مع الرواية ذات النزعة الأخلاقيّة، وهي تختلف عنها في كونها أكثر منهامباشرة في الجهر بالإصلاح والتهذيب، كما أنّها أكثر منها إحساساً بالمصيروالمعاناة الكبيرة التي يمرُّ بها الفرد في المجتمع، على غرار ما يقدمهلنا خطاب المقدمة في رواية (فجائع البائسين) لشكري العسلي[13]. فالوضع المجتمعيّالمتسم بالتخلف والجمود، والذي تكثر فيه المصائب والآلام والمظالم، يكونصورةبارزة مثيرة لهواجس الكاتب المصلح، وحافزة له على المعالجة الصريحة،والتعبير المباشر عن الألم والحنق على ما وصلته الأمور من تردٍ، وخاصة فيالجوانب العلمية والمعرفية والاقتصادية، ناهيك عن ضعف الأداء السياسي لنخبالسلطة العثمانية وعجزها عن السير في طريق الإصلاح، لا بل انحرافها عنهإلى غايات أخرى تعبر عن بحثها عن السلطة بطريقتها الخاصة. وهذا ما يفسرإعلاءها المبالغ فيه لشأن النزعة الطورانية الذي أثار حفيظة النهضويينالعرب، ونبّه وعيهم إلى المقاصد والمرامي السلطوية البعيدة لحركةالتنظيمات.

يتكشف الهم الإصلاحي في رواية ( فجائع البائسين)  عن عدم العناية بالخصائص المهمة للشكل الروائي المتكامل من الوجهة الفنية، فهناك غياب بارز للشخصية المتنامية،وفقر واضح في التصوير، وتجسيم المشكلة الاجتماعية على نحو مبالغ فيه. كما يعمد كاتبها العسلي إلى ليّ عنق الحدث الفني في الرواية، كي يقوم ببسط أفكارهالتعليمية وتوضيحها وإيصالها إلى العامة من الناس، فهو يلجأ إلى المصادفة لينقل القارئ قسريّاً إلى أجواء جديدة هي في الغالب أحداث مفتعلة يقحمها لتجسير الهوة بين الأحداث المنفصمة العرى، الخالية من الترابط المنطقي والتطور العفوي. فحين أراد سعيد الزواج مرّة ثانية ذهب إلى « سمسارة» زواج ((وأوصاها بأن تفتش له على زوجة غنية لا أم لها ولا أب ولا أخوات)) لكن الراوي يستدرك  قائلاً(( من عجائب الاتفاق أن علي باشا عاد إلى بيروت بمنصب أعلى من منصبه فأنشأ سعيد يتردد عليه ويزوره))[14].

 ولا يخفى على القارئ ما يدور في خلد الكاتب، وما يباشره من افتعال للحدث بغية الوصول إلى غايته المعدّة سلفاً، والمخطط لها،  دون احتساب للرؤية الفنية، وتتحدد هذه الغاية في إعادة الأمور إلى مسارها الأول، أي التقاء الحبيبين القديمين، ثمّ العتاب، فالزواج.

ومن أمثلة ذلك أيضاً، الحديث الذي كان يدور بين زوجة سعيد السابقة شهيرة وأمها عن رغبتها في العودة إلى سعيد، وما إن انتهى ذلك الحديث حتى دخلت على شهيرة إحدى صويحباتها لتنقل الخبر اليقين عن الزوج المبعد قسراً عن الأسرة بسبب (الحماة) وأفعالها الشريرة، وإمعاناً في إظهار الشرور المتوقدة عند أم الزوجة جعلها الكاتب السبب في حرمان الأب من ابنه في حياته وبعد مماته، وهذا الحدث من الأحداث المهمة التي تمر على نحو عابر. ولعلّ مثل هذه الأفعال تبدو من فعاليات المخيال الشعبي وموروثاته الأكثر ألفة وتكراراً في أشباه هذه المواقع.وفي هذا تحييد للسرد عن غاياته المعهودة والمنصوص عليها في التقديم بوصفه تعبيراً عن واقع الهيئة الاجتماعيّة وما تعانيه من أهوال ومصائب ومشكلات.  

وتلفتنا هنا التضحية التي يقوم بها الكاتب. فلكي يجسد فكرتهبقوة وجلاء يضع نفسه أسيراً للأسلوب الخطابي المباشر، وبصرف النظر عن كونهذه الرواية بداية، سواء بالنسبة إلى الكاتب أو بالنسبة إلى نشأة الرواية في هذه الفترة، فإنّ أسلوب السرد المباشر، الذي أراد أن يعالج من  خلاله أحوال المجتمع،  يعبر في الحقيقة عن ضخامة النزعة الإصلاحيّة من ناحية، وضخامة المشكلة التي يطرحها ذلك الأسلوب من ناحية أخرى.

فمن الملاحظ أنّ السرد منوط بالراوي العليم الكليّ المعرفة، الذي يقدّم لنا ما يعتمل في داخل الشخصية الرئيسية، أي شخصية سعيد من أفكار إصلاحية تعليمية بالقول: ((ثم فكر في تعليم النشء وتدريبهم، فأدرك أنه بعمله هذا يكون علمهم العلوم، وأحسن تربيتهم وجعلهم رجالاً للأمة، وقد يعلمهم المؤازرة والتضامن فيجعلهم جسماً واحداً، وأمة واحدة كالبنيان المرصوص، ويدربهم على الأعمال الشريفة التي تعود بالخير على وطنهم))[15]. فالمسعى واضح المعالم، والغاية هي تعليم الناشئة وتحضيرهم ليعيدوا للأمة والوطن ما ضاع من مجدهما، ولعلّ أكثر ما وقعت فيه الرؤية الإصلاحية التي تسود هذه الرواية هواستغراق الكاتب في أكثر أساليب العرض والسرد اتصالاً بالقارئ، لتحقيق الألفة والمباشرة بقصد تلقين الفكرة التعليمية،أو تصحـيح القيمـة الأخلاقيـة، أو نفي العادة السيئة، أو أن تنتزع مفهوماًشاذاً وشائعـاً. والمبدع في إزاء ذلك يشعر بضرورة الاقتراب من القارئبشتى السبل، لذلك نجده يلجأ إلى إيجاد الراوي الذي يقومبعرض المواقف بصوته المباشر، وهو الراوي العليم بكل شيء.

ويلجأ الكاتب إلى معالجة الموضوعات الاجتماعية في هذه الفترة، وهي متمثلةبصور البؤس الاجتماعي، وصعوبة العيش، وتبدل القيم الأخلاقية. فوالد بطل الرواية سعيد لا يجد في لحظة المخاض من تُعين الأم على الولادة، وتدرأ عنها شبح الموت، وإذ يتنقل من (داية) إلى أخرى في منتصف الليل المثلج الشديد البرودة يتكشف للقارئ  دون مواربة ما وصلته الحال من سوء، وما اعترى القلوب من قسوة، فضلاً عن الجهل بأساسيات الصحة وقواعدها. ومع قلة حيلة الوالد وضعف ذات يده ابتعد((عن باب الداية وعينه تقذف قطرات الحنو الزوجي ممزوجاً بحسرة البؤس البادي على صفحات خديه وذهب إلى قابلة أخرى فسألته عن الأجرة فأخبرها بما في مكنته أن ينقدها إياه من الدراهم فامتنعت واعتذرت ثمّ قالت :إنها لا تخرج من منزلها العامر إلا بأجرة وافرة فأخذه البكاء))[16].

يختص الحوار بكونه وسيلة اتّصال الشخصيات بعضها ببعض،(( ولهذا كان من أهم الوسائل التي يعتمد عليها الكاتب في رسم الشخصيات))[17]، فهويكشف أعماق الشخصية وخفاياها ومستواها الفكري ويجعلها حيّة، كما يطوّر الأحداث ويتنبأ بها ويدفعها إلى الأمام، ويستحضر الحلقات المفقودة للإعلام عن حوادث غير مذكورة، ويساعد على حيوية المواقف, ويكون استجابة لضرورة المناقشة والجدل وتقليب الأفكار، ومن صفات الحوار الجيد أن يلتحم بكيان الرواية ولا يبدو دخيلاً عليها، وأن يكون مناسباً للموقف ومستوى الشخصية النفسي والاجتماعي والفكري، وأن يكون سلساً رقيقاً موجزاً معبراً، مع القرب من واقع الحياة دون الانحدار إلى الهذر والثرثرة والعامية.

ويتميز الحوار الذي تقوم به شخصيات العسليّ الروائية بكونه تعبيراً مباشراً عن الهم الإصلاحيّ، ولاسيّما ذلك الحوار الذي نشب عشية الزواج أو (ليلة الدخلة) بين سعيد وزوجه الجديدة أو حبيبته المفترضة، التي أسهبت كثيراً في الكلام على قضايا وأمور لا يمكن أن تصلح لهاتيك الليلة، ومن المفارقة أن يلجأ الكاتب إلى مثل هذا الحوار في تلك الليلة الخاصة بالحب والغرام، وبدل أن يعطف على الحبيبين، اللذين افترقا زمناً طويلاً ثمّ اجتمعا على رباط الحب والزواج، ويبارك لقاءهما، جعلهما يتحاوران ويتشاكسان في أكثر الموضوعات الراهنة إشكاليّة، ولتتحول الليلة مرجعاً نصيّاً من مرجعيات الإصلاح المولدة للتنوير، وتحديداً للخطوات الواجب اتباعها في شؤون التربية والتعليم، وطرائق التنشئة الصحيحة، وهكذا حلّ الحوار/ العتاب محل الغزل والرفق والمؤانسة، وهلّت تباشير الخطاب الإصلاحيّ من الزوجة/الحبيبة تعجباً من حال المشرقيين وعقولهم المقيدة بالوهم والأباطيل، ومن هذه النقطة تُفَعِّـل الزوجة مـدار القـول، وترفع من وتيرته :(( ولقد ترى الواحد منكم ينتقد الخرافات ويعيب أوهام غيره ويرتكبها غير مختار وذلك بما تعلمه من أمّه الجاهلة. في طفوليته[18]يرضع لبان الخرافات مع لبن أمه))[19]، لكن الحدّة تخف قليلاً عندما تباشر الحبيبة الخطاب بالقول:((ولا يخطر ببالك أيّها الحبيب أنّي أقصد بانتقادي مدح الجنس اللطيف فأنا عالمة أنّ وجود فتاة مرتقية الفكر سليمة العقل خالصة من الأوهام والخرافات في بلادنا قد أصبح ضرباً من المحال))[20].

