تجليات التحديث الفكري في الشعر الأوربي الحديثpdf

الدكتور: حبيب بُوهْرُورْ

 أستاذ مشارك

 قسم اللغة العربية، كلية الآداب والعلوم، جامعة قطر

Abstract

The modernization thought in European literature in general, and in modern French poetry in particular, is embodied by the revolution against foundations of both classical and romantic era which were dominated in the literary and culturally scene for several centuries. That modernization had its manifestation through the interaction of various literary doctrines which carried the banner of change, revolution, and then rejection all modes that became a pattern from time to time. Among these literary doctrines that considered modernized during that past times, there are Symbolism, Dadaism and Surrealism.

In the current research paper, I concisely present the characteristics of these intellectual movements and schools and look for the horizon of modernization act through foundations of each movement or school. Moreover, I also provide the reader with multiple poetic examples that modernity intellectual appearances of symbolism; Dadaism and Surrealism are reflected in them. Finally, I try to explain the reasons, whether implicit or explicit, forthe continuity ofSurrealism that is undoubtedly considered as aphilosophicalandepistemological attitude, rather than aliterary or artistic school.

Key words; literary schools, European Poetry, Intellectual modernity, Poetics, Rejection.

Résumé

La penséemodernistedans la littératureeuropéenne en général, et dans la poésiefrançaisemoderne en particulier, estincarnéepar la révolutioncontre les fondations de deux époque classique et romantique qui ontdominé la scène littéraire et culturel de plusieurs siècles.

la modernisation a eusa manifestation à travers l'interaction des différentes doctrines littéraires qui ontporté la bannière du changement, de révolution, puis le rejet de tous les modes qui sontdevenus un modèle de temps en temps. Parmices doctrines littérairesconsidéréscommemodernisés pendant que les temps passés, ilya le Symbolisme, le dadaïsme et le surréalisme.

Dans le document de la rechercheactuelle, je présente de manière concise les caractéristiques de cesmouvementsintellectuels par les fondations de chaquemouvement. De plus, je fourniségalement de multiples exemplespoétiques du symbolisme; Dadaïsme et le surréalisme.

Enfin, je tented'expliquer les raisons, impliciteouexplicite, pour la continuité du surréalisme qui est sans aucundouteconsidérécommeune attitude philosophique et épistémologique, plutôtqued'uneécolelittéraireouartistique.

Mots clés:Ecoleslittéraires, Poésieeuropéenne, la modernitéintellectuelle, Poétique, rejet.

الملخص:

تَجسدَ فكر التحديث في الأدب الأوروبي عموما والشعر الفرنسي الحديث على وجه التخصيص من خلال الثورة على أسس ومبادئ الفكرين الكلاسيكي والرومانسي، اللذان سيطرا على الساحة الأدبية منذ قرون خلت. فلقد تمظهر هذا التحديث من خلال تفاعل المذاهب الأدبية المختلفة التي حملت لواء الثورة والتغيير والرفض لكل أنموذج عدّ نمطا بفعل الزمن، ومن بين هذه المذاهب الأدبية التحديثية (في زمنها) أذكر الرمزية والدادئية والسريالية.

سأحاول أن أعرض في هذا البحث لخصائص هذه المدارس والحركات الحاملة للفكر الجديد باختصار، باحثا عن أفق الفعل التحديثي في مبادئ كل مدرسة أو حركة وأسسها. كما سأحاول أيضا تقديم الشواهد الشعرية التي تعكس الطروحات الفكرية الحداثية للرمزية والدادائية والسريالية، وصولا إلى عرض مفهوم أبدية المذهب السريالي وعدم إمكان احتوائه في سقف من الزمان والمكان، لكونه يمثل توجها فلسفيا وطريقة للمعرفة، أكثر منه مدرسة أدبية أو فنية .

كلمات مفتاحية : المدارس الأدبية. الشعر الاوروبي. الحداثة الفكرية. شعرية. الرفض.

