النص الشعري: الواجهة الصوتية ودلالة الإيقاعpdf

أ.د. لبوخ بوجملين

كلية الآداب واللغات

قسم اللغة والأدب العربي

جامعة قاصدي مرباح ورقلة -الجزائر

Résumé                                                                                                                                         

Cetarticle intitulé « le texte poétique : l’interface phonétique et le sens du rythme »  a pour objectif spécifique d’étudier l'interface phonétique du « riouayet ethalatha »  « roman destrois », soulignantcela,ce qui nous donneletexte de ses caractéristiques uniquesdesonstructure phonétique, "la formation phonétiquepoétique est plus difficile qu'il n'yparaîtàpremière vue-quenousne traitons pasdans lapoésieavecdes sensclaire, nous avons affaireavec unmondespécialepleinde complexitéen raison delagrandepositionset les chevauchements et"l'ambiguïté, parce que l'étude desaspectsphonétiques veut dire l’explorationdes strates sémantiquesetpragmatiquesprovoquéesparletextea cause de sesextensionsde communication, ce qui à son tour, poussele lecteurà utiliser le goût  a traversles impressionsinitialesdu processusderéception, puisdéplacerledispositifsystématiquesuffisants et appropriées pourle processus decompréhension.

ملخص:

خصصت هذه الدراسة للواجهة الصوتية لرواية الثلاثة، مبرزا بذلك، ما يمنحه النص من خصائص مميزة لبنيته الصوتية، فالتشكيل الصوتي الشعري أشق مما يبدو أول وهلة-ذلك أننا لا نتعامل في الشعر مع معان واضحة، فنحن نتعامل مع عالم خاص يتمتع بتعقيد جم نظرا لكثرة مواقفه وتداخلها وغموضها، لأن دراسة الجوانب الصوتية يعني التنقيب عن الطبقات الدلالية والتداولية التي يحدثها النص من خلال امتداداته التواصلية؛ والتي بدورها، تدفع القارئ إلى تحكيم ذوقه عبر الانطباعات الأولية لعملية التلقي، ثم تحريك الجهاز المنهجي اللائق، والملائم لعملية الفهم.

توطئة:     

"رواية الثلاثة" هي تأليف شعري مسرحي، اختار لها الشيخ البشير الإبراهيمي* بحر الرجز، كتبها سنة 1941م، وهو في إقامته الجبرية بـ"آفلو*"، وتقع في تسع وثمانين وثمانمائة بيتا، وقد قسمها إلى ثلاثة فصول سماها جلسات، ولعله يريد بلفظة "الرواية" ذلك المصطلح الشعبي الأكثر رواجا في الجزائر، والذي يعني "المسرحية" أو "التمثيلية" التي يطغى عليها طابع الهزل والسخرية التي تميز بها الشيخ في معظم كتاباته،وأما لفظة "الثلاثة" فقد قصد بها الشيخ الشخصيات الرئيسية في المسرحية وهم على التوالي:

الشيخ السعيد بن حافظ مدير المدرسة التربية والتعليم الحرة بقسنطينة، الشيخ عبد الحفيظ الجنان، الشيخ محمد ابن العابد الجلالي، وهذان الأخيران هما معلمان بالمدرسة نفسها. [i]                                                                                      

"رواية الثلاثة" إذن، هي نص شعري مسرحي، ومادة الشعر اللغة، والشاعر يخطو خطواته الأولى باتجاه اللغة؛ التي هي في الوقت عينه أبنية من الأصوات تشبه من حيث الدلالة المعنوية والمغزى الأصوات الموسيقية"[ii]، فليس الشعر في الحقيقة إلا كلاما موسيقيا تنفعل لموسيقاه النفوس[iii]. لذلك كان للمستوى الصوتي الصدارة دون المستويات الأخرى، والإيقاع الشعري لا ينحصر في الوزن والقافية، أو ما يسمى بموسيقى الإطار، أو الموسيقى الخارجية، بل يتعداه إلى طبيعة التركيب اللغوي للقصيدة.

ودراستي للمستوى الصوتي ليست بمعزل عما يسمى بعلم الأصوات، وهو فرع من فروع (علم اللغة العام) الذي يدرس الصوت الإنساني من جميع جوانبه، بداية بأعضاء النطق وكيفية صدور الصوت، وانتقاله عبر موجات صوتية وصولا إلى أذن السامع، وهذا ما يسمى بعلم الأصوات العام أو المجرد(phonétique)، ثم علم الأصوات الخاص أو التشكيلي، أو الوظيفي[iv](phonologie)، والذي يهتم بالجانب الصوتي داخل التراكيب اللغوية؛ من وظيفة الصوت، وموقعه في الكلمة، وتأثره بغيره، وتأثيره فيه؛ أي أنه يبحث في العلاقات المميزة لكل جزئية داخل النظام، فالتحليل الفونولوجي يركز على قضية العلاقات، إنه يضع الوظيفة قبل المادة[v] والحقيقة أن الدراسة الصوتية للنص لها أهميتها، وبخاصة إذا كانت الدراسة تتخذ النص الشعري موضوعا لها، "لأن الأمر لا يكمن في غرابة الألفاظ، وفي عمق المعاني"[vi]، بقدر ما يقوم على الجانب الموسيقي الذي يضفي عليه رونقا وجمالا، لأن الشعر كلام موسيقي، ولغة الشعر الأولى هي موسيقاه التي يعكسها الإيقاع بأنواعه، ولذلك فالدراسة تبقى قاصرة ما لم يراع فيها دراسة الصور التنغيمية، فالدراسة الدلالية لا يمكن أن تتميز ما لم ترتكز على دراسة الصور الصوتية[vii].

من هذا المنطلق، خصصت هذه الدراسة للواجهة الصوتية لرواية الثلاثة، مبرزا بذلك، ما يمنحه النص من خصائص مميزة لبنيته الصوتية، "فالتشكيل الصوتي الشعري أشق مما يبدو أول وهلة، ذلك أننا لا نتعامل في الشعر مع معان واضحة، فنحن نتعامل مع عالم خاص يتمتع بتعقيد جم نظرا لكثرة مواقفه وتداخلها وغموضها"[viii]، لأن دراسة الجوانب الصوتية يعني التنقيب عن الطبقات الدلالية والتداولية التي يحدثها النص من خلال امتداداته التواصلية؛ والتي بدورها، تدفع القارئ إلى تحكيم ذوقه عبر الانطباعات الأولية لعملية التلقي، ثم تحريك الجهاز المنهجي اللائق، والملائم لعملية الفهم.

لقد كان لما تنفرد به اللغة العربية من طاقات إيقاعية بعيدا عن الصوت المجرد، أهمية خاصة في التعامل مع النص أثناء اهتمامي بالموسيقى الداخلية، سواء من حيث علاقة الإيقاع بالظلال النغمية الدلالية فقط، أم بوضعه في سياق الجملة والمقطع، أم قيامه في النص بأكمله؛ "لأن العلاقات بين الإيقاع وبين المعنى، في أشكاله المتعددة، هي التي تعني دارس الشعر، وأن دراسة الإيقاع في الشعر بمعزل عن المعنى محاولة مشكوك في قيمتها"[ix]، وهو ما يؤكده الناقد الشكلاني الروسي(بريك BREAK) في مقالة له بعنوان: (الإيقاع والتركيب) مشيرا إلى بعض هذه الصلة الحميمة في قوله: "بما أن البيت الشعري هو الوحدة الإيقاعية والتركيبية الهامة، فإن دراسة التشكل الإيقاعي والدلالي يجب أن تنطلق منه"[x].

موسيقى الإطار:

إن أول ما ينبغي أن نلاحظه، هو أن نص "رواية الثلاثة" نص أدبي ينتمي إلى جنس "الرجز"؛ فهو أرجوزة أكثرها "لزوم ما لا يلزم"[xi]، وقد يختلف هذا النوع من الشعر عن غيره من فنون القول الأخرى، نظرا لمميزات وخصائص هذا البحر (الرجز) الموسيقية والإيقاعية، فهو بحر موحد التفعيلة، ظهر عند الشعراء بمظهرين:

أـ "استعماله بحرا عاديا، موحد القافية كبقية البحور، فدخلت الأشعار التي منه في باب القصيد.

ب ـ استعماله بحرا خاصا، متنوع القوافي مصرّع الأبيات، فسميت الأشعار التي على هذا النمط بالأراجيز"[xii]، وهذا الاستعمال الخاص هو الذي سنهتم به في هذا المقام.

فنص الرواية، إذن، أرجوزة من النوع المزدوج الذي "يؤتى فيه ببيتين مقفيين من مشطور بحر، بعدهما غيرُهما بقافية أخرى"[xiii]، وهذا النوع من نظام القافية يخلق تنوعا وتعددا يخفف من قيود القافية الموحدة، فيثري موسيقى النص، كما نرى في هذه الأبيات من "رواية الثلاثة"، يقول الشيخ الابراهيمي:

ولي قَرونةٌ إذا ما هَجَسَتْ
فيضا من الجَرْس الذي لا يُكذَّب
وحدثتني اليوم أن الأمرا
وأن هذا الجمع فيه سر

 

هواجسُ الإلهام فيها انبجستْ
وذو الشكوك دائما معذَّبُ
رماد إيهام يغطي الجمرا
سينجلي للعين وهو شر[xiv]

فالأبيات كلها مصرّعة، ويشتمل كل منها على قافية تخالف ما قبلها وما بعدها، مما يضفي عليها شكلا موسيقيا يستقل فيه كل بيت عن الذي يليه.