وهكذا يباح الكلام ليستمر في رسم مسارات الإصلاح وخطاه الواجبة. فالمدارس تحتاج إلى مدربات يدربن الفتيات على الفضائل بدل تدريبهن على (زركشة) الثياب واتباع (الموضة). ولذلك غدت المرأة في منطوق النص العلّة الاجتماعيّة ففي ضعفها وجهلها ضعف المجتمع وجهله، وفي نهضتها نهضته.

وعندما يأتي دور الزوج لا يسعه إلا أن يعجب بما سلف وأن يشارك زوجه في غايتها إكمالاً لدور الإصلاح/الهدف، واقتراباً من مسعى الكاتب في إضفاء الشرعية على ما يذهب إليه، فالشخصيّة/الزوجة واسمها جميلة تبدو متعلمة تعرف القراءة والكتابة. وآية ذلك أنّها قرأت رسالة سعيد عندما أعطاها إياها، وهي تبدو مطلعة لكنها لم تصل، على حدّ زعمنا، حدود الدرجة التي تجعلها مطلعة على كلام نابليون على (الأم التي تهزّ السرير بيمناها والعالم بيسراها)، أو أن تدبج الفكرة العلمية التربوية والتي مفادها أنّ (عقل الطفل صفحة بيضاء تنقشه الأم كما تشاء)، وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على أنّ الحوار منجز الكاتب وليس منجز الشخصيات، ويؤكد ما ذهبنا إليه من كون الرواية إطاراً يتم من خلاله تقديم الفكر الإصلاحي التنويري بأسلوب وعظيّ تعليميّ، يعتمد السرد التقريري[21] ذي السمة الإخبارية، ويستفيد الكاتب من تقنيات القص والحوار والبناء السردي في تجذير الفكر التنويريّ وتفعيله في مجتمع النهضة المؤسس روائياً.    

ولعلّ الارتباك اللغويّ الواضح في بعض جوانب النص يعبر عن خصوصية المرحلة، فقد لجأ النّص إلى المزاوجة والخلط بين اللغة العربية الفصحى والعامية، دون تمييز كاف بينهما، وتبدو اللغة مباشرة في بعدها الدلاليّ، وهي تلوذ بوظيفتها التواصلية والإخبارية في غالبية المتن الحكائي، وفيها بعض الأخطاء النحوية والإملائية، منها ما يتصل بقواعد الهمزة في بعض الكلمات، ومنها ما يتصل بفتور النسج  وضعف التركيب أحياناً.

و يظهر الهدف التعليمي الإصلاحي واضحاً في معالجة التقاليد السيئة فيالمجتمع من خلال شخصيات الرواية نفسها، وهو يستجيب للدعوة الاجتماعية المبكرة التيرافقت بواكير النهضة العربية، تلك الدعوة التي أرادت أن تصرف الأذهان عنالمعتقدات البالية، المعوّقة لنهضة المجتمع، من مثل:((أنّ رجلاً رأى في منامه أن حذاءه سقط في النهر، فراجع كتب تفسير الأحلام، فلم يجد تعبيراً لرؤياه سوى مفارقة زوجته، فطلّق امرأته تفسيراً لمنامه وتصديقاً لكتب الحشو))[22].

وغالباً ما يجري اختيار الحدث كي يوفر للكاتب الإمكانية الكاملة في رصد فكرته التعليمية، فهي كثيراً ما تكون بمنزلة الامتحان العسير للشخصية، ولثبات القيمة الأخلاقية والسلوكية، وكذلك الأمر مع النهاية التي تضعأمامنا مصائر من قبيل الموت، أو الفقد، أو الخسران، أو الشقاء ونحوه، فهذه منشأنها أن تقوم بدور تقويمي، وبخاصة عن طريق لفت الأنظار إلى أسباب المشكلةالاجتماعية أو العادة السيئة، وأكثر الأمثلة تعبيراً عن ذلك قول العسلي: ((فما كان من هذا الخبيث إلا أن أخرج غدارته وأطلق الرصاص عليه قائلاً خذها جزاء عملك بشهيرة))[23]، وشهيرة هذه كانت قد حاولت الرجوع إلى زوجها سعيد لكنها فوجئت بزواجه من ابنة الباشا، وعندما حاولت استصدار حكم ببطلان حكم الطلاق لم تنجح في مسعاها(( فنحل جسمها وتبدلت ألوانها وضعفت قواها فسطت جراثيم السل على كرياتها البيضاء فعطل جهاز التنفس وخرب الرئتين(...) وأخذت وطأة المرض تزداد عليها يوماً فيوماً، فماتت شهيدةَ ضعف الإرادة وسوء التصرف، وعلم أخوها خطأه، ولكنه حمل الذنب على سعيد وعزم على الانتقام منه بدلاً من التصرف مع أمه الجانية))[24]، وهكذا تبدو الأحداث سلسلة من الأخطاء التي تصلَّح بأخطاء أكبر منها نتيجة الجهل والحماقة وسوء الطوية.

ومع سيطرة الوصف في الرواية، وتزايد مواقع اقتحـام الكاتب، واتساع دائرة الحدث، يغدو بناء الشخصية ضعيفاً ومضطرباً لأن الكاتب لا يوفر لهاجانباً من التحليل المعمق، ولا يحركها في إطار فني ينطوي على إعداد جيّد ودقيق، ومرد ذلك إلى كون الكاتب لا يصوغ فكرته الإصلاحية في إطار نظرة شخصياته إلى المجتمع ورؤيتهم للحياة والكون من حولهم، وإنّما يصوغها بعيداً عن تلك الشخصيات وفيضوء نظرته  الإصلاحية، مما يجعلها قاصرة أمام تلك النظرة الشاملة،والمستقلة نسبياً عن صوت الكاتب وموقفه.

ولفكرة الإصلاح أثرها في البنى الروائيّة ذات المعالجات التعليمية المباشرة فضلاً عن أثرها في المحتوى، أو في الصياغة الأسلوبية للرواية. فقد ولّدت تلك الفكرة ثنائية واضحة للشخصيات تقوم على عنصري الخير والشر،  وهذا من شأنه أن ينعكس على صوغ الأحداث ونتائجها التي تنتهي، كما رأينا فيما سبق، إلى تقديم المغزى الأخلاقي بصورة مباشرة.

في أشباه هذه المجتمعات تحظى القواعد والأعراف الأخلاقية ومعاييرها ومفاهيمها بتقديس كبير، وتستمد أساس وجودها من تراث الأجداد، ونسق الأعراف السائدة، في محاولة منها للرجوع إلى النظام المجتمعي التقليدي المتخلف، ورفض إمكانيات النهضة والتنوير. وفي هذه الرواية نجد الكاتب يرفض سيطرة الخرافات على بعض العقول وتملكها لإرادتهم، ووقوفها عائقاً أمام مجتمع النهضة والتنوير.

ب_ظهور النزعة العقلانية والفلسفية الإنسانية:

العقلانية منهج في التفكير ينطلق من الإيمان بكفاية العقل واستقلال مرجعيته، ظهرت آثارها في الحياة الثقافية العربية بتأثير البعثات العلمية، وحركة الترجمة وغيرها، و بنتيجة الاطلاع علىالمذاهب الفكرية التي ظهرت منذ عصر التنوير. وقد دخلت إلى الفكر العربي عن طريق مثقفين من أصول اجتماعية ودينية  درسواالعلوم الحديثةفيالغرب، وألموا بإنتاجه الفكري وفلسفة حضارته المتقدمة على المستوى المديني، وعلى صعيد المنجز العلمي في مساراته المتنوعة. وقد أدى ذلك إلى نشوء تيار فكريّ عقلانيّ ليبراليّ ضم مجموعة من  المثقفين العلمانيين الذين درسوافيالغرب، أو تمكنوا من الاطلاع على الفكر الغربي الحديث،  والتعـرف على مؤسساتالغرب السياسية ونظمه الاقتصادية والاجتماعية، فتبنوا هذا الفكر، وانتهجوا الوسائل والسبل اللازمة لإيصاله إلى أكبر شريحة من الناس، وكان الفن الروائي المكان الأرحب لنمو هذه الأفكار، ومحاولة تجذيرها في الفكر المجتمعيّ السائد عصرئذ.

عمد المرّاش في روايته (غابة الحق) إلى نشر أفكار التنوير الغربي المتصلة بالعدالة الاجتماعية، والمساواة، والحرية، وتثقيف العقل، وتحسين الأخلاق والعادات، وتوطيد الحق،ورفض الاستبداد والتمييز. وفي رواية(مشهد الأحوال) توجه المرّاش إلى قارئه بفلسفة شاملة حول الكون والإنسان، مشكلاً منظومة من التصورات لتطور الكون والإنسان والعائلة والهيئة الاجتماعية، وعرض لكيفية نشوء الروابط بين البشر، وعملية نشوء المدن وتقدمها ثم سقوطها وزوالها، وأفاض في أفكاره الاجتماعية السياسية ليقف مع الفئة الفقيرة في المجتمع، ومدح السلم معتبراً إياه مرتع الخصب والازدهار، ووقف على الحقيقة في جانبيها الطبيعي والأدبي، فقسمها إلى وجودية وعدمية وأصلية وفرعية وحقيقية ومجازية[25].

