أدلوجة الخطاب النّقديّpdf

في تجربة الشّاعر محمّد مهدي الجواهريّ

مختارات:"الجمهرة"و"الجواهريّ في العيون من أشعاره" نموذجين

د. زين العابدين محمود العواودة،  

أستاذ الأدب والنّقد المساعد، دائرة اللّغة العربيّة

جامعة بيت لحم، الضّفّة الغربيّة، فلسطين المحتلّة

Abstract:

   This study examines the experience of criticism by the Iraqi poet Mohammed Mahdi Al Jawahiry (1899-1997 AD), the famous poet, not a critic. his experience of poetry expressing intellectual and political reality of the troubled in his homeland Iraq, and most of the Arab world. But he has the ability of high criticism, as his experience in selections has shown a unique monetary.

Keywords: Ideological critical discourse, Poetry Criticism, Criticism of Criticism, The Arab poetic heritage, Al Jawahiry Selections, Aljamhara , Al Jawahiry in his Favorites poems. Ideological revolutionary standard, Existential philosophical standard, Moral standard, Technical standard

الملخّص:

تبحث هذه الدّراسة التّجربة النّقديّة للشّاعر العراقيّ الرّاحل محمد مهدي الجواهريّ (1899-1997م )، المشهور شاعرًا لا ناقدًا، فتجربته الشّعريّة الزّاخرة بمواقفه الفكريّة والسّياسيّة من الواقع المتقلّب في بلده العراق وفي الوطن العربيّ هي الظّاهرة. ولكنّه يتمتّع بقدرة عالية على النّقد،كما تفصح عن ذلك تجربته النّقديّة الفريدة في مختاراته محلّ الدّراسة.


وتستمدّ الدّراسة مشروعيّتها من جدّتها، إذ تتناول جهد الجواهريّ النّاقد، فقد دُرس-في حدود علم الباحث- شاعرًا وسياسيًّا وصحفيًّا فقط([1]).  وأغفلت تجربته النّقديّة المتمثّلة في مختاراته؛"الجمهرة- المختار من الشّعر العربي بمختلف عصوره" المصنّفة في جزأين. ومختاراته "الجواهريّ في العيون من أشعاره"، المصنّفة في جزء واحد. وقد عكس منهج الجواهريّ التّصنيفيّ فكره النّقديّ ووعيه بمعياريّة نقد الشّعر ومعياريّة نقد النّقد.

والمثير للانتباه في مختارات الجمهرة، تحديدًا، أنّ مصادرها الأساسيّة مختارات شعريّة قديمة وحديثة، كما أفصح عن ذلك الجواهريّ نفسه في مقدمتها، فهي مختارات من مختارات في الأعمّ الأغلب. وأمّا مختارات "الجواهريّ في العيون من أشعاره" فهي منتخبات شعريّة من ديوان واحد، هو ديوان المصنّف نفسه. وهي لذلك طريفة في باب الاختيارات الشّعريّة المعاصرة؛ لأنّ صاحبها صنّفها من ديوانه الشّعريّ الكبير الذي يقع في خمسة أجزاء، وقلّما نجد شاعرًا عربيًّا يصنّف مختارات شعريّة من شعره؛ ذلك أنّ الاختيار،في الأصل، إنمّا يقوم على معياريّة المفاضلة بين نصوص شعريّة مختلفة مبثوثة في تضاعيف دواوين عديدة لشعراء مختلفين؛ كمنهج أبي تمام في تأليف ديوان الحماسة الكبرى، ومنهج البحتريّ في تأليف حماسته، ومنهج الجواهريّ نفسه في تصنيف جمهرته.

وهو اختيار صعب على الشّاعر؛ لأنّه يختار لنفسه قصائد من ديوان شعره الكبير. فكأنّه يحاكم شعره عبر الاختيار منه، فيبرز جيّده ويتجاهل منه ما هو دون ذلك. ويبدو أنّ الجواهريّ أراد بمختاراته هذه- كما يزعم- أنّ يقدّم للقارئ العربيّ ديوانًا مختصرًا لديوانه الكبير دون التّقليل من شأن أشعاره الأخرى. وإن كانت ممارسته النّقديّة في مختاراته تشكّك في ذلك. فالشّاعر اختار النّصوص التي تستجيب لذائقته وتتوافق معها؛ من جهتي المبنى والمعنى. ومن الواضح في مختاراته "الجواهريّ في العيون من أشعاره" أنّه انتخب من شعره النّصوص التي يعتدّ بها فقط، وفق معياريّة نقديّة ضمنيّة.

ومثّلت طريقته في الاختيار تكامل التّوازي بين نصوصه المختارة وطريقته الشّعريّة. وبدا واضحا اهتمامه بإحياء التّراث الشّعريّ العربيّ المميّز في العصور القديمة وفي العصر الحديث. وأمّا أهمّ المقاييس النّقديّة التي اعتمدها في عمليّة الاختيار فتتمثل في المعيار الجماليّ والمعيار الأخلاقيّ التّربويّ والمعيار الفلسفيّ الوجوديّ والمعيار الأيديولوجيّ الثّوريّ والمعيار الفنّيّ.

كلمات مفتاحيّة: أدلوجة الخطاب النّقديّ، نقد الشّعر، نقد النّقد،مختارات الجواهريّ، التّراث الشّعريّ العربيّ، المعيار الجماليّ، المعيار الأخلاقيّ التّربويّ، المعيار الفلسفيّ الوجوديّ، المعيار الأيديولوجيّ الثّوريّ، المعيار الفنّيّ.

مقدمة:

تكمن أهميّة هذه الدّراسة في بحثها الجهد النّقديّ للشّاعر العراقيّ الرّاحل محمد مهدي الجواهري (1899-1997م) الذي احتلّ مكانة مرموقة بين شعراء عصره المحافظين([2])، وهو جهد طريف في ضوء شهرة الجواهري شاعرًا لا ناقدًا، مع قدرته الكبيرة على ممارسة النّقد، وقد مارسه حقيقة كما تفصح عن ذلك تجربته الشّعريّة المديدة، وممارسته النّقديّة في مختاراته الشّعريّة، وعمله الطّويل في مجال الصّحافة في صحفه المعروفة؛ "الفرات"و"الانقلاب"و"الرأي العام" وغيرها من صحف الرأي ([3])، ومشاركاته العديدة في المؤتمرات الأدبية في العراق وخارجه، بالرغم من أنه لم يترك لنا أثرًا بينًّا في نقد الشعر، سوى في أواخر حياته؛ كما تمثّل في مختاراته؛ "الجمهرة "و"الجواهريّ في العيون من أشعاره". وقد أشار إلى ذلك في مقدمة مختاراته الجمهرة؛ إذ يقول([4]):"وبعد فإنني أضع هذه المختارات بين أيدي القرّاء وأنا في بدايات العقد التاسع من عمري"، ويتابع االقول([5]): "يحقّ لي القول: إنني أتممتها (مختارات الجمهرة) في"نيف" وتسعة أشهر وأنّ ال"نيف" هذا هو أكثر من ستة عقود، هي عقود صباي، وشبابي، وكهولتي، وشيخوختي أي منذ أن ابتدأت (قرزمة) الشعر حتى معاطاته على طول الخط؟ ".

ورغم فحولته الشّعريّة ومعايشته أبرز التّيّارات الشّعريّة والنّقديّة التّجديديّة والثّوريّة في وطنه العراق وفي الوطن العربي كلّه لم يصدر كتابًا نقديًّا واحدًا قبل مختاراته، وكأنّه آلى النّأي بنفسه عن الدّخول في معارك نقديّة مع أقرانه الشّعراء. ويبدو أنّ انشغاله بالسّياسة قد ملأ عليه حياته وفكره وشغله عن المطارحات الأدبيّة، كما كان يفعل أضرابه من معاصريه. وشعره السّياسيّ الذي يحفل به ديوانه الكبير يؤكد صدقيّة ذلك. وكان يرقب عن كثب الجدل النقديّ الذي دار حول تيار "الشّعر الحرّ" في بلده العراق بريادة نازك الملائكة وبدر شاكر السّيّاب، وكذلك تيار الحداثة الشعريّة في بيروت بريادة يوسف الخال وأدونيس. ولم تفتْه متابعة الصّراع النقديّ بين المحافظين والمجددين الثوريين في غير ساحة من ساحات النقد. وحافظ الشاعر على نسق شعري خاص به يغلب عليه الطابع التّقليديّ، فكان فارس القصيدة التقليدية بحق. ومطولته في مدح الراحل الملك حسين "أسعف فمي"1992([6]) شاهدة على ذلك؛ فهي من عيون شعره.

ويسعى الباحث في دراسته هذه إلى التّعريف بجانب غفل النّقاد المعاصرون عنه، وهو الجهد النّقديّ الذي يمثّل الوجه الآخر لعطاء الجواهريّ الإبداعيّ المتجلّي في مختاراته محلّ الدّراسة. وذلك لاستجلاء القيمة النّقديّة التي ينطوي عليها صنيع الجواهريّ في مختاراته؛ وذلك وفق تمظهره في آرائه النّقديّة الصّريحة في مقدماته المختلفة، وفي منهجه الاختياريّ عبر نقده الضّمنيّ لمنتخباته الشّعريّة. 

أولا: الجواهريّ الشّاهد على عصر من الشّعر والنّقد:  

عاصر شاعرنا السّجالات النّقديّة التي كانت محتدمة بين النّقاد العرب المعاصرين منذ ثلاثينيّات القرن العشرين وحتى منتصف عقد التّسعينيّات منه، حول الأصيل والدّخيل، والتّقليد والتّجديد، والتّراث والحداثة، والثّابت والمتحوّل، في الشّعر والنّقد والفكر، فواكب صدور كتاب طه حسين "في الأدب الجاهليّ" عام 1921، والمعركة النّقديّة حامية الوطيس التي أثارها مع  الأوساط الثّقافيّة والأدبيّة والدّينيّة. وكان شاهدًا على ظهور حركات التّجديد في الفكر الشعريّ والفكر النّقديّ في الوطن العربيّ والمهجر؛ المتمثّلة في جماعة "الدّيوان" (1921) في مصر، و"الرّابطة القلميّة" (1921) في أميركا، و"العصبة الأندلسيّة" في البرازيل، و"جماعة أبوللو"(1931) في مصر ،ثم جماعة "الشعر الحر" في العراق (1947)، ثم حركة "شعر" في بيروت (1958)، ثم التّيارات الشّعريّة من مثل؛ الرّومانسيّة والبرناسيّة والواقعيّة والرّمزيّة وحركة الحداثة الشّعريّة والنّقديّة التي تزعّمها أدونيس منذ ستينيّات القرن المنصرم حتّى زماننا هذا، وتشعّبت إلى حداثات.

والموجه للنّظر أنّ الجواهريّ عايش كل تلك التّيارات الشّعريّة والنّقديّة وحاور روّادها؛ وبخاصّة؛ حركة "الشّعر الحرّ" في بلده العراق، وحركة الحداثة في بلاد الشّام والخليج العربي، واطّلع على كثير من إنتاجات الشّعراء والنّقاد العرب المعاصرين-على الأرجح-، بيد أنّه لم يشارك فيها بشكل فعّال. إذ لم يتزعم تيارًا شعريًا جديدًا، ولم يؤسس نظريّة شعريّة عربيّة جديدة. ولا غرو في ذلك، فقد غلب عليه انشغاله بالفكر السّياسيّ أكثر من انشغاله بالفكر الأدبيّ، كما يبدو من سيرته([7]). ومع ذلك يحقّ للقارئ أن يتساءل؛ كيف لنبيه في منزلة الجواهريّ الشّعريّة والاجتماعيّة أن يغفل كل ما كان يدور حوله من نشاط أدبيّ وفكريّ ونقديّ؟ وقد كان يمور بالجديد الصّارخ دون أن يبدي فيه رأيًا، أو يدفعه إلى تبنّي نظريّة؛ شعريّة أو نقديّة؛ أو حتى نقدها. ومن الطّريف حقًا أن يوجه الجواهريّ عنايته في أواخر حياته إلى تصنيف مختارات شعريّة من مختلف عصور الشعر العربي-قديمها وحديثها-وأن يصنّف مختارات منفردة من شعره، دون أن يلتفت إلى ذلك في مرحلة شبابه. ويبدو أنّ بُغيته من ذلك هي تحقيق التّواصل بين الأجيال العربيّة الطّالعة وتراث أمتها الشّعريّ؛ ذلك أنّه يزود شداة الأدب بزاد ثقافيّ ومعرفيّ مهمّ، وهو الذي يعقد الصّلة بينهم وبين تراثهم الأصيل. وفي هذا الصّنيع شهادة للجواهريّ على عصور من الشّعر العربيّ.

ثانيًا: فكر الجواهريّ التّصنيفيّ في مختارات "الجمهرة" ومختارات "الجواهريّ في العيون من أشعاره":

1- الجمهرة؛ المختار من الشّعر العربيّ بمختلف عصوره؛ ماهيّتها ودوافع تصنيفها:

مختارات «الجمهرة» مختارات مقطوعات وقصائد، وهي تتألّف من جزأين كبيرين استغرق إعدادها سنة ونصف السّنة وصدرا في دمشق عن وزارة الثّقافة والإرشاد القوميّ السّوريّة عام 1985([8]). وكان مقرّرًا أن تصدر في عشرة أجزاء إلا أنّها توقّفت عندهما- في حدود علم الباحث- والجزءان هما: الأول: العصر الجاهليّ: صدر عام 1985م عن وزارة الثقافة والإرشاد القومي السورية، ويضم مختارات شعرية من العصر الجاهلي، ومقدمة مستفيضة ناقش فيها ما طرأ على حركة الشّعر العربيّ من تحوّل بعد ظهور الإسلام في جزيرة العرب، ثم موقف أدونيس من التّراث الشّعريّ العربيّ المتمثّل في مختاراته «ديوان الشّعر العربيّ» واتهمه بالغموض والتّجنّي على التّراث وتقديمه للجيل النّاشئ بصورة مشوّهة.