وظاهرة المزدوج هذه، برزت في الرجز بخاصة، كما كانت نتيجة طبيعية لتطور الأفكار، فكان الرجز بأوزانه المتنوعة وباختلاف نظام قافيته خير ما يلائم ذلك التطور[xv].

وبغض النظر عن سبب تسمية الرجز بهذا الاسم، من كونه مضطربا، والعرب تسمي الناقة التي يرتعش فخذاها رجزاء، وارتباطه بالحداء لأنه يشبه من حيث إيقاعه مشي الجمال الهوينا[xvi]، إلا أنه من الناحية الموسيقية والإيقاعية يستمر بتقارب أجزائه، وقلة حروفه، وقصر أبياته، مما يجعل فيه حركة دائمة يتخللها سكون وهدوء بين البيت والآخر، كما يكثر فيه دخول العلل والزحافات والشطر، والنهك، والجزء، لذلك كثر شعر العرب على هذا البحر لسماحه بالتصرف الكثير واتساعه ولسهولته وعذوبته[xvii].

وقد استعمل الإبراهيمي هذا البحر كغيره من الشعراء والرجّار، فجاء نظم أرجوزته متماشيا مع خصائصه الموسيقية، فقد استعمله تاما* في معظم أبيات النص على الصورة: (مستفعلن، مستفعلن، مستفعلن(×2)، كما في قوله:

وانظرْ إلى التنكيت في قول الخطيبْ
وليس من مكارم الأخلاقِ

 

فإن ذكر البؤس شيء لا يطيبْ
تعريض ذي الغنى بذي الإملاقِ[xviii]

وقوله:

أو أنه صوت الغريض يطرحه
أو أن هذا الصوت قد كان امتزج
لما صرفت فيه كل الجهد

 

على الجواري والعقيق مسرحه
بنبرات معبد حين هزج
ولزهدت فيه بعض الزهد[xix]

كما استعمله مجزوءا، على الصورة: (ميتفعلن، مستفعلن ×2)، كما في قوله:

الخطب خطب فادح
وعارنا في الناس لا

 

والعيب عيب فاضح
تحمله النواصح[xx]

ونظرا لتقلبات هذا البحر وتنوع وجهه فإنه قد يشتبه (بالكامل)، كما يشتبه الهزج بالوافر. وهذا الاشتباه والتداخل بين البحرين يكون في ثلاث حالات:

-إذا دخل الإضمار أجزاءه، لأنه سيكون (متفاعلن، متفاعل...)

-إذا دخل الخزل الرجز ودخل الطي الكامل، لأن الكامل سيكون: (متفعلن، تفعلن...)، وهو وزن الرجز المطوي نفسه، (مستفعلن، مستفعلن، مستفعلن×2).

وتصبح تسمية البيت بالكامل، أو الرجز إذا دخل الوقص الكامل ودخل الخبن الرجز[xxi].

ويذهب الدكتور إبراهيم أنيس: "إلى أن مقاطع هذا الوزن إذا ما قورنت بمقاطع "الكامل" تجعلنا نرجح أن بحرا كالكامل قد سبق الرجز في الوجود وليس بعيد أن بحر الرجز تطور للبحر الكامل"[xxii].

ويمكن ملاحظة هذا الاشتباه في مقطوعة في وصف الرئاسة وقد بلغ عدد أبياتها واحدا وسبعين بيتا جاءت كلها موحدة القافية من بحر الكامل، ومثالها، قوله:

أعطوا الرئاسة حقها
إن العقوق مذلة
الحر يعلي شأنها
إن الرؤوس رئيسة
الله أحسن صوغها
أو ما تراها أشرفت
ما القول فيمن حطها

 

أعطوا الرئاسة حقها
تعس امرؤ قد عقها
والغر يبغي محقها
لم تعد فينا افقها
وجلها وأدقها
لاشيء يعلو فوقها
ما القول فيمن دقها[xxiii]

وقد أشار الإبراهيمي إلى هذا الانتقال المفاجئ من بحر الرجز إلى الكامل على لسان أحد أبطال (الرواية) وهو (الجلالي)، بقوله:

أما ترى أن الرئيس قد عجز

 

فأخرج الميزان عن بحر الرجز[xxiv]

وعليه نستنتج أن الإبراهيمي قصد الانتقال من الرجز إلى الكامل علما منه أن ذلك يجوز عروضيا*، فضلا على أن موضوع المقطوعة جاء مخالفا لموضوع نص الرواية، فميزه ببحر وقافية موحدة يختلفان عن بنية النص العروضية.

والنص، كما أسلفت، قد اتخذ من بحر الرجز مطية جعله يدخل في إطار المنظوم من الشعر، والنظم في حقيقته نوع من الشعر"لا لأنه ذو وزن وقافية فحسب، بل لأنه في الغالب يتضمن المعاني الشعرية وعناصر الإبداع..." [xxv]، وهذا ما عثرنا له على عدة أمثلة مبثوثة في داخل النص، بالإضافة إلى كونه نصا حواريا يقترب من الفن المسرحي، مما أفضى عليه صبغة المباشرة والتقريرية، ومع ذلك فلا نعدم وجود أمثلة تحمل معاني الإبداع ما يرقى بها إلى مرتبة الشعر الحقيقي كما في قوله:

وقبل أن تدهمنا القوافي
فتغتدي ربوعنا عوافي

 

بوطأة شرورها ضوافي
تجري بها الروامس السوافي[xxvi]

وقوله في مقطوعة يصف فيها الرئاسة:

وعلى الجماعة أن تفي
تعنو لهم وتمد في
إن كنت كبش كتيبة

 

لهم وتعطي صفقها
الطاعات دأبا عنقها
فأغش الكتيبة وألقها

فالخيل في الهبوات تعرف هجنها أو عتقها

إن البروق كواذب
والسحب لا تحي الثرى

 

والغيث يظهر صدقها
مالم تتابع ودقها[xxvii]

هذا وقد جمع النص بين تقريرية الحوار المسرحي، وشعرية بعض المواقف الانفعالية، فضلا عما أفضته موسيقى الإطار أو الموسيقى العامة المتمثلة في بحر الرجز وما يحمله من نغمة منتظمة رئيسة من حيث الوزن والقافية "فالوزن تتعاقب فيه الحركة مع السكون، والقافية تأتي مع نهاية كل شطر [من البيت]، وهذا ما يجعل من الأرجوزة أنغاما كثيرة موحدة وقصيرة يسهل على السامع متابعتها ويتمكن المنشد من ضبطها"[xxviii].

ضف إلى ذلك أن "ظاهرة اللزوم" التي ميزت القافية بعامة كان لها إيقاع مميز أفضى على أبيات النص إطارا موسيقيا منتظما يشبه في وقعه على النفس بصمات موسيقية متساوية في أبعادها ودرجاتها، كما أنه "ينبغي أن يعلم أن لزوم ما لا يلزم لا يجوز أن يحاوله إلا الشاعر المتمكن المالك لناصية اللغة، وإلا فإنه إذا جاء متكلفا كان عيبا فاحشا في الشعر، لأنه يفقد الشعر مزيته في جمال التعبير ودقة التصوير"[xxix].

2. الإيقاع الداخلي:موسيقى الحشو أو(القيمة التعبيرية للأصوات):

ما نقصده بموسيقى الحشو هنا، هو تتبع دلالات بعض الحروف وكيفية توزعها داخل الأبيات، ثم إبراز ما لهذه الحروف من علاقة بالدلالة، وبخاصة في حال تكثيف بعض الحروف دون غيرها، "لأن الخصائص الدلالية للأصوات تأخذ أبعادا مختلفة (سمعية، بصرية، وحتى نفسية)، كما أن الفكرة القوية قد تترجم بأصوات قوية، والفكرة الهادئة بأصوات رقيقة"[xxx]، فضلا على الموسيقى التي يمكن أن تحدثها، وسنركز في هذا الجانب على حروف الهمس والجهر لنرى كيف وظفت في إطار النص، وهل دلت على معانيها مجردة أم خضعت لدلالة السياق؟.

الملاحظ هو استعمال بعض الحروف بصورة مكثفة تلفت الانتباه، كما يتضح في هذا البيت:

من ضيع الوقت استحق المقتا

 

وباء بالوزر وساء سمتا[xxxi]

فهذا البيت الذي جاء على لسان (بوشمال) مخاطبا (الثلاثة)، تردد فيه حرف(التاء) أربع مرات، وحرف (السين) ثلاث مرات، وهما حرفان من حروف الهمس-إلا أن دلالة البيت هي السخط والمرارة والعتاب والاستنكار، ربما لأن طبيعة المهموس أنها تمتاز بالجهد، فهي مجهدة للتنفس لأنها تحتاج أثناء نطقها إلى قدر من الهواء أكثر ممن تحتاجه نظائرها المجهورة[xxxii].