وسارفرح أنطون فيالاتجاه نفسه معتبراً أنّ العلم هو الأساسفيبناء الفرد والمجتمع، ودعا الى العلمانية منهجاً في التفكير، بعد أن قرر وجوب الفصل بين العلم والدين، وجعل لكلٍّ منهما اختصاصاً مستقلاً، لا يتعداه، فهو يرى(( أن العلم لا يزال طفلاً صغيراً، ولكن هذا الصغير سيسود الدنيا كلها في قابل الأيام! ويبقى الرهان على العلم، كقوة حاسمة في التغيير الاجتماعي. وهكذا ينتظر مفكرنا من العلم أن يقلب الإنسانية التعسة إنسانية سعيدة))[26].

كما نادىبالفصل بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية، وإقامة الدولة التي تضمالمسلمين والمسيحيين على قدم المساواة وعلى أسس الحرية، لأنّ((الإصرار على التماهي مابين السلطتين سوف يؤدي إلى منعكسات سلبية تطول المجتمع في تقدمه ونمائه، إذ يصرف فكر الحكومة والأمة عن القيام بالإصلاحات الاجتماعية، بسبب التلهي بالمجادلات الدينية العقيمة))[27]، ولم تكن رواياته إلا ترجماناً عميقاً لرؤاه التنويرية الشاملة،(( وقد تمكن فرح أنطون من خلال تبنيه للمنظور الفلسفيّ الوضعيّ، أثناء دفاعه عن ضرورة استقلال السياسي عن الديني، أن يتجاوز الشحنة الدينية المباشرة بحديثه عن وحدة الجذر الميتافيزيقي للأديان، متجهاً نحو بناء تصور سياسي يعطي الأولوية لكلّ ما هو دنيوي، وذلك بالاعتماد على قوانين التاريخ كما بلورتها الفلسفة الوضعية في القرن التاسع عشر))[28].

كتبفرحأنطونفيرواية(أورشليمالجديدة أو فتح العرب بيت المقدس) عن وجوبنبذالتعصب،وضرورةالإخاءبينالبشرعلىلسانبطلالرواية إيلياالذيخاطب حبيبتهإستير قائلاً: (( لنضع كلّ أديان البشر جانباً في مكان مقدس محترم ولنجتمع على دين جديد يقبل كلّ الأديان الفاضلة ولا يرفض أحدها. وهذا الدين هو دين العدالة التي تقدّم ذكرها والحق والمحبة والصفح للجميع، ونحن الصغار المرؤوسون المظلومون بهذه الحياة في أشد حاجة إلى إقامة الحق والعدالة والمحبة مقام كلّ شيء))[29].

هكذا يخترع فرح أنطون على لسان بطله عقيدة جديدة، عقيدة  تلتزم بالحرية والمساواة والعدالة بين البشر، دون أن تنتقص من قيمة الأديان والعقائد الأخرى، لكن الحال الراهنة تتطلب حلولاً عاجلة، وبحثاً عن حاجات حقيقية للمجتمع كي يتطهر من نوازع الكراهية، ومساوئ الظلم. و يندرج ذلك في مسار البحث العميق عن مجتمع متمدن لا يتقنع فيه الدين بقناع الجهل والتعصب والكراهية، بل يفرد أجنحة الحرية والسلامة لكلّ الناس على اختلاف أهوائهم ومشاربهم، وهذا ما يحتاج إلى مدنيّة يتحاور فيها الثالوث الروائي لفرح أنطون، أي (الدين والعلم والمال أو المدن الثلاث) في رؤية فلسفية روائية ترهص لمجتمع جديد متنور، وتحتل فيه المسألة الاجتماعية حيزاً واسعاً للبحث في جذورها، وإقامة (الاشتراكية المعتدلة) بالمعنى الحديث، و فك الاشتباك بين العمال وأصحاب المال الذين يستغلون جهدهم.  ويكون ذلك بتحقيق العدل في المشاركة بين الاثنين، ويجب أن لا تبقى الساحة خالية لرجال الدين، فمنافسة رجال العلم لهم لها أهميتها في بناء المجتمع، وتحصينه بالمعرفة العلمية المجددة للفكر والتاريخ،(( وتدور في هذا الإطار نقاشات دينية وفلسفية تعرض فيها الفلسفة الوصفية أو الحسيّة وغيرها من المذاهب))[30].

 ويزداد احتدام الحوار/ النقاش بين رجال مدينة المـال، ورجـال مدينة العـلم، ورجـال مدينة الـدين، في محاولة لاستحداث عناصر فكرية جديدة مؤهلة لتحسين حال المجتمع المضطربة، وإبراز هوية واضحة المعالم تستطيع إزاحة الهوية القديمة لمجتمع الجهل والتخلف، والفقر، والاستغلال، والاستلاب، لكن الحوار ينتهي نهاية مأساوية، ففي فجر إحدى الليالي يستيقظ سكان مدينة المال على ألسنة اللهب، وجماعات النهب والسلب، ثم تمتد الأزمة إلى مدينتي العلم والدين، ولا ينطفئ اللهب إلا بعد تدخل السماء الغاضبة مما قام به أهل الأرض ونزول المطر من السحاب،((وهكذا تحالف على المدن الثلاث التعيسة النار والقتل والصواعق والزوابع والزلازل، كأنّ السماء تخلت عنها وقضت عليها قضاءً نهائياً))[31].

والسؤال الذي يلفت الانتباه هنا لماذا غضبت السماء فأعلنت وقوفها إلى جانب هذه النهاية المدمرة؟ ولماذا أغفل فرح أنطون الرؤية التوافقية، وتعداها إلى رؤية مضادة لا تسمح سوى للبنى المجتمعية الجديدة بالانبناء على أنقاض ما هدّمته يد الجهل والحماقة والجشع والاستلاب. وهذا ما يؤكده حاكم أحد المدن الثلاث بقوله لابنته عشيّة الحدث/المأساة :((أتعرفين سبب كلّ هذه القبائح يا بنيّة؟ سببها الشراهة والطمع والأثرة ولست أبرئ منها حزباً دون حزب لأنّ التبعة واقعة على الجميع، ولا أستغرب أن تخسف بنا الأرض، أو تنقض علينا صواعق السماء مادمنا بعيدين إلى هذا الحد عن مبدأ الرفق والإخاء))[32].

وإذا كانت شخصيات الرواية تعبر عن الحدث/المأساة بحزن وتفجع، فإنّ الروائي لا يُظهر الجزع أو الحزن إلا لغرض محدد وهو تحييد كل ما لا يتوافق مع مشروعه الفكري الفلسفيّ النهضويّ، لا بل يعمد إلى تغييبه قسراً، وتهديم أصوله تهديماً كاملاً، فالحرق ينتهي إلى الرماد، والزلازل تنتهي إلى الدمار، وهو لا يُشيّع الضحايا بغير الحزن والبكاء الشحيح، والتعزية الرقيقة التي تنساب من فم حليم أحد شخوص الرواية، ولا يُبقي من رجال المدن الثلاث أحداً سوى الفتيات الخمس((وارثات المدن الثلاث وما يتبعها من السهول، فإنّها تولّت إعادة بناء هذه المدن، لتقيم فيها هيئة مبنية على«الرفق والإخاء» تكفيراً عن سيئات المعيشة القديمة))[33].

  وأمام هذه النهاية الفجائعية،  ينهض حلم البناء والنهضة، فيتزوج حليم من حبيبته ابنة الشيخ الرئيس، ويتزوج أصدقاؤه من الأربع الأخريات، لتبدأ مرحلة جديدة أسبغ عليها الروائي صفة الفردوسية، وأعلن من خلالها إنجاز ما أراده من سرد يُفضي إلى التفاصح والتحقق على صعيد الفكر المطابق لمشروع النهضة والتنوير، والمنسجم عملياً مع نوازعه الفلسفية التي قد نجد صداها عند مفكري الغرب المتنورين أشباه جان جاك روسو، ورينان، ولا ڤونتين*، فقد ورد في الفصل الثاني من رواية(الوحش، الوحش، الوحش) استشهاد سليم، أحد أبطال الرواية، بقول لرينان في معرض حديثه عن الصورة الثانية للمعيشة في الدير، وقبلها استشهد بفكرة لروسو على لسان بطله الروائي الآخر كليم في عبارته: ((يقول كتاب العرب أن الحواريين«الرسل» سألوا المسيح« من أفضل منا. إذا شئنا أطعمتنا وسقيتنا» فأجاب:«أفضل منكم من يأكل من كسب يده». فالأفضل والأجمل من الإقامة في هذا الدير الدخول في العالم والأكل من كسب اليد لأن خبز الإحسان خبز دنيء كما قال روسو))[34].

 وهذا ما يذهب إلى تأكيده  أنيس المقدسي فيكتاب(الفنونالأدبيةوأعلامها) إذ يقول:( (وكانإقباله عظيماًعلىالأدبالفرنسيفانصبعليهينهلمنمناهله،ولاشكأنهتأثربالروح الإنشائيةالتيلمسهافيأمثالجانجاكروسو،ورينانوفيكتورهيجووأناتولفرانسوسواهم))[35]

كان فرحأنطونصاحبمجلة(الجامعة1899-1910) ومؤسسها منأهم المفكرينالعربالذينعاشوا فيالقرنينالتاسععشروالعشرين، و قد تميزبثقافتهالواسعة واطلاعه الكبيرعلىثقافةالغربومعارفه،إذ أمكنه فتحخزائنهذهالثقافةوتَعرُّفرجالها ومفكريها، إلىجانبغوصهفيالتراثالعربيالإسلامي، وتعمقه في التاريخ ضمن رؤية خاصة جعلته يعيد قراءته في سياق فكره الفلسفيّ الاجتماعيّ، ونظرته العميقة إلى الكون والوجود، وفي ضوء ما يحدث في بنية المجتمع العربي من تغيرات جوهرية، ومن هذا المنظور استطاع أن يقدّم للفن الروائيّ في عصر النهضة أورشليمه الجديدة، وأن يبني لنا بأدواته الفنية البسيطة، وأسلوبه السهل الممتع عالماً مفارقاً للدين بمعناه التسلطي و الاستلابي، منطلقاً إلى عوالم المحبة والفضيلة والتآخي الإنساني. وعندما نقرأ هذه الرواية نجد أنفسنا (( في سياحة طويلة، شاءها المؤلف، فلا نمل السفر! يردّنا الحدث إلى حوالي أربعة عشر قرناً، فنكون شهوداً على مرحلة مفصلية من تاريخنا ومن تاريخ الإمبراطوريات المتداعية، ذينك التاريخين اللذين نرى فيهما مرآة واقعنا المعيش راهناً! فقضايا أورشليم الجديدة والهموم التي تطرح لا زالت حيّة فينا! ولرب معترض يقول إنّ هذه الرواية تفتقر إلى العديد من أسس الفنّ الروائي فنوافقه الرأي ونضيف: من قال إنّ الرواية، أغربية كانت أم عربية هي شكل منجز؟!))[36].