أمّا الجزء الآخر فهو([9]):« العهد الإسلامي والأموي» صدر القسم الأول منه عام 1990م عن وزارة الثقافة والإرشاد القومي السورية، ويضم مختارات من عصري صدر الإسلام والعصر الأموي مع مقدمة ضافية تناول فيها ثلاث قضايا؛أولها: موقف الشّعراء العرب الجاهليين من الدّين الإسلاميّ الجديد، والصّراع الكبير العنيف الذي وقع بينهم. ويتحدّث عن موقف المخضرمين منهم من هذا الصّراع، بل موقف الدّين نفسه منهم كما ورد في سورة الشّعراء التي نزلت فيهم ويتحدّث عن ضياع شعر أولئك الذين عارضوا الدّين الجديد ودواعيه. وثانيها:شعر الخوارج والموقف الذي تبنوه تجاه السلطة الحاكمة. وآخرها: ظاهرة عمر بن أبي ربيعة الحضارية؛ وذلك لأنّه يعدّه رائد الردَّة الكبرى عن الإسلام إلى القبلية وإلى ما يشبه الجاهلية في العهد الأموي.ويقصد هنا تحديدًا العودة إلى الموضوعات الشّعريّة الجاهليّة كالحماسة، والمقدّمة الطّلليّة، والاعتزاز بالقبيلة والمدح. وصدر القسم الثاني من الجزء الثاني عام 1991م عن وزارة الثقافة والإرشاد القوميّ السّوريّة، وقد خلا من المقدمات. أما الأجزاء المتبقية التي أنجز مخطوطاتها الجواهري، فلم يتوصل الباحث -بعد بحث طويل- إلى أنّها منشورة.

 لماذا صنّف الجواهريّ مختارات الجمهرة: لعلّ أهمّ دوافعه تتمثّل في ما يأتي:

أ- رغبته القديمة الجديدة في جمع عيون الشّعر العربيّ في كتاب واحد، وكانت تلك الرّغبة قد طفت على السّطح حينما أهداه صديقاه أحمد إسكندر وزير الإعلام السوريّ وجابر فلحوط نقيب الصحفيّين السّوريّين كتاب الأغاني، يقول الجواهريّ([10]): «وللوهلة الأولى-قبل أن أشفي نفسي بقراءة صفحة واحدة منه-وجدتني أعمل للفكرة وأنفذها توَّا، وأتناول القلم للتأشير على ما يعجبني من المقتطفات الشعرية، مما يعجّ بها ويضجّ الجزء بعد الآخر، على نيّة أن تكون لي مجموعة تراودني فكرة جمعها منذ عهد بعيد هي (عيون الشّعر العربّي في كتاب الأغاني) ومضيت قُدُمًا، وتجمع لديّ منها ما يربو على ستة آلاف بيت مختار هي كل ما في الكتاب من (عيون)، وقلت لنفسي وقد رضيت عنها وماذا عليك وأنت في مثل هذا الفراغ وفي مثل هذا الظّرف، وفي مثل هذا البلد العربيّ (سوريّة) الجميل الزّاخر بالكتب والمكتبات، وفيها من المراجع والمصادر لعمل حلو، سهل نافع أن تكثري وتستزيدي منه ما استطعت».

ويعترف الجواهريّ بتأثره بالمختارين القدامى والمعاصرين، ويكشف عن مصادره التي استقى منها مختاراته الشعرية، ويؤكد إعجابه بمختارات «ديوان الشعر العربي» لأدونيس؛ إذ يقول([11]): «وأحبّ أن أعترف-وبوجه خاصّ-أنّني غزوت أكثر من (مغزوّ) واحد ممّن سبقني، ومن عاصرني من ذوي (الاختيارات) بادئا بشيخنا الجليل (أبي تمام) وصنوه (البحتري) ومعقبا (بالسيد ابن الشجري) و(السيد البصري)، و(البارودي)، حتى معاصري يومنا هذا الأديب العزيز (العماد مصطفى طلاس) بكتابه (شاعر وقصيدة) والأستاذ (أحمد سعيد) أدونيس بكتابه «ديوان الشعر العربي»([12])؛ وذلك عدا ما التقطته من كتاب وديوان، ومجموعة ممّا يدخل في هذا الباب أو مما له أدنى علاقة ولا ينتقص من إعجابي بكل ما اختاره المعاصرون أو ألّفوا فيه من الشّعر العربيّ إعجابي على الأخصّ بمختارات الأستاذ (أدونيس)».

والواقع أنّ مختارات الجواهريّ على قدر كبير من الأهميّة، إذ تمثّل موسوعة شعريّة ضخمة، وتعدّ محاولة جادّة لرصد حركة الشّعر العربيّ عبر عصورها المختلفة في أيام ازدهارها وأيّام ضعفها وما طرأ عليها من تحوّلات وتجديدات. وبسبب من ذلك تحتل مكانة مميزة بين مختارات المعاصرين الشّعريّة، ولم يسبق لأحد من المعاصرين أن جمع مختارات شعريّة بما يشبه عمل الجواهريّ في الجمهرة سوى أدونيس الذي صنّف مختارات «ديوان الشّعر العربيّ» وأتبعها بمختارات ديوان النّهضة الذي ضمّ قصائد مختارة من شعر أحمد شوقي (1982م)، وقصائد مختارة من شعر جميل صدقي الزهاويّ (1983م)، ومختارات نثرية من نثر أربعة أعلام هم: محمد رشيد رضا ومحمد عبده ومحمد عبد الوهاب وعبد الرحمن الكواكبي (1983م)، ومختاراته من شعر الحداثة العربية من شعر يوسف الخال والسياب (1967م)، وقد صدرت بعد مختارات "ديوان الشّعر العربيّ" مع اختلاف في منهج الاختيار.

ب-التّصدي لمواقف بعض النّقاد المعاصرين من التّراث الشّعريّ العربيّ، وعلى رأسهم طه حسين في موقفه من الشّعر الجاهليّ وما أثاره حوله في عشرينيّات القرن الماضي، وما أثاره أدونيس في ستينيّات القرن المنصرم حول التّراث الشّعريّ والحضاريّ العربيّين.

ولا يجافي الباحث الحقيقة إذا رجّح تأثّر أدونيس بفكر طه حسين التّجديديّ، وأفاد من آثاره المختلفة في التّأسيس لفكره النّقديّ الحداثيّ، ولعلّ تأثرهما بالثّقافة الغربيّة في مجالي الأدب والنّقد الأدبيّ قد خلق نوعًا من التّشابه في طرحيهما النّقديين، ويبدو أنّ الجواهريّ قد خصّهما دون غيرهما بنقده لخطورة موقفيهما من التّراث. إذ يقول([13]): «لم أعثر في كل ما كتبه المعاصرون وعلى ضوء العصر كما يقولون عن الشّعر الجاهليّ ما يستحق المناقشة والمحاورة على أهمّيّة ما جاء به أدونيس في مقدمته لكتابه «ديوان الشعر العربي» والدكتور طه حسين في كتابه «الأدب الجاهلي». 

ج- رغبته في صياغة موقفه من التّراث الشّعريّ العربيّ، ومن الشّعر العربيّ المعاصر والحركة النّقديّة المعاصرة المصاحبة له،إذ يقول([14]):« إنّني لا أرى في كل هذه الدّوافع التي دفعتني إلى أن أختار ما أختار إلا أنها الدّوافع نفسها التي تدفع كلّ أديب أو شاعر يحاول أن يمثل عصره فيما يختار ويؤلف، أو يتحدّث وأن يقرّب إليه كل ما بعد عنه من الأجواء الأدبيّة، والشّعريّة والاجتماعيّة والفكريّة، وأن يصلها به بصفتها حلقة من حلقات التاريخ التي لا تنفصل بحال من الأحوال في كل زمان ومكان، وكل ما يبدو وكأنه تخلخل في هذه الحلقات أو انفراط منها، فإنما هو أثر متصل أيضا بمرحلة سبقته من جهة، وتارك بصماته وطوابعه على مرحلة تتلوها»، ولهذا فإنّ الجواهريّ، وفي ضوء دوافعه آنفة الذكر، يخالف وجهة النظر التي ينادي بها بعض الحداثيين العرب المعاصرين من ضرورة إبراز الأنا المتعاظمة في الشعر، فالإنسان عندهم مركز الكون، وانسجاما مع هذا فإن مختاراتهم الشعرية-كما يرى الجواهري- تحاول أن ترصد النّوازع الفرديّة في الشّعر العربيّ، فهم ينظرون إلى «ما يختار من الشّعر العربيّ نظرة فردية، ومحض مزاجية، ويفضلون أن يكون هذا الشعر المختار مجردًا من القيم التي ينطوي عليها، بعيدًا عن الاعتبارات «التاريخيّة» و«الأخلاقيّة» و«الاجتماعيّة»([15])، ويشير هذا الحديث بجلاء إلى طرح أدونيس الحداثيّ في تقديمه لمختاراته «ديوان الشّعر العربيّ». وعرض الباحث موقف الجواهريّ النّقديّ من منهج أدونيس في مختاراته، وذلك في محور"الجواهريّ بين نقد الشّعر ونقد النّقد".

2- مختارات"الجواهريّ في العيون من أشعاره" ماهيّتها ودواعي تصنيفها:

هي مختارات قصائد ومقطوعات، وقد صدرت في طبعتها الأولى عن دار طلاس بدمشق عام 1985، وهي مختارات طريقة في بابها، ذلك أنّ مصنّفها يختار من ديوان شعره قصائد معينة-على كثرة ما في ديوانه الكبير من قصائد-جمعها في كتاب تحت عنوان «الجواهري في العيون من أشعاره» ومدلول كلمة (العين) المجازي-كما في معاجم اللغة- هو النفيس من كل شيء([16]).  فالعيون التي اختارها الجواهري من شعره، هي القصائد المفردات النّفيسات اللاتي لا مثيل لهنّ، وفقًا لاعتبارات الشّاعر، ممّا يشي بمكانة القصائد المختارة وتميزها عنده على غيرها وأهميتها في التأريخ لمراحل عطائه الشعريّ.

 ولهذا الاختيار دوافعه وأسبابه لدى الجواهريّ، فما مسوغاته إلى تصنيف مختارات من شعره ؟

لا غرو في أن يحرص الشعراء المميّزون على تحقيق التّواصل مع الناس عبر تقديم إنتاجهم الشّعريّ إليهم عبر وسائل الإعلام المختلفة، أو بنشره كاملاً في ديوان، وبخاصة إذا كانوا من ذوي الإنتاج الشّعريّ الثّرّ. ولكن قد تحول أسباب مختلفة دون تحقيق استمرارية ذلك التواصل مع جمهور المتلقين، فيلجأ الشّاعر إلى سبل تكفل له الحضور الحي على ساحة الشّعر، ومن تلك السّبل المختارات الشّعريّة، كما فعل الجواهريّ وشعراء آخرون. وانطلاقا من ذلك كشف الجواهريّ عن عاملين أساسيّين دفعاه إلى تصنيف مختاراته، وهما:

أ - تعذّر حصول القرّاء والباحثين من ذوي الكفاف من محبي الشعر والأدب على المجموعات الكاملة من دواوين شعره([17]).

ب- تحقيق رغبته المتمثلة في أن يكون في متناول الجميع «مجموعة واحدة تضم بين دفتيها «العيون» المختارة من كل تلك المجموعات يستريح فيها الحاصل عليها ... إلى صميم الواحة الأكثر اخضرارًا والأغزر ينابيع»([18]).

ولكن الذي يوجّه نظر الباحث ويحظى باهتمامه هنا ليس العاملان سالفي الذّكر في المرتبة الأولى، بل عوامل أخرى لم يذكرها الجواهريّ وإنما نستشفها من خلال منهجه في الاختيار، إذ اصطفى القصائد "العيون" من بين عشرات القصائد التي يضمها ديوانه الكبير، ويحقّ للقارئ أن يتساءل هنا: هل ينطبق وصف «العيون» على القصائد المختارة؟ ما من شكّ في أنّ لهذا الاختيار مدلولاً عند من يمعن النظر في ديوان الجواهري الذي يحوي قصائد جميلة تقع ضمن موضوعات شعريّة متنوعة، ويبدو موقفه الثّوريّ، الذي تمثّل في رفضه الظّلم والاضطهاد في وطنه العراق؛ بل في الوطن العربي كلّه، وخاصة قضية فلسطين، هو الموقف الغالب على شعره.  كما وقف بإخلاص إلى جانب الشعوب الثائرة من أجل الحرية وتحقيق العدالة، فالجواهريّ إذًا شاعر ملتزم حمل هموم وطنه وأمته وناضل من أجل حريتهما واستقلالهما، وبسبب من هذا كله عاش سنوات طويلة يعاني من التّضييق عليه بإغلاق صحفه أو سجنه أو فصله من عمله في وطنه العراق، وكان يغادره، وينفى نفسه بعيدًا عنه لمعارضته أنظمه الحكم المتعاقبة عليه ثم يعود إليه ليرحل عنه ثانية وثالثة ويقاسي آلام الاغتراب من جديد، إلى أن مات غريبًا في دمشق عام 1997([19]). وفي ضوء ذلك يبدو للباحث أنّ إطلاق الجواهري على مختاراته مسمى "العيون" يؤكد بوضوح على أنّ القصائد المصطفاة هي أفضل قصائده التي تمثل مراحل تطور تجربته الشعرية على مدار سبعين عامًا من العطاء ابتداء بعشرينيات القرن الماضي وحتى نهاية عقده الثامن.

