الرّمز في الرواية السياسيةpdf

الدراويش يعودون إلى المنفى لإبراهيم درغوثي أنموذجا

 الأستاذة نزيهة الخليفي

 باحثة من تونس

 Abstract:
"The Dervish came back to the exile " depends mainly on making use of the local symbols in the presence of the conceptions of the political oppression and the terrorism of the authority . Also it sheds lights on the compulsion and the torture of the authority that are widely common too , on the point that the engagement of the novel with politics gives it an important role in the social and political change , through criticizing the actual and real life in the society and revealing the seeds and the symbols of the political change , as we can not understand poetics without understanding the symbols which are used by the writer which express his awareness and his identification towards the world , because the symbolic expressions are not only an artistic style but they were aesthetic and artistic attitude from the world as well .

Résumé:
“Les Derviches retournent à l’exil” est un roman qui met en œuvre une symbolique locale qui trahit la présence d’indices tangibles sur l’oppression politique et le terrorisme d’état ainsi que maints autres aspects d’oppression et de torture. Ce lien scellé entre l’écriture et la politique a donné au roman un rôle important dans le changement socio-politique, à travers sa critique du réel et sa prémonition du changement à venir. En effet, on ne peut comprendre le politique si on ne tient pas compte la nature des symboles révélant la conscience de l’auteur du monde qui l’entoure, car l’expression symbolique n’est pas ici seulement un choix stylistique, mais plutôt une attitude esthétique vis-à-vis de ce même monde.

الملخص:

تنبني رواية الدّراويش يعودون إلى المنفى على توظيف الرّموز المحيلة على حضور دلالات القمع السّياسي وإرهاب السّلطة وألوان القهر والتّعذيب فيها، باعتبار أنّ ارتباط الرّواية بالسّياسة قد أعطاها دورا هامّا في التّغيير الاجتماعي والسّياسي، من خلال نقدها للواقع وكشفها لبذور التحوّل السياسي، حيث لا يمكن فهم السياسي دون فهم طبيعة الرّموز المعبّرة على طبيعة وعي الكاتب بالعالم، لأنّ التعبير الرّمزي لم يكن أسلوبا فنيا فحسب، بل كان موقفا جماليا من العالم أيضا.

التقديم:

يعدّ المغيّب والمسكوت عنه في الخطاب الروائي من النصوص الضمنية الموازية للنص المكتوب، التي تدفع النقد الحديث إلى محاصرتها واقتحام مكامنها وكشف خباياها للبحث عن استراتيجية تشكّلها وإعادة إنتاجها وتأويلها. وذلك من خلال ارتياد الرّموز المحرّكة لبنية الرواية والمشكّلة لدلالاتها، عبر الدّخول في مسارد عناصر النص وتحليل رموزه اللّغوية ذوات المعاني المتعدّدة. وهو مبحث توسّلنا له سبيل "الرمز في الرواية السياسية" مجالا نسعى من خلاله إلى الكشف عن ذلك الماوراء الذي يرتاده النص فيما هو يتشكّل، ومحاصرته وكيفية توظيفه في بنية السّياسة وتوظيف بنية السّياسة نفسها بوصفها رمزا. فالرموز السّياسية لا تتضح معالمها إلاّ باستنطاق مكامن النص بناء ودلالة والوقوف على رمزيتهما في تشكيل الحدث السياسي، خاصّة وأنّ أغلب كتاب الرواية السياسية قد آمنوا بأنّ العالم العربي مازال يرزح تحت أنظمة القهر والاستبداد والطغيان، فجنحوا، للتعبير عن ذلك، إلى توظيف الرّموز والأقنعة والأساطير واتخاذها وسيلة للنقد والتقويم. ويتبدّى لنا ذلك من خلال مسألة الرّمز فيرواية الدراويش يعودون إلى المنفى لإبراهيم درغوثي، باعتبارها رواية سياسية بامتياز، تعالج نمطا من الصّراع بين حضارتين: الغربية والعربية عبر شخصيتي فرنسوا مارتال هذا السائح "الفرنسي اللّعين"[1] ودرويش الذي "استحال خطرا يهدّد الفرنسي باستمرار وطيفا يقضّ مضاجع أرباب السلطة سياسة وتجّارا"[2]. وفي هذا الإطار تواجهنا مجموعة من الأسئلة من أبرزها:

لماذا لجأ درغوثي إلى توظيف الرّموز في رواية الدراويش؟ هل ذلك راجع إلى أنّ الرواية تمليه ولا تكتمل دراستها إلاّ بالبحث فيه والنظر في تجلّياته؟ أو إنّ السّياسة لا تتمرأى ولا تتمظهر إلاّ بالكشف عن الرّموز المشكّلة لها؟ وهل إنّ أوضاع الشرق العربي لا تنكشف إلاّ بالنّظر في بنية السّياسة العربية وتركيبتها وأبرز ملامحها؟. لعلّ هذه الأسئلة لا تتضح معالمها إلاّ بالوقوف عند المصطلحات المفاتيح: الرمز والسياسة والنص للتعريف بها والكشف عن علاقاتها المضمرة والصريحة بالنص الروائي. 

I-في حدّ المصطلح:

1-الرمز:

بالعودة إلى المعاجم العربية يعدّ الرمز في اللّغة الـ"تصويت الخفيّ باللّسان كالهمس ويكون تحريك الشفتين بكلام غير مفهوم باللّفظمن غير إبانة بصوت، وقيل الرّمز إشارة وإيماء بالعينين  والحاجبين والشفتين والفم، والرّمزفي اللّغة كلّ ما أشرت إليه ممّا يبان بلفظ بأي شيء أشرت إليه بيدأ و بعين"[3]. فالرّمز بهذا المعنى، يحيل على الإيماء والإشارة والعلامة وما يكتنفها من غموض. وأمّا في المعاجم الفرنسية، فقد عرّف هنري مورييه (H. Morier) الرّمز بأنّه "شيء محسوس يختار للدّلالة على إحدى صفاته المسيطرة كالمياه، فهي رمز الانقياد واللّيونة والشفافية والطّهارة"[4]. كما قد يحيل على معنى التواصل باعتباره "شيئا ينقسم إلى قسمين، يسمح امتلاك شخصين مختلفين لأحدهما بالتواصل والتعارف"[5].  وقد وُظّف الرّمز، على مستوى الاشتغال، في عدّة مجالات ولا سيّما في مجالي اللّسانيات والسيميائيات، فتمّت دراسته في علاقته بالعلامة، وتمّ إثر ذلك التفريق بينهما. وهو ما ذهب إليه الباحثان تزفيتان تودوروف (T.Todorov) وأوزولد ديكرو (O.Ducrot) حين حدّدا الفروق بين العنصرين وهما في حالة اختبار علائقي، مثبتان أنّه في خصوص العلامة، فإنّ هذه العناصر لا بدّ أن تكون بالضرورة مختلفة، أمّا في حالة الرّمز فتكون متجانسة. إنّ هذا الاختلاف يتيح تبيّن مشكل اعتباطية الدال التي تحدث عنها "دي سوسير" حيث تبدو العلاقة بين الصورة المسموعة أو الصورة المرسومة بالمعنى أو الدال بالمدلول اعتباطية وضرورية في آن، بينما في حالة الرّمز تبدو العلاقة بين الرامز والمرموزSymbolisant, Symbolisé  ليست ضرورية أو اعتباطية بما أنّ الرامز أو المرموز إليه يوجدان أحيانا الواحد منفصلا عن الآخر (انظر النار/ الحب)[6]. إنّ هذه التعريفات تحيل في مجملها على معاني الرّمز المتعدّدة، القائمة على الإيماء والإشارة، بموجبها يتحوّل الرمز إلى خطاب يفكّ شفراته ورموزه قارئ خاصّ يتعدّى المعنى المعجمي للّغة إلى المعاني الثاوية، حيث يخضع النص إلى التشريح والتفكيك، لنقف فيه على جدل التركيب والترتيق ووفقه ندرك دلالات الرّموز ومعانيها. وبناء على ذلك يمكن تعريف الرّمز بأنّه صورة الشيء محوّلا إلى شيء آخر، بمقتضى التشاكل المجازي، بحيث تغدو لكلّ منهما الشرعية في أن يُعْلَنَ في فضاء النص، لذلك فالرمز "موضوع يشير إلى موضوع آخر لكن فيه ما يؤهّله لأن يتطلّب الانتباه إليه لذاته، كشيء معروض"[7].

وقد اقتصر مجال حضور الرمز ودراسته في الأدب على الشعر دون الثر، فظلّت مساحته واسعة فيه، وآفاقه رحبة وطاقته الإيحائية كثيفة، ولكن اتسع حضوره ليتلبّس أيضا بالرواية، ولعلّنا هنا أمام مفارقة مأتاها أنّ طبيعة النص الروائي تنهض عادة على الإبانة والوضوح، فلماذا نواجه نصّا يقوم على التعتيم والغموض ويتلبّس ويتوسّل بالرمز؟.

لعلّ ذلك مظهر من مظاهر الحداثة، يدخل في إطار تعميق الوظيفة الشّعرية، ويقرّب الرواية من الشعر، باعتبارها تطمح إلى أن تصبح خطابا قريبا منه وهو دليل على أنّ صفاء الجنس أصبح دون قيمة في الكتابات الأدبية الحديثة. كما أنّ اللّوذ  بالرمز يمثّل شكلا من أشكال الانعتاق بالاتجاه نحو أعماق أكثر اتساعا وشمولا، والبحث عن معنى أكثر يقينية، لأنّ الرّمز يقدّم، على مستوى فنّي، حقولا أعمق كلّما تسربل النص بالغموض. خاصّة وأنّنا نحلّل رواية سياسية تقوم على التعتيم والغموض والتخفي وتجاوز الرّقابة في نقد السّياسة والأوضاع التي آلت إليها.

2-السياسة:

تحمل كلمة سياسة، في المعاجم معان مختلفة، فهي "فنّ حكم الحضارة (الدولة) بقصد بلوغ ما يعتبر أنّه الغاية العليا للمجتمع، علم حكم الدول، طريقة الحكم ( يقال مثلا: سياسة ليبرالية، سياسة سلطوية، سياسة رجعية)، مجموع الشؤون العامة (مثلا: السياسة الداخلية، السياسة الخارجية، سياسة الاستخدام، إلخ). بالنسبة لجورج بيردو(Georges Burdeau)السياسة هي الخاصة التي ترتبط بكلّ حدث وكلّ عمل وكلّ وضع يعبّر، داخل جماعة بشرية، عن وجود علاقات السّلطة والطّاعة القائمتين من أجل غاية مشتركة"[8]. فبهذا المعنى، تعدّ السياسة مصطلحا جامعا بين الفن والعلم وطرق الحكم. لذلك عرّفت بأنّها " فنّ الحكم لأمّة بقصد ضمان وضع داخلي يكون أكثر ملاءمة لها قدر الإمكان، وضمان وضع ممتاز لأمنها ولهيبتها إزاء الأمم الأخرى"[9]. ممّا يشرّع إلى أنّ السياسة فنّ له شروطه ومبادئه، باعتبارها جملة العلاقات المتشكّلة بين الطبقات والمتطوّرة في نطاق المجتمع الواحد وبين الأمم والدّول، وهي علاقات على غاية من الأهمية والخطورة ليس لأنها مجسّدة للسياسة ومعرّفة لها، بل لأنّها كما يرى ميشال فوكو(M. Fouault): "علاقات القوى المتعدّدة التي تكون محايثة للمجال الذي فيه تلك القوى، مكوّنة لتنظيم تلك العلاقات، إنها الحركة التي تحوّل تلك القوى وتزيد من حدّتها وتقلب موازينها بفعل الصراعات والمواجهات التي لا تنقطع"[10]. ومن هذا المنطلق تعدّ السياسة قوّة للنفوذ والعلوّ وأداة للقمع والغلبة في تأرجحها بين خدمة الشعب وقتله من خلال ممارساتها لظواهر القمع والاستبداد والاضطهاد وفرض الهزيمة على الشعوب. وقد وُظّفت السياسة في النص الروائي بأساليب تقوم على المراوغة والأقنعة والرّموز، لأنّها تعدّ من المواضيع المسكوت عنها التي لا يمكن البحث فيها دون إغماضها وتعتيمها. ولكن كيف تعامل النص الروائي مع هذه الرموز السياسية؟ وكيف ساهمت في تشكيل البناء الروائي والنهوض بمعماره؟ لعلّ ذلك يستوجب البحث في معرفة النص أوّلا ثم الكشف عن مدى قدرته على استيعاب هذه الرموز السياسية وصهرها وكيفية تشكيل البناء الروائي ودلالاته السياسية.