وعندما يقدّم فرح أنطون نفسه معلماً للتاريخ، فهو قادر على تحرير نفسه من ثقل الحدث التاريخي واستقامته، وذلك بالتدخل الإيجابي في نمط الأفكار والحوار السائد، وإعطاء القارئ مساحة من الأفكار التعليمية ذات الأهداف الاجتماعية والسياسية، ولاسيّما الفصل الثاني والعشرين ((من الرواية حيث يتبسط الشيخ سليمان في حديث سياسي حول العوامل التي أدت إلى انحلال الإمبرطورية البيزنطية))[37]، وهذا مما يتسق مع مغزى الحوارات والنقاشات التي كانت تنشب في أروقة السلطة العثمانية المتصدعة، وما سبق ذكره من محاولات تحديثها على طريقة(التنظيمات)، وبين ما انتهى إليه الوضع من تأزم على يد السلطان عبد الحميد الثاني؛ الذي أدار ظهره لكل من لا يدين له بالولاء المطلق، ولم يكتف بذلك بل عمد إلى تعليق الأحرار على أعواد مشانقه، من الذين نادوا بالحرية والتحرر، وجعلوا الوطن والأمة محوراً للنهضة والتنوير.  

ج_ تحولات الرؤى الجديدة في النثر:

أدرك مفكرو النهضة و أصحاب فكر التنوير أنّ التّحول لا يتم ببقاءالبنى التقليدية، ولا بوجود سـلطات سياسية نمطية تقليدية، ولا بـدّ من سـلطة سياسية ومنمجتمعجديدين يقومان بالمهمة، أو يسرعان الخروج، على أقل تقدير، من حال التخلف والانكفاء على الذات المهشمة بفعل التدهور الحضاريّ والمعرفيّ، وانطفاء النسق السائد، وتكوره بعيداً في بنى معرفيّة ماضوية لا توفر حيزاً من التحرر، ولا تسهم في مكافحة الاستبداد أو إزاحة البنى القديمة. ومن الحماقة أن نصرف جهدنا في اجتراح المعجزات التاريخية لواقع منفعل بالحدث، ومتفاخر بالفوات والانقطاع عن تيار الحضارة، والمنحاز قسريّاً، أو انفعاليّاً وعاطفيّاً إلى نوازل الهيمنة والاستلاب والضعف الفكري. ولكن من المفيد التوجه نحو تلك الرؤى الجديدة التي بدأ مجتمع النهضة والتنوير في التعبير عنها في صيغ الكتابة الجديدة وأنماطها، إضافة إلى ما كثفه العقل النهضوي من رؤى تنويرية في الأعمال الروائية المبكرة التي تعدّ، بالمعنى النقديّ والأدبيّ، تجديداً جاء في وقته، وبالتوازي مع حراك المجتمع وصعود طبقة جديدة بإيديولوجية ونزعة جديدين، ((وقد سميت هذه النزعة الإيديولوجية البرجوازية بمصطلحات الستينات بالنزعة «العثمانية الجديدة»التي شكلت إيديولوجية البرجوازية الوطنية العثمانية))[38]، التي جهدت في إحداث تغيير نوعي في الفكر والممارسة، بهدف تحديث السلطنة العثمانية وإخراجها من مأزقها،((حيث قام برنامجها على ثلاثة نقاط مركزية: تحويل السلطنة إلى مملكة دستورية برلمانية، وتطوير الثقافة البرجوازية، ومحاربة النمط العثماني القديم للحياة والمعيشة وتطوير البرجوازية الوطنية))[39]، والتأسيس لمرحلة متقدمة، لم تكن في عرف المتنورين العرب سوى العمل على انتهاب المعارف والعلوم والثقافة الغربية،  في الوقت الذي كانت فيه الثقافة العربية التقليدية تُعاني قصوراً واضحاً، وتقتصر في أكثر كتاباتها على المتون والحواشي والشروح التي تجعل منها أشبه بمنظومات تلفيقيةواجترارية،(( وما كاد التّحول في تركيب المجتمع العربي يتم حتى لم نعد نجد العناية الكبيرة بنتاج التيار القديم. وإذا بالفنّ الروائيّ الحديث يترعرع، وتقوم له مدارسه، ويصبح نصيبه من عناية الدارسين موفوراً))[40].

لقد وقع على عاتق رجالات النهضة وأدبائها تهيئة المناخ  لثقافة جديدةتجمع بين الثقافتين الشرقية والغربية، فاعتنوا بالعلوم العصرية درساً وتدريساً، وانكبوا على الدراسات اللغوية والمعجمية، واهتموا بقضايا المرأة وتحررها،(( وكانت مشكلات الكمال الأخلاقي للفرد في بؤرة الاهتمام بوصفها أسـس التحولات الاجتماعية، بالإضافة إلى أن مواقف الغالبية كانت لا تزال أخلاقية دينية))[41]، وأوسعوا المجال للقراءات الفكرية والفلسفية المنتجة للمفاهيم العصرية من مثل؛ الأمة، والوطن، والشعب، والقومية العربية، والديمقراطية،(( وفي سنة1904 نشطت في سوريا حلقة قومية عربية كانت تتكون أساساً من الشبيبة، شأنها في ذلك شأن جمعيات المصلحين المماثلة. وكان برنامج الحلقة الرسمي برنامجاً تنويرياً خالصاً:«دراسة الأدب العربي والتاريخ العربي، وإنشاء المدارس والمكتبات العامة»))[42].

 كما ركز رواد النهضة ومفكروها جهدهم في دراسة العقلانية الفكرية التي أسهمت في تشكيل النهضة الغربية، وأكملوا إعجابهم بأفكار الثورة الفرنسية باختيار السير طوعاً على طريق الغرب في تحديث البنى المجتمعية، عبر استنهاض الوعي لاستدراك ما تفلّت منه، وحفز المستوى الاجتماعي والسياسي على القيام بما يكفل تعميق ثقافة التنوير، والتخلص مما تمّ تكثيفه من طبقات الجمود عبر الزمن التراكمي الذي أغلق مستويات الفهم والإدراك ردحا طويلاً، وشرّع لمفردات الانحطاط والتأخر بما ينسجم مع آليات التفكير السلطوية التي انتهجت سلوك من يريد الحفاظ على ما تبقى من إرث قديم، أو التحول، على أقل تقدير، نحو مظاهر تجديد لا تلج إلى الجوهر، وتحافظ ما أمكن على النمطية، وتُعين على محاكاة أنموذجها الفريد.

 ونتيجةً لذلك، واستناداً إلى الفهم الواقعي لمعطيات العصر ومستجداته، وبقراءة علميّة واعية لتاريخ الشعوب الحيّة، وإيماناً بقدرة المجتمع على التجدد، كانت المؤلفات تخرج من المطابع بتسارع كبير، وكان هناك رغبة كبيرة بالجديد الذي بدأ يأخذ مكانه في الأدب والفكر والثقافة، سواء أكان على صعيد الشكل أم المضمون، المتمثل بفكر النهضة وجهازه المفاهيمي ورؤاه التنويرية، ولم يكن التحول من أسلوب الكتابة القديم ذي الكلفة البلاغية العالية، والتصنيف الاستعاري المتهالك، سوى وخزات في الجسد اللغويّ المتآكل، وتهيئة لعملية تشريحيّة في معجمه اللغويّ، ستعمل على إخراجه من ركامه، وتحريره من سيطرة العاميات، واختلال بناء العبارة، وإجداب المعنى، ونحول الدلالة، ولم تكن محاكاة الأنموذج الكتابي التراثي في عصوره الذهبية إلا محاولة لاستحضار الكفاءة اللغوية، والكفاية الأسلوبية بما يُنتج فصاحة اللسان التي تُعاكس التراخي الذي وصلته  معايير الكتابة والتأليف وقتئذٍ.

ولم يكن التحول على صعيد الكتابة رهناً بأشكال جديدة مثل : المقالة، والمسرح، والقصة، والرواية، بل كان ذلك  التحول يتحقق في النمط الواحد حيث تتعدد المضامين وتتنوع تبعاً لتنوع التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية،  فالحراك النهضويّ جاء شاملاًً، ولم يبق  أديب أو مفكر إلا وقدّم من موقعه رؤيته التنويرية، التي ستشكل باجتماع الرؤى التحول المراد تحقيقه على جميع المستويات، والذي استطاع الأدب، بفضل خصوصيته، تكثيفه بجميع أشكاله وتصوراته، وكانت الرواية من أقدر الفنون بحكم طبيعتها على إظهار هذه التحولات العميقة سواء أكانت في البنى الاجتماعية أم في البنى الثقافية، ((ومن هنا فقد مضى الفنّ الروائيّ في سباق يشق طريقين نحو غايته؛ الأول: طريق يسلكه المعمار الذي يمثل التركيب القديم وامتداده، والثاني: طريق يسلكه المعمار الذي يمثل التركيب الجديد وانطلاقه))[43]، وهكذا استطاعت الرواية الاقتران بالحوار الدائر بين مختلف مكونات المجتمع، وأخذت على عاتقها إنتاج لغة جديدة قريبة من فهم العامة، بعيدة عن التقعر، وذلك في سبيل تعميم الرؤى النهضوية، والإسهام في تحقيق التحولات البنيوية للمجتمع، فتعززت الجهود على أن تكون الرواية مرآة المجتمع المدني الصاعد وسلاحه الإبداعيّ في مواجهة نقائضه, وأن تبقى متواصلة مع تراثها السرديّ العربيّ في أبعاده المناقضة للإتباعوالنقل[44].