توطئة :

تجسد فكر التحديث في الأدب الأوروبي عموما والشعر الفرنسي على وجه التخصيص من خلال الثورة على أسس ومبادئ الفكرين الكلاسيكي والرومانسي، اللذان سيطرا على الساحة الأدبية منذ قرون خلت. فلقد تمظهر هذا التحديث من خلال تفاعل المذاهب الأدبية المختلفة التي حملت لواء الثورة والتغيير والرفض لكل أنموذج عدّ نمطا بفعل الزمن، ومن بين هذه المذاهب الأدبية التحديثية (في زمنها) أذكر الرمزية والدادئية والسريالية.

تحدّد الناقد الفرنسية سوزان برنار ثلاث محطات كبيرة ومهمة لتبلور الفكر التحديثي في الشعرية الأوروبية فيما يأتي:

 "- الظهور الأول للفكر الجديد، مع الاتجاهات الحداثية .

- الهجوم الفوضوي الكبير للدادائية والسريالية، الذي أدى إلى هدم القيم الشكلية، وإعادةبناء الوظيفة الميتافيزيقية للشعر في آن واحد.

- التوجيهات الجديدة التي ترتسم حتى الوقت الحاضر، وهي غالبا لصالح التحرير الذي قام به السرياليون ".1

من هنا سأحاول أن أعرض لخصائص بعض هذه المدارس والحركات الحاملة للفكر الجديد باختصار، باحثا عن أفق الفعل التحديثي في مبادئ كل مدرسة أو حركة وأسسها. كما سأحاول أيضا تقديم الشواهد التي تعكس الطروحات الفكرية الحداثية للرمزية والدادائية والسريالية، وصولا إلى  عرض مفهوم أبدية المذهب السريالي وعدم إمكان احتوائه في سقف من الزمان والمكان، لكونه يمثل توجها فلسفيا وطريقة للمعرفة، أكثر منه مدرسة أدبية أو فنية .

أ ـ الرمزية : Le symbolisme - The symbolism

يعرف معجم المصطلحات الأدبية الرمزية على النحو الآتي:

* في الأصل: هي كل اتجاه في الكتابة فيه استعمال الرموز إما بذكر الملموس وإعطائه معنى رمزيا، أو بالتعبير عما هو مجرد من خلال تصويرات حسيّة مرئية كحروف الكتابة، أو اللوحات الفنية مثلا.

* ويطلق هذا المصطلح عادة على مدرسة شعرية فرنسية ازدهرت في الخمس عشرة سنة الأخيرة من القرن التاسع عشر ..."2.

وقد نشأت الرمزية في أوروبا كرد فعل مباشر على الكلاسيكية والرومانسية والبرناسية*، التي انقسمت على نفسها أواخر القرن 19م ليؤسس الشعراء الرافضون لمبادئها ما عرف لاحقا بالرمزية، إذ "لم تكن الرمزية واضحة المعالم في البدء، فقد ذكرنا سابقا أن جماعة البرناس انقسمت على نفسها، وانفصل عنها فيرلينومالارميه**، ليكوّنا اتجاها سيعرف بالرمزية، ولم يعرف اصطلاح (الرمزية والرمزي) إلا في عام 1885م، وقد ورد هذا الاصطلاح للمرة الأولى في مقالة كتبها الشاعر الفرنسي"جانمورياسJean Moréas "* ردًا على من اتهموه وأمثاله بأنهم شعراء الانحلال والانحدار، فقال: "إن الشعراء الذين يسمّون بالمنحلين إنما يسعون للمفهوم الصافي والرمز الأبدي في فنهم قبل أي شيء آخر"، ثم اقترح استخدام كلمة رمزي بدلا من كلمة منحدر أو منحل الخاطئة الدلالة. وفي عام 1886م أنشأ جريدة سماها (الرمزي)ونشر في العام نفسه في جريدة"الفيغارو"بيان الرمزية وفي العام1891م أعلن أن الرمزية قد ماتت...!ولكنها خلافا لما رآه استمرت وقويت وانتشرت وأصبحت ذات شأن عظيم في مجالات الأدب والفن".3