إلا أنها في الأبيات الموالية جاءت معبرة عن الهدوء والمواساة على لسان(الجنان)، في مخاطبته (بوشمال) وهو يمدح فيه الهدوء والرزانة والصبر الجميل.

قد ذقت قبل اليوم ما قد ذقتا
ومن قديم بالذكاء فقتا
لا تحتمل إلا الذي أطلقتا
لو كنت منذ يومين قد أشرقتا

 

لكن وسعت رحمة وصمتا
وليتني أفقت إذا أفقتا
فإن للصبر الجميل وقتا
لقدتنا إلى الهدى وسقتا[xxxiii]

ترددت (التاءات) في هذه الأبيات سبع عشرة مرة، وتليها (القاف) خمس عشرة مرة، وهو حرف مجهور، ومع هذا التقارب في استعماله الحرفين في الأبيات من حيث العدد، إلا أنها جاءت لتدل على الهدوء والمدح لصفات (بوشمال)، وإن كان من العادة أن حروف الجهر تدل على القوة والشدة، لأن الصوت لا يحمل قيمة حقيقة، بمعزل عن تركيبة في سياق ما. [xxxiv]

وقد تردد الصوتان نفسهما في الأبيات الموالية على لسان (الجلالي) مخاطبا (بوشمال) وهو يطلب منه موقفا مناصرا له ولصديقه الجنان ضد الرئيس المجحف، بنبرة هادئة لا تخلو من لؤم ومراوغة:

ما ضر يا أحمد لو أعتقتا
مقدرين كل من وسقتا
ولو فعلت كنت قد أنطقتا
وما ثواب منفس أنفقتا
أو حرة أسيرة أطلقتا
أو بائس عن حاله رققتا
أو قول حق في الملا نفقتا
أجل من عتق لنا حققتا
أصبت في الباب الذي طرقتا
يا زمرة إن باعدوك اشتقتا

 

إخوان صدق بهم التحقتا
من حكم غر وما نسقتا
ألسنهم بشكرها أغدقتا
في طفلة يتيمة أصدقتا
أو والد عن روحه صدقتا
أو دم هدي في منى أرقتا
أو باطل بينهم محقتا
وفتق ما من أمرنا رققتا
وجئت بالبرهان إذ نطقتا
لو كنت عبدا لهم أبقتا[xxxv]

وفي هذه المقطوعة نلاحظ تراوح الحروف المستعملة بين الجهر والهمس، (فالتاء) وردت سبعا وثلاثين مرة، و(القاف) تسعا وعشرين مرة، تليها (الباء) عشر مرات ثم (الحاء)تسع مرات، ومع تراوح الحروف في المقطوعة بين الهمس (التاء والحاء) والجهر (القاف والباء)، إلا أن الدلالة العامة للأبيات هي الهدوء، فالموسيقى ليست إلا تابعة للمعنى، والمعنى يتغير من بيت إلى بيت، على حسب الفكرة والشعور والصورة المدلول عليها، ولا يتلاءم مع هذا التغير أن تكون المساواة في النغم  رتيبة[xxxvi].

وتبرز دلالة أصوات الهمس في هذين البيتين بصورة واضحة، موحية بنفسية (الجنان) وهو يعالج رغيف الخبز بحنان ورقة متناهيتين، فكانت دلالة أصوات الهمس متماشية والسياق، يقول:

أحط فيها بالبنان الخمس
يا حسنها دائرة الشمس

 

إن لها فرقعة كالهمس
لو لم تكن باردة في اللمس[xxxvii]

ما نلاحظه هنا هو تطابق الأصوات مع الدلالة خاصة عندما دعم الوصف بعبارة: (فرقعة كالهمس)؛ وهي تدل دلالة واضحة على الصوت، فضلا عن استعمال (السين) و(الهاء)، وما أعطياه من دلالة الدهشة والابتهاج لملامسة (الجنان) لرغيف الخبز. ومن ورود حروف الهمس في الدلالة نفسها ما جاء على لسان (الجنان) وهو فرح بالحصول عليها، فنجده يبارك التراب-الذي أخرجها والقرطاس الذي لفها، ويقاطعه (الجلالي) ليبارك بدوره الفم الذي يستفها، فيقول:

وبورك الترب الذي أخرجها
وبورك القرطاس حين لفها
وبورك الفم الذي قد سفها

 

وفي خفا أطواره أدرجها
وبورك الخيشوم حين نفها
ولمها الأكل حتى استفها[xxxviii]

فتردد حرف (الهاء) ثمانية مرات، ليعكس دلالة الأبيات المعبرة عن الفرحة والابتهاج.

وتدل حروف الهمس كذلك على القوة والعنف، كما يظهر ذلك في البيتين التاليين على لسان الرئيس:

الخطب خطب فادح
وعرانا في الناس لا

 

والعيب عيب فاضح
تحمله النواصح[xxxix]

فحرف الحاء الذي تكرر في البيتين وهو من الحروف المهموسة أعطى دلالة مغايرة توحي بالقوة، كما توحي بالفضيحة، وغضب الرئيس الذي زاد من تهويل الموقف بتكرار بعض الوحدات مثل (الخطب خطب)، و(العيب عيب)، وهذا له دلالة على قوة الموقف وهوله. كما أن اختيار حرف الحاء رويا، له دلالة الإفصاح عما يدور بخلد الرئيس[xl].

وقد تتنوع الأصوات (الحروف) داخل الأبيات في كلمة واحدة أو تتجاوز في مجموعة كلمات، وتتضافر كلها لإبراز دلالة موحدة، كما سنرى في هذه الأبيات يقول(الجنان):

لا تخشى من نفي ومن تغريب
ذقناك للتمحيص والتجريب
وكنت في التشريق والتغريب

 

فلست بالجاني ولا المريب
فكنت عين الحاذق الأريب
أشطر من جماعة التهريب

الجلالي:

رميتني بدائك الغريب

 

فجئت بالتوبيخ والتثريب[xli]

فقد ورد صوت (الباء) وهو صوت مجهور دالا على القوة والجهر عشر مرات في هذه الأبيات، وحرف (الراء)-وهو حرف تكراري يفيد الاضطراب والحركة-أحد عشرة مرة، مما زاد الأبيات قوة واضطرابا في الموقف.

ومن يقرأ نص "الرواية" يكتشف، لا محالة، نبرة الحوار التي تتراوح بين الصراع حينا، والعتاب حينا آخر، ونبرة السخرية والاستهزاء التي ما ينفك المتحاورون إبرازها خاصة إذا ما أشتد الحوار ووصل إلى أوجه، فهو يتطور وينمو تماشيا مع مضمون الفكرة.

وقراءتنا لهذه الأبيات على لسان"الثلاثة" وهم يراودون الشيخ (بوشمال) للبقاء معهم، تبرز لنا تقلبات المواقف حسب ظروف المتحاورين، فهم يترجونه أن يبقى معهم كي يجد لهم حلا للمشكلة ويكفيهم شر الصراع وسلطة الرئيس وطغيانه كما أن الرئيس بدوره يحاول كسب الطرف الرابع (بوشمال) ليعينه على كل من (الجنان) و(الجلالي) يقول جميعهم:

بتربة الشيخ الرضى قموش
ورحمة المنعم العموشى

 

وبيعة الحبر الجليل موشي
وقائل للشيخ (ما لموشي)؟[xlii]
 

فاستعمال حروف الهمس في هذين البيتين يدل دلالة واضحة على نبرة التوسل والطلب من لدن الجماعة كي يبقوا على (بوشمال) معهم لأنه أملهم في إيجاد حل للمشكلة، فكان حرف (الشين، والتاء، ثم الميم) كلها حروف دلت على دقة الموقف لأن (بوشمال) على وشك مغادرة المجلس دون رجعة وإن كان السياق لا يخلو من سخرية وهزل.

وما لبث الموقف أن ينقلب بتدخل (الجلالي)، فبعد أن طلب من (بوشمال) البقاء معهم حتى يبين لكلامهم معنى ولموقفهم مخرج، حتى صب جام غضبه على (الجنان) و(الرئيس) في هذه الأبيات والتي تعكس الغضب واللوم، بقوله:

ألا جلست واسترحت معنا
ولو دعوتم حاتما أو معنا
لم يحبكم في الدهر إلا لعنا
وفي سبيل الريح ما أذعنا

 

حتى يبين للكلام معنى
وهو من الجود كما سمعنا
ففي سبيل الدجل ما أطعنا
وفي سبيل اللهو ما أضعنا[xliii]

فاستعمال (ألا) في مطلع البيت الأول، ثم (جلست واسترحت)، فيه نبرة هادئة استعملها (الجلالي) مخاطبا (بوشمال)، إلا أنه في الأبيات الموالية تتغير اللهجة ويضطرب الموقف الذي يحمل معاني اللوم والزجر تجاه صديقيه، فكانت حروف، (العين والنون والمدود) كلها توحي بغضب (الجلالي) من صديقيه لعدم تفاهمها. ونظرا لما تحمله لهذه الحروف من معنى الشدة والجهر فجاءت ملائمة للسياق.