وفي السياق ذاته أسهم الشدياق في لفت الانتباه إلى الهيكلية الاجتماعية التي تحكم المجتمع الغربي، من خلال وصف أخلاق الزمر الاجتماعية المختلفة وعاداتها، وطمعاً في إظهار الفوارق بينها، تلك الفوارق والاختلافات التي تَهبُ لكلّ مجموعة بشرية طابعها الخاص وتقاليدها المتوارثة، ومن تلك الخصوصية يتولد الاختلاف المصاحب لكلّ المجتمعات المتعددة القوميات، لكنه اختلاف يُولّد التنوع الاجتماعي الثقافي الذي يُغني المجتمع، وليس النوع الاجتماعيّ (الجندر) الذي يُؤسس لهيمنة جماعة قومية على أخرى، ويُضرم أحقاد التعصب و الشوفينية العمياء، لذلك نجده  يقدّم لقراء العربية(الواسطة في معرفة أحوال مالطة)، وينتقل إلى أوروبا فينجز(كشف المخبا في فنون أوروبا)، ولا يستطيع في (الساق على الساق) إلا أن يقدّم الحرية بأكثر معانيها جدّة، وأكثرها شموليّة((حرية المعتقد وحرية الهزل. حرية الملاحظة وحرية السخرية. حرية الخيال وحرية الغرائز. حرية الفضول وحرية الأسلبة إلى حدّ الهلوسة. حرية الجسد وحرية اللغة. حرية الرفض إلى درجة الوقاحة والإباحة حتى البذاءة...فيه يبلغ الشدياق ذروة إبداعه اللغويّ والأدبيّ بمقدار ما يبلغ ذروة الجرأة والمقدرة في التصدي لثلاث محرّمات: الدين، الثورة الاجتماعية، والمرأة والجنس))[45]. ولم تكن رحلات الشدياق وسفره بدافع الترفيه، وإنّما كانت عملاً  ثقافيّاً قصديّاً، وأمنية طالما عمل على تحقيقها، وحقلاً معرفيّاً أراد الخوض فيه والتزود من فوائده، ونظراً لكون السفر ارتياداً للمجهول فإنّه يتطلب شجاعة وتصميماً، وإرادة حرّة وجدت في الشدياق ما يفي بحاجاتها، ولعلّ توقيت الرحلة وزمنها كان لأسباب خارجة عن إرادة الشدياق نتيجة لهروبه من الفاجعة المأساوية التي أودت بأخيه. لكن مردود الرحلة جاء جيداً، فقد استطاع أن ينقل للشرق المتخلف حضاريّاً بعضاً من عادات المجتمع الغربي المتمدن وأخلاقهم وقيمهم، ولعلّ أهم ما يميز كتاباته جرعة الحرية التي يشعر القارئ بها طازجة، تلك الحرية التي تجعله  يكتب كيفما شاء، يضحكنا تارة، ويبكينا تارة أخرى، أو نشعر وكأننا طرففيالحوار، أو جزء من الحدث، نتفاعل في إطار عمليات التأثر والتأثير التي يفرضها اشتغاله الممتع على نصه، وجدّة المعارف التي يقدمها، فضلاً عن التقانات النصية التي تجتذب القارئ للوقوع في شركها، ولاسيّما عندما يكون الكلام على ذلك المجتمع المتمدن ومنظومة علاقاته ومؤسساته، وطريقة معيشة الناس. ولعلّ المقدمة أول شرك ينصبه الكاتب لقـارئه. ففي ولوج القارئ لهذه العتبة النصية يدخل محراب النص باستعداد كامل لمناجزة وقائعه، وتفكيك خطاباته، وتحصيل الفوائد المراد الإفصاح عنها لغويّاً وأسلوبيّاً، فمفتتح العنوان(الواسطة في معرفة..) يربط النص، بوصفه معرفة وتوثيقاً للحدث، والقارئ المتشوق لكشف الواقعة، أو الاستمتاع بالحـدث على أقل تقدير.  لكن المفاجأة تأتي لتهدم مسار توقع القارئ وأفق انتظاره، فالرحلة جزء من عمل الشدياق التنويري ورؤيته النهضوية، وليست ترفيهاً مجانياً. يقول الشدياق في تقديمه للرحلتين معاً:((أنى لمثلي أن يدرك جميع ما عند أولئك الناس من الاختراع، والإحداث والإبداع، إلا أنّ رغبتي في حث إخواني على الاقتداء بتلك المفاخر هي التي سهلت عليّ هذا الخطب، وأطالت باعي القاصر، فأمسكت القلم من بعد إلقائه مراراً، وتوكلت على الباري المعين أن يكشف لذهني ما عنه توارى، ويدني إلى فكري ما شط عنه مزارا، وحررت هذه الرحلة وسميتها«كشفالمخبا عن فنون أوروبا» وذلك لأني لم أقتصر فيها على شرح ما عند الإنكليز وحدهم من الفنون بل استطردت إلى وصف غيرهم))[46].

وفي السياق ذاته لم تأتِ الرؤية الليبرالية في فكر المرّاش ومؤلفاته إلا تعبيراً عن مسـألتين أسـاسيتين هما: الحرية والتمدن الإنساني، ومحاولة لبناء مجتمع يقوم على أسس المساواة والعدالة الاجتماعية، ويمحو التعصب الطائفي والمذهبي، ويوحد جهود التطور والبناء المجتمعي[47].  

د_ استخدام التقنيات الإبداعية الجديدة في الكتابة:

1ـ القص المجازي أو الأليجوري (allegory):

القص المجازي أو الرمزي أو الأليجوري(allegory) ((هو منظومة ذات معنيين:معنى أولي أو ظاهري, وآخر ثانوي أو باطني))[48]،وهو القص الذي يحتويفيطياته على  معانٍ ضمنية خفية لا تظهر دلالاتها مباشرة، بل تتطلب من القارئ البحث عن المعنى فيما يتعدى دلالاته الظاهرة إلى تلك الخفية، وهو كذلك حكاية ترمز إلى معنى باطن غير ما يشير إليه ظاهرالحكاية, وتغلب أن تكون ذات رمز ديني أو أخلاقي, وتختلف عن القصةالرمزية بالمعنى الحديث[49].

 و عليه فالأمر يتطلب من القارئ إعمال الجهد التأويليّ في وضع النّص ضمن نسق الفهم الصحيح، والذي يسعى الكاتب إلى تعميق اختفاء دلالاته، عبر الاشتغال الفنيّ، وتركيب الرؤية، والمداورة، بهدف إغماض عين الرقيب والحسيب عن مداخل النص الفكرية ونظامه الدلاليّ. وكأنّ الكاتب يُفعّل أقصى عمليات التمويه، ويستدرج القارئ إلى التفكير، ومساءلة النص لكشف مخبوءاته، فيكثف في المجاز والكناية غايته السردية ومقصده الإبداعيّ، وقد(( شكل الخطابان الفكري والروائي سلاحاً واحداً في وجه مؤسسة القمع بأشكالها وأنماطها كافة، لذا انطوى النّص الروائيّ النهضوي على مقولات الحرية والعقل والتحديث))[50].

ورد في معجم المصطلحات الأدبية عن المجاز(Allegory) (( بأنّه استعارة موسعة ونحن نجده في القصة حيث الشخصيات وأفعالها تفهم على أساس مختلف عن ظهورها السطحي ومعانيها السطحية. فهناك معان موسعة تحت السطح تمتلك تصورات خلقية أو روحية أكبر دلالة من الحكاية نفسها تجعل الشخصيات رموزاً لأشياء أخرى))[51]، وإذا كان المجاز أو الاستعارة وحدات بلاغيّة تراثية، فإنّ تفعيلها في السرد الروائيّ يجعلها تقدّم جديداً على مستوى الفن، ولكنه جديد له مرجعيّة واسعة في التراث العربي وفي بلاغة المقموعين، فضلاً عن إفادتها من  إنجازات القص الأوروبي وتقنيات الرواية الأليجورية[52]، التي تحمل مغزى خفيّاً واستطالات معرفيّة تجد تحققاتها الفلسفية والفكرية في البنى العميقة للنص.

ولعلّ في اتخاذ الكاتب لهذا القالب الفنيّ في التعبير ما يلفت الانتباه إلى الكفاءة في التوظيف، والدراية بما يملكه الفنّ الروائي من القدرة على الاقتران بفكر التنوير ومرجعياته الغربية، ثم تحويله إلى وحدات حكائية على لسان شخصيات وأبطال هم ((أقرب إلى التمثيلات المجردة في علاقات المجاز التي تشير فيها كل شخصية إلى فكرة بعينها. وتقوم كل شخصية على فكرة تؤديها، تلازمها وتدلّ عليها كما يلازم الاسم مسماه أو تدلّ الصفة على موصوفها. والنتيجة هي ما تتسم به الشخصية التمثيلية، عادة، من صفة واحدة مطلقة هي علامتها وميسمها وسر وجودها))[53].

 وهذه الشخصيات لا تتفاعل في النّص بوصفها كائنات حيّة من لحم ودم، ولكنها تنبني في إطار الحوار والحوار المضاد، حيث تتخذ كلّ شخصية موقعها السردي من خلال توجهها الفكريّ الفلسفيّ، وبذلك تكون حمولة النص الدلاليّة وتوتره قائمين في بنية الحوار المستمر في إقصاء الأنموذج المجتمعي الواقعي والحقيقي إلى مجتمع افتراضي هو مجتمع التنوير والتمدن والحرية والعدالة، أو بأقل تقدير إنتاج نمط مجتمعي روائي يساهم في تنشيط الوعي بضرورة تغيير الواقع الذي استنفد قواه الحيّة، وأضحى في أبسط المقولات متخلفاً.

