تمظهرات السيرة الذاتية في الرواية الجزائرية pdf

" طيور في الظهيرة " , " البزاة " لمرزاق بقطاش نموذجا

الاستاذة: حليمة بولحية

قسم الادب واللغة العربية

جامعة 20 أوت 1955 سكيكدة - الجزائر

Résumé

           Self-écriture sont l'un des plus éminents productions exceptionnelle discours de pérenniser une culture de communication efficace et façon productive fondée sur l'ouverture et sa franchise, qui comprenait diverses formes et plusieurs types. Mais biographie est le plus célèbre, où ils ont rencontré attention un Occidental jusqu'à devenir des genres littéraires autostables ses normes et les conditions de l'art, un sous stylos arabes plus tard, après leur vulnérabilité aux réalisations occidentales. Il commençait à être timide roman maillé été pour répondre à la réalité et de l'imaginaire dans un nouveau modèle appelé biographie roman, l'Algérien a été abordée dans le roman, où il ouvrait l'accès au monde imaginaire de chaque auteur.

الملخص:

تمثل الكتابة الذاتية إحدى ابرز الانتاجات الخطابية المتميزة لتكريس ثقافة تواصلية فاعلة ومثمرة بطريقة مبنية على المكاشفة والمصارحة ، تضمنت أشكال مختلفة وأنواع متعددة. لكن تعد السيرة الذاتية أشهرها، حيث لاقت اهتماما أدبيا غربيا حتى أصبحت جنسا قائما بذاته له معاييره وشروطه الفنية، لتتداوله الأقلام العربية فيما بعد، بعد تأثرها بالمنجزات الغربية. وكانت بدايتها خجولة إلى أن تم مزجها بالرواية ليجتمع الواقع والمتخيل في قالب جديد سمي برواية السيرة الذاتية ، وقد تناولته الرواية الجزائرية ، حيث كان افتتاحية الولوج إلى العالم المتخيل لكل كاتب.

أما السؤال المطروح هنا هل تناولت الكتابة العربية والجزائرية خصوصا هذا الفن بنفس الصراحة والصدق في الكتابة الغربية، أم اتخذت من المتخيل حجابا تتخفى وراءه ؟ .

الموضوع:

خضعت الحياة الأدبية مع توالي الحقب الزمنية لاعتبارات نقدية صنفت أدبها إلى أدب جيد و أدب رديء، وما يحكم هذه الاعتبارات غالبا معيار الأدبية، لذا يستخف الناقد بكل نص لا يحققها، ويضعه خارج الأدب الاحترافي. وتعد الكتابة عن الذات إحدى الأنواع التي لاقت إهمالا وتجاهلا واحتقارا، لأنها تكتب لإثارة القارئ وإمتاعه بمغامرات وحكايات و أحداث من صلب الواقع، ولا تتضمن أي بعد استيتيكي ( جمالي ) -كما لو أنها عديمة النص أو اللانص أو نص مُفرغ-، لدُنو مستواها الأدبي إلى جانب صعوبة تحديد جنسها ومنزلتها الأدبية، لأنها أدب العامة، فالكتابة عن الذات ديمقراطية، كل إنسان يجرأ عليها وله القدرة على البوح بما تستضمره هويته من حقائق  وأسرار واستيهامات فهي له، سواء كان سياسيا أو اقتصاديا، محاميا أو أديبا، مغمورا أو مشهورا، والكتابة عن الذات أنواع تتداخل فيما بينها، لا يستطيع الناقد تمييزها أو تصنيفها، لكن أهم ما يجمعها هو الصدق الفني، والرغبة التي تنمو في الذات الكاتبة وتحث صاحبها على تدوين وفضح المعاناة من شتى ضروب الحيف والتعسف والتهميش التي وصلت إلى أقصاها وفاضت بها نفسه، لتأمر القلم بالقول بما لم يستطع اللسان البوح به في مسودات ربما تُعرف ذات يوم وتنشر ويذاع صيتها، و يصبح قائلها بعد ذلك معروفا لدى القارئ، حتى وإن كانت نيته عند الكتابة عن خلجات ومكنونات نفسه و أسرارها، تحقيق نوعا من الارتياح بعد ذلك الاستفراغ النفسي أو الاستفراغ المكبوتاتي، فالشهرة تأتي من قصد أو بدون قصد، غير أن مثل هذه النصوص أو الأنواع ظلت خجولة مهمشة بعيدة عن الساحة الأدبية، خربشات عرفت طريقها إلى إحدى هذه الأنواع الذاتية: اليوميات( journal intime )، المذكرات(mémoires)،الاعترافات(confessions)، التراجم (traductions)، السيرة(Biographie)...،بدأت تحظى السيرة بالاهتمام في الدراسات الغربية، خاصة و أن الدراسات في خضم الثقافة المعاصرة أصبحت تهتم بالفنون المركزية، فيما يعرف بالأدب الهامشي أو الموازي (para littérature)، وهذا يعني إعادةالاعتبار لما يكتبه المرء عن ذاته، كما أبرزت إمكانات تشخيص التجربة الذاتية من زوايا وخلفيات متنوعة، وللكتابة عن الذات أسماء أخرى منها: الأدب الشخصي (littérature personnelle)، أو الكتابة عن الأنا (écriture du moi)، أو الأشكال السيرية (formes biographiques).

لاقت السيرة الذاتية - كما ذكرنا سابقا – النصيب الأكبر من الرعاية الأدبية والنقدية، لتصبح في مرحلة متأخرة جنسا قائما بذاته، اتجهت نحوه الأقلام الأدبية الغربية و أبدعت فيها ومزجتها مع أجناس أخرى، ثم انتقل الاهتمام إلى الساحة الأدبية العربية بعد التأثر و الإعجاب بهذا الجنس الجديد الفاضح لعيوب الذات والمُعري لحقيقة الإنسان،غير أن الكتاب العرب، و بحكم التقاليد العربية التي تميل إلى التكتم والتستر والطابوهات التي تحكم المجتمع العربي، آلت دون الانغماس في هذا النوع، والكتابة فيه بكل جرأة وصدق دون الأخذ بالاعتبار لأي سلطة انطلاقا من سلطة النفس ذاتها، واكتفت الأقلام العربية أو الراوي العربي بتدوين سيرته الفكرية ومشواره العلمي منذ عهد الطفولة إلى وقت كتابته، مرورا بمراحل حياته والصعوبات والعراقيل التي واجهته لتحقيق ما وصل إليه الآن، خاصة الظروف الاجتماعية، ولعل أول من استوفى جميع عناصرها الفنية في الأدب العربي الحديث طه حسين في كتابه ( الأيام ) (1926)، لتتوالى بعده النصوص معجبة ومتأثرة ومقلدة له مثل: ( أنا )لعباس محمود العقاد، ( حياتي ) لأحمد أمين، ( سبعون ) لميخائيل نعيمة.