وإذا كان الحوار في غالبه يميل إلى الصراع فجاءت الأصوات معبرة عن مواقف شتى (من قوة، ولوم، وسخرية...) تعكس حالات نفسية يفرضها سياق المشاحنات والخلاف القائم بين المتحاورين، فإننا لا نعدم في النص بعض مواقف الهزل والملاطفة ولين الجانب، كما جاء على لسان (الجلالي) في وصفه للشمة والشمامين، وهو بهذا الوصف يوجه كلاما إلى (الجنان) لأنه أحد المولعين بالشمة، يقول:

وكل شمام رأى شماما
كالأصفياء حفظوا الذماما

 

هش له مبتهلا هماما
وتركوا الإغباب والإلماما[xliv].

فهذان البيتان، كما هو ملاحظ، يحملان من ألغاز الهزل والمراوحة ما يلطف الجو بين المتحاورين، وهي ألفاظ لها دلالة صوتية تتلاءم والموقف، مثل (شمام، هش، مبتهلا، أصفياء..) يغلب عليها استعمال حروف الهمس.

وتستمر لهجة الهزل والملاطفة، تعكس مواقف الألفة والصداقة والمجاملة، كما يلاحظ عند (الرئيس) أثناء استدعائه لـ(بوشمال)فيذكره بالفاقة والحاجة، بنبرة مرحة فيها ما فيها من ألفاظ موحية بهذا الموقف الساخر الهزلي، يقول:

والشمع والقهوة والصابون
مطلب كل مفلس مغبون

 

وغيرها من سلعة (الجابون)*
قد زاده هما ضياع (البون)
*[xlv]

فاستعمال ألفاظ مثل: (الشمع، القهوة، الصابون، الجابون، مغبون، البون...) توحي بلطافة الموقف وإن كان السياق يعكس حالة اجتماعية مزرية كان يعاني منها الجزائري آنذاك، كما أن إيقاع الأبيات وروي(النون) يوحيان بنبرة تقترب من الحزن وتعكس شعور المرارة والغبن.

ومادمنا بصدد الكلام عن الهزل، نورد هذين البيتين الذين جاءا على لسان التلميذ الذي دخل على الجماعة وبيده (قرعة شمة)، فيقول:

هدية من رجل براني*
كلفني من بعد ما مناني

 

مثل حمار جارنا الحراني**
بحملها لشيخنا (الجنان)[xlvi]

فهنا تبرز نبرة الهزل والسخرية في البيتين التي أضفت نوعا من اللطف يقرب المستمع أكثر من ذلك الموقف.

ومع ما يحتويه النص من نبرة الهزل والسخرية، فإننا نجده يرقى في بعض المواقف إلى مستوى يدل على قوة وجد يثيران الانتباه، كما جاء على لسان المدير وهو يقول:

وقبل أن تدهمنا القوافي
فتغتدي ربوعنا عوافي

 

بوطأة شرورها ضوافي
تجري بها الروامس السوافي[xlvii]

فالأصوات المجهورة كالقاف والعين والدال[xlviii]،أمدت البيتين بدلالة القوة والشدة، ثم اختيار الألفاظ من مثل: (تدهمنا، القوافي، ضوافي، فتغتدي، عوافي، الروامس، السوافي) أكد معاني القوة والشدة والإثارة التي قصدها الإبراهيمي. وقد يتكثف استعمال حروف الجهر في موقف من مواقف النص ولكنها لا توحي بالقوة والشدة، وإنما تخضع للسياق الذي بثت فيه، كما جاء على لسان كل من (الجلالي) و(المدير)، في وصف النصيحة:

وإنها كالتبر في التراب
وإنها دلالة الغراب
بل إنها كبارد الشراب
أو هي سيف سل من قراب
أو الغواني الخرد العراب

 

وإنها كالكنز في الخراب
وإنها رقرقة السراب
للكبد الحرى من الحراب
لم ينثلم من كثرة الضراب
جلين للعرس على الزرابي[xlix]

"فالذي جعل من هذا النص قطعة من الأنغام الصوتية الغنية بالإيقاع، والجمال الموسيقي الممتع هذه النهايات المتحدة الصوت...فانظر كيف سخر هذا النص فونيم "راب" وكرره عشرة مرات متتالية دون أن يثقل أو ينشز، أو يقلق به المكان قلقا"[l].

التقطيع الأفقي

وإذا كان للأصوات المفردة دور في إبراز موسيقى الحشو من طريق التفاعل المستمر بين التشكيل الصوتي والسياق، وكيف أن السياق قد يوسع مدلول الصوت الأصلي أو يعدله وقد يؤدي إلى تغييره، فيوجه تصورنا له[li]، فإننا سننتقل إلى شكل ثان من التحليل الصوتي والذي سنتتبع فيه ما تحقق في النص من إيقاع ينتجه التساوي والتوازي الصوتيان، وذلك من خلال كيفية توزيع الوحدات الصوتية على الأبيات.

وهذا النوع من التقطيع يقوم على تجانس البنى الداخلية وتشابهها، و"يتمثل في إقامة الشطرين من البيت الشعري على مفردات يناسب تقطيع كل منها في السطر الأول تقطيع نظيره في الشطر الثاني مناسبة تامة أو تنزع إلى أن تكون تامة" [lii] ومما لاحظته في نص الرواية أن هذا التقطيع من حيث التوازي والتساوي لا يلتزم البيت الواحد، بل يتعداه إلى مجموعة أبيات من المقطوعة الشعرية نفسها، فقد يتساوى الشطر الأول من البيت مع الشطر الثاني، وقد يتساوى الشطر الثاني من البيت مع الشطر الأول من البيت الذي يليه، وهكذا يتحقق الإيقاع الذي يميز المقطوعة.

وقد يكون التقطيع ثنائيا، أي ينقسم الشطر إلى وحدتين تقابلان وحدتين في الشطر الثاني، بحيث تتساوى الوحدة الأولى في الشطر بالوحدة الأولى في الشطر الثاني، والوحدة الثانية في الشطر الأول بالوحدة الثانية في الشطر الثاني، وقد يكون التقطيع ثلاثيا أو رباعيا أو سداسيا تتساوى فيه الوحدات موزعة على أشطر الأبيات.

لقد وقفت في النص على أمثلة عديدة تحقق فيها هذا النوع من الإيقاع، الذي أفضى على النص روحا حية ومتقدة[liii]. ثم إن تحقق الإيقاع الأفقي هذا، قد تم وفق نظام معين مما زاد من جماله الموسيقي، وهذا النظام تم من حيث عدد الوحدات الصوتية ومن حيث توزيعها على الأشطر، وقد قسمته إلى أشكال:

الشكل الأول:

يقول:

وما ثواب منفس أنفقتا
أو حرة / أسيرة / أطلقتا
أو بائس / عن حاله / رققتا
أو قول / حق / في الملا/ نفقتا

 

في طفلة / يتيمة / أصدقتا
أو والد / عن روحه/ صدقتا
أو دم / هدي / في منى / أرقتا
أو باطل / بينهم / محقتا[liv]

تم توزيع الوحدات الصوتية في هذه الأبيات على الشكل التالي:

التقطيع الأول:

في طفلة-يتيمة-أصدقتا.

أو حرة –أسيرة-أطلقتا.

التقطيع الثاني:

أو والد-عن روحه-صدقتا.

أو بائس-عن حال-رققتا.

أو باطل- بينهم -رققتا.

التقطيع الثالث:

أو دم هدي- في منى-أرقتا.

أو قول حق-في الملا-نفقتا.

نلاحظ كيف أن توزيع الوحدات من حيث التساوي والتوازي الصوتيين اتخذ شكلا هندسيا منتظما. وهذا التتابع في الوحدات وجرسها ورنين مقاطعها تتكون منه صورة موسيقية يستجيب العقل لداعيها، وينسجم مع التنغيم الذي تحدثه، ويطبع بطابع الصورة السمعية التي تنشأ عن هذا الإيقاع[lv]. فالشطر الثاني من البيت الأول ينقسم إلى ثلاث وحدات في الشطر الأول من البيت الثاني ووحدات الشطر الثاني من البيت نفسه تقابل وحدات الشطر الأول من البيت الثالث، والشطر الثاني من البيت الثالث يقابل الشطر الأول من البيت الرابع، أما الشطر الثاني من البيت نفسه فقد تساوت وحداته مع الشطر الثاني من البيت الأول والشطر الأول من البيت الثاني، وهكذا نلاحظ أن الأبيات اتخذت إيقاعا متميزا أفرزه تقسيم الوحدات وكيفية توزيعها في شكل هندسي عكس نمطا موسيقيا منسجما ومتسقا.

فمن قديم عرف السجال
وكان / في الشعر / له مجال

 

وكان / كالحرب / له رجال
رؤية يغمرها ارتحال[lvi]

ويكون التقطيع:

وكان-كالحرب-له رجال.