وإذا ما وقفنا عند رواية  فرح أنطون ( الدين والعلم والمال) فإننا نجد علاقات الشخصيات بعضها مع بعض هي تلك العلاقات الناتجة عن التعارض بين الدين والعلم، أو الدين والمال، أو العلم والمال. ومجمل الحوار الذي تتخلق به الشخصية وتأخذ من خلاله موقعها في النص لا يخرج عن مسار الفكر المراد إبلاغه فنيّاً. ونتيجة لذلك يكون موقفها داخل النص متماثلاً مع منطوقها، وهنا تتعدد الأصوات وتتعارض التصورات تبعاً لاحتدام الاختلاف.

ومنذ اللحظة الأولى في الرواية يتولد الحوار بسؤال الشيخ للشاب عن مدة الإقامة في المكان العجيب، أي المدن الثلاث. وعندما يبدأ القص بإزاحة الستار عن مؤسس المدن وبانيها، تعلن المدنيّة عن نفسها في ذلك المشروع العجيب الذي جمع العاطلين عن العمل من الشبان، ثم أنشأ منهم مجتمعاً جديداً بحكومة وقوانين جديدة، لكن قسمة المجاز الروائيّ العادلة جعلتهم متنافرين متنازعين بفضل رغباتهم وأهوائهم، ومنقسمين إلى أقسام ثلاثة، وكل قسم منهم يعيش في مدينة ((إحداها تدعى« مدينة المال»لأنّ أهلها كلهم يشتغلون بجمع المال، والثانية تدعى«مدينة العلم» لأنّ أهلها كلهم يشتغلون بالعلم، والثالثة تدعى«مدينة الدين» لأنّ أهلها كلهم منقطعون إلى الدين))[54]. ومن هذا التقسيم النموذجي، بالمعنى الفكري والفلسفي، ينتج التعارض في مستوياته المختلفة، ويصل في حدّته إلى درجة قصوى من تفعيل الحوار.

3 _ تقنية الحُـلُم:

جاء توظيف الحلم في بعض روايات النهضة ليشتبك مع سلطة القمع السائد في مجتمع النهضة، و ليعترف لنا، نحن المنشغلين بالقراءة المنتجة، أنّ ما سلف من سرد نتاج لالتحام الحلم باليقظة على نحو يصعب الفصل بينهما، و يؤكد ذلك استطالة السرد، وتعدد مكوناته، و تفلتها من القوانين الفنية التي تضبط حركتها وتوازنها داخل النص، واعتماده المقاربة بين عالمين متخالفين اجتماعياً، ومتعارضين فكريّاً.

ولأنّ الحلم جزء من الواقع الذي نعيش فيه، وربما يكون من أسباب مداومة العيش، فقد أفادت الرواية النهضوية من هذه التقنية، ووظفتها في إنطاق اللاوعي المجتمعي السائد بصورة رمزية تحيل على فهم المجتمع، عبر تفكيكه وإعادة بنائه من جديد، بعد إطلاق سلسلة من الحوارات التي من شأنها تسريع الفهم، وتنمية الإدراك، وتفعيل المسؤولية المعرفيّة لمجابهة( قواد الشر)، كما يحلو للمرّاش تسميتهم، لا بل التمكّن من محاكمتهم، وكشف أسرارهم، فها((هو ذا ملك التمدن قد انتصب على عرش جلاله، فلتخفض دولة التوحش أعلامها. وها ملكة الحكمة قد ابتدأت تتكلم، فلتخرس أفواه الجهالة(..) ها قد هبّت بكم عواصف القضاء المبرم إلى غابة الحق حيثما تصدح بلابل العدل وترقص أغصان الأمان تحت سماء التمدن العظيم، فلا عاد لسيوفكم رقاب تذل ولا لنبالكم مرامي وأغراض بين البشر))[55] .

 و تقنية الحلم من التقنيات المستخدمة في المرويات الكبرى ولاسيّما (ألف ليلة وليلة)، وحضورهفيسياق السرد يجعل من النص حكاية إطاريّة له، وهو يلعبعدداً من الأدوار التي تتوزع بين التقنية والموضوعية بوصفه يمثل واقعاً موازياً، ويشكل مساحات لطموح الذاتفيتشكيل عالم مواز لعالمها، ومحاولة انعتاق من هذا العالم المرئي إلى عالم مرئي بقوة الخيال، عالم متخيلفيمقابل الواقع القائم فعليّاً. وهو ما يقترب من وضعيةالحلمبوصفه أداة نفسيّة كاشفة عن دخائل الشخصية، لكن صاحب الحلم، في رواية (لطائف السمر في سكان الزهرة و القمر أو«الغاية في البداءة والنهاية») يتحدد في كونه الراوي العليم، الكليّ المعرفة، وهذا ما يفتح الحلم على فضاء المداهنة لقوى التسلط الفكريّ والمجتمعيّ، والهروب منها، أو الانفضاض عنها في الوقت نفسه. فحين يشرع الصقال في تفعيل حلمه نصيّاً لا يجد مفراً من إحالة مرويّه إلى طرف ثالث، لا صلة له بالمحكي إلا بفعل الإخبار الملازم لحدث المقارنة والمقاربة بين مجتمعي المريخ والقمر، ومجتمع الأرض. وهو هنا الأب الذي يأمر فيطاع، ويوصي فتتحول الوصية عملاً روائيّاً يوقد الأنوار في نهاية النفق، ويعلن الروائيّ نفسه وسيلة لغايات شريفة، هي في البداءة والنهاية رسالة العلم والمعرفة، وهي مخطط تفصيلي لما يجب القيام به من عمل لتحقيق نهضة المجتمع، وبناء مدنيته الجديدة.

4- توظيف الشعر في المتون السردية:

غصّت المتون السردية بالشعر، و تعالقت معه داخل النّص الروائيّ النهضويّ، وقد أتى التّمثل بشواهد الشعر بين فقرة وأخرى ليفيد عدداً من الوظائف التي تترواح بين وظيفة الجذب و الوظيفة الجمالية والفنية، والوظيفة الشارحة التي  تأتي لتعضيد السياق وتدعيمه،  والوظيفة التزيينية أو الإمتاعية، فضلاً عن  الوظائف الفكرية ذات الحمولات والمضامين التنويرية.

وإذا كان الشعر -عربيّاً - مستودع اللغة وخازن أسرارها التاريخي، فلم يكن بمستطاع الكتابة التخلص من طغيان حضوره سريعاً، ولاسيّما أن الوعي اللغويّ والأدبيّ آنئذٍ لم  يجد في استخدام الشعر وتمثله في البنية النصية إجحافاً بحق النثر، أو إضعافاً لقيمته، بل على العكس وجد في تعالقه مع النثر قيمة مضافة إلى الكتابة الجديدة. وهذا ما يتأكد لدينا عند مقاربة النصوص السردية التي احتضنت بين سطورها وصفحاتها أبياتاً من الشعر أو قصائد كاملة. ومادام الغرض من التأليف هو تحقيق التحول النهضوي، و تقديم الفكر التنويري إلى أكبر شريحة من الناس، فما الضير من أن نستخدم كلّ الأنماط والأنواع والأجناس الأدبيّة من شعر وقصة ورواية ومسرح وغيرها لتحقيق مرادنا، كما أنّ الخلط  والتداخل بين الأجناس الأدبيّة لا يحط أو يقلل من قيمة النص الإبداعية، إذ أصبح المزج قانونًا طبيعيّاً في أي تحوّل أدبيّ، فلا توجد أنواع ذات استقلال ذاتي[56]. وما الذي يمنع من إقامة حوار نصيّ تتعالق فيه هذه الأجناس،  وتتماهى في إبراز المرامي التنويرية التي يحتاجها المجتمع لاجتراح خلاصه، وتفعيل نشاطه الذاتي.

لقد رمى الشدياق بسهمه الشعري فأصاب من الإبداع موضعاً خصباً، و((كان جاهليّاً في إغرابه، عباسيّاً في مدحه ومجونه، شاميّاً في تصوره وتفكيره))[57]، وفي (الساق على الساق) اعتمد كثيراً على الشعر في تقديم أفكاره وشرحها لجمهور القراء، حيث يأتي بالشاهد الشعري لدعم الفكرة وتوثيقها، وتغدو وظيفة الشعر الشارحة جزءاً لا يتجزأ من عمليات الفهم التي يتطلبها السياق، ومن اللافت أنّ شواهده الشعرية منسجمة مع روحه النهضوية وفكره الإحيائي، إذ يلجأ إلى قمم العصر العباسي في التراث الشعري ليقتطف منها أبياتاً تسهم في تعضيد السياق، وإبانة المعنى. ومن أشباه ذلك ما ورد على لسان الفارياق في معرض حواره مع زوجه الفارياقية قبيل سفره، واستشهاده ببيت للشاعر أبي نواس[58]. وفي مكان آخر يعمد إلى المتنبي[59]، فيستعين بشعره على إتمام المعنى المراد. وهو لا يلزم نفسه بشواهد شعرية من الماضي فقط، بل يجد في شعر معاصريه ما يعينه على بلوغ مأموله[60]، وإذا تتبعنا مسار الشعر في (الساق على الساق) سنجد المدائح تنصب تارة على السلطان، لإظهار دعمه للسلطنة في حربها ضد الروس حيث تظهر نزعته العثمانية بوضوح[61]، وتارة أخرى على المدن؛ فقد نظم الشدياق((قصيدة طويلة في مدح باريس وأهلها))[62]. وهو يؤثر إيراد شعره في فصل مستقل، هو الفصل العشرون، وبذلك يختتم روايته بالشعر كما ابتدأها به، ولعلّه يتخذ منه إطـاراً جماليّاً لنصه الروائيّ، مستفيداً من المكانة الكبيرة التي يحتلها الشعر عند جمهور القراء.

ونجده في موضع آخر يتوسل بالشعر، ليفتح أفق المقارنة بين الشرق والغرب، و تسهم المقارنة هنا في توضيح الفرق بين الشعر العربي والشعر الغربي[63]ومكانة الشعراء، فشعرهم لا يلتزم الروي والقافية الموحدة، كما أنّ اهتمام الملوك بشعرائهم لا يعدو السماح لهم بإنشاد شعرهم في الملاهي، وذلك على عكس الحكام والخلفاء العرب الذين يحتفون بشعرائهم، ويجعلون منهم ندماء مجالسهم[64].