إنها نصوص تأسيسية، تمهيدية لهذا النوع، انفجرت فيما بعد بطريقة مغايرة و أسلوب مختلف عن تلك السير الفكرية القديمة – كما أسميها – إلى سير موازيةلنظيرتها الغربية، فظهر كتاب قادهم تيار هذا الجنس الجديد وشروطه اللادغة إلى بعيد، فكسروا الحواجز، وحطموا قيما عربية ضاربة في القدم متجذرة في أصالتها المتينة القُحة، في سبيل الاستيفاء بشروط السيرة الذاتية وتحقيق مطالبها في الكشف والفضح والمصارحة، ليعد محمد شكري في (الخبز الحافي )– في نظري – أول من كتب سيرة ذاتية بحق، واجه الطابوهات والمسكوت عنه، وتجاوزها أو تحداها ليكتببكل صدق وعفوية، بكل جرأة ولا مبالاة، قصة حياته بجُلَ فضائحها و معاناتها معاناة الفقر والجوع، ومعاناة سلطة الأب القاهرة التي جعلت منه إنسانا متوحشا فكريا، قاهرا للحياة ومآسيها ولأبوة متمردة أفرغها في أوراق بلغة بديئة همجية، لكنها تعبر بصدق عن محمد شكري الحقيقي المهمش، مدمن الحانات، كثير النزوات، لتدفعه روايته إلى الشهرة والبروز بعد تحد كبير، لكنه واجه عيونا لادغة نهشته من كل جانب، لكن تظل هناك عيونا معجبة بجرأته وقوته التي لم يستطع غيره فعلها، إنه – بحق – بغض النظر عن ألفاظه البديئة يعد أول من كتب سيرة ذاتية بما هي معروفة عليه عند الغرب وبكل خصائصها.

نعلم أن كل محاولة أدبية في الكتابة ( نثرية أو شعرية ) تتبعها محاولة نقدية لإرساء القواعد و الأسس لها، لذا لم يخلو هذا الجنس الجديد المرن من هذه المحاولة أو التنظير النقدي، والبداية دائما غربية حيث نجد " فيليب لوجون " من أكثر المهتمين به في كتابه ( السيرة الذاتية، الميثاق والتاريخ الأدبي ) إذ نجده أعاد نقد ما كتبه في كتابه ( الميثاق الأوتوبيوغرافي ) في مقدمة كتابه السابق، وحاول وضع تعريف جديد لهذا الجنس ( حكي استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص وذلك عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة )(1).، ثم اشترط خاصيتين تميزانه هما: الميثاق والتطابق، ومن ناحية أخرى ميز بين السيرة الذاتية ورواية السيرة الذاتية، وقبل ذلك طرح الموضوع كسؤال ليجيب بأنه لا وجود لأي فارق ، لكن بشرط إذا بقي القارئ على مستوى التحليل النصي فلن يعثر على أي فرق لأن كل الأساليب التي تستعملها السيرة الذاتية تستعملها الرواية، وقد قلدتها في كثير من الأحيان كما قال، خاصة و أن الدراسات تضم صفحة الغلاف، وبالتالي سيتحقق شرط التطابق الذي يجب توفره في السيرة الذاتية، وهنا يؤكد على أهمية العقد؛ عقد مشابهات لتأكيد التطابق في حالة التخييل الطاغي على النص، وإن لم يرغب المؤلف في ذلك.

لم نعرف في الثقافة العربية كتابا عن السيرة قبل كتاب إحسان عباس ( فن السيرة ) 1956 ولم يول اهتمام يذكر بهذا النوع الأدبي إلا ما جاء في الفصل الذي خصصه عبد الرحمن بدوي للسيرة الذاتية في كتابه ( الموت والعبقرية) 1945، إلا أن إحسان عباس يعد أول ناقد عربي يقف على أصول هذا الفن وقواعده وعن جذوره في التراث العربي والغربي، فكتابه كتاب تأسيسي له مقدرة فذة وبصيرة نافذة قدَم من خلالها جملة من النظرات النقدية والتأملات الفلسفية العميقة التي جعلت منه عملا نقديا مهما وحافلا بالأفكار الجديدة رغم قدمه، ففي تعريفه لهذا النوع قال بأنه: ( تجربة ذاتية لفرد من الأفراد، فإذا ما بلغت هذه التجربة دور النضج و أصبحت في نفس صاحبها نوعا من القلق الفني فإنه لا بد أن يكتبها )(2)، فهذا الوعي النقدي لا يقل أهمية عن الكتب النقدية الغربية التي اهتمت بهذا الفن.

أدى التطور الفني للسيرة الذاتية إلى ارتباطها بالرواية التي لم تنشأ من العدم، و إنما نشأت في محض التجارب الذاتية؛ حيث يستعيد الكاتب تجربته الشخصية ويمزجها بالجانب التخيلي فيصوُغها صوغا فنيا يتناسب مع متطلبات السرد، لينشأ نوعا جديدا سمي رواية السيرة الذاتية.وعادة ما يكون هذا النوع الجديد أول ما يستفتح به الكاتب مشواره الروائي، ليكون له عونا على انفتاح قريحته في الكتابة، وقد وجد فيها الكتاب العرب عموما والجزائريون خصوصا ملاذا لبداية مشوارهم الفني، حيث غذت ( الرواية الجزائرية في معظمها، إن لم تكن كلها روايات مادتها الأساسية سيرة الكاتب الذاتية في صورة واقع يتم الانفصال عنه تدريجيا و التحليق في عالم الخيال الأرحب، ثم العودة إلى هذا الواقع ثانيا للانفصال عنه مرة أخرىو هكذا )(3)، ومن بين الروائيين الجزائريين الذين وظفوا سيرهم الذاتية في كتاباتهم مرزاق بقطاش في (طيور في الظهيرة) و ( البزاة ) – وهما جزءان لرواية واحدة - ، تبعا للمقولة القائلةبأن " معظم الروايات الأولى هي سير ذاتية "، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل ثنائية بقطاش الروائية سيرة ذاتية؟ وهل استوفت شروط السيرة الذاتية؟ وإلى أي مدى تتطابق مع الواقع؟ وما موقف السارد ورد فعل المتلقي؟ وبصيغة أخرى: هل أثر مرزاق في المتلقي وحمله على تصديق أقواله، وبالمقابل هل تفطن القارئ لمناورات الروائي أم وقع ضحيته، فكذب ما هو حقيقي وصدق ما هو وهمي؟.