3-في معرفة النص:

يتكوّن النص من مجموعة من الجمل و"يشترط أن تكون بينها علاقات أو على الأصح بين بعض عناصرها علاقات، تتمّ هذه العلاقات بين عنصر وآخر وارد في جملة لاحقة أو بين عنصرين وبين متتالية برمّتها سابقة أو لاحقة"[11].وقد درس هانس جورج غادامير (GadamerH.G.) النص من خلال ثبات بنيته مؤكّدا أنّ "كلّ خطاب ثابت هو نصّ، فالنص هو هذا الشيء الثابت والمستقرّ في ذاته، بواسطة الثبات الدّاخلي لبنيته"[12] وأنّه يمرّ، في إنتاجه لدلالاته، عبر خطوات يبني خلالها علاقات داخلية بين مكوّناته، وهي علاقات تتشكّل فيما بينها على الاختلاف، ذلك أنّ عناصر النص لا تبوح بدلالاتها إلاّ إذا مارست لعبة العلاقات المختلفة. لذلك يتمّ الكشف عن العلاقات الوظائفية البانية للنص من خلال الانزياح عن المعنى، لأنّه "منظّم بطريقة ما بحيث كلّ أجزاء الخطاب مرتبطة ببعضها، ومثبتة تحت شكل نهائي، غير قابل للتغير"[13]، ممّا يحمل اللّغة على اتخاذ بنية محدّدة داخل النص وبتكرارها يتحوّل المعنى إلى شكل ثابت في مستوى الفهم، لأنّ "الفكر يفهم الفكر، ليس فقط بواسطة التماهي في البنية، وإنّما بتكرار الخطابات الخاصة واستمراريتها أيضا"[14]، هذا على مستوى علاقة الدال بالمدلول أي علاقة بنية النص بدلالاته وكيفية تشكّلها، أمّا النص من حيث هو دليل، فهو منفتح على العديد من الدّلالات من خلال تعالقه وتضمّنه لمجموعة من النصوص الأخرى، وهذا ما ذهبت إليه جوليا كرستيفا (J. Kristeva)من أنّ "النص جهاز عبر لساني يعيد توزيع نظام اللّسان بواسطة الرّبط بين كلام تواصلي يهدف إلى الإخبار المباشر وبين أنماط عديدة من الملفوظات السّابقة عليه، والمتزامنة معه. فالنص إذن إنتاجية"[15]، يقوم على التعدّد الناتج عن بنيته، لذلك "لا يمكن إخضاعه لتفسير أو لتأويل وإنّما فقط كلّ ما نستطيعه أمام النص هو تفجيره"[16]، لأنّه يُقرأ في تعدّده، في تناصه، في اختراقيته، في فاعليته ومفعوليته. و"يمكن أن نستعير له مقولة كافكا "ليس عندي ما هو جاهز ونهائي"[17]. لذلك فالنص فضاء لتقاطع العديد من الدّلالات والرموز "لا تعرف فيه اللّغة حاجزا عن الأخرى وحيث اللغات تمرّ"[18]، باعتباره نظاما ترميزيا إيحائيا يحيل على العديد من الإشارات والدّلالات، فهو نظام دلالي ثان بالقياس إلى نظام دلالي أوّل تذهب فيه الدّلالة من قريب إلى بعيد ومن بعيد إلى أبعد، أي يتحوّل فيه المدلول الأوّل إلى دالّ لمدلول ثان. ولمّا كان مجال بحثنا الرّمز في الرواية السياسية، فإنّنا سنسعى إلى استنطاق مكامن الرّمز وتأويل دلالاته الثواني الثاوية طيّ الخطاب خاصّة وأنّنا أمام نصّ حديث، رمي بعدم الانسجام والتفكك البنائي والغموض، واتهم بتشتّت صوره واختلال ترابطها وغياب خيط ناظم يلمّ شتات عناصره وعدم انتهائه إلى معان مترابطة متضامّة تجمع النص إلى قطب دلالي واحد، وذلك لتراكم الصّور والرّموز فيه تراكما كميا ساهم في خلخلة العلاقات الدّاخلية وتعتيم الدّلالات. وهو ما يستفزّ المتلقّي ويدفعه إلى الفهم والتأويل إيمانا منه بأنّ "التأويل ليس فعلا مطلقا، بل هو رسم لخارطة تتحكّم فيها الفرضيات الخاصة بالقراءة، وهي فرضيات تسقط انطلاقا من معطيات النص، مسيرات تأويلية تطمئنّ إليها الذات المتلقية"[19]. فطاقة النص الروائي على التدلال وقدرته على إخفاء المعاني وحجبها والتعمية عليها، وما يحتويه منتصريحاتواضحةوإخفاءاتضمنية،تتركبهفجواتيقومالقارئ بملئها والمضيّ على دروب الكشف ومعاناة الفهم. ذلك أنّ المعاني لا تتمرأى عارية ولا تهب نفسها لقارئها منذ الوهلة الأولى، بل تتأبّى عليه وتستعصي عنه. و"رغم التعقيد النصي لبناء الرواية يبقى هناك دور خاص بالقارئ في تحديد كيفية التجاوب مع هذه الإستراتيجية النصية، وفي جميع الأحوال تكون نتيجة رد فعل القارئ في الفهم والتأويل والتقويم والجمالي هي حاصل هذا التفاعل وليس نتيجة "تواصل" بسيط بينه وبين الكاتب بواسطة النص الروائي كما كان عليه الاعتقاد السائد في التفكير النقدي القديم"[20]. ولكن كيف تقوم عملية الممارسة القرائية التي ينجزها القارئ؟ وما هي آلياتها في استنباط كوامن النص ودلالاته خاصّة وأنّه يواجه نصّا ترميزيا معتّما مجاله المسكوت عنه؟ ولعلّ هذا ما أثبته تودوروف حين ميّز بين صيرورة الدّلالة وصيرورة الترميز قائلا: "إنّ الدّلالة موجودة في المفردات، أمّا الترميز فيعتمل في الملفوظ داخل التركيب"[21]. وهو ما يدفعنا إلى التساؤل ثانية: هل إنّ المعنى الرّمزي محجوب وله أقنعته الكثيرة التي تجعله ممعنا في التخفّي؟ وهل إنّ مقاربته أو تحيينه لا يكونا إلاّ اعتمادا على ملموس العلامة اللّغوية، على مادية الدوال "فالدوال طاقة لا تقبل النفاذ ولكنّها مجبرة على الظهور والانكشاف بعد طول احتجاب، واكتشافها يكون في أشكال من القول تتحقق في الخطاب"[22]، لذلك فالرمز لا يتمظهر إلاّ بالإطلالة على ما يكمن في اللّغة من قوانين توليدية وتحويلية تظلّ متكتّمة على نفسها ومتستّرة غاية التستّر وتأويل خباياها واستقراء معانيها بما أنّ الرّمز طاقة تعبير وإيحاء لا بدّ منهما.