ثالثًا:نقد النّقد ونقد الشّعر في فكر الجواهريّ الشّاعر:

 مارس الجواهريّ في مختاراته نقد النّقد ونقد الشّعر فبدا عالما بأصولهما، إذ أظهر جملة من الآراء النّقديّة المهمّة في سياق تعريفه بمنهجه الاختياريّ فيها، وبذلك عبّر عن موقفه العامّ من قضيّة التّراث والحداثة؛ قضيّة التّقليد والتّجديد في الشّعر العربيّ ويمكنني إجماله آرائه في ما يأتي:

1.نقد الجواهريّ لمنهج أدونيس في مختاراته "ديوان الشّعر العربيّ":

أفرد الجواهريّ نقدًا خاصًّا لمختارات أدونيس الشّاعر النّاقد في ضوء علمه بحقيقة الدّور المهمّ الذي يضطلع به تصنيف المختارات الشّعريّة الممنهج في عصرنا، ولأنّه يعلم أنّها داعية لتأسيس فكر شعريّ جديد. لذلك كان  تركيزه على نقد المنهج الذي سلكه أدونيس في تأليف مختاراته «ديوان الشّعر العربيّ»، وتتجلّى أهمّ مآخذه عليه في النقاط الآتية:

أ- نظرة أدونيس إلى الشعر العربي من ناحية القيمة الفنية الخالصة التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتتخطّى الاعتبارات التّاريخيّة والاجتماعيّة؛ ذلك أنّ الشّعر عنده « يكتسب قيمته الأخيرة من داخله، من غنى التجربة والتعبير، وليس من الخارج، مما يعكسه أو يعبر عنه، فلا يمكن تقييم الشّعر بمقياس اعتباره وثيقة اجتماعيّة أو تاريخيّة، أو باعتباره تناول موضوعات معينة دون أخرى، إنه صوت كافٍ بنفسه، قائم بذاته، فيما وراء موضوعه وبيئته ([20]). "والشعر العربي إنما يحتفظ بحرارته، وعمقه وحساسية الإبداع فيه «عندما يتخلص من سيطرة الحالة المحيطة به، اجتماعيًا وتاريخيًا، لكيلا يعود به ذلك إلى أن يكون صوتا شاحبًا يردد أصداءها ويكررها"([21]). وينكر الجواهري على أدونيس تنظيراته هذه ومنهجه المبني على تلك التّنظيرات؛ لأنّه يرى في ذلك كله خطورة كبيرة، ومرد تلك الخطورة يعود إلى ما يأتي:

1- إنّ القائلين بها "يدينون أنفسهم بها قبل أن يدينهم الآخرون، إذ إنهم -والحالة هذه -لا بد أن يكونوا جزءًا لا ينفك عن نظرياتهم تلك، بمثل ما أنّها جزء منهم، أي أنهم يعبرون بها عن مسالك الحياة الفكرية الخاصة بهم بعيدًا عن كل تفاعلات المجتمعات سياسيًا واجتماعيًا وخُلقيًا، وعن كلّ الصراعات والملابسات التي تفرزها هذه المجتمعات وعن كل هموم الآخرين المأخوذين بها ومعايشهم، ومصائرهم([22]).

2- ومردّ خطورتها ثانيًا: من الناحية التبشيرية«إنّها وهي تعرض على الجيل الراهن وما بعده بحلل قشيبة منمقة، وبأسلوب ناعم أحيانًا، متفلسف أحيانًا، تبدو كأنها تدس السّم في الدّسم أو في العسل، لا سيما وأنها تجيء في معرض الأخذ بالتراث العربي، وبوجه خاص في معرض الاهتمام بالتراث الجاهلي واختيار أحسن ما فيه، وأنها تنزل على أقلام أناس متمكنين من الأدب العربي وأكثر من ملمين بالشعر العربي، وفي هذا ما فيه من ظلم للواقع، وللحقيقة ومن تثبيط عن فهمها، وعن النزول على حكمها، بل إنها تضليل صارخ مكشوف»([23]).

3- ومردّ خطورتها من الناحية الأدبية، ما دامت تعرض نفسها بمثل ذلك العرض وتنزل على مثل تلك الأقلام «أنها تنكر- بل وتستنكر-كل المواهب والقابليات، حتى الخلاقة منها،التي تعاني معاناة الناس، ويهمها مصائرهم، وحرياتهم، وكراماتهم، والتي تتحدى في هذا السبيل المجتمعات العربية المختلفة والأنظمة المرعية السائدة فيها. والتي تتصدى بعنفوانها وقوتها للإطاحة بها، وبمن يحرص على إدامتها»([24]).

ب-والمأخذ الثاني الذي أنكره الجواهري على أدونيس؛ فيتمثل في استبعاده لشعري المديح والهجاء. ويثور الجواهري لشعر الهجاء أكثر مما يثور لشعر المديح، ذلك أن شعره حافل بالهجاء الثوري. يقول الجواهري:« أي كلام هذا، و«ما يشابههما أو يتصل بهما»؟ وأول ما يتصل بالشعر الهجائي_ولا شأن لي كما لا شأن له بالتحدث عن المدح والرثاء -وهو الشعر الثوري، إذ لا تنفك روح الثورة بين الفرد والفرد أو بين الفرد والجماعة عن أن تكون دلالة على استعداد الشاعر أن يكون ثائرًا على مجتمع أو حكم، أو أن يكون ساخرًا ، والشعر السخري بدوره باب رائع من أبواب الهجاء الثوري_من ذلك كله، ومن الناس بل ومن نفسه في أن يوجد رهينة هذا المجتمع أو ذاك الحكم وهؤلاء الناس ! وفي التراث العربي، أو في الشعر المعاصر روائع كثيرة من هذا وذاك، فهل يجب ألا يكون ذلك كله من تاريخنا الشعري، وأن يكون السبب لهذا المسبب أتعس منه، وأسوأ وقعا؛ أي يجب إهماله لمجرد أنه من تاريخنا السياسي والاجتماعي، ولماذا هذا التخوف من هذين التاريخين، وأنت وأنا وهو وهي محكومون-شئنا أم أبينا-لهما ولأحكامهما، وإلى ذلك فمسؤولون بضمائرنا وانتماءاتنا، وأحاسيسنا عن المشاركة كل على قدره في إقرارهما، أو شجبهما، أو الثورة عليهما وإن بأضعف الإيمان»([25]).

ويتبنى الجواهري في هذا الصدد ما قاله هادي العلوي في مقدمة مختاراته «ديوان الهجاء العربي» ويهديها لأدونيس، مما يشي بأن هذه المختارات تمثل –في ما يرجّح الباحث- ردًّا على أدونيس ومختاراته بوحي من موقف أدونيس من شعر الهجاء. ومن هنا جاء الإهداء، يقول هادي العلوي([26]): «الهجاء فن أدبي أصيل، يختلف عن معظم فنون الشعر الأخرى في كونه يصدر عن الذات الشاعرة، غير متأثرة باعتبارات المصانعة أو المصلحة، وغالبًا ما يكون ثمرة لمعاناة شخصية، تتعدد في معزل عن عوامل الضغط في المجتمع أو المعشر أو الدولة، مما قد يعني في حد ذاته قدرا من المجابهة، تضاعف في ذاتيته، وبالتالي في حيويته بوصفه فنًا، ويمكن أن يكتسب الهجاء من هذه الناحية مضمونًا اجتماعيًا أو سياسيًا تضعه على ملاك الأدب الملتزم».

ج-وأمّا المأخذ الثالث الذي يعد نتيجة للاتجاه الثاني عند أدونيس، فهو تقييمه الشعر العربي على أساس «طريقة التعبير ومدى تجاوبها مع القيم الشعرية المعاصرة ومع فهمه للشعر»([27]). يقول الجواهري([28]): «ويبدو منه هذه المرة أنه يعود إلى الغموض بقصد المغالطة، أو بقصد التهرّب، فهو لا يوضح أية قيم شعرية معاصرة يريد، والحديث هو حديث الشعر العربي طبعًا، ولا بد إذًا من أن تكون القيم الشعرية عربية، بلا شك، ولكن هذه القيم المعاصرة بهذه الصفة تسبب حرجًا له، إذ لا بد أن تكون قيمًا شعرية تراثية امتدادًا لهذا النوع الجميل المنغم المعبر عن نفسه وعن صاحبه وعن عصره، والذي ألف السيد أدونيس- ثلاث مجلدات زاخرة بما اختاره هو منها- وهذا سيجره حتما إلى ما لا يحب ولا يرضى من إيراد نماذج مختارة منزلة على أحكام هذه القيم.  الأمر الذي جعله يعفي أكثر من ستين صفحة بالحرف الدقيق في مقدمته الأولى والثانية من إيراد كلمة واحدة في معرض كل الآراء والنظريات والاستشهادات التي أدلى بها فيهما».

د- والمأخذ الرابع:توقف أدونيس بمختاراته «ديوان الشعر العربي»، عند نهايات القرن التاسع عشر. ويبدو للباحث أنّ الجواهريّ لم يطّلع على مختارات أدونيس «ديوان النّهضة» الذي يضمّ مختارات من شعر أحمد شوقي وشعر الزهاوي، وهي مختارات من عصر النهضة، وكذلك مختاراته من شعر السياب وشعر يوسف الخال، وهي مختارات من الشعر الجديد-في رأي أدونيس. أو أن الجواهري لم يرقه منهج أدونيس في الاختيار من الشعر المعاصر أو تجاهله لشعره وشعر شعراء عرب آخرين معاصرين له، إذ لم يختر من شعره شيئًا في حين نجده يختار من شعر الزهاوي وهو صنو الجواهريّ وقِرنه وهذا ما يدفعنا إلى التّساؤل؛ لماذا لم يختر أدونيس من شعر الجواهري؟  يبدو لي أنّ ذلك راجع إلى جملة أسباب لعلّ من أهمّها:

(1) غلبة الشّعر السّياسيّ وما يقع في دائرته على موضوعات شعر الجواهري- كما أنّ موضوعات شعره الأخرى وطريقته الشعرية سلفية تقليدية من وجهة نظر أدونيس.

(2) اكتفاء أدونيس بالإشارة إلى موقع الجواهري من حركة الشعر المعاصرة؛ إذ جعله صوتًا ثانيًا مردّدًا للأصوات الأولى القديمة.

(3) عطاء الجواهري الشعري الذي ما زال مستمرًا -حتى زمن فراغ أدونيس من إعداد مختاراته- فمن غير الممكن الحكم على إنتاج شاعر معاصر دون الإحاطة بشعره كلّه، وهو لمـّا يصل إلى نهاية محددة.

(4) قد تكون رغبة أدونيس في عدم إثارة الجواهري بالدخول معه في سجالات نقديّة سببًا آخر يضاف إلى ما سبق.  

 2.دواعي نقد المصنّف لمنهج أدونيس في الاختيار في مختاراته"ديوان الشّعر العربيّ":

يبدو للباحث أنّ مردّ نقد الجواهريّ الشّديد لأدونيس يعود إلى أسباب عديدة أهمّها:

1- التّباين الفكريّ والثّقافيّ بينهما، فاتجاه أدونيس الشّعريّ والفكريّ حداثيّ وثقافته عربية غربية، أمّا الجواهريّ فاتجاهه تقليديّ تجديديّ وثقافته عربية خالصة، وهما لذلك متباينان في الطّريقة الشّعريّة وفي المرجعيّة الثّقافيّة. ويشير الجواهريّ إلى هذا صراحة بقوله([29]): «إنّ أدونيس يمثل اتجاها جديدًا هو في حقيقته وجوهره أبعد ما يكون-كما يفترض-عن التّراث العربيّ لأنّه- أي هذا الاتجاه الجديد-إنما يستمد جذوره أولا وقبل كل شيء من مدرسة الأدب الغربي، والسيد أدونيس أحد الملمين بهذه المدرسة إلمامًا واسعًا مكّنه من ذلك إتقانه للغة الفرنسية، فإن تجمع هذه المدرسة إلى ذلك إلمامًا واسعًا أيضا بالتراث العربي الأصيل_وقبل كل شيء وهو موضوع مناقشتنا إياه_ففي الشعر العربي شيء أكثر من لطيف، وأكثر من مفيد، وهو لا أقل من أنّه هامّ جدًا».

2- موقف أدونيس من التّراث والتّراثيّين المعاصرين، والجواهريّ منهم، فالصراع في واقع الأمر بين مدرستين شعريتين: مدرسة الحداثة التي يمثلها أدونيس ومدرسة الأصالة التي يمثلها الجواهريّ، يقول الجواهريّ في هذا الصّدد متّهمًا أدونيس بأنّ غايته من مختاراته من الشعر الجاهلي أن تكون مدخلاً «لتشويش أذهان الجيل العربي النّاشئ والصّاعد على حد سواء، وأكثر هذا الجيل مع الأسف ممن يؤخذون في هذا المجال على حين غرة لبساطة ما يفهمون عن الشعر الجاهلي، ولبساطة ما يفهمونه هو بالذات ، وعندما يعلمهم السيد  أدونيس أن خير  ما يكون  هذا الشعر حين يصبح بعيدًا عن (البيئة ) بعيدًا عن (المجتمع) بعيدًا عن (السياسة)، بعيدًا عن هموم الناس وأفراحهم وآلامهم»([30]).

ويعدّ الجواهريّ أدونيسخارجًا على كلّ ما يمتّ بصلة إلى التراث العربيّ الأصيل([31]) «إذن فلتكن التّعمية والغموض، والتهرب والمغالطة، ولتكن قيمًا معاصرة وحسب، فإذا ضويق بشأنها تخلص-أو أحسن التّخلص-إلا أنّه يريد القيم المعاصرة التي ينسج هو -ومن نحا نحوه -عليها خارجين بها على كل ما يمت إلى التراث العربي الأصيل الذي يدافع عنه أدونيس نفسه»، في حين نجد أنّ نظرة أدونيس إلى الشعر العربي قديمه وحديثه متوافقة مع تفسيرات الجواهري لها، كما هو واضح في كلام أدونيس نفسه، إذ بيّن غايته من تصنيف مختاراته التي تسعى إلى الكشف عن جوانب المعاصرة في التّراث الشّعريّ العربيّ.  يقول أدونيس([32]): « إنّ هذا المتحف الشّعريّ يساعد على إعادة الاعتبار إلى الشعر كفاعلية إبداع أولى في الحياة العربية ...وهذا المتحف التراثي يدعم إيماننا نحن المؤمنين بضرورة التّحول وولادة قيم جديدة، ضد الذين يتمسكون بالتراث -حرفا وإعادة واجترارًا، فالديوان دليل تراثي على أنّ الشّعر الباقي ليس الشعر الذي يعلم أو يكون صدى للظروف والأوضاع الخارجية» فيبدو أدونيس في ظاهر قوله باحثًا عن القيمة الفنية الخالصة دون التقيد بحدود الزمان والمكان، والحقيقة تظهر رغبته في تخطّي الشّعر القديم وقيمه بإنتاج قيم جديدة. وهو أمر إيجابيّ في ظاهره،إذا ما افترضنا جدلا حاجتنا إلى تجديد نظريّة الشّعر العربيّ،ولكنّه في باطنه دعوة إلى التّمرّد على التّراث العربيّ بكلّ تمظهراته وتجاوز كلّ القيم التي يمثّلها.وهو أمر يصعب قبوله أو تقبّله.