تتطلب الإجابة عن هذه الأسئلة الاعتماد على ما أقره فيليب لوجون في دراسته، أي الخصائص التي وضعها للكشف عن السيرة الذاتية التي تختفي تحت جنس الرواية، وقد حددها في  الميثاق والتطابق.

1- الميثاق:يوجد ميثاقين:

الأول:الميثاق الروائي: أي الإعلان الصريح بالتخيل، وقد تضمنته الثنائية حين حملت على غلاف الكتاب علامة أجنسية ( رواية ) مصاحبة للعنوان ليعلن فيها بقطاش للقارئ منذ البدء أن مايتلقاه مجرد تخيل لا غير.

الثاني: ميثاق السير الذاتي:وقد اعتبره لوجون مقياسا لتحديد طبيعة نص السيرة الذاتية، وهذه الأخيرة مبنية على الثقة، أي أن النص يجب أن يضمنه كاتبه اعتذارات وتوضيحات ومقدمات وإعلان النية، وهذه كلها إنما هي شعائر لإيجاد اتصال مباشر، لذلك تأتي أهمية الميثاق في كونه نوعا من العقد يبرمه المؤلف مع القارئ يتم بموجبه تحديد نوع القراءة(4)، وقد يأتي مباشرة أو ضمنيا في بداية النص أو نهايته أو يرد أحيانا مبثوثا يتخلل النص.

لا نجد في ( طيور في الظهيرة، والبزاة ) ميثاقا صريحا وعهدا يعلن فيه الكاتب عن نيته في ترجمة حياته وحياة عائلته، لكن نجد إشارات تشبه الميثاق تظهر في ثلاثة مواضع:

1- العنوان:  يشكل العنوان عنصرا أساسيا في النص لتعدد وظائفه، فهو بؤرة تشويقية للقارئ ومفتاح يساعده للولوج إلى عالم النص، إلى جانب هذا يعتبر من الثوابت المهمة لجنس رواية السيرة الذاتية، الذي يوحي بأن كاتبها يروي قصة حياته، ومن المعروف في عالم العنونة أنه إذا كان اسما فمن المفضل أن يكون نكرة ليترك للقارئ مجالا للبحث عن تحديد اللامحدود وتعيين اللامعين. 

تنقسم " طيور في الظهيرة " إلى اسمين:

جاءت الأولى " طيور " نكرة وغير محددة بنوع معين، رامزة إلى الأطفال الجزائريين و الإسبانيين، فالأطفال بالسليقة لا يعرفون معنى العداوة، والبراءة تسير في أجسادهم، فالجنسية غير مهمة، والحدود سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو جغرافية ممحية، المهم أن يكون الطفل «واحدا من أطفال الحي وكفى »(5).

ووردت الثانية " الظهيرة " معرفة لتدلعلى وقت محدد دون غيره، وقت تكون فيه الشمس وسط السماء ساطعة، اختاره مرزاق لأن فيه مزايا تخدم الطيور ( الأطفال )، ففيه يكون الغذاء، والتوقف عن العمل وبالتالي الراحة، وأيضا القيلولة، وتقل الحركة في الشارع خاصة في فصل الصيف، وهذا مناسب للأطفال فبعد يومهم المتعب الشاق طبعا في اللعب لأنهم «يبدءون ألعابهم في الصباح الباكر »(6) يتفرقون في هذا الوقت، ويتجه كل واحد منهم في حال سبيله لإزالة تعبه.وكانت طريقة مراد الاستلقاء « استلقى مراد و أمقران على الحشائش الطفيلية التي تنبت على جانبي الدرب، شمس الظهيرة كانت ساطعة، تبعثها على الفتور»(7).

اختيار مرزاق لهذا العنوان لم يكن عبثا إنما نابع من ذات دارية بخبايا نفوس الصغار في تطلعها إلى الأجواء الحرة التي يسودها الهدوء والطمأنينة، هذا الإحساس و الأمل لا يدركه إلا من عاش تلك الفترة بالذات، عاشها بقطاش، وأعادها لنا من خلال الطفل مراد، فهو لم يكتف بذكر سيرته فقط، و إنما أدمجها في الجماعة لتتجاوز الذات وتقع في صلب النحن ( الوطن ).

قطع الروائي الطريق و اقتصرها على القارئ، في عنوان الجزء الثاني من الرواية، حين قام بتعريف " البزاة " ليبين أن المقصود فئة معروفة لدى القارئ نفسه و هم أطفال الجزائر، من نمى وعيه فقط، وقد اقتصرت الرواية على الطفلين مراد ومحمد الصغير، اللذين خرجا من عالم الطفولة عقلا وتفكيرا وأصبحا ناضجين «إلى جانبه – مراد – يقف محمد الصغير صامتا، يرنو إلى البحر بعينين ساهيتين، وترتسم على ملامحه دلائل الحيرة، إنها بالطبع حيرة لا صلة لها بعوالم الطفولة »(8).

إنه نضوج مبكر و وعي بالظروف المحيطة و إدراك بالمسبب فيها و رغبة في القضاء عليه، و أمل في التغيير من قبل بزاة صغار، كيف لا و الباز يرمز إلى العلو والشموخ والقوة، حيث يطمح الطفلان إلى غد أجمل يُعلى فيه شأنهما، يتوق محمد الصغير إلى أن يصبح كهربائيا، و يطمح مراد في أن يكون معلما.

2- الإهداء: يمثل الإهداء بوصفه عنصرا من العناصر الموجهة للنص السير الذاتي عتبة نصية مهمة تسهم في إضاءة النص، و تشير بشكل مباشر و لاسيما في نص يمثل سيرة الكاتب الذاتية، لأن الإهداء هنا لو كان على أي عمل إبداعي آخر مثل الرواية أو القصة لما كان بهذه الأهمية التي نجدها في النص السير ذاتي، لأنه في العمل الروائي يحيل إلى خارج النص، فيحين أنه في العمل السير ذاتي يحيل إلى داخل النص ويعمل على توضيح بعض جوانبه(9).