II-الأنظمة الرّمزية وتجلّياتها الدّلالية في الرواية:

استلهمت رواية الدراويش يعودون إلى المنفى العديد من الرّموز لصنع الحدث والدّلالة ولعلّ أبرزها الرّموز الطبيعية والرموز التاريخية والرموز السياسية والرموز الأسطورية والرموز الدينية.

1-الرموز الطبيعية:

تمثّل الرّموز الطبيعية أحد أهمّ عناصر التصوير الرّمزي في النص الروائي، إذ تساهم في إبراز رؤية الكاتب الخاصّة تجاه الواقع والمجتمع وتعمل على تخصيبها. كما تمنحه القدرة على الوقوف عند الدّلالات العميقة، ممّا يضفي على إبداعه نوعا من الخصوصية والتميّز. ذلك أنّ الكاتب إذ يستمدّ رموزه من الطبيعة، يخلع عليها من عواطفه ويصبغ عليها من ذاته ما يجعلها تنفث إشعاعات وتموّجات تضجّ بالإيحاءات والإيماءات والإشارات، تتحوّل وفقها اللّغة البسيطة الشفافة إلى لغة مكثّفة ومحمّلة بالأبعاد وبالدّلالات.

وتبدو الرّموز الطبيعية في النص عديدة لا حصر لها، ومن أبرزها: النجوم والشمس والقمر والنار والأرض والقرية والواحة واللّيل والنهار والمطر... وقد اقتصرنا على الرمز المهيمن في المتن الروائي ذي الدّلالة المتجدّدة داخل السياقات المختلفة، ومن ذلك نذكر: إشارة النص إلى رمزية الواحة الواقعة في الصّحراء، "ذات المليون نخلة"[23] وما تحيل عليه من دلالات ومعان. فهي رمز للماء والظلّ والرّزق، والحلم والرؤيا والخصوبة والحياة المتجدّدة، ولكنها قد تحوّلت في النص إلى مصدر بلاء أغرت ثمارها الاستعمار قديما وبهر بديع منظرها السياح حاضرا. وتعدّ الواحة من المعالم المكوّنة للقرية التي قد تحوّلت بدورها من معلم حضاري جميل ومن بلد سعيد إلى معلم مخرّب وبلد حزين بفعل فرنسوا مارتال الرّامز للاستعمار واستلاب مقوّمات الهويّة الأصيلة واستبدالها بعناصر الحضارة الغربية، ممّا يعكس ضعف الذات العربية وتمزّقها أمام سلطة الآخر. ففقدت القرية بذلك، طابعها الأصيل وضاعت كنوزها وشوّهتها معاول الهدم والتغيير، وأحلّت محلّ أصيل بنيانها حينا وإلى جوارها حينا آخر نزلا فخمة. وقد ذكرها الكاتب حتى لا يتجرّد الفضاء ويتحوّل إلى هباء لا شكل له، فيه يفقد الإنسان هويّته. ولعلّ في تعامله مع القرية رمز الأرض/الوطن لا يقصد دلالتها الجغرافية المحدودة المرتبطة بمساحة محدّدة في منطقة ما، وإنما يراد بها دلالتها الرّحبة التي تتسع لتشمل أناسها وأحداثهم وهمومهم وتطلّعاتهم وتقاليدهم وقيمهم، لذلك تعدّ بهذا المفهوم، كيانا زاخرا بالحياة والحركة يؤثّر ويتأثر. وقد حاول الكاتب أيضاً أن يجسّد طبيعة الأرض العربية، رابطا إياها بالظروف السياسية والوطنية التي مرت بها مستلهما من عناصرها الطبيعية معاني الثبات والتجذر في الأرض والمقاومة والرسوخ. وبهذا المعنى، اهتمّ الكاتب بالأرض العربية ومفرداتها مدركا أنّ جوهر الصّراع العربي الاستعماري هو صراع على الأرض لذلك أصبح الوطن لديه هو القول الروائي بأكمله.

إنّ تعامل النص مع الرموز الطبيعية وعناصرها، لم يقف عند المشاهد الخارجية والمرئيات الحسية، وإنّما انصهر فيها انصهارا تاماً واتخذ من عناصرها رموزاً تعبر عن تجربة الكاتب ورؤيته الإنسانية مستثمرا إمكاناته الفنية، جاعلا من كلّ عنصر من عناصر الطبيعة رمزا وقيمة فنية. فهو لا ينظر إلى تلك العناصر على أنّها قيم مجرّدة في الطبيعة، وإنّما ولّد منها قيما فذّة جديدة تمثّل الأصالة والعراقة والشموخ والالتحام الأوثق والأبقى الذي يجسّد الأرض/ الوطن عبر ألوف السنين. ويمكن القول إنّ الرّمز الطبيعي يتّسم بكون قيمته الجمالية متبدّلة ومتطوّرة بشكل مستمرّ، ولعلّ هذا ما يميّزه عن الرموز الأخرى التي تمتلك وجودا محدّدا وذا سمات معيّنة في الذاكرة الاجتماعية، ممّا يجعل التلقيّ الفني لها مرهونا بتلك الذاكرة وبطبيعة التعامل الفني معها.

2-الرموز التاريخية:

تحضر في النص العديد من الشخصيات التاريخية بوصفها فواعل بأسمائها ومشاريعها، ولا يكتفي الكاتب بالإشارة إلى بطولاتها وثوراتها، بل يصوغها في شكل محكيات صغرى تؤسّس للمحكي الإطار. حيث نقف على صور من القتل والتعذيب العائدة إلى أزمان بعيدة وتتمثّل في شخصية صاحب الشامة من خلال قوله: "في عام 291 للهجرة الموافق لـ903 قبض على صاحب الشامة وهو أحد قوّاد القرامطة فعزم الخليفة على أن يشهره حتى يراه الناس جميعا"[24]. وهو خبر قد ورد مبتورا بالمقارنة مع وروده في تاريخ الطبري، وفيه لاقى صاحب الشامة العذاب المبرح، فقطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه، كما حاول الانتحار العديد من المرات وهو في السجن. وقد قام صاحب السلطة المكتفي بتعذيبه إثر تمرّده عليه. وترمز صورة صاحب الشامة هذه، إلى شخصية الكاتب الذي لاقى العذاب والويلات من درويش حين أملى عليه كتابة الرواية فرفض ولكنّه في النهاية رضخ خوفا من التعذيب. وهي أيضا رمز للعلاقة بين السائس والمسوس في حالة رفضه لأنظمته الجبرية والتمرّد عليها وأنواع التعذيب التي يلاقيها. وبذلك يفضح الكاتب الوجه الآخر للإنسان الشرير الذي يتلذّذ بتعذيب الآخرين، والتعبير عن موقف الإدانة لما تمارسه السلطة من أشكال القمع والقهر للذات الإنسانية، بانتهاك الجسد وحرمته وتعذيبه. وهي ممارسات تتخذ طابع الديمومة، إذ تمتدّ في الزمان والمكان لكي تتحوّل إلى فعل ملازم للذات العربية وحالة دالة عليها.