وكان-في الشعر-له مجال.

     تقسيم الشطر الثاني من البيت الأول إلى ثلاث وحدات تقابل مثيلاتها في الشطر الأول من البيت الثاني:

لم يحبكم في الدهر إلا لعنا
وفي سبيل / الريح / ما أذعنا

 

ففي سبيل / الدجل / ما أطعنا
وفي سبيل / اللهو / ما أضعنا[lvii]

ويكون التقطيع:                                                                     

ففي سبيل –الدجل -ما أطعنا.

وفي سبيل – الريح-ما أذعنا.

وفي سبيل – اللهو ما أضعنا.

     وهنا نلاحظ التوزيع نفسه، لكن بإضافة الشطر الثاني من البيت الثاني.

الشكل الثاني:

    ويكون التوزيع هنا في البيت نفسه، بحيث يكون توازي الوحدات الصوتية بين الشطر الأول والثاني من البيت نفسه، وتقابل كل وحدة من الشطر الأول وحدة من الشطر الثاني:

الرقص / رقص / (طنقو)
قد ذقته / فآذى

 

والزيت / زيت / (صنقو)
مذ كنت في / (مرنقو)*[lviii]

ويكون التقطيع:

الرقص-والزيت.

رقص-زيت.

طنقو-صنقو.

قد ذقته-مذ كنت في.

فآذى-مرنقو.

     والتوزيع نفسه نجده يتكرر كما في ، قوله:

الخطب               / خطب /         فادح

 

والعيب /عيب/ فاضح[lix]

ويكون التقطيع:

الخطب-العيب.

خطب -عيب.

فادح -فاضح

   فنلاحظ تحقق التوازي الصوتي الذي تحدثه العناصر الصوتية الموزعة بين الشطرين توزيعا متساويا، محدثة انطباعات متماثلة على فترات من الوقت متشابهة[lx]. ويتحقق الإيقاع نفسه في قوله:

وإنها /كالتبر/ في التراب
وإنها /دلالة/ الغراب

 

وإنها /كالكنز/ في الخراب
وإنها /رقرقة/ الشراب[lxi]

ويكون التقطيع:

وإنها – وإنها.

كالتبر- كالكنز            البيت الأول

في التراب- في الخراب.

وإنها - وإنها

دلالة – رقرقة            البيت الثاني

الغراب - الشراب

وفي قوله:

وإنها /من أضيق/ المساكن

 

وإنها /من أخبث/ المراكن[lxii]

ويكون التقطيع:

وإنها-وإنها.

من أضيق- من أخبث.

المساكن-المراكن.

    ونلاحظ في هذا البيت والبيتين السابقين أن الوحدات فضلا عما أحدثته من إيقاع ونبرة موسيقية رائعة، فإنها أمدت دلالة السياق بنغمة توكيدية واضحة خاصة في تكرار وحدة  (وإنها)، وهنا تبرز لنا وظيفة الصوت والإيقاع، فهو ليس مجرد تكرار لأصوات وأوزان تكرارا معينا، "فالتكرار يزيد الشيء المكرر تميزا من غيره وهذا ما يحمل الشعراء... على أن يتخذوا التكرار أداة معبرة بنجاح عن مرادهم"[lxiii].

    والتوازي نفسه يتحقق في البيت الموالي، فهو يحمل نبرة توكيدية يستمدها البيت من سياق الوصف، وهو هنا وصف الرئاسة:

الحر /يعلي/ شأنها

 

والغر /يبغي/ محقها[lxiv]

ويكون التقطيع:

الحر- والغر.

يعلي – يبغي.

شأنها- محقها.

     ويستمر الوصف على نفس الوتيرة، مع الحفاظ على التوزيع نفسه:

يقول:

ما القول /فيمن/ حطها
أو هدها / أو قطها

 

ما القول /فيمن/ دقها
أو شجها / أو شقها[lxv]

ويكون التقطيع:

ما القول فيمن ----ما القول فيمن

حطها --- دقها.

أو هدها---أو شجها

أو قطها---أو شقها.

     وهنا يجري تقسيم الوحدات مجرى ثانيا من حيث عدد الوحدات، فوحدتان تقابلان وحدتين في كل بيت، كما تبرز دلالة هذا التوازي والتساوي في تأكيد النبرة الاستفهامية الاستنكارية. وهكذا يبدو أن نظام التساوي الصوتي قد يتضمن أيضا نظاما للتوازن والتوازي"؛ ومعنى هذا أن كل توازن صوتي كامل يتضمن في الوقت نفسه نظاما خاصا للأجزاء، وتساويا لها وتوازيا من الناحية الصوتية الصرف، وهذه هي مظاهر الإيقاع التي تمثلت لهم في الشعر والفن القولي بعامة"[lxvi].

الشكل الثالث:

    ويكون توزيع الوحدات الصوتية هنا بشكل عمودي بحيث يقابل الشاعر وحدات الشطر الأول من البيت الأول بوحدات الشطر الأول من البيت الثاني، ووحدات الشطر الثاني من البيت الأول تقابل وحدات الشطر الثاني من البيت الثاني، كما في قوله:

نسق /الأمور/ قلائدا
وسق /العظائم/ محملا

 

غرا /فأحسن/ نسقها
خفا /فأجمل/ وسقها[lxvii]

ويكون التقطيع:

نسق----وسق.

الأمور---العظائم.

قلائدا---محملا.

غرا ---خفا.

فأحسن---فأجمل

نسقها---وسقها.

     وبذلك نلاحظ كيف أن هذا التقسيم والتوزيع أعطى البيتين التحاما وانسجاما صوتيين، فجعل منهما تركيبة صوتية جد منظمة.

     وقد يأتي توزيع الوحدات مقتصرا على شطر من البيت الأول يقابل شطرا من البيت الثاني كما في قوله:

فهل أفدي /منبطا/ لم أجن
وهل أزكي /بانيا/ لم يبن

 

من مائة غير سرى وأجن؟
إلا برمل هائر وتبن[lxviii]

ويكون التقطيع:

فهل أفدي----هل أزكي.

منبطا----جانيا.

لم أجن---لم يبن.

وقوله:

إن البروق / كواذب
إن الفخار / معارج
عن العوالم / أفصحت

 

والغيث يظهر صدقها
من يخشها لا يرقها
ووعى الغيالم نطقها[lxix]

ويكون التقطيع:

إن البروق-----إن الفخار----إن العوالم.

كواذب----معارج---أفصحت.

التقطيع العمودي:

    يقوم هذا التقطيع على إقامة الأشطر الأولى من الأبيات على وحدات يناسب تقطيع كل منها في مطلع الشطر الأول ما يليه من الشطر الأول في البيت الموالي بشكل عمودي يلتزم الشاعر فيه تركيبا يفضي إلى ضرب من الإيقاع والتغني كما يفضي إلى دلالة يبرزها تكرار الوحدات تحت نبرة إيقاعية متميزة، "فالإيقاع في الشعر ينطوي على دلالة من نوع ما، فنحن لا ننعم بلذة الإيقاع في السمع والفم وإنما ننعم به كما لو أننا حققنا نجاحا باهرا في التطابق والتلاؤم السارين ما بين الأنغام والمعاني. إن الإيقاع لا ينحصر في الكلام، إنه يلاءم بين الكلمة والمعنى"[lxx].

    وقد تتبعت هذا النوع من التقطيع في نص الرواية فتبين لي أن الشاعر يراوح بين عدد من الوحدات تختلف من حيث دلالاتها اللغوية بعامة والنحوية بخاصة، كعناصر ضمير المخاطب (أنت، أنتم)، وأدوات الاستفهام: (أين، أي، هل)، والتوكيد بأداة النصب (إن)، ثم أفعال الماضي والمضارع (بورك، نصارع)، وكلها عناصر أمدت السياق بدلالات خدمت عنصر الحوار عن طريق التكرار لذلك، فقد عمدت إلى ترتيب الأبيات في التقطيع حسب تكثيف هذه العناصر فكان أن تصدر الاستفهام الترتيب كما في قوله:

وكيف لم تحتط لهذا الأمر
وكيف لم تعقد له معاهده
وكيف لم تبعث لهم سفيرا
وكيف لم ترض بفرض الجزيه
وكيف ترمي فئة قليلة

 

من قبل أن يحرقنا بالجمر؟
بالسلم لا في السر بل مشاهده
يرد عنا الجيش والنفيرا
تدفعها عن ذلة وخزية
ليس لها غوث ولا قبيله[lxxi]

    فهذا التكرار المتوالي للأداة (كيف) مسند إليها (الأفعال المضارعة+لم)، أسبغ على الأبيات نغمة ونبرة استفهامية تبرز دلالة العتاب والاستنكار، ولا تخلو من سخرية واستهزاء، (فالجنان) يوجه كلامه للرئيس بنبرة التجاهل واللوم.

     ولعل تكرار هذه العناصر أبرز الدلالة المقصودة من الأبيات.