والواقع أنّ هجوم أدونيس على المتمسّكين بالتّراث هو الذي أثار حفيظة الجواهريّ، يقول أدونيس([33]):«وثمة شعراء يمثلون حالات خاصة: تتمادى في نتاجهم بشكل أو بآخر، الطرق الشعرية القديمة نظرًا وتعبيرًا، إلا أنّهم في مستوى القدماء صناعة وتمكنًا، هؤلاء أصوات ثانية عالية متميزة لا أصوات أولى، لقد أوصلوا الطريق القديمة، كل بحسب شخصيته، إلى نقطة لا يمكن تجاوزها إلا بالتخلي عنها، هؤلاء الشعراء كان يمكن أن يظهروا في العصر العباسي أو الأموي أو الجاهلي، وأن يعتبروا بين شعرائه ويشاركوا في تكوين خصائصه، ولا شك في أنهم، حين ننظر إليهم من هذه الزاوية شعراء كبار أذكر بينهم، تمثيلاً لا حصرًا، شوقي وبدوي الجبل ومحمد مهدي الجواهري».

كما أنّ ثورة أدونيس على التّقليد والسّلفيّة اللذين يعدّهما الجواهريّ أصالة حافز آخر لإثارة الجواهريّ ضدّ موقف أدونيس منه، فأدونيس يعزو إليهم إفساد الذائقة الأدبيّة عند العربيّ، وتشويه نظرته إلى الشعر، ويعني بالتقليد تحديدًا([34]) «تقليد السياسة والدولة وصراع الحكم وما يوافقه»، ويرى أنّ([35]) «ديوان الشعر العربي محاولة للاستعانة بالتراث ذاته، وبصورة مباشرة لإشاعة الجمال والشعر كما كان يفهمها الشاعر العربي، بعيدًا عن الخليفة والقبيلة، وللتدليل على أنه لا يصح أن نحدد أثرًا شعريًا بمحتوى سياسي أو عقائدي، ولا يمكن كذلك أن نحكم عليه بمقياس سياسي، فهذا الديوان يضم شعرًا لا يخدم مذهبًا ولا عقيدًة ولا دولة ولا شخصًا، ومع ذلك هو وحده مجدنا الشعري»، وعلى الرغم من استبعاد أدونيس لذلك الشعر وادعائه بصحة منهجه ودقته إلا أن منهجه لا يخلو من هنات وتجاوزات على التراث تجافي الموضوعية، فهو باستثناءاته المختلفة يكون قد أسقط من الشعر العربي جُلّه بحجة التحول وتوليد القيم الجديدة، ولعل هجومه على عصر النهضة-والجواهري أحد رموزه-كان من بين الأسباب التي جعلت الجواهري يصنف مختاراته.

فأدونيس لا يعترف بعصر النهضة ويزعم أنه([36]) «بعد انحطاط دام ألف سنة، لم يكن إلا تقليدًا صارمًا للنماذج التراثية»([37])، بل أكثر من ذلك إذ يعدّه تكرارًا صنعيًا «لأشكال وأفكار قديمة ومستنفدة، الشعراء هنا ينساقون في طريق مفتوحة، يستعيرون أجواء أسلافهم وصيغهم»، ويخلص أدونيس إلى القول([38]): «طبيعيّ أنّ مثل تلك النّظرة الشكلية التي سادت ما نسميه عصر النهضة لا يمكن أن تكون خلاقة، أو أن تفهم حقيقة التراث الشعري خاصة، ومعنى إحيائه، وأن تدرك الجدير بالإحياء أو بالإهمال، هكذا لم تقدم لنا تلك النهضة من تراثنا الأدبي والشعري إلا النتاج الذي يتردد بين نزعتي الحكمة والتعليم من جهة، والسياسة وما يتصل بها من مدح وهجاء من جهة ثانية». ويكون بهذا الكلام قد تنكّر لدور رواد عصر النهضة الكبير في التأسيس للنهضة الشعرية الحديثة، وفي الكشف عن عناصر الجمال والأصالة في التراث العربي وإظهاره في أبهى صورة بعد عصر الظلمة والانحطاط الذي دام ألف سنة. ولم يقفوا عند حدّ الإحياء، إنما تجاوزوه مجددين فخلصوا الشعر العربي مما أثقله من محسنات بديعية وزخرفات لفظية قدر جهدهم، وأدخلوا المسرح الشعري والقصة الشعرية إلى الأدب العربي، ومهما يكن الأمر، فإنه من المجحف أن ينكر دورهم وأن يحكم عليهم بمقاييس حداثية غريبة عن طبائع أشعارهم والمرحلة التاريخية التي أبدعوا فيها قصائدهم.

3- موقف أدونيس من شعر الهجاء أو الشعر السياسيّ والعقائديّ وما يتصل بهما، وقد بينّا قبل قليل موقف أدونيس ورد الجواهري عليه، إلا أن الباحث يرى أن اهتمام الجواهري بالدفاع عن الشعر السياسي أو الهجاء الثوري-كما يسميه-يعود في ما يرجح إلى غلبة هذا الغرض وما يتصل به على الموضوعات الشعرية الأخرى التي طرقها الجواهري في شعره، وهذا ما وجه نظر الباحث عندما عاد إلى ديوان شعره باحثًا متقصيًا؛ إذ أحصى له ما يزيد على (120) مئة وعشرين قصيدة تقع بضمن دائرة الشعر السياسي وما يتصل به، وهذه القصائد تشكل ما يزيد على ثلث ديوانه الذي يضم (310) ثلاثمئة وعشر قصائد([39])، وقد يكون هذا من بين الأسباب التي جعلت أدونيس يحجم عن تصنيف مختارات من شعر الجواهري.

   ومهما يكن الأمر فإنّ الجواهريّ يستهجن توقّف أدونيس بالاختيار عند نهاية عصر الظُّلمة، دون التّعريج على ما وثب إليه الشّعر العربيّ في القرن العشرين، وكأنّه تجاهل حركة الشعر العربي المعاصرة، يقول([40]) «بلغ الشعر العربي على ألسنة شعرائه الأصائل أعلى مستوى كان عليه ورقى إليه حتى وهو في الذروة من العهد العباسي على لسان المتنبي وأبي العلاء_على سبيل المثال_فمن هو على وجه الافتراض المنطقي_أحق منه بأن يكمل هذه الحلقات بما لا يجوز بحال من الأحوال أن تكمل بدونه، وهو التعريج على ما وثب إليه الشعر العربي في القرن العشرين وما استكمل من روح المعاصرة على ألاّ ينسى أنه شعر عربي من مجتمعات عربية قفز قفزات هائلة فوق كل حواجزها واخترق كل حصار مضروب عليه من واقعها المتهافت، وتخلفها الحضاري وأنظمتها الرجعية ومقاييسها الأدبية ومعاييرها الخلقية». ويفهم من كلام الجواهري هذا أن اهتمام أدونيس بأعلام الشعر في العصر العباسي كأبي تمام وأبي نواس وأبي العلاء المعري في أطار ما سماه بمرحلة «التساؤل»، عائد إلى أنّها تمثل عنده مرحلة التحول في الشعر العربي، ليس أحق من أن يهتم بالشعر العربي المعاصر في ظل القفزات الهائلة التي حققها إذا تخطى كل الحواجز المضروبة عليه وتجاوز التخلف الحضاري وأنظمته الرجعية ومقاييسها الأدبيه ومعاييرها الخلقية، وهذا يعني أن الجواهري يرى أن الشعر العربي المعاصر قد استكمل روح المعاصرة وليس تقليدًا اتباعيًا، كما يرى أدونيس، وخاصة شعر عصر النهضة الذي لا يعترف بنهضويّته.

ويتساءل الجواهري عن الأسباب التي جعلت أدونيس يتوقف عن الاختيار من الشعر العربي المعاصر «الشعر التقليدي» فيقول مستغرباً([41]): «أكان ذلك منه، لأنه لا يدين ولا يعترف إلا بهذا الوضع الوجودي الذي انبعث من خلاله حسُّ الدهر أي القوة الخارقة التي لا يمكن مقاومتها؟ هذا الوضع الوجودي الذي ليس المستقبل فيه إلا ماضيًا مموّهًا، وأخيرًا فهذا-الوضع الوجودي- الذي انبثق عنه كما يحب أن يصور أدونيس الشاعر الجاهلي، أم كان ذلك تجنبًا منه لهذا التقليد الطويل العهد والذي أفسدته الذائقة الأدبية عند العربي وهو تقليد «السياسة» والدولة وصراع الحكم وما يرافقه أيضا، أم لأن الشاعر إذا سيطرت عليه الحالة المحيطة به، اجتماعيا وتاريخيًا حرفته وصّيرته صوتًا شاحبًا وصدى من أصدائها الباهتة، أم لأنه لا يصح أن تحدد أثرًا شعريًا بمحتوى سياسي أو عقائدي ولا بمقياس سياسي؟ وأخيرًا.  أم لأن ديوان شعره العربي لا يضم شعرًا لا يخدم مذهبًا ولا عقيدة، ومع ذلك فهو مجدنا الشعري.  من أجل هذا وذاك قطع سلسلته الشعرية في ديوان الشعر العربي قطعاً مفاجئًا ونابيًا أيضا، تجنبًا منه لما قد يفسدها بالتعريج-كما قلنا- على عصر جديد جاء يخرج ما في التراث العربي الذي يعجب به أدونيس من جديد ».

ويخلص الجواهري إلى القول([42]): «حتى لو اعتقدنا هذه الاستهانة منه بكل ما يمت بصلة إلى أن يدور الشاعر في فلك أوسع من ذاتيته المحدودة، وخارج دائرة أحاسيسه، ومشاعره، وهمومه، وأفراحه الضيقة، فهل بوسعه الاستهانة بالشاعر المعاصر وهو يدور في ذلك الفلك عينه وفي إطار تلك الدائرة نفسها، وهو إذ يفعل ذلك- أي إذا يجيء بما يرضي السيد أدونيس- يبدع فيما يجيء ويحلق فيما يطير، أم أنه منزعج كل الانزعاج من أن يكون الشاعر المعاصر-الأصيل طبعاً- نموذجًا مختارًا له إلى جانب ما كان عليه الشاعر الجاهلي نموذجاً مختاراً له، ومطمئناً كل الاطمئنان ومرتاحًا كل الارتياح لمجرد أن السيد أدونيس إنما وضع «ديوانه هذا» للشعر العربي في كل عهوده الغابرة، ليكون مدخلاً قويًا إلى التأثير على الأجيال العربية الصاعدة والإيحاء إليها أنّ ليس هناك شيء يستحق الذكر من هذا الشعر، والحجة أنّ واضعه شخص مثقف متمكن من أسرار اللغة العربية معجب بها بل ومنظر لها». ومن المنصف هنا القول: إن طرح الجواهري يقترب من واقع منهج أدونيس الحداثي ومن حقه-وهو شاعر كبير- أن ينتقد منهج أدونيس وأن يسجل عليه ملاحظاته ويسرد التجاوزات التي نتوافق معه في بعضها. ومن حقّ الباحث أن يتساءل؛ ماذا عن موقف الجواهري من مختارات أدونيس من عصر النهضة إذا ما اطّلع عليها ؟ أتكون إجابة مقنعة له، أم أن نقده سينسحب عليها كذلك؟

لعلّها لن تغيّر من موقف الجواهري شيئًا، بل ستزيده تساؤلاً واستهجانًا وثورة على منهج أدونيس في اختيارها، إذ لم يختر أدونيس من شعر شعراء النهضة للكشف عن القفزات التجديدية النّوعيّة التي حقّقوها، بل لتكون شهادات على سلفيتهم وتقليدهم ورجعيتهم ،كما يراها أدونيس نفسه، والواقع أن الباحث يميل إلى ترجيح اطلاع الجواهري على مختارات عصر النهضة، ويستشف هذا عبر اتهامه لأدونيس بالدسّ على الأدب المعاصر دسًّا ماكرًا ؛ إذ يقول([43]): «هو وإن بدا شبه ضائع بين طيّات اصطلاحات جديدة مبطّنة لاهوتية مطلقة، فإنه غير خفي على ذي بصر بمعرفة اتجاهاته الفكرية والأدبية والسياسية أولاً، ثم على من يفهم الأدب والشعر والإبداع والتجديد ثانياً، أنها كلها موظفة لتتعدى حدود الانطوائية الذاتية أو الاعتكاف على أهواء محدودة وأغراض ضيقة، وأنها يجب أن تتعدى ذلك إلى حدود المشاركة مع أوسع طموحات الناس، وأعمق خفايا أحاسيسهم ومشاعرهم، وبدون ذلك فكيف يتم التجاوب بين الشاعر وبين الآخرين، بل كيف يمكن ردم الهوة التي يحس الشاعر بفراغها في نفسه وأحاسيسها، لا يتجاوب إلا مع أصدائها المكررة المعادة إلى نفسه ذاتها فهل أن السيد أدونيس يؤدي أمانة_كثر حديث الناس عنها_هي أن يشارك «المتهمين» ممن أتمنى من صميم قلبي أن أحاشيه عنهم».

وعلى الرغم من ذلك كله، فإنّ الجواهري يسجل إعجابه بمختارات أدونيس «ديوان الشعر العربي» ويؤكد غير مرة أنه حقاً «قد أحسن الاختيار فيما أورده من مختارات»([44]) ويقول أيضًا([45]): «ولا ينتقص من إعجابي بكل ما اختاره المعاصرون أو ألفّوا فيه من الشعر العربي إعجابي على الأخصّ بمختارات الأستاذ أدونيس». ويمكن تسويغ هذا الموقف المتناقض مع نقده بأنّه نوع من المجاملة الهادفة للابتعاد عن حالة الاشتباك الجدليّ مع أدونيس. فاختلاف الرّأي لا يفسد للودّ قضيّة.