وقد ذكر النص أيضا شخصية النعمان بن المنذر وهو حسب كتب التاريخ، من أشهر ملوك المناذرة قبل الإسلام كان داهية مقداما، صاحب يوم البؤس والنعيم وقاتل عبيد بن الأبرص الشاعر في يوم بؤسه، واستمرّ في الحكم حتى نقم عليه كسرى بسبب مكيدة دبّرها له زوج ابنته. وقد ورد في النص ملكا متجبّرا متكبّرا يسود العرش ويخضعه لأوامره، يقول عنه الكاتب: "ويصل النعمان بن المنذر يسبقه الوزراء.. وأرباب الدولة. والحجاب.. والشعراء.. والخدم.. والحشم.. ويقرأ الملك خطاب ترحيب على شرف الزوار"[25]. وهي صورة مصغّرة تقوم على التجاذب بين صوت الحاكم وصوت المحكوم وجدلية القمع والحرية، على اعتبار أنّ السلطة تتكوّن بالضرورة من جانبي السيطرة والهيمنة مقابل الطاعة والخضوع. ذلك أنّ احتفاء الشعب بقدوم الملك انعكاس للتمثّل التقديسي للسلطة، وكشف عن تحوّل السلطة إلى مقدّس يصعب اختراقه وتجاوزه بالرغم من صورية تلك الحقيقة وغرقها في الوهم. وهو ما يبرّر احتجاج الكاتب على السائد ودعوته إلى واقع جديد ومن ثمّة ينخرط النص في الكتابة المقاومة، كتابة رفض السائد ممّا يوحي بفكرة الالتزام لدى الكاتب وانحيازه إلى صفّ المثقّف التائق إلى التحرّر من ضغط السائد وقيوده.

3-الرموز الأسطورية:

يعدّ توظيف الرموز الأسطورية من أبرز الظواهر الفنية اللافتة للنّظر في تجربة الرواية السياسية. والأسطورة هي تعبير ثقافي ورؤية للعالم ابتكرها الإنسان البدائي لتفسير الحياة والكون والوجود، والإجابة عن الأسئلة المحيّرة. وتعدّ في مستوى من مستوياتها، شكلا رمزيا في التعامل مع العالم ومع الأشياء، باعتبار أنّ "الرمز أو الأسطورة نقطة التقاء بين الظاهر والباطن، المرئي واللامرئي. وهما إذا نقطة إشعاع، مركز حركي ينتشر في الاتجاهات جميعا"[26]، وهو "اختيار وثني، فيه يعود الإنسان إلى علاقة مباشرة وجديدة مع الطبيعة، لأنها عودة من يمتلك مستقبل الزمن، بعيدا عن اختفاء الله ونسيانه لخلقه"[27]. لذلك يعتبر استغلال الأسطورة من أجرئ المواقف الثورية في النص، يتمّ استخدامها للتعبير عن أوضاع الإنسان العربي في هذا العصر. وقد وظّف الكاتب الأساطير لا لتغميض الرواية وإبهامها، وإنما لقدرتها على التعبير عن مشاغله الفكرية والسياسية والاجتماعية، وذلك بإخراجها من مرجعياتها التاريخية القديمة إلى دلالاتها الحضارية المعاصرة وجعلها معبّرة عن واقعه السياسي. وقد ضمّ النص الكثير من الإشارات والصّور الأسطورية، من خلال احتجاجها على الواقع وقولها ما يحرج الذات الساردة ويهينها أحيانا عندما يتعلّق الأمر بتاريخها البعيد والقريب، باعتبارها ذاتا موصولة ثقافيا وحضاريا بتلك العوالم التي رصدتها الرواية منشئة بذلك أسطورتها. ولعلّ من أبرز الرّموز الأسطورية المجسّدة للحدث السياسي، أسماء الشخصيات وهي تسميات تضمن لها وجودها وحضورها خاصّة في وضع سياسي يضطهدها ويهدّدها بالتلاشي، ووسط مجتمعات مهيمنة تهدّد هويتها بالضياع والذوبان فيها. فشخصية درويش، -ودرويش مصطلح يعني "مرتبة من مراتب البكتاشية وتطلق على المحب الذي يتجر في آداب الطريقة وعلومها ويلمّ بأركانها ومبادئها ويهب نفسه لخدمة العامة منها"[28]، كما يعني أيضا الـ"مجنونون بالله" مشرّدون، فقراء.. يمارسون نوعا من شعائر التزهد والمسارة كالذكر والتصوّف"[29]- تمتلك قوّة غير محدودة ميّزته على الجميع، من خلال قيامه بالخوارق واللامعقول، ويقول عنه الكاتب: "كان جلسا أمام الموقد، مادا رجليه تحت القدر ونيران جهنّم تلتهم الرجلين تأكل من اللحم والعظم وهو يتدفّأ"[30]، "وقد تكون النار نار الواقع تصلي الناس فلا يسعون إلى إخمادها. وقد  تكون نار الثورة يدعو إليها درويش ولا من مجيب. ولعلّها وهو الأرجح، الاثنان معا"[31]. وهي خوارق متّصلة بالعجيب والغريب واللاّعقلاني، حيث كان عنيفا ومتوحّشا، لا يرحم، مبدؤه التقتيل والعنف والإرهاب: "إن لم تكتب هذه الرواية سأقتلك شرّ قتلة"[32]. ولعلّ هذه الصورة الرمزية هي الصورة الحقيقية لما عاشته الأمة العربية من قتل واضطهاد وتهجير أيام الاستعمار. ومع ذلك يظلّ درويش رمزا للهوية الوطنية والقومية، يخوض صراعا ضد فرانسوا مارتال هذا "الفرنسي اللعين"[33] رمز الآخر/ الاستعمار الغربي وكلّ القوى التي تساعده على اضطهاد الشعب. ويرى الكاتب ضرورة خوض الصراع مع رموز الظلم والقهر ورفض الاستكانة والجبن، لذلك يضيف عنصرا أسطوريا جديدا يتمثّل في شخصية نمرة رمز الحياة والخصوبة والحروب، ورمز الأرض العربية عبر صيرورتها التاريخية. وهي ابنة عم درويش جاءت تساعده في صراعه ضدّ فرنسوا مارتال، وتلمّ أشلاءه لتبعث فيه الحياة من جديد من خلال قوله: "جاء درويش ونمرة. خطب في الجمع خطبة لم يبدأها ببسم الله. عند الانتهاء من الخطبة، أمر الجماعة بالمشي وراءه. مشوا ناحية الجبل إلى أن وصلوا إلى الكهف. صاحت نمرة: "افتح يا سمسم". انفلق الصخر، وظهر باب صغير. أحنى الرجال الرؤوس، ودخلوا إلى الكهف. ودخلت النساء وراءهم...ودخل درويش وراء الجميع وأغلق باب الحجر"[34]. ويبقى درويش وجه الكائن الصّوفي المثقل بالمعاني والمتسائل عن المصير الرافض، المتمرّد، الحائر المتفرّد: رافضا للنواميس والأعراف، متمرّدا على السلطانّ وسلطة الآخرين، إنّه مثال للرّمز المتعدّد والأزمنة المتبدّلة. ولعلّ هذا ما حدّد هاجس النص، وهو هاجس انبعاثي تحويلي تتّضح معالمه من خلال دخول الجميع الكهف وإشراق يوم جديد. ولكن هل حقا، يمكن التأكيد إنّ درويش هنا هو رمز انبعاثي فحسب؟ ألا يحيل هذا الرمز على المبدع في تجربته الفنية، حيث يلج إلى جوهر الظواهر محوّلا إياها إلى فنّ روائي؟