    ومن التكرار الموحي بالتهكم والسخرية، قوله على لسان (المدير) مخاطبا كلا من (الجنان) و(الجلالي):

فأين منكم صنعة البيان
وأين ما صرفتهما من زمن
وأين ما تستفرغان فيه
وأين ما ضيعتما من عمر

 

وسرها المودع في الأذهان؟
في جدل مثل المخاض المزمن؟
جهدكما من غرض نبيه؟
في ضرب زيد لأخيه عمرو؟[lxxii]

     تكررت الأداة (أين) أربع مرات في مطالع أربعة أبيات متواليات، فأفرزت إيقاعا يوحي بنبرة تهكمية ساخرة من خلال الاستفهام الاستنكاري، وقد ورد هذا التكرار بشكل عمودي محققا بذلك نغما موسيقيا عن طريق توازي الوحدات(فأين+من)، (واين ما، واين ما، واين ما).

     ومن التكرار الاستهزائي والساخر بأسلوب استفهامي قوله:

وأي شيء هذه السفاسف
وأي علم هذه الألفاظ
وأي فضل للذي يعرف ما

 

حتى يؤود حملها الشؤاسف؟
وكل الأعمار لها حفاظ؟
يغفر كل ناطق به الفما؟[lxxiii]

     فتكررت الأداة(أي+شيء)، (أي+علم)، (أي+فضل)وكلها وحدات ومرات حققت تساويا في التقطيع خدمت الإيقاع العام للأبيات.

    ولم تقتصر دلالة التكرار على السخرية والهزل فقط، بل تعدته إلى مواقف الجد والعتاب، ودائما باستعمال الاستفهام، وهذه المرة باستخدام الأداة (هل) وهو استفهام براد به النفي خاصة في البيت الثاني أن تعين دخول (إلا) [lxxiv].

     فضلا عن الطاقة الإيقاعية والموسيقية، يقول (الجلالي):

فهل أفدي منبطا لم أجن
وهل أزكي بانيا لم يبن
وهل أهني زراعا بما زرع

 

من مائة غير صرى وأجن؟
إلا برمل هائر وتبن؟
من حنظل إني إذا نكس ورع؟[lxxv]

    ففي هذه الأبيات تغيرت لهجة السياق إلى جو من الجد بأسلوب استفهامي استنكاري، تكررت فيه الوحدات (فهل أفدي، وهل أزكي، وهل أهني)، فجاءت موزعة توزيعا حافظ على النغمة الإيقاعية بواسطة تساوي الوحدات. ومثله: على لسان (الرئيس):

فهل ذكرنا فضله علينا
وهل وصلنا رحم الأبوه
وهل نهجنا منهج الوفاء؟
وهل عرتنا الدهر اريحية؟
وهل كتبنا مرة إليه؟

 

وهل شكرنا بره إلينا؟
وهل سلكنا مسلك الفتوة؟
(فإنه من واجب الأبناء)
تبلغه عنا ولو تحيه
رسالة تنفي الأسى عليه[lxxvi]

    فالأداة (هل)تكررت في هذه الأبيات سبع مرات فزادت من أسلوب الاستفهام قوة وأعطت السياق دلالة على اللوم والعتاب، فخيم على الأبيات جو من الحزن والندم عكسه تكرير وحدات متساوية (فهل ذكرنا، وهل شكرنا، وهل وصلنا، وهل سلكنا، وهل نهجنا، وهل عرتنا، وهل كتبنا).

     فجاء الإيقاع في الأبيات إيقاعا متثاقلا أعطى من الحزن والأسى خاصة وأن تكرار (النون) و(المد) زاد من هدوء الإيقاع. فكانت دلالة الحزن واضحة جلية.

     وينتقل النص في العديد من المواقف من أسلوب الاستفهام الاستنكاري واستعمال أدوات الاستفهام وتكرارها، إلى الأسلوب التقريري باستعمال وحدات أخرى كضمير المخاطب (أنت)، كما في قوله:

وأنت لا تمير حتى هره
وأنت لا تقدر أنت تميرا

 

تشبعها من الطعام بره
حمارة تعلفها الغميرا[lxxvii]

وقوله:

وأنت ابن العابد اختصاصي
وأنت من حملة الأقلام

 

تشيم برق الفهم من خصاص
وأنت لا تحسن رسم اللام[lxxviii]

    فجاءت هذه الوحدات في مطالع الأبيات متوازية ومتساوية عموديا تبعث على تأكيد الموقف بنبرة هزلية ساخرة فحافظت على الإيقاع وهو في الحقيقة إيقاع رتيب.

     ويستمر الإبراهيمي إلى نفس الوتيرة، مستعملا ضمير المخاطب (أنتم)، موجها كلامه على لسان (الجنان) إلى كل من (المدير) و(الجلالي) بقوله:

وأنتم مستودع الفضائل
وأنتم النور لهذي الأمة
أنتم سمات الحق في اغفالها

 

وحاملوا تركة الأوائل
فمن ينير أن عرتكم ظلمة؟
وامناء الله في اطفالها[lxxix]

   فتكرر ضمير الجمع المخاطب (أنتم) فجاءت النبرة هنا جدية تحمل معاني الفخر والاعتزاز والمدح من (الجنان) لصاحبيه (المدير) و (الجلالي). فكان توزيع الوحدات توزيعا عموديا قد أعطى إيقاعا خاصا للأبيات خدم أسلوب الإثبات والتوكيد.

      ويستمر الجنان في تأكيد مدحه وافتخاره موظفا بذلك وحدات أخرى، مثل قوله:

وإنما بقاء هذي الأمة
وإنما بقاؤكم بالخلق

 

ما بقيت بفضلكم مؤتمة
ينشق في ضلمائها كالفلق[lxxx]

    بتكرار (إنما) وقد أفادت التوكيد.

    ويصل النص إلى درجة من الإيقاع رفيعة، أفضت إلى ضرب من التغني، عندما يصل الأمر إلى وصف (الرياسة) ومحاسنها على لسان (الرئيس).

وعليهم أن يحسنوا
وعليهم أن يحملوا
وعليهم أن يجنبوا
وعليهم أن يرهبوا
وعليهم أن يفلقوا
وعليهم أن يسحقوا
 وعليهم أن يقتلوا
وعليهم أن يحفظوا
وعليهم أن يجرعوا
وعليهم أن يتبعوا
وعلــــــــــيهم أن يجمع
ـــــــوا

 

تصريفها أو سوقها
ما قد تجاوز طوقها
مالا يلاءم ذوقها
ربا تولى خلقها
رأسا يحاول فلقها
خلقا يسبب مسحقها
برغوثها أو بقها
أبدا عليها رزقها
محض الحياة ومذقها
يسر الأمور ورفقها
بعصا الكياسة مزقها[lxxxi]

وهنا نلاحظ كيف أن استعمال العناصر المتساوية (وعليهم+أن+الأفعال المضارعة) بشكل عمودي تكرر في جميع الأبيات، مما أعطى إيقاعا موسيقيا أفضى إلى نوع من التغني، خاصة وأن أشطر الأبيات جاءت كلها متساوية ومتوازية التقطيع، ثم إن كون الأبيات من مشطور (الكامل) زاد مزن سرعة النبرة وتواليها بطريقة متناسقة وبفواصل زمنية متساوية، الشيء الذي أفضى على المقطوعة حرارة وحماسا بتحرك لهما قلب السامع المتلقي وتتعمق في نفسه معانيها ودلالتها.

وفي الأخير أشير إلى أن النص يحتوي على مواضع أخرى من التكرار لعناصر أخرى يكفي أن نستعرضها، يقول الإبراهيمي:

وبورك الترب الذي أخرجها
وبورك الظرف الذي حواها
وبورك القرطاس حين لفها
وبورك الفم الذي قد سفها

 

وفي خفا أطواره أدرجها
وبورك الماء الذي قواها
وبورك الخيشوم حين نفها
ولمها بالأكل حتى استفها[lxxxii]

وقوله:

يوم (حراب ليس يوم حفله)
يوم كيوم رحرحان الأول
يوم وغى غاسقه قد وقبا

 

ولا ينادي في النزال طفله
(وليس عن غماره من معدل)
كيوم ذي قار ويوم العقبا[lxxxiii]

وقوله:

وعندنا من العصي عدد
وعندنا حجارة بالوادي
وعندنا الشيخ أبو الشمال

 

إن لم تفد  ففي الجبال مدد
وعندنا الأنصار في البوادي
ليث الوغى كمصطفى كمال[lxxxiv]

قوله:

إن الصراع اليوم يا إخواني
إن الصراع اليوم مع طوايا
إن الصراع مع عدو داخلي

 

مع طباع العجز والتواني
قد أقفرت كأنها زوايا
أدخلنا في أضيق المداخل[lxxxv]

ومن تكرار الأفعال، قوله:

نصارع الكفران والجحودا
نصارع الشح والذميم المردي
نصارع التفريط والإضاعة

 

واللؤم والخمول والجمودا
فقد لبسناه كمثل البرد
لواجب يستوجب الإطاعة[lxxxvi]

وأشير في الأخير إلى أن تكرار الكلمة أو الأداة لا يأتي هكذا اعتباطا ولكنه يخدم دلالة في نفس الشاعر قد تختلف باختلاف المواقف و "هذا ما يحمل الشعراء، أو غيرهم ممن يريدون تقرير إحساسهم بمعاني الحياة. على أن يتخذوا التكرار أداة معبرة بنجاح عن مرادهم"[lxxxvii]. ومع أن التكرار في نص الرواية جاء في بعض المواقف رتيبا إلا أنه أعطى إيقاعا ما كان ليتوفر بدونه، ومع ذلك فإن تكرار بعض الوحدات بشكل متواز ومتساو وقد أفضى على النص جوا إيقاعيا وموسيقيا رائعا كما في مقطوعة وصف (الرئاسة).