3.دواعي إعجاب المصنّف بأدونيس النّاقد في مختاراته"ديوان الشّعر العربيّ"وتأثّره بمنهجه:

يحاول الجواهريّ أن يكون أقرب إلى روح عصره بمنهجه الذي سلكه في تصنيف مختاراته «الجمهرة» ولا غرابة في أنّه متأثر بأسلوب القدامى في الاختيار، إلا أن تأثره بالمعاصرين كان أكبر وخاصة بأدونيس. أما تأثره بالمختارين القدامى فمتأتٍ من استعانته بمختاراتهم الشعرية المتنوعة، فلقد انتقى منها الكثير، كما يظهر، ومع هذا كله لم يتبع أساليبهم في تبويب مختاراته، بل إن منهجه يجري مجرى مناهج المختارين المعاصرين، ويبدو أنه أكثر تأثرًا بمنهج أدونيس في مختاراته «ديوان الشعر العربي» على ما له عليها من تحفّظات ونقد شديد لصاحبها، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل: ما دواعي إعجاب الجواهري بمختارات أدونيس ؟   يغلب على ظنّ الباحث أنّ مردّ ذلك الإعجاب يعود إلى الأسباب الآتية:

1- موقف أدونيس من الشعراء البارزين في العصر العباسي-العصر الذهبي لحركة الشعر العربي- من مثل؛ بشار بن برد (ت 168هـ) والسيد الحميري (ت 173هـ) وهو من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية - وأبي نواس (ت192هـ) وأبي تمام (ت231هـ) وابن الرومي (ت283هـ) والمتنبي (قتل 354هـ) وأبي العلاء المعري (ت 449هـ) فهم يمثلون في رأي أدونيس-مرحلة التّساؤل والتّحوّل والثّورة بخروجهم على عمود الشّعر العربيّ أولاً، ثم رفضهم للقيم السائدة أو عدم اعتدادهم بها لأنها، في ظنهم، غير كاملة ثانيًا، ثم شعورهم الطاغي بالحاجة إلى التجديد والتحديث  ثالثاً([46]) وقد يمثل هذا الموقف لأدونيس ردًّا على طه حسين الذي طعن في نسب بعضهم واتهمهم بالشعوبية والدس على الأدب العربي. ويتفق هذا كله مع موقف الجواهري منهم([47]) .

2- موقف أدونيس من نظام الحكم العربي الإسلامي «الخلافة-الخليفة» أي السلطة الدينية والسياسية وحتى الأخلاقية، التي كانت سائدة في ظلّ إيمان العرب بها وخضوعهم المطلق لسلطانها المستمد من الدين([48]).  ويتجلى هذا الأمر عند الجواهري في موقفين:

أ- موقفه من تحوّل الشّعر الجاهليّ في العهدين الإسلاميّ والأمويّ؛ إذ يرى أن قيمة الشعر الجاهلي الفنية قد تضاءلت نتيجة تحوّله تحوّلا جذريًا، ومنطقيًا في آن واحد، وكان بذلك يؤكد مرة أخرى مدى ارتباط هذا الشعر باعتباره ديوانًا للعرب بمجرى حياتهم السياسية، والاجتماعية والفكرية أولاً، «ومدى ما لهذا الشعر من رجع في نفوسهم يتجاوز في ظروف معينة حدود الإثارة والتحريض إلى حد أن يكون حاسمًا في تبديل مجرى الأمور، وفي إمالة كفة الميزان لهم أو عليهم في مواقف حاسمة ومصيرية ثانيًا- مما لا شك فيه أن انتصار الثورة الإسلامية-انتصار الإسلام- قد قلب كثيرًا من بواعث التفكير والتعبير فيما ضيق به على مجالات الانطلاقات،وعلى حيوية الشعراء الجاهليين وحماستهم وعنفوانهم»([49]). ويرى الجواهري بأنّ ذلك التّحوّل الجذريّ الناتج عن التّضييق يملي بواعث التّفكير والتّعبير وقد تمثّل في نواحٍ عديدة منها:

  1- أغراض الشعر الجاهلي: إذ لم تعد العصبية القبلية تقف وراء الحماسة والفخر، ولم تعد الخمر تدفع الشعراء إلى قول القصائد الخمريات، ولا مكان للغزل والتشبيب بالنساء؛ لأنّ الانتماء إلى الجماعة الإسلامية حلّ محلّ الانتماء للعصبيّة القبليّة، والخمر حرّمت تحريمًا شديدًا، والغزل والتّشبيب بالنّساء مخالفات لتعاليم الدين الحنيف، وغدا الهجاء يشكى إلى الخلفاء، كقصة الزبرقان بن بدر مع عمر بن الخطاب-رضي الله عنه ([50]).

2- الفتوحات الإسلامية التي شغلت المسلمين والشعراء -من جملتهم- عن قول الشعر أو ما سواه([51]).

3- اضمحلال مكانة الشعراء التي كانوا يتبوّأونها بين مجتمعاتهم الجاهلية القبلية، نتيجة لقيام الدولة الإسلامية، وتجذر أسسها في المجتمع العربي الإسلامي، لذلك كان عليهم أن «ينتظموا-إذا أرادوا الإبقاء على مكانتهم- في سلك هذه الدولة الجديدة، حاملة الدعوة وقرآنها»([52]) فنتيجة لهذه العوامل ضعفت قيمة الشعر الجاهلي الفنية، ولم يعد ثمة شعر يحاكيه.  في صدر الإسلام حتى في ظل كوكبة من الشعراء الجاهليين الفحول، كالأعشى، وحسان بن ثابت، وكعب بن زهير([53])...إلخ من المناصرين للإسلام، أو من المعادين له.

ويخلص الجواهريّ إلى القول([54])ومن يدري« ماذا كنا سنسمع من عيون هذا الشعر الجاهلي وروائعه ومن معلقاته الجديدة على ألسنة هذا وذاك من «حسان» ومن «الأعشى» على وجه التخصيص وعلى سبيل المثال، لو أن الظفر في هذه الحروب كان لقريش وآذن بانتصار الجاهلية وأعرافها، بل إن «حسان» قد أعطانا-حين كان في صف الخارجين على رسالة الإسلام ومحاربيها- نموذجًا من ذلك حينما حرض به على الرسول- صلى الله عليه وسلم . وفي ما عاضد به قريشًا من شعر، وهو منطلق حر الإرادة.  والفكرة قبل أن يكون في صف المسلمين، ونموذجًا ثانيًا، فيما يكون عليه الشاعر المتكلف المضطر من تهافت في القول وفي التأثير».  ويبدو أن الجواهري ينظر إلى الشعر الجاهلي من الزاوية الفنية حسب، دون اعتبار كبير للقيم الأخلاقية جريًا على نهج الأصمعي الذي كان يفصل بين الشعر والأخلاق([55])، واحتذاءً لمنهج أبي تمام في مختارات الحماسة الكبرى.

ب- موقفه من الشاعر عمر بن أبي ربيعة الذي يعدّه ظاهرة مميزة في الشعر العربي القديم، لأنه يمثّل الارتجاعة الكبرى عن الإسلام إلى الجاهلية فهو لا يقل فحولة عن امرئ القيس وطرفة بن العبد، بل لقد فاقهما، إذ لم «يبق شيئًا لأول شاعر رقق الشعر وبسطه وسّهله بل وانطلق فيه.  وهو امرؤ القيس الذي كان يلهي ذا تمائم محول عن أمه، أو يطرق الحبلى، أو يكاد أن يعقر بعيرها.  فتقول له «عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل» وهو لم يبق شيئًا حتى لطرفة بن العبد»([56]).

3- أسلوب أدونيس في انتقاء مختاراته الشعرية، على الرغم من مآخذه عليه يقول «ولا ينتقص من إعجابي ههنا، مآخذي على الطريقة التي سنّها الأستاذ أدونيس لهذه المختارات،...»([57]).

رابعًا :منهج الجواهريّ في الاختيار:

أولاً: منهجه في تصنيف مختارات الجمهرة: تتمثّل طريقة الجواهري في الاختيار في اتّباعه التّسلسل التاريخي في ترتيب الشعراء الذين اختار لهم. وفي احتواء مختاراته قصائد ومقطعات صنّفها تحت عنوانات تفصح عن مضامين أبياتها. وفي تخطّيه ترتيب مختاراته وفقا لأبواب الشعر العربيّ الذي اختار منه، بل اتبع الترتيب التاريخي لها؛ العصر الجاهليّ فالإسلاميّ فالأمويّ فالعباسيّ إلى العصر الحديث.

4-موضوعات مختاراته منوّعة متعدّدة تكاد تغطي أبواب الشعر العربي، المدح والحماسة والرّثاء والهجاء والغزل والأدب والسياسة والثورة...إلخ. ويبدو أن اهتمامه كان منصبًّا على اختيار الشعر الذي ينطوي على قيم شعريّة وجماليّة؛ إذ تمحور اختياره في ما يأتي:

 أ- اختار المقطوعات والقصائد التي تجمع قيمًا اجتماعيّة،أو خلقيّة،أو ثوريّة،أو سياسيّة أو سخريّة ([58]).

ب- اختار القصائد والمقطوعات التي تتّصل اتصالاً وثيقًا وصادقًا بالحيوات الشخصية الخاصة بشعراء عرفوا- أولاً وقبل كل شيء- بما يتميزون به عن الشعراء الآخرين باستقلال شخصياتهم، وتفردها في اختيار نمط من الأنماط العديدة للحياة يعكفون عليه، وينذرون له أنفسهم ومصائرهم، ويوطّنون النّفس على دفع الثّمن الغالي عنه، ما دام نمطًا مخالفاً لما عليه مجتمعاتهم أو أنماط الحكم المتسلطة -عليها وعليهم، هذه الشخصيات التي يجمعها كلّها جامع الثورة، فهم «ثوريون» والخروج والتّمرّد فهم «خوارج». ويمثلهم في الجاهلية-جملة-«الصعاليك واللصوص» كما يسمونهم بعض الأحيان لمجرد غرض الانتقاص منهم، ثم-أفرادًا- كالمتلمس، وطرفة، وفي العهد الأموي، عمر بن أبي ربيعة، والعرجي، وابن الطثرية، والكميت، والسيّد الحميري. وفي العهد العباسي، صالح بن عبد القدوس، وبشار، وأبو نواس، ودعبل، وابن الحجاج، والمتنبي([59]).

ثانيًا: منهجه في تصنيف مختارات "الجواهريّ في العيون من أشعاره ":

اختار الجواهريّ-في ما يبدو- قصائده العيون وفق منهج مرسوم بعناية كبيرة، إذ من الصّعب على الشاعر أن يفاضل بين قصائده؛ لأنه-في حقيقة أمره-لا يقبل أن يحكم على قصائده المستبعدة بـ"المتبرأ منها"حين لا يختارها. وفي واقع الأمر لم يرد الجواهري تنقيح شعره أو تهذيبه أو تقويمه، فليست مختاراته تهذيبًا أو اختصارًا أو بديلاً عن شعره المستثنى-كما يزعم؛ بل تضمّ أبرز قصائده التي تعبّر عن ذاته، إضافة إلى قصائد أخرى لم تنشر من قبل([60]).  ولعلّ الجواهريّ أراد بصنيعه هذا أن يحقق بمختاراته أهدافًا عديدة من أهمها:

1- أن تكون شاهدة على المراحل التي مرّ بها شعره من حيث تطور نهجه الموضوعيّ والأسلوبيّ في بناء قصيدته.

2- أن تبرز مواقفه من الوقائع والقضايا التّاريخيّة التي عايشها سواء على نطاق وطنه العراق أو على نطاق الوطن العربي والإسلامي.

3- أن تمثل في جانب من جوانبها ردًّا على أدونيس الذي استبعد من اختياراته الشعرية المديح والهجاء والرثاء وما يتصل بها-كما أسلفت.  ويبدو أن حكم أدونيس على الجواهري قد أثار حفيظته عليه، حينما عدّه في مستوى القدماء صناعة وتمكنًا وصوتًا ثانيًا لهم، وأنه أوصل الطريقة القديمة مع شوقي وبدوي الجيل وغيرهم من شعراء النهضة «إلى نقطة لا يمكن تجاوزها إلا بالتخلي عنها هؤلاء الشعراء كان يمكن أن يظهروا في العصر العباسي أو الأموي أو الجاهلي، وأن يعتبروا بين شعرائه، ويشاركوا في تكوين خصائصه»([61]).

وأيًّا كان الأمر فقد حرص الجواهريّ على اختيار القصائد الكاملة من شعره في ما عدا مقطوعات قليلة لم يتمّمها لسبب من الأسباب([62])، قد يكون من بينها ضياع قسم كبير منها نتيجة ظرف من الظروف([63])، فهي مختارات تضم قصائد ومقطوعات.  وقد اتبع الجواهريّ التّسلسل التّاريخيّ في ترتيب مختاراته؛ إذ رتبّها وفقا لتواريخ نظمها أو نشرها مستعينًا بالفهرس([64]) الذي ألحقه بديوانه في طبعة وزارة الثقافة والإرشاد القوميّ السّوريّة الصّادرة عام 1984. وقد جاء على النّحو الآتي([65]): 1- العشرينيّات  2- الثّلاثينيّات  3- الأربعينيّات  4- الخمسينيّات  5- السّتينيّات  6- السّبعينيّات 7- الثّمانينيّات.