نلتمس هذا الإهداء المتقدم في " طيور في الظهيرة "« إلى المغفور له والدي، كان أميا و لكنه علمني أن أقدس العربية »، حيث قدم لنا مرزاق من خلاله تداخل بين ذات الأب الحقيقية و بين الأب المتخيل لمراد، ليبرز في أمية كل منهما، يعترف مراد في وسط الرواية بأن « والده لا يعرف حتى كتابة اسمه »(10).، و يؤكد ذلك في نهاية الرواية« في بعض الأحيان يصحب معه عددا من الصحف لكي يقرأها مراد على مسامعه، وهو يعلم جيدا أن والده لا يحسن القراءة ولا الكتابة »(11).

رغم أميته إلا أنه أحب لغته كثيرا و أراد من إبنه تعلمها، حيث أرسله إلى المدرسة التي تعلم اللغتين العربية و الفرنسية وبذلك « أصبح الوحيد الذي له القول الفصل في مسائل اللغة العربية بين أطفال الحي»(12)..

ارتبط كل من الأب الحقيقي و المتخيل بالواقع و الوطن عن طريق حب اللغة العربية و تقديسها عند أب بقطاش، وحب اللغة العربية هو جزء من حب الوطن الكبير الذي يعشقه أب مراد و يقدسه.

3- المقدمة: صرح بها الطاهر وطار في مقدمة الرواية، حيث نفهم من ثنايا كلامه أن مرزاق بقطاش كتب عن حياته وهو متفق معه و اعتبر كل حياة « لا تعبر بذاتها عن نفسها...و هذا التعبير إذا لم يكن صادقا واعيا لا يكفي»(13).

يقر وطار بأن البحث عن أسباب نجاح عمل أدبي ما، إنما هو بحث في قدرة الكاتب على رسم الواقع بصورة جمالية تلامس صورتها الأصلية مع مسحة فنية للخيال، ومن جهة ثانية يؤكد أن على الروائي كتابة حياته بنفسه حتى تستفيق مشاعره و عواطفه،فيسترجع حوادث خلفت أحاسيس في نفسه و يرجع بفكره و خياله إلى ذلك الزمان ليعيشها مرة

ثانية، و بالتالي يكون صادقا فيما يكتب، و هذا ما فعله مرزاق بقطاش عندما استحضر طفولته.

2- التطابق بين المؤلف و السارد و الشخصية:

 يمثل التطابق الشرط الأساسي الثاني عند لوجون حيث يعد بعدا إجرائيا حاسما للكشف عن درجة اشتراك المؤلف في نصه« فلكي تكون هناك سيرة ذاتية يجب أن يكون هناك تطابق بين المؤلف والسارد والشخصية »(14)، ويظهر هذا التطابق واضحا جليا في النصوص التي يصرح فيها صاحبها بأنها سيرة ذاتية، أما الكتاب الذي يحمل إشارات تؤكد أننا بصدد تخييل فتوجه القارئ منذ البدء على تلقيها باعتبارها رواية، غير أن القارئ العارف بحياة الكاتب يجد نفسه أمام نص من تلك النصوص التي يصفها فيليب لوجون« بالنصوص التي يعثر فيها على التشابهات وعلى التطابق بين المؤلف و الشخصية في حين أن المؤلف اختار أن ينكر هذا التطابق أو على الأقل اختار أن لا يؤكده »(15).

تعرف السيرة الذاتية بضمير المتكلم ( أنا ) الذي يحيل  على الذات مباشرة، و يصهر كل من الراوي والكاتب في بوتقة واحدة. كما يمكن أن تروى بضمير الغائب ( هو ) فيتم التطابق بطريقة غير مباشرة، و ذلك بإقامة المعادلة المزدوجة التالية: 

المؤلف = السارد،   و المؤلف = الشخصية،  إذا   السارد = الشخصية.

رغم تعمد بقطاش في ثنائيته " طيور في الظهيرة " و " البزاة " استخدام ضمير الغائب ليوهم القارئ بأن نصه سيرة غيرية على الأقل إن لم يرض القارئ بأنها رواية، ليؤكد الانفصال بين من عاش القصة (البطل) و من يسردها (الراوي).لكن يتضح أن قصة مراد الشخصية الرئيسية تتقاطع في الكثير من المواطن مع سيرة الكاتب، حيث يحملان الكثير من السمات المشتركة بينهما:

1- الاسم: يشتركان في الحرفين الأولين الميم و الراء ( مراد – مرزاق ).

2- المولد: نشأ كل منهما في حي باب الواد بالعاصمة.

3- العمر: عمر مراد في الفترة التي تؤرخ لها الرواية هو نفس عمر مرزاق في ذلك الوقت ( 12 سنة 1957 ) ومراد النموذج المتميز بين أترابه و أبناء حيه و زملائه في الدراسة، هو مرزاق الكاتب يوم كان صغيرا و كان يشعر بالفارق بينه و بين الآخرين، و ذلك شعور الكاتب في مختلف مراحل حياته(16).

4- المطالعة:نشأت فيهما غريزة حب القراءة، و الشاهد على هذا الحب الأم:

أ- أم مراد:« بدأ الحفظ وهو لا يتجاوز ثلاث سنوات من العمر على حد ما قالته أمه »(17)

ب- أم مرزاق: صرح بقطاش في الحوار الذي أجراه معه عبد العالي رزاقي: « أمي تقر بمدى العلاقة بيني و بين القراءة منذ نعومة أظافري – الثالثة من عمري – و مازالت تحدثني عنها إلى يومنا هذا ».

5- عشق الخط العربي: يتوازى لدى مرزاق حب اللغة العربية و كتابتها حين يستعمل كلمة ( يخط ) ليؤكد على عشق هذه اللغة و الرغبة في كتابتها ليتفنن في تزيينها بمختلف الألوان الرامزة:

أ- في الرواية: « تناول قلما أحمر... قرب القلم من شفتيه و جعل يضغط على طرفه بأسنانه، و سرعان ما إلتمعت عيناه، فانحنى على الكراس ليخط عليها »(18).

ب- في الواقع: قال في حواره مع الصحفي عبد العالي:« أنا أعشق الخط العربي، و وراء هذا الخط أشكال، وكتل وأحجام و تناغم هندسي، و لذلك عندما أكتب باللغة العربية استخدم القلم، و أمامي على الطاولة العشرات من الأقلام المختلفة من شتى الأحجام ».