القافية الداخلية:

إن من "...مظاهر موسيقى الحشو أن تعزز القافية المشروطة بقافية داخلية تختلف مدى وعمقا من مثال إلى آخر فتتوفر في البيت الواحد في مواطن منه مختلفة كما تتوفر فغي بيتين متتاليين أو أكثر"[lxxxviii].

ونظرا لأن النص من النوع المزدوج، أي أن كل بيت يشتمل على قافية تخالف قافية البيت قبله وبعده[lxxxix]. فإن التحليل سيلتزم الاعتماد على البيت المنفرد، وغالبا ما يكون أثر القافية الداخلية خلوا من دلالة واضحة، لكنه من الجانب الموسيقي والإيقاعي واضح.

من خلال تتبعي للنص وجدت أن روي القافية توزع على عدد من الحروف، وإن كان حرف التاء هو الغالب، فقد ارتبط بضمير المتكلم والمخاطب مضفيا على الأبيات نغما إيقاعيا واضحا، كما في الأبيات: ضمير (المتكلم)

فإن أذنت فأدخلا عن عجل
وقد تلطف بحسن القول

 

وإذ سكت فاذهبا في خجل[xc]
حتى جمعت الصاحبين حولي[xci]

ضمير المخاطب:

وأنت لولاه لما عرفتني
لو كنت في زمرتهم دخلتا
لو ذقت ما ذقت من الحلاوة
قد ذقت اليوم ما قد ذقتا

 

وكنت في بعض الزبي جرفتني[xcii]
كرمت في الناس وما بخلتا[xciii]
لزدت عما رتبوا علاوه[xciv]
لكن وسعت رحمة وصمتا[xcv]
 

فالذي نلاحظه في الأبيات هو ورود القافية الداخلية على روي (التاء) الذي جاء إما ضمير متكلم أو ضمير مخاطب فتضافر ذلك مع عنصر الإيقاع، وأما باقي الأبيات فقد وردت في القافية الداخلية، لتخدم الإيقاع دون الدلالة العامة للأبيات، لأن الإبراهيمي ترك لنفسه المجال لإشباع النص بالنغمة الموسيقية التي سايرت الأسلوب التقريري المباشر.

فالذي نلاحظه من توزيع القافية الداخلية، أنه جاءت على أشكال مختلفة:

الشكل الأول: وتكون القافية في مطلع البيت والتزام التصريع، طبعا، ومثاله:

في غرفة تضاء بالنجوم
كاذبة خاطئة المساق
إن بدت كاذبها مختالا
ساقه على المراد مشتمل

 

أو شرفة تقذف بالرجوم[xcvi]
صادقة فيك على اتساق[xcvii]
أو عطلت كان لها محتالا[xcviii]
ولفظه للمعنيين محتمل[xcix]

الشكل الثاني:

وتكون القافية الداخلية مجاورة للقافية الأصلية للبيت، وهو الشكل الغالب، ومثاله:

وسكر من الرمال مجتلب
وفارس العلم نموه عمدا
أحجية جاء بها الرئيس
وكلة شر حره العتاب
وكنت أهلا للجفاء والملام
وتارة تتفقان لغرض
ودمت للحق الصراح عاضدا
فهل ذكرنا فضله علينا
فــــلا بمكــــتوب أزلنـــا كربتــــه

 

ولبن من الجمال محتلب[c]
 لأحمدوش وعدوه الحمدا[ci]
لا يستطيع حلها ابليس[cii]
بينكم فستره المناب[ciii]
ولاحتقار الزملاء والسلام[civ]
وتارة مختلفان لمرض[cv]
ودمت للكفر البواح ناقدا[cvi]
وهل شركنا بره إلينا[cvii]
ولا بوصــله مســــحنا دمعتــــــه[cviii]

الشكل الثالث:

وتكون القافية الداخلية في قلب الحشو، ومثاله:

تشابه المأكول والمقول
وخذه بالعزم على التسجيل
المرتضـى محمـــــد بـــن العابـــــد

 

لديك والمنقول والمعقول[cix]
وبصدور الحكم بالتعجيل[cx]
لا زال فـــي جهــد الشـــقا يكابــــد[cxi]

الشكل الرابع:

وتكون القافية الداخلية مجاورة للقافية الأصلية في الشطر الأول وفي مطلع الشطر الثاني.

ومثال ذلك:

بواجبات اسمها النظام
نعم نعم وموته موتان
نعم لو أن حلقه حلقان

 

قد سنها الأماثل العظام[cxii]
وقوته بين الورى قوتان
وخلقه فيما نرى خلقان[cxiii]

تلكم هي الأشكال التي وردت عليها القافية الداخلية في النص، فأضفت عليه إيقاعا موسيقيا ميز كل بيت عن الآخر نظرا لطبيعة النص الذي هو عبارة عن أرجوزة "مزدوجة". وقد تمثلت النغمة المنتظمة الرتيبة في هذه الأبيات مما يسهل على السامع متابعتها وتمكن المنشد من ضبطها.

وهناك أشكال أخرى جاءت منفردة ولم تتكرر، من مثل:

وأن ينفعنا بحزمه

 

وأريه وحرصه وعزمه[cxiv]

فهذا الشكل تكررت فيه القافية الداخلية فجاءت منسجمة مع القافية العامة للبيت. وهناك أشكال أخرى نذكرها تباعا:

أذلهــــا وهــي العزيــــزة عليــــك

ونالنــــا مــن عطفـــــه وحلمــــه

 

وذمهـــا وهــي الحبيبـــة لــــديك[cxv]

ونالنـــا  مـــن علمـــه وأدبــــه[cxvi]

خلاصة القول، لقد اتخذ النص من بحر الرجز مطية جعلته يدخل في إطار المنظوم من الشعر، والنظم في حقيقته نوع من الشعرلا لأنه ذو وزن وقافية فحسب، بل لأنه في الغالب يتضمن المعاني الشعرية وعناصر الإبداع، وهذا ما عثرنا له على عدة أمثلة مبثوثة في داخل النص، بالإضافة إلى كونه نصا حواريا يقترب من الفن المسرحي، مما أضفى عليه صبغة المباشرة والتقريرية، ومع ذلك فلا نعدم وجود أمثلة تحمل معاني الإبداع ما يرقى بها إلى مرتبة الشعر الحق، فإن النص قد جمع بين تقريرية الحوار المسرحي وشعرية بعض المواقف الانفعالية، فضلا عما أضفته موسيقى الإطار أو الموسيقى العامة المتمثلة في بحر الرجز، وما يحمله من نغمة منتظمة رئيسة من حيث الوزن والقافية، فالوزن تتعاقب فيه الحركة مع السكون، والقافية تأتي مع نهاية كل شطر من البيت، وهذا ما يجعل من الأرجوزة أنغاما كثيرة موحدة وقصيرة يسهل على السامع متابعتها ويتمكن المنشد من ضبطها.

أضف إلى ذلك أن "ظاهرة اللزوم" التي ميزت القافية بعامة كان لها إيقاع مميز أفضى على أبيات النص إطارا موسيقيا منتظما يشبه في وقعه على النفس بصمات موسيقية متساوية في أبعادها ودرجاتها، كما أنه "ينبغي أن يعلم أن لزوم ما لا يلزم لا يجوز أن يحاوله إلا الشاعر المتمكن المالك لناصية اللغة، وإلا فإنه إذا جاء متكلفا كان عيبا فاحشا في الشعر، لأنه يفقد الشعر مزيته في جمال التعبير ودقة التصوير.                                            



[i] رواية الثلاثة، لمحمد البشير الإبراهيمي ، إعداد وتعليق الجلالي بن محمد الفارسي، ص: ب.

[ii] سمير أبو حمدان، الابلاغية في البلاغة العربية، منشورات عويدات، بيروت، باريس، ط1، 1991. ص67.

[iii] أنظر ، إبراهيم أنيس، موسيقى الشعر، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط5، 1981، ص170

[iv] ويسمى كذلك علم الأصوات الفنولوجي ، ويسميه آخرون"علم الأصوات التركيبي" ويسميه الدكتور تمام حسان "علم الصوتيات".

[v] أنظر: إبراهيم أنيس، الأصوات اللغوية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة،ط4،1971، ص5، وعبد العزيز مطر، علم اللغة وفقة اللغة، تحديد وتوضيح، دار قطري بن فجاءة، قطر، 1985، ص ص32 – 33- 39، وكذلك د/عاطف مذكور، علم اللغة بين التراث والمعاصرة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1987، ص ص 101-102.