خامسًا:نقد منهج الجواهريّ في الاختيار:

1- نقد منهجه في مختارات "الجمهرة" :

  ينسجم هذا النّمط من الاختيار إلى حدّ بعيد مع اتجاه الجواهريّ الشّعريّ، فشعره حافل بالثّورة، ولا يخفى على الباحث اهتمام الجواهريّ بالشعراء الذين اختار من أشعارهم دون غيرهم. وبسبب من ذلك كله يظلّ منهج الجواهري في مختاراته مختلفًا عن مناهج المختارين القدامى والمعاصرين، على الرغم من أنه يقر بأنه لم يجئ بجديد على ما نقله عن المختارين الآخرين، يقول([66]): «هل عندي في اختياراتي هذه من شيء جديد أريده لنفسي، قبل أن أريده للآخرين.  وقبل أن يريده الآخرون مني؟  وكان الجواب في عمق البساطة بمثل ما كان عليه السؤال: «هل لك أن تجيء بجديد فيما أنت تنقله- بأمانة- عن الآخرين؟». ويمكن إجمال بواعث المصنف إلى اتباع هذا المنهج في النقاط الآتية:

أ- حاول الجواهريّ أن يقدم صورة أوضح لكل شاعر من شعراء الجمهرة وعبر كل العصور، فألزم نفسه بتقديم ما يشبه «الملف» عن كل واحد منهم مستعينًا بما توافر بين يديه من مصادر ومراجع ضمت أشعارهم أو بعضها، مخالفاً بذلك ما درج عليه أصحاب المختارات من القدماء والمحدثين، أما دافعه إلى ذلك فيتمثل في أن تلك الملفات تزيد صورة الشاعر وضوحًا أكثر مما يوضحها البيت أو الأبيات القليلة، أمّا ما سهل على الجواهري مهمته فهو ولعه الشديد بصناعته وتعاطيه بها عقودًا طويلة وقراءاته الواسعة للأدب العربي خاصة الشعر‎. يقول([67]): «فأنا بحكم ولعي الشديد بصناعتي، وهو أنني زمنًا طويلاً قد نخلت دواوين الشعراء الطلائع من الأسلاف والأخلاف، حتى يومنا هذا، أي حتى دواوين الشعراء المعاصرين المعدودين والمبرزين، ولي على أكثر من ديوان- فيما يعجبني من شعر فيه- أكثر من هامش وأكثر من ملاحظة، وقد أفادني هذا وسهل عليّ سبيلي فيما أقدمت عليه من عمل» .

ب- حرص الجواهري على التّحقق من صحّة نسبة الشعر الذي يختاره إلى صاحبه لعلمه بأن تاريخ الأدب العربي قد أثار قضية الانتحال فثمة «من جاء بجديد على القديم من شعر العرب، ولكن عن طريق الدس والتهريب، وأن في جملة هؤلاء الدساسين والمهربين من كان حجّة زمانه في رواية الشّعر الجاهليّ وفي أنساب الشّعراء ولا سيما في بداية العصر العباسي»([68]).  ويزعم الجواهريّ أنّه قد تحقّق من كلّ ما نقله من شعر، لأن عنده من البراهين والقرائن «ما نص عليه غير واحد من مؤرخي الشعر الجاهلي قديمًا وحديثًا على عهده- شيوخ الشعر تارة، وعلى عهده -الدّسّاسين من شيوخ رواة الشعر القدماء أنفسهم تارة أخرى، بصدد الأصيل من أشعار العرب الجاهليين والدخيل عليها.  فكانت حصيلة ذلك أن نحّيت جانبا ما يدل ضعفه على دخالته أولاً، وما اتفق عليه النقدة والرواة من أمره ثانيًا، وأبقيت على ما أعجبني منه انسجامه ومقاربته نهج القصيدة وأسلوبها بل ونسقها. وسوغت ذلك بأنني أثبت شعرًا جميلاً زاحم به «النابغة» أو«طرفة» أو«ذا الرّمة» أو«الشّمّاخ» من هو مثلهم أو مقارب لهم، فهو شعر جميل سائغ أيًّا كان أمر قائله»([69]) ويضرب مثلاً فريدًا لما استبعده من شعر شك في نسبته إلى صاحبه هذا المثال الفريد هو معلقة «عمرو بن كلثوم» التي مطلعها ([70]):     ألا هبي بصحنك فاصبحينا       ولا تبقي خمورَ الأندرينا

وما يوجه عناية الباحث هنا اتّفاقه مع طه حسين في الشّك فيها على الرغم من نقده له، يقول الجواهري([71]): «وبيد أنني أحب أن أنص على مثال واحد فريد من نوعه في هذا الصدد، ذلك أنني نحيت معلقة لم يكن سفر من أسفار من تقدم ومن تأخر من رواة الشعر، وشيوخ المؤرخين وأعلام الأدب، إلا وقد أتى على ذكرها كاملة، وإذا كان هناك من شك-بحق هذه المرة_في قسم منها فهو الدكتور «طه حسين» في كتابه العجيب «الأدب الجاهلي».  ويغلب على الظن أن الجواهري قد اقتنع بشك طه حسين في معلقة عمرو بن كلثوم، إذ يظهر جليًّا تأثره الكبير به ففي سياق تسويغه لرأيه يقول([72]):«استبعدتها كاملة لما تصرح به من ركاكة وفهاهة وتداع. ليست كلها من باب الشعر الجاهلي الرصين الأخّاذ». كما نفى أن يكون قد ارتجلها بعد أن سل سيفه فقتل ملك الحيرة، بل لا يعترف بالارتجال([73]). ومعروف أن طه حسين شك في عمرو بن كلثوم نفسه وفي شعره لدواع ثلاثة، هي:

1-الأساطير العديدة التي أحاطت بحياته كما وصفها الرواة، يقول طه حسين([74]): «وقد أحيط عمرو بن كلثوم في مولده، ونشأته ، بل في مولد أمه، بطائفة من الأساطير يشك أشد الناس سذاجة في أنها لون من ألوان العبث والنحل» .

2- تكرار بعض الأبيات في وسطها وآخرها.

3- رقّة اللفظ وسهولته مما يجعل فهمها يسيرًا على أقل الناس من العلم بالعربية.

ولكي يخالف الجواهري طه حسين في شكّه، نفى أن تكون معلقة عمرو بن كلثوم من الشعر العربي في العصور العربية كلها حتى العصر الحديث([75]). ومن الواضح أن الجواهري يحرص دائما على محاكاة البارزين من النقدة العرب كطه حسين وأدونيس والشعراء القدامى كالمتنبي وأبي تمام، فهو يوازن-مثلا- بين عمله في «الجمهرة» وعمل أبي تمام في «الحماسة»؛ إذ يقول([76]): «فلئن كان «أبو تمام» لعظيم قد أتم مختاراته «الحماسة» بادئًا بها عهدًا جديدًا لكل من نسج بعد ذلك على منوالها، وهو في نهاية العقد الثالث من عمره القصير الخالد ذي الأربعة عقود، إن كان قد أتمها في نيف وأربعين يومًا وكان الـ«نيف هذا» لو صحّ التعبير هو خمسة عشر عامًا؛ أي عقدًا ونصف العقد، على وجه التقريب، وهو ما يفترض أن يكون رصيده وخزينه من عهد الصبا، فهل يحق لي القول: إنني أتممتها في «نيف» وتسعة أشهر وأن الـ«نيف» هذا هو أكثر من سبعة عقود، هي عقود صباي، وشبابي، وكهولتي، وشيخوختي؟ أجل يحق لي القول بذلك ما دام حقيقة وأمرًا واقعًا».

الأسس التي اعتمدها الجواهريّ في اختياره: يتمثّل أهمها في الأساس الأخلاقيّ التّربويّ القائم على الحكمة والقيم الإنسانية المختلفة، ومن الأمثلة على ذلك المختارات الآتية:

1- المختارة«حامي الثّغور» للقيط الإيادي منها([77]):

يا قومي لا تأمنوا إن كنتم غُيُرًا           على نسائكم كسرى وما جمعا

هو الجلاءُ الذي تبقى مذلَّته              إنْ طارَ طائركم يوماً وإن وقعا

هو الفناءُ الذي يجتثُّ أصلكم        فمن رأى مثل ذا رأيًا ومن سمعا

فقلّدوا أمركم للّه درُّكُم               رحـبَ الذّراع بأمر الحربِ مضطلِعا

لا مترفًا إن رخاء العيش ساعده      ولا إذا حـــلَّ مكــروهٌ بـه خَشَعَا

لقد بذلت لكم نصحي بلا دخل                  فاستيقظوا إنَّ خير العلم ما نفعا

2- المختارة «صلاح الناس» للأفوه الأودي([78]):

فينا معاشر لم يبنوا لقومهم      وإن بنى قومُهُم ما أفسدُوا عادُوا

لا يرشدون، ولن يرعوا، لمرشدهم   فالجهل منهم، معاً، والغيُّ ميعادُ

كانوا كمثل لُقيم في عشيرته      إذ أهلكت بالذي قد قدمت عادُ

أو بعدهُ، كقدار ، حين تابعه      على الغواية أقوامٌ، فقـد بادُواْ

والبيت لا يبَنى ، إلاّ له عمد       ولا عماد، إذا لم ترس أوتادُ

    فإن تجمع أوتادٌ وأعمدة          وساكن، بلغوا الأمر، الذي كادُوا

لا يصلحُ الناسُ فوضى،لا سراة لهم   ولا سراة، إذا جُهَّالُهم، سادُوا

تلقى الأمورُ، بأهلِ الرأيِ ما صلحت   فإن تولّوا فبالأشرار تنقـادُ

3- المختارة «توجيه» للبيد العامري([79]):  ما عاتب المرءَ الكريمَ كنفسه    والمرءُ يصلحُهُ الجليسُ الصالحُ

ويلاحظ الباحث أن القسم الثاني من الجزء الثاني من هذه المختارات يكاد يكون ديوانا للحبّ والغزل، إذ يكثر المصنّف فيه من الاختيار من شعري الحُب والغزل. والأساس الجمالي من بين الأسس التي اعتمدها الجواهري في اختياره أيضا؛ إذ نجده يختار القصائد والأشعار التي تحوي صوراً فنية جميلة: تشبيهات واستعارات ومعاني مبتكرة إلى جانب التركيب اللغوي الرصين، ومن الأمثلة عليه المختارات الآتية:

1- المختارة «مثلي من يدرك المجد» لامرئ القيس منها([80]):

يضيء الفراش وجهُهُا لضجيعها                               كمصباح زيتٍ في قناديل ذبالِ

2- المختارة «الملك الشمس» للنابغة الذبياني منها ([81]):  

فإنّكَ شمسٌ والملـوكُ كواكبٌ                                 إذا طلعت لم يبدُ منهنَّ كوكبُ

3- مختارة «إذا عضتك أنياب الدهر» جريبة بن أشيم الفقعسي منها([82]):

إذا الدَّهرُ عضتك أنيابهُ    لدى الشَّر فأزم به ما أزمْ

ولا تلقينْ شرّهُ هائبــاً       كأنَّك فيه مسرُّ السَّقـمْ

4- المختارة «الاستضاءة بالأحساب» لأبي الطمحان منها([83]):

أضاءت لهم أحسابُهم ووجوهُهم    دجى اللّيل حتى نظّم الجزع ثاقُبه

5- المختارة «القدر المحتوم» أرطاة بن زفر المرّي([84]) :

رأيت المرءَ تأكلُه اللَّيالي    كأكلِ الأرضِ ساقطة الحديدِ

وما تبغي المنيّة حين تأتي  على نفس ابن آدم من مزيدِ

وأعلم أنَّها سَتكِرُّ حتَّى     تُوفي نذرها بأبي الوليـد

   ومن الأسس التي اعتمدها المصنف في الاختيار؛ أيضًا؛ الأساس الفلسفيّ الوجوديّ كما يتجلى في المحاور الآتية :

أ-الموقف من الزّمن: 1- المختارة«عش بجد»للحارث بن حلّزة اليشكري منها([85]):

مَنْ حاكم بيني وبي    ن الَّدهر مالَ عليَّ عمدا

أودى بساداتنا وقد      تركوا لنا حَلقا وجُردا

2- المختارة «سيرة الدهر» لتميم بن مقبل منها([86]):

إنْ ينقص الدَّهرُ مني، فالفتى غرضٌ  للدهر، من عوده وافٍ ومثلومُ

وإن يكن ذاك مقدارًا أحببت به     فسيرةُ الدَّهر تعويجٌ وتقويمُ

ما أطيبَ العيشَ لو أنّ الفتى حجرٌ تنبو الحوادثُ عنه، وهو ملمومُ

3- المختارة «عجائب الزمان» للخنساء ([87]):

إنَّ الزمان وما تفنى عجائبه     أبقى لنا ذنباً واستؤصل الرأسُ

أبقى لنا كلَّ مكروهٍ وفجّعنا     بالأكرمين فهم هامٌ وأرماسُ

إنَّ الجديدين في طول اختلافهما لا يفسدان ولكن يفسد الناسُ

4- المختارة «ليتنا لم نكبر» لقيس بن الملوح منها([88]):

تعلَّقت ليلى وهي ذاتُ ذؤابةٍ        ولم يبدُ للأتراب من ثديها حجمُ

صغيرين نرعى البَهَمَ يـا ليت أننا    إلى اليوم لم نكبُر ولم تكبُر البهم

ب- الموقف من المكان: 1- المختارة «كلّ حيّ إلى فناء» لهدبة بن خشرم منها ([89]):

ألا يا لقومي للنوائب والدَّهر   وللمرءِ يُودي نفسَهُ وهو لا يدري

وللأرض كم من صالح قد تأكَّمت  عليه فوارته بلمَّاعةٍ قَفْـرِ

فـلا تتقي ذا هيبة لجلاله      ولا ذا ضياعٍ هنَّ يُتْركْنَ للفقـرِ

2-المختارة «القرية اللئيمة» لذي الرّمة منها([90]): 

نزلنا وقد طالَ النهارُ وأوقدت    علينا حصى المعزاءِ شَمسٌ تنالها

أنخنا فظللَّنا بأبراد-يمنةٍ           رقاقٍ وأسيافٍ قديم صقالها

فلما رآنا أهلُ مرّة أغلقوا          مخادع لم ترفع لخيرٍ ظلالها

وقد سميت باسم امرئ القيس قرية  كرامٌ صواديها لئامٌ رجالها

جـ- الموقف من الموت :- ويمثله : 1- المختارة«غنيمة» لامرئ القيس منها ([91]):

أرانا مُوضَعين لأمر غيبٍ   ونُسحرُ بالطعام وبالشرابِ

عصافيرٌ وذبّانّ ودودُ       وأجرأُ من مجلَّحةِ الذّئابِ

2- المختارة «تأملات في الموت والحياة» لمسكين الدارمي ([92]):