وفي رواية (فجائع البائسين) لشكري العسلي، يتناوب حضور الشعر داخل النص في بداية الفقرة أحياناً، ليأخذ وظيفة العنوان الدالة على مضمون السياق ومعانيه[65]، ويأتي ارتباطه بما بعده على صعيد المعنى تكثيفاً له، وتفعيلاً لدلالته المباشرة، فحين  يقوم البطل، على سبيل المثال، بإخبار جميلة بما يختلج في قلبه من مشاعر الود، لا يجد الرواي لتصوير حال البطل في تلك اللحظة أفضل من استحضار بيت من الشعر، وإنطاق الشاعر بما يعتمل في خاطر البطل ووجدانه[66].

وفي موضع آخر يستدرك الراوي حديثه ببيت مشهور لأبي العلاء المعري، ويجعله جزءاً من مرويّه عن البطل وما آلت إليه حاله، وكأنّه يعظ القارئ ويحذره من الوقوع فريسة الآمال الكاذبة، لكنه أيضاً يمهد به للحدث القادم، وهنا يغدو الشعر جزءاً من السرد، ومعيناً على الفهم(( فهذا سعيد ولد بالأمل وعاش بالأمل وسيعيش بالأمل وصار يسبح في بحور الخيال))[67]، لكن هناك دائماً ما يترصد الإنسان و يعيده إلى واقع الحياة ومسارها الحقيقي.

وفي رواية( وي. إذن لست بإفرنجي) لخليل الخوري يتكلم الراوي على الشرق والغرب ويقارن بينهما في كثير من المناحي، وذلك في اللحظة التي يلج فيها السرد إلى مكان التقاء الشرق بالغرب، عند الراوي، أي مدينة حلب الشهباء، وهو يتخذ من فعل اللقاء الذي حدث في زمن ما، وسيلة للمقاربة الفنية والحضارية، فعلى أرض هذه المدينة رفع شاعران من ثقافتين مختلفتين لواء الشعر، وأنت أيها القارئ ((قبل أن تفحص وجودها المادي، التفتْ لآثارها الأدبية، لعلّك تجد أثراً من عمامة المتنبي، أو ذكراً لبرنيطة[68]لامرتين))[69]. وكأنّ مدينة حلب –فيما يُلمّح الراوي- غدت مكاناً تلتقي فيه ثقافات الغرب والشرق،  وهي منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، وبخاصة عقد الستينيات منه،  أصبحت من أهم المدن المرتبطة بالغرب، وأحد أهم مراكز الحركة التنويرية العربية، وقد أسهم منوروها في تقديم إيديولوجيا التنوير من خلال مفاهيم: المدنيّة، والتقدّم الاجتماعي والعلمي، الرابطة القومية الوطنية، ومبادئ الإخاء والمساواة، والعقد الاجتماعي[70].

كما يحاول الراوي من خلال المقاربة الأدبية إفساح المجال لآرائه النقدية كي تظهر بين ثنايا السرد، بأقل ما يمكن من المباشرة والإقحام، التي قد تحولها إلى نص نقدي، ففي الفصل الثالث يتخير لمقاربته تلك  قصيدة للشاعر العباسي المتنبي؛ فيتحدث عن معانيها التي تعجب العربيّ، ولكنها((تكاد تضحك الإنكليزي، لأنّ هذا الكلام لا موقع له في النفس، وما هو إلا ضجيج يتطاير في الهواء، دون أن يشفق على آذان السامعين من احتمال قرقعته، التي لا تطربهم بشيء من الخصائص الشعرية، لأنه هوس محض لا تشم فيه رائحة الحقائق الأدبية))[71]، وهنا يتماهى صوت الراوي بصوت الكاتب،  ويتخذ السرد صوت الناقد وهو يكشف للقارئ ما هو الشعر، ويستدرجه إلى القبول بأن الشعر ((حقيقة ممتزجة بالهوس، لا كما قيل إنّه كلام يقصد به الوزن والقافية. وحينئذ يجب أن يكون الشاعر كسكران يتكلم بالحقائق، لا كمدلس يركب الرجل على الرأس))[72].

 بعد ذلك يختار الراوي قصيدة للشاعر الفرنسي لامرتين ((نظمها لصبية عربية في بيروت، مولودة في حلب، متزوجة بإفرنجي، طلبت منه شيئاً من الشعر، حينما كان ضيفاً لهم، في مبادئ (أي: بدايات) إقامته في تلك المدينة))[73]، و بعد أن يضع النص الأصلي يتبعه بالترجمة نظماً شعريّاً، وبعدها يبدأ الكلام على معاني القصيدة، ومواطن الجودة والضعف فيها، لكن صوت الراوي ما يلبث أن يختفي ليفسح لصوت المترجم بالارتفاع قائلاً إنّ: ((أبيات الترجمة في رتبة أدنى من الأصل. لأنّه لا يخفى ما قاله فولتير إنّ الترجمة، بالنسبة إلى الأصل، كمقلوب القماش بالنسبة إلى الوجه))[74].

-الخاتمة:

لقد اكتسب الفنّ الروائيّ ومنذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر أهميّة كبيرة، وتوضع على رأس السلسلة الأدبيّة المستحدثة بتأثير الترجمة وحركة المثاقفة مع الغرب، وكان النزوع نحو النهضة والحلم بتحديث المجتمع، وتخليصه من مساوئ الحكم الثيوقراطي الاستبدادي للسلطة العثمانية، الحافز الأساسيّ للدخول في معركة التجديد، وتطوير الأنساق الثقافية والاجتماعية، وتثوير وعي الجمهور وإيقاظه على معطيات الفكر النهضويّ، بما يُمكّن من إحداث نقلة نوعية على صعيد الشكل والمضمون، وتجديد اللغة الأدبيّة لتتناسب مع المضامين التنويرية.وعملت الرواية على التحرر من قيود التقليد، وتحولت إلى معترك لتصارع الأفكار المختلفة، بهدف تقديم حمولتها التنويرية والاستجابة للضرورات التعليمية والوعظية، مستفيدة من التقنيات المجازية والتمثيلات الكنائية، واللغة الإيسوبية الرمزية في تقديم الفكر التنويري ضد خطابات القمع والاستلاب والجمود والتحجر والبطش والاستبداد.

وبعد، فإنّ أسئلة النهضة وتحولاتها الاجتماعيّة والفكريّة والأدبية ما تزال موضعاً خصباً للحوار والدراسة، وهو ما يمكن أن يجري، بدوره، على رواية النهضة وخاصياتها، أو أدب المرحلة عموماً، من منظورات جديدة تفتح أبواباً أخرى للبحث والنظر والاستقصاء.

-المراجع:

$11.       (الوحش، الوحش، الوحش)،  فرح أنطون(المؤلفات الروائية). تقديم: أدونيس العكرة. دار الطليعة، ط1، بيروت1979.

$12.      أحمد فارس الشدياق، سلسلة الأعمال المجهولة، فواز طرابلسي، عزيز العظمة، رياض الريس للكتب والنشر،ط1، 1995.

$13.      أسئلة النهضة العربية (التاريخ-الحداثة-التواصل)، د. كمال عبد اللطيف، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1،    بيروت2003.

$14.      أورشليم الجديدة أو فتح العرب بيت المقدس، فرح أنطون(المؤلفات الروائية). تقديم: أدونيس العكرة. دار الطليعة، ط1، بيروت1979.

$15.      تطور الرواية العربية الحديثة في مصر 1870-1938، د. عبد المحسن طه بدر، دار المعارف، ط2، القاهرة 1968.

$16.      حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر«حلقة حلب، دراسة ومختارات »، جمال باروت، وزارة الثقافة، ط1، دمشق1994.

$17.      الدّين والعلْم والمال أو(المدن الثلاث)،  فرح أنطون(المؤلفات الروائية). تقديم: أدونيس العكرة. دار الطليعة، ط1، بيروت1979.

$18.   رواية فجائع البائسين، شكري العسلي. إشراف د. محمد يوسف نجم، و رئيس تحرير مجلة المقتبس العلامة محمد كرد علي. نقلاً عن المجلد الثاني من مجلة المقتبس لعام1907، طبعة كاملة مفهرسة، دار صادر، بيروت.

$19.      الرواية والروائي، حنّـا ميْنة. تقديم محمد كامل الخطيب. وزارة الثقافة- دار البعث، دمشق2004.

$110.   زمـن الرواية، د. جابر عصفور، مطـابع الهيـئة المصرية للكتـاب (ضمن منشورات مهرجان القـراءة للجميع)، ط2، القاهرة.

$111. السـردية العـربية الحديثة(تفكيك  الخطـاب الاستعماري وإعـادة تفسير النشأة)، د.عبد الله إبراهيم، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت2003

$112.غابة الحق، فرنسيس فتح الله مراش. دراسة وتقديم د. جابر عصفور. دار المدى للثقافة والنشر، طبعة خاصة ضمن سلسلة الكتاب للجميع، دمشق2001.

$113.  الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث(في لبنان وسوريا ومصر)، ز.ل. ليڤـــــين. تر بشير السباعي. دار ابن خلدون، ط1، بيروت 1978.

$114.الفكر الليبرالي عند فرنسيس المرّاش(بنيته وأصوله وموقعه في الفكر العربي الحديث)، د. كرم الحلو، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت2006.

$115.  فن القصة ، د.محمد يوسف نجم، دار الثقافة، ط7، بيروت1979.

$116.  الفنونالأدبيةوأعلامها،أنيس المقدسي،دارالعلمللملايين،بيروت1984.

$117.  في الجهود الروائية مابين سليم البستاني ونجيب محفوظ، د. عبد الرحمن ياغي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2، بيروت1981.

$118.  في اليقظة العربية( الخطاب السوسيو سياسي عند فرح أنطون)، مارون عيسى الخوري، جروس بروس، ط1، طرابلس1994.