[vi] د/عبد الملك مرتاض، بنية الخطاب الشعري(دراسة تشريحية لقصيدة أشجان يمانية)، دار الحداثة ، بيروت لبنان، ط1، 1986، ص192.

[vii] أنظر، د/محمود السعران، علم اللغة (مقدمة للقارئ العربي)، دار الفكر العربي، القاهرة، (د،ت)"، ص133.

[viii] د/ تامر سلوم، نظرية اللغة والجمال في النقد العربي، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا، ط1،1983، ص50.

[ix] نفسه، ص320.

[x] توفيق الزيدي، أثر اللسانيات في النقد العربي الحديث، الدار العربية للكتاب، تونس، ط1، 1984، ص77.

[xi] الرواية، ص1.

[xii] أنظر محمد الهادي الطرابلسي، خصائص الأسلوب في الشوقيات، منشورات الجامعة التونسية، 1981، ص23.

[xiii] د/محمود علي السمان، العروض القديم(أوزان الشعر العربي وقوافيه)، دار المعارف، القاهرة، (د،ت)، ص245.

[xiv] الرواية، ص34، القرونة: النفس.

[xv] أنظر:جمال نجم العبيدي، الرجز، نشأته وأشهر شعرائه، مطبعة الأديب البغدادية، 1971، ص61.

[xvi] أنظر: الصاحب بن عباد، كتاب الإقناع في العروض وتخريج القوافي، تحقيق وتقديم، د/إبراهيم محمد أحمد الأوكادي، ط1، 1987، ص120.

[xvii] أنظر:محمود على السمان، العروض القديم، ص51، وجمال نجم العبيدي، الرجز، ص331 وأيضا د/هاشم صالح مناع ، في العروض والقوافي، دار الفكر العربي، دار الوسام، بيروت ط2، 1989، ص ص 141- 142- 143، ومحمود فاخوري موسيقا الشعر العربي، ص69.

* نذكر الصورة التي جاء عليها البحر دون مراعاة للزحافات والعلل.

[xviii] الرواية ، ص3.

[xix] الرواية، ص18.

[xx] نفسه، ص32.

[xxi] ينظر الدكتور محمود علي السمان، العروض القديم، ص ص 169- 170.

-الخزل: إسكان الثاني وحذف الرابع الساكن (اجتماع الإضمار والطب= الخزل).

-الطي: حذف الرابع الساكن. الخبن: حذف الثاني الساكن، الوقص: حذف الثاني المتحرك.

[xxii] د/إبراهيم أنيس ، موسيقى الشعر، ص131.

[xxiii] الرواية ، ص18.

[xxiv] نفسه.

* والرأي عندي أن هذا هو سبب خروج الإبراهيمي عن بحر الرجز، وليس كما يرى الشيخ الجيلالي، من أن الإبراهيمي فعل ذلك ثم تعمد اختيار الكامل المجزوء ليطابق بين الرئاسة في عصره وما آلت إليه من تمزق كالثوب الخلق يلبسه من هب ودب (أنظر الرواية، الهامش، ص22).

[xxv] محمود فاخوري، موسيقا الشعر العربي، ص180.

[xxvi] الرواية ، ص4.

[xxvii] نفسه، ص ص 19- 20، (الودق: المطر).

[xxviii] جمال نجم العبيدي، الرجز، ص58.

[xxix] د/محمود علي السمان، العروض القديم، ص245.

[xxx]Marcel cressot le style et ces Techniques -ed.P.U.F.,Paris 7eme es.1971 P.21.

[xxxi] الرواية، ص40.

[xxxii] أنظر إبراهيم أنيس، موسيقى الشعر، ص32.

[xxxiii] الرواية، ص40.

[xxxiv] أنظر: تامر سلوم، نظرية اللغة والجمال في النقد العربي، ص37.

[xxxv] الرواية ، ص ص 40-41.

[xxxvi] أنظر محمود فاخوري، موسيقا الشعر العربي، ص167.

[xxxvii] الرواية ، ص24.

[xxxviii] الرواية، ص25.

[xxxix] الرواية، ص32.

[xl] أنظر، عباس محمود العقاد، أشتات مجتمعات في اللغة والأدب، المكتبة العصرية، صيدا بيروت، (د،ت)، ص43.

[xli] الرواية، ص43.

[xlii] الرواية، ص40.

[xliii] الرواية، ص40.

[xliv] نفسه، ص26.

* الجابون: هو بلد افريقي معروف.

* البون: رخصة كانت تسلم للسكان من قبل الإدارة الفرنسية يتم بواسطتها تسليم نصيب محدود من المواد الغذائية، وهي كلمة فرنسية(Le bon).

[xlv] الرواية، ص35.

* براني: وهي كلمة عامية بمعنى (غريب).

** الحراني: كلمة عامية بمعنى (الشموس).

[xlvi] نفسه، ص25.

[xlvii] نفسه، ص4.

[xlviii] ابن جني ، سر صناعة الإعراب،1/ 28.

[xlix] الرواية، ص13.

[l] د/عبد الملك مرتاض، خصائص الخطاب في رواية الثلاثة، الثقافة، ص248.

[li] تامر سلوم، نظرية اللغة والجمال في النقد الأدبي، ص ص 44-45.

[lii] محمد الهادي الطرابلسي، خصائص الأسلوب في الشوقيات، ص77.

[liii] أنظر: سمير أبو حمدان، الإبلاغية في البلاغة العربية، ص65.

[liv] الرواية ، ص41.

[lv] أنظر: عبد الحميد حسين، الأصول الفنية للأدب، مكتبة الأنجلو المصرية، ط2، 1964، ص43.

[lvi] الرواية ، ص29.

[lvii] نفسه، ص40.

*مرنقو: حديقة وسط الجزائر العاصمة.

[lviii] نفسه، ص24.

[lix] الرواية ، ص32.

[lx] أنظر: البشير بن سلامة، نظرية التطعيم الإيقاعي في الفصحى، الدار التونسية للنشر، 1984، ص91.

[lxi] الرواية ، ص13.

[lxii] الرواية، ص16.

[lxiii] د/عز الدين علي السيد، التكرير بين المثير والتأثير، عالم الكتب، بيروت ط2، 1986، ص ص 136-137.

[lxiv] الرواية، ص18.

[lxv] نفسه،ص ص 18-19.

[lxvi] -د/عز الدين إسماعيل، الأسس الجمالية في النقد العربي، دار الفكر، بيروت، ط2،1968، ص228.

[lxvii] الرواية، ص21.

[lxviii] الرواية ، ص16.

[lxix] الرواية، ص20.

[lxx] سمير أبو حمدان، الإبلاغية في البلاغة العربية، ص68.

[lxxi] الرواية ، ص ص38- 39.

[lxxii] نفسه، ص11.

[lxxiii] نفسه، ص15، الشراسف:ج شرسوف: البعير المقيد.يغفر: يفتح.

[lxxiv] أنظر: الحسن بن القاسم المرادي، الجنى الداني في حروف المعاني، تحقيق فخر الدين قباوة، ومحمد نديم فاضل، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط2، 1983، ص342.

[lxxv] الرواية ، ص16.

[lxxvi] الرواية ، ص43.

[lxxvii] الرواية ، ص6.

[lxxviii] الرواية، ص11.

[lxxix] الرواية ، ص12.

[lxxx] الرواية ، ص13

[lxxxi] الرواية، ص19.

[lxxxii] الرواية ، ص25.

[lxxxiii] الرواية ، ص38.

[lxxxiv] الرواية ، ص39.

[lxxxv] الرواية، ص41.

[lxxxvi] الرواية ، ص ص 41- 42.

[lxxxvii] عز الدين علي السيد، التكرير بين المثير والتأثير، ص ص 136- 137.

[lxxxviii] محمد الهادي الطرابلسي، خصائص الأسلوب ف الشوقيات، ص80.

[lxxxix] أنظر، إبراهيم أنيس، موسيقى الشعر، ص138.

[xc] الرواية، ص2.                               

[xci] الرواية ، ص36.

[xcii] الرواية ، ص6.

[xciii] الرواية ، ص27.

[xciv] الرواية ، ص10.

[xcv] الرواية ص40.

[xcvi] الرواية، ص1.

[xcvii] الرواية ، ص29.

[xcviii]الرواية ، ص34.

[xcix] الرواية ، ص6.

[c]الرواية ، ص1.

[ci] الرواية ، ص8.

[cii] الرواية ، ص11.

[ciii] الرواية ، ص13.

[civ] الرواية ، ص10.

[cv] الرواية، ص33.

[cvi] الرواية ، ص37.

[cvii] الرواية ، ص43.

[cviii] الرواية ، ص44.

[cix] الرواية ، ص24.

[cx] الرواية ، ص9.

[cxi] الرواية ، ص1.

[cxii] الرواية ، ص3.

[cxiii] الرواية، ص14.

[cxiv] الرواية ، ص23.

[cxv] الرواية ، ص28.

[cxvi] الرواية ، ص43.