ولست بأحيا  من رجال رأيتهم   لكلِّ امرئ يومًا حِمامٌ ومصـرعُ

دعا ضابئًا داعي المنايا فجاءه    ولما دعوا باسم ابن دارة أسمعوا

وحصـنٌ بصحراء الثّويّة بيتُه       ألا إنما الدنيا متاعٌ يمتّعُ

وأوس بن مغراء القريعيُّ قد ثوى   له فوقَ أبياتِ الرياحيّ مضجعُ

ونابغةُ الجعديُّ بالرَّمل بيتـُـه         عليه صفيح من رخام مرصَّعُ

أرى ابن جعيل بالجزيرة بيتُـه        وقد ترك الدُّنيا وما كان يجمعُ

د- الموقف من السلطة أو نظام الحكم: 1. المختارة «فلئن تعش» للمتلمس بن عبد المسيح الصُّبعي منها([93]):

ألك السدير وبارقٌ            ومرابضٌ ولك الخورنقْ

والقصر ذو الشرفات من     سنداد، والنَّخـلُ المسّبقْ

والقمر ذو الإحساء والــ   لذّات من صاعٍ وديسقْ

والتّغلبية كلّهَا                والبدوُ من عانٍ ومطلقْ

2. المختارة «ليست رعاية الناس كرعية الأنعام» للكميث الأسدي([94]):

ساسة لا كمن يرى رِعْيةَ النا   س سواءً ورِعْيَةَ الأنعامِ

لا كعبدِ المليكِ أو الوليدِ        أو سليمانَ بَعُد أو كهشامِ

هـ _ السّخرية :1 . المختارة «الخمر بدلاً من السياسة» لعبد الله بن مصعب الزبيري([95]):

إذا تمـزَّزْتُ صُرَّاحِيَّةً   كمثل ريحِ المسكِ أو أطيـبُ

ثـم تغنى لي بأهزاجه  زيـد أخو الأنصارِ أو أشعبُ

حسبتُ أني ملكٌ جالسٌ  خفَّت به الأملاكُ والموكبُ

فلا أبالي وإله الورى    أشرَّق العالمُ أم غرّبوا

 2. المختارة «ثمل» للحطيئة  منها ([96]):  

شهدَ الحطيئةُ يومَ يلقى ربَّهُ    أنَّ الوليدَ أحقُّ بالغدرِ

نادى وقـد تمت صلاتهم    أأزيدكم؟ -ثملاً-وما يدري

2- نقد منهجه في مختارات "الجواهريّ في العيون من أشعاره":

    أهمّ الأسس التي اعتمدها الجواهري في تصنيف مختاراته هما الأساسان الفلسفي الوجودي والأيديولوجي «الثوري» وذلك لسببين رئيسين:

أولا: رغبة المصنف في محاكاة الشعراء النقاد الكبار في طرائق اختيارهم للشعر كأدونيس مثلاً فعلى الرغم من انتماء الشاعر إلى المدرسة التقليدية «السلفية الجديدة» والتزامه بالطريقة الشعرية التقليدية في نظم الشعر، من حيث التقيد بعمود الشعر العربي والموضوعات الشعرية القديمة من مدح ووصف ورثاء وهجاء وكذلك معجمه الشعري الذي يشبه إلى حدّ كبير المعاجم الشعرية للشعراء القدامى، إلا أنّه يحاول مجاراة المعاصرين في أساليبهم الشّعريّة العامّة، وخاصة في مجال بناء مضمونه الشّعريّ، وتحديدا في توظيفه تقنية "التّناص"، وقد تجلّى ذلك في غير قصيدة له؛ إذ يختار النّصوص التي تعبر عن موقفه الوجوديّ أو الثّوريّ من الحياة والواقع والمصير، ونجده كذلك يتمثّل بعض المعاني الشّعريّة لشعراء قدامى مميّزين أو يشير إلى مواقفهم بتضمينه أسماءهم في شعره، وهو بهذا يوظّف التّناص في شعره بأسلوب رائق، ومن الأمثلة على ذلك:

أ- تناصّه مع مضمون قطعة شعرية من معلقة الشاعر الجاهلي"طرفة بن العبد"في قصيدته المختارة الجواهريّة «رسالة مملّحة» يقول الجواهري([97]):

آه على «ابن العـبد» إذ    يتبرّضُ اللهو اشتفافا

أيهوى «الطـراف» و«بهكنا» بَضًّا، وأن يحمى المضافا

وعاد لاختصر المسافا      لدنا، وحيّا، واستضافا

لرأى له وسط الجبا       ل الخضر من ثلج طرافا

لاعتاض عن حَلبِ العصيـ  ـر مشى به علجٌ ودافا

حلباً تقطر من شفا   هِ الغيد يعتصر انتزافا

والإشارة هنا إلى الأبيات منها([98]):

فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى       وحقك لم أحفل متى قام عــوّدي

فمنهن سبقي العاذلات بشربةٍ         كميت متى ما تعلّ بالمـــاء تُزبــدِ

وكرّي إذا نـادى المضاف مُحنبًا      كسيـد الغضــا نبهته المتـــوردِ

وتقصير يوم الدّجن-والدّجن معجب- (ببهكنة ) تحـت الخباء المُعمّدِ

ب_ تناصّه مع مضمون قصيدة لبيد بن ربيعة العامريّ في رثاء أخيه: يقول الجواهريّ([99]):

                   ولا تغالط فقد أغناك زخـرفةً     من قبل ألفين فيما صاغه «لبدُ»

إشارة إلى قصيدة لبيد العينية([100]):

                   بلينا وما تبلى النجوم الطوالعُ     وتبقى الديار بعـدنا والمصانعُ

ج_تناصّه مع مواقف ثلّة من الشعراء العرب القدامى في شعره، ومن أبرزهم المتنبي وأبو العلاء المعري، إذ سجل إعجابه بهما وبيّن تنكر الناس لهما في عصريهما من خلال وصفه لمواقفهما وموازنته بين عصرنا الحديث والعصر العباسي المديد الذي عاشا فيه.  وكأن الجواهري قد جعل نفسه في منزلة المتنبي الشعرية وفي موقفه من عصره الذي تنكر له أهل زمانه ولم يضعوه في منزلته التي يستحقها، وكذلك مقايسته حاله بحال أبي العلاء المعري.  فالجواهري يعاني من واقع الأمة العربية الصعب؛ من فرقتها وانحدار مكانتها بين الأمم، وهوان الشاعر على الناس.  وقد أفرد الجواهري كل واحد منهما بقصيدة تحمل اسمه، وهما:

1- الجواهريّة «أبو العلاء المعري» نشرت عام 1944، ومطلعها([101]):

                   قف بالمعّرة وامسح خدّها التّربا              واستوح مَنْ طوّق الدنيا بما وهبا

2- الجواهريّة المشهورة «فتى الفتيان000 المتنبي» نظمها عام 1977 ونشرت في العام نفسه في غير دورية عربية، ومطلعها([102]):

                   تحدى الموت واختزل الزمانا    فتى  لوّى من الزمن العنانا

   ولم يكتف الجواهريّ بهاتين القصيدتين بل أشار إليهما في غير قصيدة أخرى من شعره مستذكرًا مواقفهما وتاريخيهما الخالدين ([103]).

ثانيًا: التّبويب التّاريخيّ للقصائد،إذ بدأ بقصائده التي نظمها في عقد العشرينيّات وانتهى بقصائده التي نظمها في عقد الثّمانينيّات.

  وبنى الجواهري الأساسيين الفلسفي الوجودي والأيديولوجي الثوري في هذه المختارات على المواقف الآتية:

أ_ الموقف من سلطة الحكم والقوانين الجائرة، الثورة ضدّ المحتل على نطاق الشعب العربي والشعوب الأخرى. وتمثّله المختارات (الجواهريّات): "أيها المتمرّدون"([104]) و"«الرّجعيّون» ([105]) و«الدم يتكلم بعد عشر» ([106]) و«الإقطاع» ([107]) و«ستالينقراد» ([108]) و«ذكرى وعد بلفور» ([109]) و«تنويمة الجياع» ([110]) و«الدّم الغالي» ([111]) (نظمها في الثّورة المصريّة على الاحتلال البريطاني عام 1951م » و«كم ببغداد ألاعيب» ([112]) و«الأوباش» ([113]) .

ب- الموقف من العادات والتقاليد الدّخيلة على المجتمع العربي وتمثله المختارة الجواهرية «الشباب المستخنث» ([114]) .

ج_الموقف من الحياة والزمن والناس وتمثله قصيدتاه الجواهريتان؛ «المحرّقة » ([115]) و«الأنانية» ([116]) ولعلهما من الأمثلة البارزة على اغتراب الجواهري عن مجتمعه.

د- الموقف من هيئة الأمم وتمثله الجواهريّة «يا عصبة الأمم» ومطلعها([117]):  يا أمتي - يا عصبة الأمم     لا تغتضبي -يا ثلج- من ضرمي

الخاتمة:

عرّف الباحث في دراسته هذه بالممارسة النّقديّة للجواهريّ الشّاعر في مختاراته (الجمهرة) و(العيون)" وفق المحاور الرئيسة التي بنى عليها بحثه، فكشف عن شهادة الجواهريّ على عصر من الشّعر والنّقد وعرّف بماهية مختارات "الجمهرة" ومختارات "العيون" ودواعي الاختيار فيهما، وأماط اللثّام عن جهد الجواهريّ في نقد الشّعر ونقد النّقد وعرف بمنهج الجواهريّ في الاختيار ثم نقده. وخلص إلى جملة من النّتائج المهمّة تمثّلت في ما يأتي:

- يعدّ الجواهريّ علمًا بارزًا من أعلام الشّعر العربيّ المعاصر له حضوره البارز على ساحة الشّعر العربيّة،ولا يعيبه تمسّكه بالأصالة، فهذه طريقته الشّعريّة التي ارتضاها لنفسه ونافح عنها، أمّا سرّ هذا التّمسك بها فيمكن عزوه إلى سببين:

أولهما: نشأة الشاعر الأولى في بيئة عربية تهتمّ بإحياء تراثها وتحافظ عليه وتدافع عنه(بيئة أبي الطّيّب المتنبّي) .

ثانيهما: إيمان الشاعر بأصالة تراثه واستمرار صلاحيّته، وبأنّ الخروج عليه بالطريقة التي يدعو إليها الحداثيّون مسخ وتشويه لعراقته.  ومع أنّ الجواهري يتبنى-في ما يبدو-هذا الموقف إلا أنّه من المجدّدين الذين خرجوا على تقييدات القافية، كما في قصائده؛ الجواهريّة «أيها الأرق» ([118]) والجواهريّة «يا نديمي» ([119])، وهي من مطولاته؛ إذ يبلغ عدد أبياتها(424) بيتًا. ويضاف إلى ما سبق نظمه للقصيدة الدراميّة نوعًا ما، ولعلّ أبرز الأمثلة عليها الجواهريّات: "الأوباش" ([120]) و"أفروديت"([121]) و"الشيخ والغابة"([122]) و"زوربا"([123]). وقد تواصل الجواهري مع واقعه بشعره على نحو مميّز، إذ كانت قصائده الثّوريّة ملهبة لمشاعر الجماهير العراقيّة والعربيّة وحظيت باهتمام كبير من الباحثين المعاصرين.

-        رغبة الجواهريّ في محاكاة الشّعراء النّقاد العرب الكبار في تاريخ حركتي الشّعر والنّقد العربيتين القديمة والحديثة، كالشّاعر العباسيّ أبي تمام والشّاعر النّاقد المعاصر أدونيس- علي أحمد سعيد.

-        رغبته في وضع مصنف من الشعر يحوي عيون الشعر العربي وآخر يضمّ عيون شعره ليكونا سهلي التّناول لدى شداة الأدب.  وقد غلب الذّوق التقليدي على جهوده النّقديّة؛ وكأنّها رسالة أراد أن يختم بها حياته الحافلة بالشعر،كما هي حافلة بالسّفر والتّرحال والاغتراب عن الوطن حتى مات في دمشق غريبًا عن وطنه العراق.

-        رغبته في التّصدي لنقودات طه حسين وأدونيس اللذين بالغا في ذمّ التراث الشعري العربي وحطّا من قدره، وإن جاء ذلك متأخرًا.  وهذا الموقف وشى بحقيقة الخلاف الواقع بين المحافظين"التقليديين" والمجددين "الحداثيين" حول مفهوم الشعر ووظيفته والأسلوب المناسب لبناء نصّه. وعكست مختاراته نظريّته في إنشاء الشّعر العربيّ المعاصر.فهو يتبنّى قيم الشّعر التّقليديّة ومعياريّته الضّابطة لنظمه مع شيء من التّحرّر في التزام البحر العروضيّ الواحد في القصيدة والقافية الواحدة ومال إلى نظم القصيدة الدراميّة إلى حدّ ما

-        تقع الممارسة النّقديّة في الاختيار لدى المصنّف في دائرة النّقد الضّمنيّ أكثر من وقوعها في دائرة النّقد شبه الضّمنيّ، وهي ترتكز إلى ذوقه الخاصّ وثقافته الأدبيّة العامة وخبرته الطويلة في نظم الشّعر.

-        لم يتزعّم الجواهريّ الشّاعر تيارًا شعريًا تجديديًا ولم يتبنّ على الرغم من معاصرته لكلّ التّيارات الشّعريّة والنّقديّة التي ظهرت في القرن العشرين وأحدثت تحوّلات جذريّة في حركة الشّعر وحركة نقدها .

-        ولم يصدع المصنّف بنظريّة شعريّة جديدة تضاهي نظريّة"الشّعر الحرّ"التي ابتدعها مواطناه الشّاعرة نازك الملائكة والشّاعر بدر شاكر السّياب أو تقل عنها، وإنّما مثّلت تجربته امتدادًا للنّظريّة الشّعريّة العربيّة التّقليديّة مع نبهات تجديديّة معيّنة في أسلوبه الشّعريّ.  ولا يرى الباحث غضاضة في ذلك، فشاعرنا كان مشغولا بالفكر السّياسيّ والتّعبير عن هموم النّاس ومشكلاتهم أكثر من انشغاله بالفكر الشّعريّ. وقد تجاوزت طموحاته السّياسيّة الجامحة حدود ذلك إذ عمل في القصر الملكي في عشرينيات القرن الماضي ثم ناصر عددًا من الانقلابات العسكريّة وسرعان ما انقلب عليها.

-        أهم المقاييس النّقديّة التي استخدمها المصنف في الاختيار؛ هي المعيار الجماليّ والمعيار الأخلاقيّ التّربويّ والمعيار الفلسفيّ الوجوديّ والمعيار الأيديولوجيّ الثّوريّ والمعيار الفنيّ.