6- الثورة: عاشا ( البطل، الكاتب ) الثورة في مدينة الجزائر و تأثرا بأحداثها و شاركا فيها – على حسب الدور- ، رغم أن الكاتب جعل راويا يسيَر الأحداث و يقدم القص و الوصف و يطلع على ما ستقوله الشخصيات بصيغة الغائب، إلا أن مدى مصداقية هذه الأحداث من واقع تاريخ الثورة، يجعل الثنائية الروائية مطابقة تماما لما جرى أو مشابهة لما جرىأثناء الثورة، وهي بعيدة عن الخيال. ومن ثم فإن المعطيات توحي بتقمص الكاتب شخصية البطلوحلوله في شخصية الراوي، ليروي لنا عن نفسه و تجاربه وقد استطاع أن يرسم صورة إنسان أو أناس ثوريين(19).

نستنتج مما تقدم أن الثنائية الروائية تستوفي الشروط التي وضعها فيليب لوجون، و إن كان هذا الاستيفاء بصيغة مباشرة أو غير مباشرة فإنها ترتفع إلى درجة احتمال أن تكون سيرة ذاتية لمرزاق بقطاش، و من جهة ثانية امتزاج الواقعي بالمتخيل أو السيري بالروائي يقف دون تحديد نسبة المطابقة مع الواقع، و هذا ما يتطلب عناصر أخرى تظهر فيها شخصية بقطاش في الرواية لتتطابق مع البطل، و إن كان بضمير الغائب الفاصل بين الراويوالشخصية، إلا أن حالة الإتحاد و التوحد تظهر من خلال:

1- الذاكرة: ترتبط السيرة الذاتية بالماضي، و هذا الإرتباط إنما هو ارتباط الكاتب بماضيه، لتكون لحظة الكتابة لحظة استذكار و استحضار و بوح بالمدفون بكل العواطف و الانفعالات التي كانت في زمنها البعيد، ولعل أشد الذكريات التصاقا بالنفس ذكريات زمن الطفولة ، وهذا ما حمل مرزاق على استرجاع مرحلة الطفولة، لتكون الذاكرة فيها على نوعين: نفسية ومكانية.

أ- ذاكرة نفسية: وهي المتعلقة بالعواطف و الانفعالات، حيث توجد أحداث مهمة في هذه المرحلة لم تغادر ذهنه ونقشتفي ذاكرته، من بينها الطريقة الشنيعة التي قتل بها البطل عبد الرحمن، ذلك الشاب الشجاع الجريء، لم يعرفه مراد إلا في فترة قصيرة عندما أمره بحراسته، إلا أنه أحبه كثيرا و لم يستطع نسيانه، حتى أن الراديو الذي ساعد محمد الصغير في صنعه قرر أن يهديه إلى المجاهدين إكراما لروحه « و ضرب كفا بكف و هو يتذكر عبد الرحمن الذي صادفه ذات يوم في عين المكان، ثم توقف تحت شجرة زيتون صغيرة لا يجرؤ على الدخول إلى الكوخ، ووجد نفسه يعقد العزم على مواصلة العمل لإنجاز الراديو جالينيه إكراما لروح عبد الرحمن »(20). فظل هذا بمثابة هاجز له، فكلما تفكر الراديو تفكر عبد الرحمن، و الوعد الذي قطعه على روح الشهيد.

تخون الذاكرة الكاتب – عادة – في استرجاع بعض التفاصيل فيلجأ إلى أطراف مساعدة كاليوميات و المذكرات، والتي قد يذكرها في سيرته باعتبارها مصدره الخاص للاسترجاع، غير أن مرزاق لم يكن في سن و ظروف يسمحان له بتدوينها، فلم يجد إلا أمه أقرب الناس إليه معينا له على التذكر، خاصة ما ترسب عندها من أجمل الذكريات إذ تقول عنه: « و ما كاد يبلغ السادسة حتى كان قد تعلم الحروف الأبجدية كلها، و حفظ حزبين من القرآن، أما الأناشيد فقد كانت ترسخ في ذاكرته بمجرد سماعها »(21)،إنها ذكرى رائعة يستحيل نسيانها، ومن ناحية أخرى إشهاد منها بأن ابنها يتمتع بذاكرة قوية وسرعة الحفظ.

لا يرد استرجاع الذكريات متسلسلا كما في الواقع و إنما يتصرف فيه السارد بحرية معتمدا على مبدأ الانتقاء حيث « تهدم و تبين حسبما يلائم تجدد الظروف و تغيرها، و تجد التعليل و المعاذير لأشياء سابقة، لأنها في عملية كشف دائم، و معنى ذلك أن الماضي شيء لا يمكن استرجاعه على حاله و لا مناص من تغييره بوعي أو بغير وعي »(22).

يتبلور التخييل في السيرة فيضيء بعض الجوانب التي غشيها ضباب الذاكرة فحجبها عن الإدراك، متخذا في ذلك عدة أشكال، و عليه يعمد الروائي إلى استعمال عدة أفعال من شأنها فتح المجال لاشتراك المتخيل السردي في الواقع السيري، ومن بين الأفعال التي استعملها بكثرة ( لاحظ – تخيل )، حتى يربط بين الأحداث، ويحسس القارئ أنها سيرة ذاتية، فهذه الأفعال تنبع من الذات، إنها آنية وعين الشخصية التي تقوم بها، تعلم وحدها ( لماذا)؟ و ما الذي دفعها    لفعل ذلك؟.

استعمل الكاتب الفعل ( لاحظ ) للدلالة على الرؤية الثاقبة الفاحصة لكل شيء خاصة للمتغيرات اليومية: سواء كانت: الأحوال المحيطة، أو ملامح الأشخاص أو نفسياتهم أو تصرفاتهم، من خلال العيون والحركات والتصرفات، معللا ومفسرا ما يلاحظه.

نسب بقطاش تخيلاته من خلال الفعل ( تخيل ) إلى مراد، و أوهمنا أنها حقيقة يتعرض لها أثناء شعوره بالخوف سواء كان من الاستعمار « خياله الجامح لا يسمح له بأن تكون قوة العدو أعظم من قوة المجاهدين »(23)، أو من شبح الفقر « يتخيل نفسه متسولا يعبر الطرقات و يطرق الأبواب »(24)، يتخيل أيضا عندما يكون في مزاج جيد، لكن تدور في مجملها حول المجاهدين مجيبا عن التساؤلات التي يطرحها عن نفسه.