إنّ الكاتب هنا يؤمن بإمكانية الانبعاث والتحرّر، وقد جسّد حلمه عبر شخصيّة درويش الذي ساق الجميع أمامه ودخل الكهف و"في الخارج أشرقت شمس يوم جديد"[35]. ولكن رغم قسوة الواقع وانتصار فرنسوا مارتال على الشعب، فإنّ الرواية خُتمت باستشراف تفاؤلي للمستقبل، آمن من خلالها الكاتب بالانتصار والتحرّر والانبعاث والتغلّب على قوى الشر والظلم والقهر عبر رموز أسطورية خلقت الحدث وجسّدته وحاولت تغييره وإعادة انبعاثه إيمانا بأنّ "الأسطورة، الرمز، شكلان للاتجاه نحو أعماق أكثر اتساعا، والبحث عن معنى أكثر يقينية. العودة إليها نوع من العودة إلى اللاشعور الجمعي، إلى ما يتجاوز الفرد، إلى ذاكرة الإنسانية وأساطيرها، إلى الماضي بوصفه اللاوعي-وهذا كلّه يتجاوز النسبي إلى المطلق"[36]. حتى يحقّق الكاتب حلمه ورؤاه ويتخذ موقفا تجاه الأحداث ويقدّم حلولا يأمل من خلالها تغيير الواقع السياسي-الاجتماعي.

4-الرموز الدينية:

وظّف النص العديد من الرموز الدينية، فارقت سياقها الأصلي لتحلّ في سياق جديد اقتضاه منطق الحكي. ونجد من هذه الرموز: المعالم الدينية مثل معلم الزاوية التي هجرها أهلها وخلت إلاّ من الأطفال يرتّلون وراء شيخهم آيات النصر لحظة الهزيمة واستبيحت حرمتها فحاصرها الجند وصاحب الشرطة يرومون القبض على درويش المعتصم بها. يقول عنها محمد نجيب العمامي: "هجرت الزاوية أو كادت ولكنها ظلّت شاهدا صامتا حزينا على ما حدث ويحدث فتخلّت مكرهة عن دورها. وكان لا بدّ للسكان من زاوية. فكان منزل فرانسوا مارتال زاوية العصر الجديد و"محجّا للأهالي يطوفون حوله ويتبرّكون بأحجاره"[37]. فالزاوية ترمز إلى معاني العودة إلى الأجداد والانتماء الديني والحضاري وما يحيلان عليه من عمق روحي، قد دُنّست بفعل ما لحقها من تغيير وتشويه لدورها كمعلم ديني مقدّس.

وقد وظّف النص كذلك كرامات الأولياء و"الكرامة مصطلح يعني ظهور أمر خارق للعادة على يد شخص غير مدّع للنبوة مثل كرامات أهل الصوفية"[38]. وهي في الأدبيات الصوفية اسم يُطلق على فعل خارق للعادة يظهر على فئة مخصوصة من الناس أيام التكليف حسب العبارة الشرعية أي في هذه الدنيا"[39]. وهو ما جسّدته شخصية درويش في قيامه بالخوارق والعجيب، عاشر الأولياء الصالحين وشهد كراماتهم وهو بدوره صاحب كرامات وصانع أعاجيب. "ربّت على ظهر حصانه، فنبت في الحين للحصان جناحان، ريشهما من كلّ الألوان"،[40] وحلّت لعنته على من خالف أوامره[41]. فدرويش يستمدّ قوّته وهيمنته المطلقة من خلال ما يقوم به من خوارق وأعاجيب ممّا جعل الناس يخافونه ويصيحون: "يا ويلتي/ أكلني هذا الوحش. أكل هذا الوحش الشرقي صور بدء الخليقة"[42].  كما حضرت كذلك قصّة أصحاب الكهف والتقاء نمرة بهم في الجبل وإليه ساق درويش بإيعاز منها الأهالي ليكون له ولهم قبرا. فأصحاب الكهف في القصص القرآني قد فرّوا إليه طلبا للحماية والتعبّد، باعتبار أنّ "الكهوف تقوم بدور في نزول الوحي وفي الخلوات الروحية وفي العبادات والوثنية. الكهف هو إذا شعيرة بدائية بوظيفته وبالرمز المكاني الذي يتلبّسه: العودة إلى الأصول، الانكفاء التطهيري، الانطواء المسارّي في عالم ما تحت الأرض"[43]. في حين فقد دوره الوظيفي ليزجّ فيه درويش والأهالي، عقابا لهم عن عجزهم على مجاراة تغيّرات الزمن وعلى الوقوف في وجه من اغتصب منهم التاريخ والأرض وبذلك يسعى الكاتب إلى إقامة رابط صريح بين القصّة الدينية وواقع العرب إلاّ أنّه استلهم القصّة وعدل بها عن سياقها الأصلي إلى معان جديدة حملها النص، فانشدّت الدّلالة إلى الدلالات الأرضية والسياسية على وجه الخصوص.