$119.لطائف السمر في سكان الزُّهرة والقمر أو (الغاية في البداءة والنهاية)، ميخائيل الصقال، تقديم ودراسة موسى البيطار، مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية في جامعة حلب(ضمن احتفالية حلب عاصمة للثقافة الإسلامية)، ط1، حلب 2006.

$120.  معجم المصطلحات الأدبية، إعداد إبراهيم فتحي، دار شرقيات للنشر والتوزيع، ط1، القاهرة2000.

  1. مقدمات في نظرية الأنواع الأدبية، رشيد يحياوي،أفريقياالشرق، ط1، الدارالبيضاء1991.

$122.  مقـدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبـداع، د. عباس أرحيلة، الـوراقة الوطنية، مراكش2003.

$123.  موسوعة المصطلح النقدي. ترجمة د. عبد الواحد لؤلؤة, المؤسسة العربية للدراسات والنشر,بيروت1993.

$124.  الواسطة في معرفة أحوال مالطة، أحمد فارس الشدياق، وزارة الثقافة - دار البعث، مختارات(11)، دمشق2004.

$125.  وي. إذن لسـت بإفرنجي(الرواية العربية الأولى الرائدة)، خليـل الخـوري. تح. شربل داغـر. الفارابي، ط1، بيروت2009.

المراجع الأجنبية:-

[1]- A Dictionary of Literary Terms, J. A. Cuddon,penguin Books, London,

 1977: P. 24

-الدوريات والمجلات العلمية:

$11. الأدب الفلسفي عند فرح أنطون(قراءة في رواية أورشليم الجديدة)، مصطفى الحلوة، مجلة الفكر العربي المعاصر، صادرة عن مركز الإنماء القومي، العدد(150-151)، السنة الثلاثون، بيروت2010.

$12.   الرواية التأسيسية وأطرها الفكرية«مساهمة في سوسيولوجيا الوعي الروائيّ النهضويّ»، عبد الوهاب شعلان، مجلة كتابات معاصرة، عدد 76، المجلد 19(نيسان-أيار) بيروت2010.

$13.مقابلة مع  الروائيّ عبد الرحمن منيف، مجلة المعرفة السورية، وزارة الثقافة السورية، عدد  شباط، دمشق 1976.



[1] - السردية العربية الحديثة(تفكيك  الخطاب الاستعماري وإعادة تفسير النشأة)، د.عبد الله إبراهيم: 82

[2]- الرواية والروائي، حنّـا ميْنة. تقديم محمد كامل الخطيب: 53

[3] - الرواية والروائي، حنّـا ميْنة: 55

[4] - السردية العربيّة الحديثة(تفكيك الخطاب الاستعماري وإعادة تفسير النشأة)، د.عبد الله إبراهيم: 95

[5] - مقابلة مع  الروائيّ عبد الرحمن منيف، مجلة المعرفة السورية: 193

[6] - لطائف السمر في سكان الزُّهرة والقمر أو (الغاية في البداءة والنهاية)، ميخائيل الصقال، تقديم ودراسة موسى البيطار:61

[7] - مقـدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبـداع، د. عباس أرحيلة: 12

[8] - المـرجع السـابق: 249

[9]- وهذه العناوين كثيرة  ومتشعبة نذكر منها على سبيل المثال: ( في المدن والطرق، في الأحكام الحقوقية، في خطيئات سكان الزهرة، في علماء الأرض وحالة الإنسان فيها، في مدارس وعلوم سكان الزهرة، في أنّ آفة التلميذ بالأرض مدرسته ودروسه وفي التربية أيضاً، في التربية وواجبات الوالدين بالأرض، في المطابع، في اختيار الزوجة، في الخطبة والحب والغيرة والمهر والجهاز، في طمع سكان الأرض،... الخ ). للمزيد ينظر: لطائف السمر في سكان الزهرة و القمر أو«الغاية في البداءة والنهاية»، ميخائيل الصّقال: 247-253

[10] - لطائف السمر في سكان الزهرة و القمر أو«الغاية في البداءة والنهاية»، ميخائيل الصّقال:72

[11] - لطائف السمر : 73

[12] - لطائف السمر:246

[13] - ورد في المقدمة (هذه رواية أخلاقية واقعية تمثل للقارئ ما تئن به هيئتنا الاجتماعية من البؤس). للمزيد ينظر: رواية فجائع البائسين، شكري العسلي: 50

[14] - فجائع البائسين: 114

[15] - فجائع البائسين: 108

[16] - فجائع البائسين: 51

[17] - فن القصة ، د.محمد يوسف نجم: 117-118

[18]- المقصود: طفولته، وهو خطأ ناتج عن ضعف لغوي مصاحب لمنجز المرحلة عموماً، ومنجز الكاتب خصوصاً.

[19] - فجائع البائسين:303

[20] - فجائع البائسين:303

[21] - ينظر: تطور الرواية العربية الحديثة في مصر 1870-1938، د. عبد المحسن طه بدر: 162

[22] - فجائع البائسين:116

[23] - فجائع البائسين:351

[24] - فجائع البائسين:348

[25] - ينظر: الفكر الليبرالي عند فرنسيس المرّاش(بنيته وأصوله وموقعه في الفكر العربي الحديث)، د. كرم الحلو:75-77

[26] - الأدب الفلسفي عند فرح أنطون(قراءة في رواية أورشليم الجديدة)، مصطفى الحلوة :129

[27] - الأدب الفلسفي عند فرح أنطون: 131

[28] -أسئلة النهضة العربية (التاريخ-الحداثة-التواصل)، د. كمال عبد اللطيف:35

[29] - أورشليم الجديدة أو فتح العرب بيت المقدس، فرح أنطون(المؤلفات الروائية). تقديم: أدونيس العكرة: 236

[30] - في اليقظة العربية( الخطاب السوسيو سياسي عند فرح أنطون)، مارون عيسى الخوري: 154

[31] - الدّين والعلْم والمال أو(المدن الثلاث)،  فرح أنطون(المؤلفات الروائية). تقديم: أدونيس العكرة: 85

[32] - الدّين والعلْم والمال أو(المدن الثلاث): 86

[33] - الدّين والعلْم والمال: 87

* يورد فرح أنطون قصة لاڤونتين (الجدجد والنملة) لإظهار الفرق بين حياة العمل وحياة الكسل، فالجدجد الذي ينصرف إلى الغناء في الصيف لا يجد في الشتاء ما يأكله عكس النملة، وحين يطلب منها طعاماً تجيبه من يغني في الصيف عيه أن يرقص في الشتاء. للمزيد ينظر:(الوحش، الوحش، الوحش)،  فرح أنطون(المؤلفات الروائية):91

[34] - الوحش، الوحش، الوحش: 97

[35]- الفنونالأدبيةوأعلامها،أنيس المقدسي: 281

[36] - الأدب الفلسفي عند فرح أنطون(قراءة في رواية أورشليم الجديدة)، مصطفى الحلوة:134

[37] - الأدب الفلسفي عند فرح أنطون: 131

[38] - حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر«حلقة حلب، دراسة ومختارات »، جمال باروت:10-11

[39] - حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر: 11

[40] - في الجهود الروائية مابين سليم البستاني ونجيب محفوظ، د. عبد الرحمن ياغي: 20

[41] - الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث(في لبنان وسوريا ومصر)، ز.ل. ليڤـــــين. تر بشير السباعي:230

[42] - الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث: 148

[43] - في الجهود الروائية مابين سليم البستاني ونجيب محفوظ، د. عبد الرحمن ياغي: 18

[44] - ينظر: زمـن الرواية، د. جابر عصفور: 12

[45]- أحمد فارس الشدياق، سلسلة الأعمال المجهولة، فواز طرابلسي، عزيز العظمة: 26

[46] - الواسطة في معرفة أحوال مالطة، أحمد فارس الشدياق: 17-18

[47] - ينظر: الفكر الليبرالي عند فرنسيس المرّاش(بنيته وأصوله وموقعه في الفكر العربي الحديث)، د.كـرم الحـلو:87

[48]- A Dictionary of Literary Terms, J. A. Cuddon,penguin Books, London, 1977: P. 24

[49]-  ينظر: موسوعة المصطلح النقدي. ترجمة د. عبد الواحد لؤلؤة: 3/166- 282.

[50] - الرواية التأسيسية وأطرها الفكرية«مساهمة في سوسيولوجيا الوعي الروائيّ النهضويّ»، عبد الوهاب شعلان:8

[51]- معجم المصطلحات الأدبية، إعداد إبراهيم فتحي: 208

[52] - ينظر: غابة الحق: 23

[53]- غابة الحق: 26

[54] - الدّين والعلْم والمال:46-48

[55] - غابة الحق:221

[56] - ينظر: مقدماتفينظريةالأنواعالأدبية، رشيد يحياوي: 24

[57] - أحمدفارسالشِّدياق(صقرلبنان) ضمن المؤلفات الكاملة، مارون عبود: 133

[58] - ينظر: الساق على الساق: 463

[59] - ينظر: الساق على الساق:525

[60] - فهو يستشهد ببيت من شعر ناصيف اليازجي عند حديثه عن جمال الأرداف، وموقعها في الحسن. للمزيد ينظر: الساق على الساق: 431

[61] - ينظر: الساق على الساق: 649-655

[62] - الساق على الساق:639

[63]- الإفرنجي حسب تعبير الشدياق في(الساق على الساق).

[64] - ينظر: الساق على الساق: 567

[65] - ينظر: فجائع البائسين: 53

[66] - ينظر: فجائع البائسين: 53

[67] - فجائع البائسين:397

[68]- غطاء الرأس أو القبعة .

[69] - وي. إذن لسـت بإفرنجي(الرواية العربية الأولى الرائدة)، خليـل الخـوري. تح. شربل داغـر:60

[70] - ينظر: حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر«حلقة حلب، دراسة ومختارات »، جمال باروت:53

[71] - وي. إذن لست بإفرنجي:62

[72] - وي. إذن لست بإفرنجي:64

[73] - وي. إذن لست بإفرنجي: 65

[74] - وي. إذن لست بإفرنجي:74