استطاع مرزاق من خلال:

- الفعل ( لاحظ ) التأكيد على أن التفسير الذي يتبع الملاحظة لم يصدر منه أو من طفل صغير و إنما حضر لحظة الكتابة من بنات خياله.

- الفعل ( تخيل ) صنع تخيلات تتناسب مع سن مراد حتى لا يقع تناقض و لا ينتبه القارئ إليه؛ أي أنها تخيلات آنية تابعه لسرد الكاتب.

ب- ذاكرة مكانية:  وهي المتعلقة بالمكان، إذ يلعب المكان في نصوص السيرة الذاتية دورا هاما في تكوين مرجعيات الذات التي تحكي تجربتها، لأن « الذات البشرية لا تكتمل داخل حدود ذاتها و لكنها تنبسط داخل هذه الحدود لتصبغ كل ما حولها بصبغتها وتسقط على المكان قيمتها الحضارية »(25)، ومن ثم قربها من الواقع، إنها استعادة لحيوية ذاكرة تبحث عن لذاتها الحميمة وتستلها من ذاكرة المكان، وما هذه السيرة التي كتبها مرزاق إلا اتساق مع ذلك وتفسير تدويني له، حيث كان مرزاق في الثنائية شديد الارتباط بالأماكن التي عاش فيها، وكان حريصا على وصفها وصفا تفصيليا ليبين تأثره بها وتفاعله معها «لكم يحب مراد هذا المكان من الحي...، شجرة الزيتون العتيقة التي يجلس تحتها ملأ بطيور قلقة تبحث عن مكان للنوم، هذه شجرة تنبت على قارعة الطريق الترابي يربط الحي بالغابة..، الطريق تنحدر قليلا، ثم تلتوي نصف التواءة عند الأشجار الأولى من غابة الصنوبر، فالغابة تبدو متكتلة حول نفسها...بعد الغابة مباشرة يبرز جانب من الحي باب الواد وقد تسربل بظلمة خفيفة، ثم يظهر البحرهائلا»(26).

لا تتكون و لا تكون الذاكرة بدون الماضي؛ فهناك أمكنة حين نعود إليها تعود بنا الذاكرة للوراء فنتنسم الماضي، فبجلوس مراد في آخر المنبسط، تداعى رصيد ذاكرته عفويا، و حضرته الأقاويل التي نشرت عن حند المجنون، ومن بين ما تذكره أنه «سمع عنه بأنه تسلق شجرة التين التي تقوم في أطراف المنبسط، و علق على أغصانها العليا خمارا أحمر و آخر أخضر زاعما أنه يعلق علم الجزائر »(27)، و أيضا عندما كان« يسير وحيدا على الربوة مضطرب النفس تذكر إصرار جدته خلال الصيف الأخير على اقتلاع تلك النباتات الطفيلية لفلاحة ذلك المنبسط»(28).

2- الرؤية السردية: تعتبر وجهة نظر الراوي من أكثر المكونات السردية توسطا في الذاتية لذا تعتمدها السيرة الذاتية بشكل كبير. وقد تم السرد في ثنائية بقطاش بالطريقة الملحمية، أي أن الراوي عليم بكل شيء، وهذا راجع إلى طبيعة الموضوع فالثورة لا تتحدد بشخص واحد و إنما هي شاملة، و لا تتقيد ببطل واحد إنما يتسع مجال بطولتها إلى الشعب ككل، لذلك تناسبه الرؤية من الخلف التي يتفوق فيها الراوي على الشخصيات في العلم لبث الإيديولوجية الثورية، مستخدما في ذلك الحكي بضمير الغائب الذي« يتيح للكاتب أن يعرف عن شخصياته و أحداث عمله السردي كل شيء، فيكون وضعه السردي قائما على اتخاذ موقع خلف الأحداث التي يسردها...[ كما ] يمكَن السارد من أن يتوارى خلفها ليمرر ما يشاء من الأفكار و الإيديولوجيات و التعليمات و التوجيهات و آراء أخرى دون تدخله صريحا أو مباشرا »(29).

يستدعي الحديث عن الثورة توفر الوعي و العقل و التفكير، و هذا ما يعوز البطل مراد لصغر سنه، لذا أقحم الروائي نفسه داخل عمله، مما ساعد على تحريك الأحداث وقيادتها نحو المسار الذي تفرضه رؤيته المتمثلة في نظر مراد و أطفال حي باب الواد، و تمرير إيديولوجيته عبرهم، فالطيور التي بدت لمراد قلقة إنما هي رمز لوضع الشعب الجزائري الذي أخذ يستعد لمواجهة الاستعمار و يتأهب لإعلان الثورة، أما البحر الذي وقع في روع مراد أنه يبتلع حي باب الواد كله و جزءا من الغابة فهو الثورة ذاتها التي توشك أن تعصف و تغير الأوضاع جذريا.

يقدم بقطاش في نهاية الرواية بديلا لتحدي الاستعمار في مرحلة ما بعد الاستقلال إنه العلم، فقد سعى الروائي إلى طرحه كرؤية حضارية، و قد أنبنى هذا الطرح من خلال الصراع الذي دار بين محمد الصغير و جورجو من أجل صنع راديو جالينيه، والذي خصص بقطاش له الجزء الأكبر من " البزاة "، و في النهاية استطاع محمد الصغير صنع الراديو بمساعدة مراد رغم الفقر و الوسائل البسيطة، إلا أنه يتم حرق الراديو في الأخير خوفا من عثور السلطات الفرنسية عليه، لكنه يبقى رمزا على قدرة الشعب الجزائري على التحدي و الإنجاز التقني و التواصل الحضاري، لتعد رؤية مستقبلية لبقطاش حين اعتبر العلم الأساس الذي يجب أن تنبني عليه الجزائر من جديد.

كما فرضت عليه المرحلة التي كتب فيها الرواية معالجة مشكلة الوحدة الوطنية، وقد جسدها انطلاقا من وعي مراد بأساليب الاستعمار التي تعمل على إحداث الفجوة بين اتحاد الشعب الجزائري و تعميق الفتن بينهم، والتكريس لعوامل التفرقة« هذه في الواقع حيلة تعمد إليها السلطات الاستعمارية في كل مكان من البلدان الخاضعة لها، ألم تعمل من أجل بث الشقاق بين منطقة القبائل و منطقة الشاوية و بين ميزاب و سكان الناحية الغربية من الجزائر »(30).