إنّ هذه الرموز الدينية قد فارقت سياقاتها الأصلية لتحلّ في الدنيوي ترميزا إلى الواقع بأبعاده المختلفة، ولعلّ في ذلك محاولة من الكاتب استمداد القوّة من الدين لإحداث توازن نفسي داخلي، أو جسر الهوّة السحيقة التي تفصل بين الدين وتعاليمه ومعطياته من جهة، ومعطيات الواقع الممتلئ بقهر الإنسان واضطهاده، بل وقتله دون وازع من جهة أخرى.

5-الرموز السياسية:

وظّفت في النص العديد من الأساليب الزجرية والأفعال المحيلة على الخطورة والعنف والشراسة مثل: سأقتلك، أضرم، سأضعك، أسدّ، من ذلك  قوله: "إن لم تكتب هذه الرواية سأقتلك شرّ قتلة" وقال "سأضعك داخل جلد حمار وأضرم فيك النيران"[44]، "إن لم تكتب الرواية هذه المرّة أسكنت في جمجمتك رصاصة أمريكية"[45]. وهي أفعال تعكس عنف الواقع المرير وتردّيه، واقع متميّز بالهزيمة والانكسار والخيبة وما يحدث فيه من مظاهر عنف وتقتيل وتخريب وشراسة.

وقد نوّع النصّ من جهة أخرى في المعجم، فحضر معجم الخصوبة والطبيعة الحية مثل ذكره لعناصر الشمس، المطر، القمح.. وحضر إلى جانبه معجم الآلات الحربية: كالمسدّس، في قوله "جاءني درويش وبيده مسدّس مطبوع فوق جلده Made in USA وقال: "إن لم تكتب الرواية هذه المرة أسكنت في جمجمتك رصاصة أمريكية"[46]، وهو أداة الكفاح ضد فرنسوا مارتال ومن يرمز إليهم (الاستعمار). ومعجم الإنسان: النسوة، الصغار، الرجال، رمز الشعب الذي يعيش واقع الظلم والساعي إلى الانعتاق والتحرّر. وحضر أيضا معجم الكفاح: دم، دم ينزّ، جرح الانبعاث مشروط بالكفاح ضدّ الاستعمار. إلى جانب حضور معجم المقدّس: مؤمنين، عدم الاستسلام للقضاء والقدر ودعوة إلى التعويل على الفعل البشري لتحقيق الانبعاث والانتصار على المستعمر. نلاحظ أنّ هذه المعاجم تعكس الصّراع الذي يحلم به الكاتب أمام الواقع، فهو متردّد بين الإيمان بالقدرة على الفعل التحرّري والتسليم بالعجز عن تحقيقه. لذلك جاءت اللّغة متحرّرة من اللّغة، ومنفتحة على الأشياء. إنها لغة اللّعب الحر، حيث لا قواعد سوى التي تنشأ في سيرورة اللّعب. فاللغة بهذا المعنى مهما قلبتها تنزع منزع الرمزية توليدا وتجريدا، ترسم المسافة بين الدال والمدلول، فتحيلنا الألفاظ إلى بعضها البعض ويحملنا الدال إلى دلالة تقودنا بدورها إلى دفق من الدّلالات الجديدة.

وهكذا تعدّ رواية الدراويش يعودون إلى المنفى، رواية المقاومة بالرمز للقهر والظلم والاستبداد الذي يمارسه الاستعمار على العالم العربي، أو هي متنفّس الكاتب عمّا يكنّه تجاه السلطة رمزا. فالعودة إلى الوقائع التراثية والتاريخية، وتغيير ملامح الشخصيات وإضفاء بعض الخيال على الأحداث تعدّ من الأساليب التي تجعل الكاتب أكثر تحدّيا وأكثر تحرّيا في التعبير، من خلالها يتخلّص من ضيق الدلالة ليعانق الرموز والأساطير. ذلك أنّ الأدب حين يصوّر السّلطة وينتقدها، ويواجه فسادها ويفضح نقائصها، ويؤرخ للمقهورين ويسخر من الفئات المتحالفة مع الحكم الغاشم بشكل غير مباشر، يصبح شكلا من أشكال المقاومة بالرمز خاصة حين يلتحف بالرموز القائمة على الغموض والانزياحات الدلالية. وهو ما يزكّي تمكّن "الكتابات النقدية من النفاذ إلى أعماق القضايا السياسية والاجتماعية، دون الخوف من الرقابة والمصادرة وتزيل الحواجز المصطنعة أمام انتشار الأعمال الأدبية بما فيها تلك التي توجه انتقادات حادة للسلطة السياسية"[47]. ذلك أنّ الأدب يمتلك قدرة فائقة على تطويق كلّ القيود السياسية ومقاومتها، من خلال تصدّيه للإكراه وتحطيمه لكلّ السلطات حين ينفتح على الخيال من أجل توليد المتعة. باعتبار أنّ "حرية الكتابة هي حرية الذات في أن تهدم وأن تؤسّس وفي أن تنضبط وأن تتمرّد وفي أن تعترف وأن تتنكّر"[48]. ويبقى الأديب ذلك المثقف الذي يكتب ليحقق سلطته الرمزية، سلطة الكلام والكتابة.

الخاتمة:

لقد تمكّن الكاتب من إنتاج رموز فنية مختلفة لها حركتها وفعاليتها في السياق السياسي، ولها أيضا طاقتها التكثيفية والإيحائية والانفعالية. لذلك وظّف الرّموز الطبيعية والتاريخية والدينية والأسطورية والسياسية لإحداث انقلاب معرفي ونظري، لإحداث الثورة والتغيير في كلّ البنى، ذلك أنّ "الأدب إذ يرتبط بالخيالي والأسطوري، يصبح أكثر قابلية لأن يكون المجتمع بناء يشمل برؤيته الجمالية المجتمع، علما وفلسفة، قيما وعلاقات، فيعيد على طريقته وبخصوصيته، النظر في العالم، بحيث يكون نقدا شاملا، انطلاقا من تلك الرؤية"[49]. ولعلّ هذا ما دفع الرواية العربية الحديثة إلى التعامل مع الرموز باعتبارها أقنعة فنية تحاكم من خلالها المجتمع والعصر. وبهذا المعنى، شرّعت رواية الدراويش يعودون إلى المنفى نفسها للأبعاد جميعا، فتداخل فيها الذاتي بالموضوعي والواقعي بالحلم عبر استلهامها للعديد من الرموز الفنية التي مكّنتها من تكثيف تجربتها الجمالية في علاقتها بالسياق السياسي-التاريخي. ولعلّ كثرة توظيفها للرموز يعود إلى كثرة حضور دلالات القمع السياسي وإرهاب السلطة وألوان القهر والتعذيب فيها، باعتبار أنّ "ارتباط الرواية بالسياسة قد أعطاها دورا هامّا في التغيير الاجتماعي والسياسي، من خلال نقدها للواقع الاجتماعي والسياسي، وكشفها لبذور التحوّل السياسي، وتقديمها للشخصيات الإيجابية المبشّرة بالثورة"[50]. حيث لا يمكن فهم السياسي دون فهم طبيعة الرّموز المعبّرة على طبيعة وعي الكاتب بالعالم، لأنّ التعبير الرّمزي لم يكن أسلوبا فنيا فحسب، بل كان موقفا جماليا من العالم أيضا.