-        حاكى الجواهريّ منهج أبي تمام في الاختيار في منهجه الاختياري من جهة الأسس النّقديّة العامة التي اعتمدها في عمليّة الاختيار، وخاصة، في المعيارين؛ الجماليّ والأخلاقيّ التّربويّ. وخالفه في اعتماده المعيار الفلسفي الوجودي والمعيار الأيديولوجي الثوري اللذين حاكى بهما منهج أدونيس في مختاراته "ديوان الشعر العربي" وقد استند إلى ذائقته الشّعريّة المنحازة إلى طريقته الشّعريّة والفكر الثوريّ الذي يؤمن به في الأغلب الأعم فمثلت مختاراته تكامل التّوازي مع طريقته الشّعريّة.

-        مثلت مختاراته "الجمهرة" في وجه من وجوهها ردًّا على منهج أدونيس في اختياراته"ديوان الشّعر العربيّ". فمارس بذلك نقد النّقد، وهو موقف نقدي نادر للجواهري بالنظر إلى عزوفه معظم سنيّ حياته عن ممارسة النّقد.

-        تصنّف مختاراته "الجمهرة" في إطار مختارات من مختارات قديمة وحديثة، وتصنّف مختاراته "العيون" في إطار مختارات من ديوان شعري واحد، فمارس بذلك نقد النّقد والنقد الضّمنيّ ونقد ذاته الشاعرة. وقد جمع فيهما بين مختارات القصائد ومختارات المقطوعات. وإن طغت القصائد على مختاراته "العيون من أشعاره" بينما طغت المقطوعات على مختارات "الجمهرة". ويظلّ الجواهريّ النّاقد في حاجة إلى مزيد من القراءة والبحث. 

هوامش البحث:


[1])) من الدراسات المهمة مثلاً: الجواهري شاعر العربية لعبد الكريم الدجيلي، و الجواهري ديوان العصر لحسن العلوي، والجواهري؛ رؤية غير سياسية للمؤلف نفسه، وأزمة المواطنة في شعر الجواهري لفرحان اليحيى، و الجواهري صحفيًا لسليم التكريتي وغيرها .

(2) ينظر فرحان اليحبى: أزمة المواطنة في شعر الجواهري (حياته)ص ص 64_71 وينظر عبد الكريم الدجيلي: الجواهري شاعر العربية 1: 145وانظر  علي جواد الطاهر: مقدمة ديوان الجواهري 1 : 11 وما بعدها

(3) ينظر المرجع نفسه (الصحافة) ص ص 95_ 99 وينظر سليم طه التكريتي : الجواهري ص 97

(4) الجواهري: الجمهرة ، المختار من الشعر العربي بمختلف عصوره  1: 9

(5) المصدر نفسه  1: 14

(6) ينظر محمد صادق زلزلة : أسعف فمي لشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري ص ص 19-22

(7)سليمان جبران:مجمع الأضداد-دراسة في سيرة  الجواهري وشعره (في السيرة الجواهرية) ص 10- 31،وينظر أيضًا عبد الحسين شعبان: الجواهري؛ جدل الشعر والحياة ص 146(حوار المؤلف مع الشاعر )، وينظر حسن العلوي: الجواهري ديوان العصر ص 143، وينظر للمؤلف نفسه:الجواهري، رؤية غير سياسية ص47 وينظر هادي العلوي: الجواهري، دراسات نقدية ص 83

(8) محمد مهدي الجواهري : الجواهري في العيون من أشعاره  ص  660

(9) ينظر محمد مهدي الجواهري :الجمهرة ،المختار من الشعر العربي بمختلف عصوره   2: 7 -25

(10) المصدر نفسه  1: 17

(11) المصدر نفسه  1: 18

(12) ينظر للباحث "أدونيس ناقدًا حداثيًا للتراث العربي-مختارات ديوان الشعر العربي نموذجًا"،مجلة جامعة بيت لحم،العدد 21، 2002م

(13) الجمهرة :  1: 33

(14) المصدر نفسه  1: 20

(15) الجمهرة :   1: 20

(16) ينظر ابن منظور: لسان العرب وينظر مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط مادة (ع ي ن)

(17)محمد مهدي الجواهريّ: الجواهري في العيون من أشعاره  ص 9 

(18) المصدر نفسه  ص 11

(19) ينظر  المصدر نفسه  ص 33-39

(20) أدونيس : ديوان الشعر العربي  1: 13- 14

(21) المصدر نفسه 1: 21

(22) الجواهري : الجمهرة 1: 21 (23) المصدر نفسه 1: 21 (24) المصدر نفسه 1: 22 (25) المصدر نفسه 1: 36

(26) ديوان الهجاء العربي ص 9 ، وينظر الجمهرة  1: 37.ويشار هنا إلى أن هادي العلوي قد ساعد الجواهري في إعداد الجزء الثاني من الجمهرة (العهد الإسلامي والأموي)، وهو أحد أصدقائه المقربين؛ يقول الجواهري:"السيد الهادي-الهادي العلوي في الطليعة من أدباء العراق الموهوبين والمجددين والصامدين أيضًا " الجمهرة 2: 23-24

(27) أدونيس:ديوان الشعر العربي  1: 14

(28) الجواهري : الجمهرة : 1: 34_ 35 (29) المصدر نفسه 1: 33 (30) المصدر نفسه 1: 34 (31) المصدر نفسه 1: 35

(32) ديوان الشعر العربي 1: 10 

(33) مقدمة للشعر العربي ص 96_ 97

(34) ديوان الشعر العربي  1: 10

(35) المصدر نفسه   1: 11

(36) المصدر نفسه  1: 11

(37) مقدمة للشعر العربي ص 78

(38) ديوان الشعر العربي  1: 12 

(39) ينظر ديوان الجواهري (الفهرس) 5: 327_370

(40) الجمهرة  1: 40 

(41) المصدر نفسه 1: 40 _41

(42) المصدر نفسه 1: 41_42

(43) المصدر نفسه 1: 39

(44) المصدر نفسه 1: 39

(45) المصدر نفسه 1: 18

(46)أدونيس :ديوان الشعر العربي 1: ط _ 32

(47) الجمهرة 1: 48_ 50

(48) المصدر نفسه  2: 31 _ 32

(49) المصدر نفسه 1: 23

(50) المصدر نفسه 2: 23_ 24

(51)المصدر نفسه 2: 24

(52) المصدر نفسه 1: 24

(53) المصدر نفسه 1: 22_ 25      

(54) المصدر نفسه  1: 25_ 26

(55) ينظر إحسان عباس : تاريخ النّقد الأدبي عند العرب ص 50

(56) الجمهرة 2: 16- 17

(57) المصدر نفسه  1: 18

(58) المصدر نفسه 1:  18

(59) المصدر نفسه 1: 19

(60) الجواهري في العيون من أشعاره ، القصائد:"أأخي أبا سعد"ص 667 و"ماذا أغني "ص 673 و "فرقة الدفاع عن السلام"ص 678  و"عهد المروءة"ص 679و "برئت من الزحوف" ص 680 و"بغداد" ص 682 و"يا أمتي" ص 683

(61) مقدمة للشعر العربي ص 96_97

(62) الجواهري في العيون من أشعاره ص 337،ومن مختارته غير الكاملة:"مقالة كبرت"و "الليل والشاعر"وهي قطعة مستلة من قصيدة الثورة  ص 47

(63) المصدر نفسه ص 243 قصيدة "المقصورة"

(64) ينظر فهرس ديوان الجواهري  5: 373 وما بعدها

(65) ينظر الجواهري في العيون من أشعاره ص ص 43- 88 و95-183 و189-31 و 315-401و407-547و 551-635و639-683

(66) الجمهرة  1:  11

(67) المصدر نفسه  1: 10-11

(68)  المصدر نفسه  1: 11

(69)  المصدر نفسه  1: 13

(70)  ينظر شرح المعلقات السبع للزّوزني ص  165- 189

(71)  الجمهرة  1:  13

(72)  المصدر نفسه 1: 13

(73) ينظر طه حسين : في الأدب الجاهلي  ص 219- 220

(74) في الأدب الجاهلي ص 221-223

(75)  الجمهرة   1 :   13 

(76) المصدر نفسه 1: 12

(77)  المصدر نفسه 1: 65-68  

(78) المصدر نفسه 1: 161-162 وانظر مثلا مختاراته من شعر حاتم الطائي والمثقب العبدي وذي الإصبع العدواني وقيس بن عاصم وشعبة بن  عريب ، الجمهرة 1: 169و 232و 275و 407و 475

(79) المصدر نفسه 2 : ق1: 202 وانظر مثلاً مختاراته من شعر منقذ الهلالي وعروة بن حزام وعبد الله بن قيس الرقيات ومحمد بن بشير الخارجي، الجمهرة  2:ق1 : 53 و 156 و 359

(80) المصدر نفسه 1: 185

(81) المصدر نفسه 1: 528

(82) المصدر نفسه  1: 725

(83) المصدر نفسه 2: ق1 :165

(84) المصدر نفسه  2: ق2 : 97

(85) المصدر نفسه 1: 155

(86) المصدر نفسه  2: ق1 :84 ،وقد نسبها المصنف خطأ إلى كعب بن زهير

(87) المصدر نفسه  2: ق1 : 95

(88) المصدر نفسه 2:ق1 : 211 

(89) المصدر نفسه 2: ق1: 298

(90) المصدر نفسه  2: ق1 : 298

(91) المصدر نفسه 1: 215

(92) المصدر نفسه 2: ق 2 : 166_167

(93) المصدر نفسه 1: 119_ 120

(94) المصدر نفسه 2: ق 2 : 534

(95) المصدر نفسه 2: ق2 :747

(96) المصدر نفسه 2: ق1: 276

(97) الجواهري في العيون من أشعاره ص ص 528_529

(98) المصدر نفسه ص 528 وانظر شرح المعلقات السبع للزوزني ص 82_83

(99)المصدر نفسه ص 535

(100) المصدر نفسه 535

(101) المصدر نفسه ص 210

(102)المصدر نفسه ص 627

(103) ينظر  المصدر نفسه ،قصيدة "يا ابن الرافدين"ص 628 و "لبنان يا خمري ويا طيبي " ص 417وذكر فيها أسماء أعلام آخرين

(104) المصدر نفسه ص ص 79- 80

(105)  المصدر نفسه ص ص 81- 83

(106) المصدر نفسه ص ص 106- 108       

 (107) المصدر نفسه  ص ص  180-182             

(108) المصدر نفسه  ص ص   204-207     

(109) المصدر نفسه ص ص 226- 228       

(110) المصدر نفسه  ص ص 329- 333         

(111) المصدر نفسه  ص 341                        

(112) المصدر نفسه  ص ص   342-34        

(113) المصدر نفسه  ص ص 388-389          

(114) المصدر نفسه  ص ص  96-100           

(115) المصدر نفسه  ص 351                          

(116) المصدر نفسه  ص ص 101-103    

(117)المصدر نفسه  ص ص 115- 116   

(118) المصدر نفسه  ص 683  

(119) المصدر نفسه  ص ص   437-440 

(120)المصدر نفسه  ص ص 441-480 

(121) المصدر نفسه  ص ص 95-100

(122) المصدر نفسه  ص ص  401-403  

(123) المصدر نفسه  ص ص  540-544 

المصادر والمراجع :

-أدونيس، علي أحمد سعيد إسبر:

1 -       ديوان الشعر العربي، ثلاثة أجزاء ، دار الفكر، ط2 ، 1986م .

2 -       مقدمة للشعر العربي، دار الفكر، بيروت، ط5 ، 1986م .

3 -       التكريتي، سليم طه: الجواهري، دار الريس، لندن، 1992م.

4 -       جبران، سليمان: مجمع الأضداد-دراسة في سيرة الجواهري وشعره، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2003م .

-        الجواهري، محمد مهدي :

5 -       الجواهري في العيون من أشعاره، دار طلاس، دمشق، ط1، 1993م.

6 -       الجمهرة؛ المختار من الشعر العربي بمختلف عصوره، الجزء الأول(العصر الجاهلي)، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، ط1، دمشق،1985م.والجزء الثاني (العهد الإسلامي والأموي): القسم الأول، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، ط1، 1990، والقسم الثاني، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، ط1، 1991م .

7 -       ديوان الجواهري، خمسة أجزاء ،تحقيق عدنان درويش ، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1984م.

8 -       حسين، طه: في الأدب الجاهلي، دار المعارف بمصر، ط 10، 1969م.

9 -       الدجيلي، عبد الكريم: الجواهري شاعر العربية، مطبعة الآداب، بغداد، 1972.

10 -   زلزلة، محمد صادق: شرح قصيدة "أسعف فمي "، المطبعة الوطنية، عمان _الأردن، 1993م

11 -   الزّوزني، أبو عبد الله بن أحمد بن الحسين: شرح المعلقات السبع، دار الجيل، بيروت، ط3، 1979م.

12 -   شعبان ،عبد الحسين : الجواهري ، جدل الشعر والحياة، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1997م .

13 -   عباس، إحسان : تاريخ النقد الأدبي عند العرب، دار الثقافة، بيروت، ط4، 1983م.

14 -   العلوي ،حسن: الجواهري ديوان العصر، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1986م.

15 -   الجواهري رؤية غير سياسية، مكتبة الأبحاث، زحلة_لبنان، 1996م.

16 -   العلوي ، هادي:

17 -   الجواهري، دراسات نقدية ، مطبعة النعمان، بغداد، 1969م.

18 -   ديوان الهجاء العربي، دار الحوار، اللاذقية، ط1، 1982.

19 -   العواودة، زين العابدين: "أدونيس ناقداً حداثياً للتراث العربيّ– مختارات ديوان الشعر العربي نموذجا"، مجلة جامعة بيت لحم، العدد 21، 2002م.

20 -   مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط، إخراج ابراهيم أنيس (الدكتور) ورفاقه، جزءان، إدارة إحياء التراث الإسلامي، دولة قطر، 1985م.

21 -   ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم: دار صادر، بيروت، 1994م.

22 -   اليحيى ، فرحان: أزمة المواطنة في شعر الجواهري، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001م .