تكون هذه الإيديولوجيا التي يبثها الكاتب في ثنايا نصه متأخرة عن المرحلة التي يتحدث عنها، لأن تفسير الحدث يأتي في مرحلة متأخرة عن زمن وقوعه و يتناسب مع مقتضيات العصر، و هذا أمر طبيعي لأن الذات الموضوع        (البطل) في الكتابة في مرحلة متأخرة ( الطفولة )، والذات الساردة عندما تروي إنما هي في زمن متقدم و في موقع من الفهم و الإدراك أوسع من الموقع الذي كانت فيه الذات الموضوع، و بذلك يتيح الراوي ( الكاتب ) لنفسه أن يعيش تلك التجربة أو المرحلة ( الطفولة ) و لكن يرى بعين ليست عينها.

يرصد الراوي العليم كل تحركات الشخصيات و سكناتها و يطلع على ما في نفسها من اضطراب، حتى انه يوجه البطل إلى ما ينبغي فعله«يحسن به الآن أن يبقى فوق سطح الدار، و أن يظهر بمظهر الطفل الهادئ على الرغم مما تصطخب به أعماقه »(31).

و تمتد إحاطة الراوي بكل شيء حتى أنه يعلم أسرار والد مراد و علاقته بالمجاهدين، كما يستطيع الراوي متابعة أفكار عديدة من الشخصيات في آن واحد كجمعه ردود فعل الشرطة و الفتيان الأربعة و المبلغ عنهم و سكان الحي حول قضية الفتاة« ولم تستطع الشرطة إلقاء القبض عليهم إلا بعد أسبوع في أعلى الجبل المقابل للحي بعد أن قام أحد الذين يتعاملون معها بالإبلاغ عن مكانهم، وثارت ثائرة الحي، و هدد العديد بقتل الخائن الذي أبلغ عن الفتيان الأربعة »(32).كما أبعد الراوي مراد عن معرفة كل تفاصيل القضية، فلم يعرف المعلومة الجديدة التي أصدرها أحد الفتيان، على غرار السارد المطلع عليها« لقد قال البعض من فتيان الحي بأن الشرطة ستأتي غدا إلى الغابة و تصحب معها الفتيان الأربعة و الغجرية للتحقيق في الحادث »(33).

يكون الراوي عليم في الرواية أمر طبيعي لأن السارد ( المؤلف ) يكتب سيرته الذاتية بكل وعي، خاصة أنه عارف بمكنونات نفسه و شواغلها و إحساساته و تفكيره و أهم الحوادث التي أثرت فيه، مستخدما في سرده اللغة كواسطة، فعند تحدثه عن طفولته والحرب التي عاشها و هو صغير، لم يتحدث بلغة الأطفال بحجة الصدق و إنما تحدث بإحساس الطفولة، بالطريقة التي يفكر بها الأطفال، و هذا ما يجسد الطفولة و يجعلها صادقة.

كما وظف بقطاش صيغ الرؤية عندما يمهد للمقطع الوصفي لأن« استعمال الرؤية هو من أهم القرائن الدالة على الوصف البصري، لذلك نجد أن معظم المقاطع الوصفية تفتتح بعبارات وصيغ جاهزة تتضمن أفعالا تفيد الدلالة على الرؤية»(34).

ومن بين الأفعال التي استعملها بقطاش: يرى – أبصر – حدَق، يمكن أن نورد أمثلة منها:

1- « أما اليوم فإنه يرى العبوس على وجه الشرطة... »(35).

2- « أبصر بالباب الخلفي للسيارة ينفتح فيخرج منه الفتيان الأربعة... »(36).

3- «استطاع أن يقف فوق أحد القبور حتى يتمكن من التحديق في الخطيب...»(37).

استعمال بقطاش الأفعال التي تدل على الرؤية السردية كان لملء الفجوات عندما يقصر عمل الذاكرة، كما ساعدت على تفعيل الأحداث و تقريبها أكثر من الحقيقة.

3- المونولوج:هو حوار داخلي يدور بين الشخصية و ذاتها، يسعى من خلاله الراوي إلى استنطاق بؤرة سيرته الذاتية في واقعها الباطني، و هذا ما ينتج فرصة أكبر للتجلي و الكشف و الإعتراف بحرية، ومن جهة أخرى ترميم قفزات الذاكرة و فجواتها.

تعمد بقطاش استعمال حديث النفس. و اختص به مراد لمعرفة ما يدور في عقله الباطني، فيعيد لنا ترجمة مكنون أفكاره و تأملاته العفوية العميقة الناقدة القائمة على رأي نابع من إنسان ناضج، عاش أزمة مرحلة معينة ويبحث في سلبياتها، حتى يقدم الجديد ليصلح به الوضع السائد المتأزم، وبالتالي يكون المونولوج وسيلة يمرر بقطاش من خلالها إيديولوجياته و أفكاره لتبرز ذاتيته في إثرها.

وجه بقطاش معظم نقده للوضع الاجتماعي انطلاقا من الواقع الذاتي عبر تساؤلات و استفسارات طفل صغير، تجد أجوبتها مع مرور الوقت، ليصل بالتدريج إلى طرح عدة قضايا كان لها هدف يريد أن يوصل إليه القارئ في زمن الكتابة أو الدولة الجزائرية إلى حلول تتخذها معيارا لحل أزماتها و مشكلاتها التي كان الاستعمار سببا في بروز معظمها و تركها تتخبط في أشواكها، مستعملا صيغة ( قال في ذات نفسه ) :

1-« فقال في ذات نفسه بأن حسين لن ينجو منه خصوصا و أنه لم يعبأ بوالده مطلقا »(38).

2-« قال في ذات نفسه بأن والده هذا قد يكون مسؤولا في إحدى الحركات التنظيمية، و إلا لما تحدث بمثل هذا اليقين.... »(39).

3-« قال في ذات نفسه أنهم يعمدون إلى نفس الأساليب، يبدؤون باللجوء إلى الحيلة، و إن هي لم تنفعهم عمدوا إلى استخدام القوة، و هذا العجوز لا يشذ عن هذه الطريقة»(40).

4- « قال في ذات نفسه أن الإضراب هم الموضوع الأول، و الإذاعات العربية لن تتحدث إلا عن السكون المطلق الذي ساد مدن الجزائر كله»(41).