الهوامش:

1-إبراهيم درغوثي، الدراويش يعودون إلى المنفى، لندن-قبرص، رياض الريّس للكتب والنشر، 1992، ص، 132.

2-محمد نجيب العمامي، العالم الحكائي في "الدراويش يعودون إلى المنفى" لإبراهيم درغوثي، ضمن كتاب حداثة التماسات تماس الحداثات في القصة والرواية لدى إبراهيم درغوثي، مؤلّف جماعي، تونس، دار سحر للنشر، 2000، ص،124.

3- ابن منظور، لسان العرب: بيروت، دار لسان العرب، 1988، المجلد 3، مادة (ر، م، ز)، ص1727.

4-H. Maurier, Dictionnaire de poétique et de rhétorique, P.U.F. p.113.

5-Encyclopaedia Universalis, corpus 21, Editeur à paris, 1990, p. 936.

6  -O. Ducrot /T. Todorov, Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, Ed. du Feuil, 1972, p. 134-135.                

7-وارين وويليك، نظرية الأدب، ترجمة محي الدين صبحي، مراجعة حسام الخطيب، دمشق، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، 1972، ص،243.

8-أحمد سعيفان، قاموس المصطلحات السياسية والدستورية والدولية، لبنان، مكتبة ناشرون، ط1، 2004، ص،214.

9 -Georges Aimel, La politique et le réel, Paris, collection pliteia, Bernard Grasset, éditeur, 1923, p. 25.

10-ميشال فوكو، "في السلطة"، ترجمة وتقديم، عبد السلام بن عبد العال، الفكر العربي المعاصر،ع22، 1984، ص،61.

11-محمد الخطابي، لسانيات النص مدخل إلى انسجام الخطاب، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1991، ص13.

12-H.G . Gadamer , L’art de comprendre , Ecrits II, Herméneutique et champ de l’expérience humaine, trad. Pierre fruchon et autres, Edit . Aubier, Paris, 1991, p.13

13 - H.G . Gadamer ,op .cit. p260.

14-op.cit. p. 355.

15-Julia kristeva,Semiotik,recherche pour une sémanalyse,Editions du seuil,1969,p .52.

16-عمر أوكان، النص والسلطة، أفريقيا الشرق، ط1، 1991، ص49.

17- عمر أوكان، المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

18-رولان بارت، في الأدب، ترجمة عبد السلام بن عبد العالي، الدار البيضاء، دار توبقال، 1986، ص77.

19-أمبرتو إيكو، التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، ترجمة وتقديم سعيد بنكراد، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2004، ص11.

20-حميد لحمداني، نظرية السرد بين بلاغة الصورة والبناء الأسلوبي، ضمن كتاب قضايا النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق ندوة الصورة والخطاب 18-19 مارس 2009، ص230.

21-تودوروف، الشعرية، ترجمة شكري مبخوت/رجاء بن سلامة، الدار البيضاء، دار توبقال، 1987، ص33.

22-Tzvetan Todorov, Théories du symbole, Paris, Edition Seuil, 1977,p. 77.

23-إبراهيم درغوثي، الدراويش يعودون إلى المنفى، ص42.

24-المصدر نفسه، ص201.

25-م، ن، ص105.

26-أدونيس، الصوفية والسريالية، بيروت، دار الساقي، 1995، ص156.

27-محمد بنيس، الشعر العربي الحديث، ج3، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1989، ص247.

28-ممدوح الزوبي، معجم الصوفية، بيروت، دار الجيل للنشر والطباعة والتوزيع، 2004، ص161.

29-مالك شبل، معجم الرموز الإسلامية، ترجمة أنطوان إ. الهاشم، القاهرة، دار الجيل للطباعة والنشر والتوزيع، 2000، ص124.

30 –إبراهيم درغوثي، الدراويش يعودون إلى المنفى، ص33.

31-محمد نجيب العمامي، العالم الحكائي في "الدراويش يعودون إلى المنفى" لإبراهيم درغوثي، ضمن كتاب حداثة التماسات تماس الحداثات في القصة والرواية لدى إبراهيم درغوثي، ص128.

32 – إبراهيم درغوثي، الدراويش يعودون إلى المنفى، ص13.

33-المصدر نفسه، ص132.

34-م. ن، ص201.

35-م. ن، ص201.

36-أدونيس، الصوفية والسريالية، ص156.

37-محمد نجيب العمامي، العالم الحكائي في "الدراويش يعودون إلى المنفى" لإبراهيم درغوثي، ص127.

38-ممدوح الزوبي، معجم الصوفية، بيروت، دار الجيل للنشر والطباعة والتوزيع، 2004، ص343.

39-فرج بن رمضان، الدراسة الأدبية للكرامة الصوفية، أسسها، إجراءاتها، رهاناتها، تونس، سوجيك، 2009، ص14.

40– إبراهيم درغوثي، الدراويش يعودون إلى المنفى، ص84.

41م. ن، ص128.

42-م. ن، ص47.

43-Malek Chebel, Dictionnaire des symboles musulmans, Paris, Editions Albin Michel. S.A. 1995,p. 187.

44- إبراهيم درغوثي، الدراويش يعودون إلى المنفى، ص13.

45-المصدر نفسه، ص،18.

46-م. ن، ص، ن.

47-صالح سليمان عبد العظيم، سوسيولوجيا الرواية السياسية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998، ص30.

48-عمر حفيّظ، التجريب في كتابات إبراهيم درغوثي القصصية والروائية، تونس، دار صامد للنشر والتوزيع، 1999، ص15.

49-أدونيس، ديوان الأساطير، الكتاب الأول ج3، بيروت-لندن، دار الساقي، 1996، ص8.

50-عمار علي حسن، النص والسلطة والمجتمع، القيم السياسية في الرواية العربية، القاهرة، دار شرقيات للنشر والتوزيع، 2007، 73.