الملاحظ من هذه الأمثلة أن بقطاش منح لشخصيته ذلك الوعي بالقضايا الكبرى:

1)- الجزاء و العقاب الناتج عن عقوق الوالدين، والمتسبب في ذلك الخروج عن الأخلاق و العادات المتعارف عليها في وسط الحي؛ فجلب حسين الفتاة معه إلى الحي معانقا لها غير عابئ بأي أحد مما أحدث إحراجا للجميع، وتساقطت عليه اللعنات من كل جانب.

2)- القاعدة الثورية و انضمام والده إليها، يعتبر أمر حساس لا يمكنه البوح به، لأنه يهدد العائلة ويعرضها للخطر إذا علمت القوات الفرنسية، و يعتبر في نفس الوقت انضمامه للمجاهدين حدثا رائعا لمراد، بعث فيه اعتزازا بالنفس وتقديرا و إعجابا كبيرين بوالده.

3)- سياسة الاستعمار، والكشف عن الأساليب التي يلجأ إليها، يمثلها والد روني خير تمثيل كأنها وراثة بينهم.

4)- الوحدة الوطنية في المواجهة، باعتماد الإضراب كأحد الوسائل للاتحاد و الدفاع عن القضية رغبة في التحرر.

وعى مراد هذه القضايا الكبرى، ولكنه لم يستطع البوح بها، والإعلان عنها، فاكتفى بالتحدث عنها مع نفسه، ذلك أن التغيرات التي طرأت على المجتمع أحدثت تغييرا في نفسه دفعته إلى التأمل وحوار الذات؛ لأن الوضع الاجتماعي المزري يدفع إلى التأمل فيه و البحث عن مخرج جديد للخروج من الأزمة فـ ( متى كان المرء أكثر بؤسا وشقاء كان أكثر قابلية للتطور نحو القوى التي تسهم في بناء المستقبل )(42).

مما سبق نستطيع القول أن الثنائية تتطابق إلى حد ما مع سيرة بقطاش في مرحلة الطفولة رغم تعمد مرزاق الاختباء وراء عناصر التخييل، إلا  أن القارئ المطلع على حياته يستطيع للوهلة الأولى التعرف على نقاط التقاطع بين الواقعي والمتخيل، ومن جهة ثانية تبرز ذاتية الروائي من خلال بث أفكاره وإيديولوجياته التي جاءت في فترة متقدمة عن المرحلة التي دارت فيها الأحداث، والتي طرحها بطريقة لا يمكن أن ينتبه إليها القارئ إلا بعد قراءة فاحصة نقدية يميز بها أحداثا واقعية ومتخيلة وأفكارا متقدمة للكاتب تعبر عن فترة كتبت فيها الرواية وذلك بعد إلمامه بالظروف الخارجية، كما يمكن أن يقع القارئ ضحية للروائي فيصدق المتخيل ويرفض الواقعي، لذا يرجع الممكن واللاممكن إلى فطنة القارئ ومدى وعيه.

الهوامش:

1-فيليب لوجون:السيرة الذاتية،الميثاق والتاريخ الأدبي،ت: عمر حلي،ط1، المركز الثقافي العربي،الدار البيضاء، المغرب،1994،ص 22.

2- إحسان عباس: فن السيرة، ط1، دار الشروق للنشر والتوزيع، الأردن، 1996، ص 102.

3- أحمد حيدوش: السيرة الذاتية في الرواية الجزائرية، ملتقى إشكالية الأدب في الجزائر، 26-28 أبريل 2005، منشورات مخبر الأدب العام والمقارن، كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة باجي مختار – عنابة – 2006، ص 39.

4- انظر خليل شكري هياس: سيرة جبرا الذاتية في ( البئر الأولى وشارع الأميرات)، منشورات اتحاد كتاب العرب، دمشق، 2005ص 12.

5- مرزاق بقطاش: طيور في الظهيرة، ص 19.

6-المصدر نفسه: ص 23.

7-المصدر نفسه: ص 46.

8- مرزاق بقطاش: البزاة، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع، الجزائر، 1983، ص 9

9- خليل شكري هياس: سيرة جبرا الذاتية، ص 40.

10- مرزاق بقطاش: طيور في الظهيرة، ص 60.

11- المصدر نفسه: ص 120

12- المصدر نفسه: ص 54.

13- المصدر نفسه: ص 12.

14- فيليب لوجون: السيرة الذاتية، ص 24.

15- المرجع نفسه: ص 37.

16- أحمد حيدوش، السيرة الذاتية في الرواية الجزائرية، ص 55.

17- مرزاق بقطاش: طيور في الظهيرة ، ص 21.

18-المصدر نفسه: ص 120.

19- الأخضر الزاوي: صورة مدينة الجزائر في الرواية العربية الجزائرية بعد الاستقلال وعن البير كامو، دراسة فنية مقارنة، منشورات جامعة باتنة 1998، ص 132- 133.

20- مرزاق بقطاش: البزاة، ص 128

21- مرزاق بقطاش: طيور في الظهيرة، ص 21.

22-إحسان عباس: فن السيرة، ص 114.

23- مرزاق بقطاش: البزاة، ص 12.

24- المصدر نفسه، ص 31.

25- يوري لوتمان: مشكلة المكان الفني، ترجمة وتقديمة سيزا قاسم، مجلة الألف، ع 6، 1986، ص 83.

26- مرزاق بقطاش: طيور في الظهيرة، ص 15.

27- مرزاق بقطاش: البزاة، ص 21.

28- المصدر نفسه: ص 20.

29- عبد المالك مرتاض: في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد، سلسلة عالم المعرفة، ع 240، 1998، ص 159.

30- مرزاق بقطاش: البزاة، ص 126.

31- المصدر نفسه: ص 29.

32- مرزاق بقطاش: طيور في الظهيرة، ص 17.

33- المصدر نفسه: ص 17.

34- حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي، ط 1 ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1990، ص180.

35- مرزاق بقطاش: طيور في الظهيرة، ص 28.

36-المصدر نفسه: ص 29.

37- المصدر نفسه: ص 110.

38- المصدر نفسه: ص 43.

39- مرزاق بقطاش: البزاة، ص 137.

40- المصدر نفسه: ص 199.

41- المصدر نفسه: ص 216.

42- واسيني الأعرج: اتجاهات الرواية العربية في الجزائر، بحث في الأصول التاريخية و الجمالية للرواية الجزائرية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986، ص 406.