ورغم ثورة الرمزية على المذاهب والأفكار التي سبقتها، إلا أننا نسجل أن روادها الأوائل خاصة شارل بودلير، وأرتور رامبو وغيرهما قد أخذا عن الرومانسية مثلا مبالغتها في الانطواء الذاتي للشاعر، ورفضه للعالم الواقعي إلى درجة العبث بالجانب الشكلي واللغوي للنصوص المكتوبة. وهذا ما جعل الرمزية مدرسة أدبية ترتكز على دعامتين أساسيتين حداثيتين؛ الدعامة الأولى هي تمجيد التجربة الشعرية الفردية والذاتية من خلال الانطواء على أحاسيس الذات المغلقة. والدعامة الثانية هي خلق الإطار الفني المرن لهذه التجربة الشعرية، وذلك من خلال "خلق نوع من المغناطيسية التي تسري إليه (القارئ) من الشاعر،  تماما كما هو الأمر في الموسيقى والفنون التشكيلية ". 4

وتتجلى خصائص المدرسة الرمزية من خلال مجموعة تكاد تكون مشتركة عند الكثير من الشعراء الرمزيين، نجملها فيما يأتي:

$1§    تجديد الحساسية الشعرية القديمة الرافضة للمحاكاة النمطية القائمة على رفض الوضوح، والدقة في التعبير والتشكيل معا، ونبذ "المعالجات الخطابية والمباشرة والشروح والتفصيلات ...لأن هذه الأمور ليست من طبيعة الفن بل من طبيعة النثر ولغة التواصل العادية "5، حيث يرتقي السلوك الحداثي إلى فعل تحديثي عند الرمزيين الأوائل من خلال إحداث القطيعة الشكلية والمضمونية تماما مع الأنماط السابقة ، إذ"لم يعد بمقدورهم التعرف على طريقة شعورهم في كتب البرناسيين  والطبيعيين، وإذا كانوا قد كفروا بالإله "هوجو"، فإنهم قد تقيأوا "كوبيه"*، وحوالي عام 1880، أصبح تمرد الأقلام عاما، وسيرمي الشباب دفعة واحدة كل ما ورثوه من أدب السنوات السابقة: أنماط التفكير، وأنماط الكتابة"6. لأن الرمزية تعمل دائما على نقل الشاعر من عالم المحسوس، إلى عالم الحلم والعودة إلى النظر من الخارج إلى الداخل، عكس ما كان عليه النظر النمطي أي الانطلاق من الداخل إلى الخارج. وهذا مايعجّل بدخول الرمزي إلى"عالم اللامحدود؛عالم الأطياف والارتعاشات الرجراجة والحالات النفسية الغائمة أو الضبابية والمشاعر المرهفة الواسعة، والتغلغل إلى خفايا النفس وأسرارها"7 .

$1§    تجديد اللغة الشعرية، فقد وجد الرمزيون أن البنية اللغوية المتوارثة منذ الزمن الكلاسيكي بنية معيقة لحركة الراهن الفكري والتجربة الإبداعية كرؤية تحديثية تجاري سياقات الثورة والإبداع،  فقدأدركوا "أن معجم اللغة بما في ذلك المجازات والتشبيهات قاصر عن استيعاب هذه التجربة والتعبير عنها بشكل مناسب صادق، ولابد من البحث عن أسلوب جديد ولغة ذات علاقات جديدة، تتيح التعبير عن أرجاء العالم الداخلي، ونقل حالاته إلى المتلقي عن طريق إثارة الأحاسيس الكامنة، وتحريك القوى التصورية والانفعالية لإحداث ما يشبه السياله المغنطيسية التي تشمل الإبداع والمتلقي،  هذا الأسلوب الجديد يقوم على اللمح والومض ونقل المشاعر جملة بشكل مكثّف غير مباشر ..."8

وقد كتب "جاستون باري "*عام 1879م هذه السطور التنبئيةحول ضرورة تجديد البنية اللغوية الكلاسيكية حتى تتمكن من احتواء الأبعاد الحداثية الرمزية فقال:

"إن طريقة نظمنا للشعر- التي تستند إلى كيفية القرن السادس عشر في نطق الكلمات - قد تحجرت في هذه اللحظة، وأصبحت اليوم نمطية تماما، وهي بإتقانها بعضا من مميزاتها، تضخممن بعض عيوبها، وشعراؤنا يستخدمون الأداة القديمة دون ملاحظة أنهم يواصلون لمس أكثر من وتر لم يعد يرن، ويحرمون أنفسهم من تناغمات قد يمكنهم الحصول عليها بلا عناء.إنهم وجلون على نحو زائد، وثقافتهم أفقر من أن يحاولوا تجديد الأداة. فهم يخشون تحطيمها، وأكثرهم براعة يصرخون: صنع آخرون القيثارة، وأنا أخضع لقانونهم، فهم لن يبتوا في الأمر إلاّ عندما تصبح القيثارة خرساء تماما تحت أصابعهم، أو عندما تجبرهم آلة جديدة،  متناغمة مع النبرة الشعبية بفعل يد جريئة وبارعة، على الخروج من حلمهم، وعلى أن يقدموا للغة الفرنسية طريقة حية في نظم الشعر، منسجمة وحرة .."9.

وقد تجلى التنظير النقدي اللغوي للرمزية، أكثر فأكثر عند الشاعر الفرنسي "ستيفان مالارميه"، فقد كان "الرأس الحقيقي المنظّر للمدرسة الرمزية ...كان ينفر من السهولة والوضوح ولغة التفاهم العادية. علّم أتباعه التركيب الغامض وجماليته، أصبحت اللغة عنده سحرا والكلمات أشياءَ، والأشياءُ رموزا موحية لا تقصد لذاتها."10

 لقد أراد مالارميه أن يسعى إلى الكمال وأن يحقق المستحيل وأن يعبّر عن سر الكون الغامض فجاءت فلسفة اللغة عنده فلسفة شاذة رافضة ومحطمة في الآن ذاته، خالقة لجهد لغوي بعيد عن المألوف السائد والمتداول**، لأن لغة التحديث عند الرمزيين هي لغة يجب أن تتمثل تلك الانعكاسات المتبادلة ضمن فضاءات الكلمة ذاتها أولا، وعلاقة هذه الفضاءات ضمن بنية الجملة ثانيا بحكم أنها مجموعة من الكلمات التي يدوربعضها في فلك بعضها بعض، شريطة ألاّ يحدث هذا بمجرد التوافقات الصوتية، بل يجب أن تتجلى هذه العلاقات من خلال الإيحاء والرمز، يقول مالارميه: "ما علينا أن نستهدفه-بالأساس-في القصيدة (الحديثة) هو: أن الكلمات المكتفية بذاتها - دون تأثير من خارجها - تنعكس الواحدة على الأخرى، إلى حدّ أن تبدو كأنها لم تعد تملك لونها الخاص، بل لا تكون سوى جسور في سلم موسيقي، ودون أن تكون ثمة مسافة بينها،  ورغم أنها تتماس بروعة، فإنني أعتقد أن كلماتك تعيش أحيانا حياتها الخاصة بإفراط ما. مثل جواهر مُزاييك الحلي.."11).

$1§    التشكيل الحسي، فاللغة عند الرمزيين عادة ما تقترن بالمعطيات الحسية الخارجية فتتماهى معها ضمن إطار إعطاء الرمز أبعادًا رؤيويةً متميزةً، بعيدةً عن صورته الحسية الظاهرة والتقليدية، كالألوان والأصوات والإحساس اللمسي والحركي ...الخ. و"ترى في كل من هذه المعطيات رمزا معبرا موحيا، فالحواس نوافذ الإنسان على العالم الخارجي... فالشاعر الرمزي موفور الإحساس، متيقظ الجوارح يغرق في الطبيعة فيصبح مصورا تلتفظ عينه الألوان والظلال والأشكال بل الليونات الدقيقة، ثم يترجمها بمختلف صفاتها ودرجاتها ودلالاتها"12.

وعادة ما تكسر دلالات الأشياء وصفاتها المعهودة حيث يؤسس الشاعر الحداثي الرمزي مجموع دلالاته الخاصة ضمن تفاعل لغوي جديد أيضا، فيخلق التشكيل المتفرد والحديث انطلاقا من جملة الإسنادات والتركيبات الجديدة والغريبة معا، وهذا ما يعجّل بنعت الشعرية الرمزية بالغامضة خاصة عندما يرتقي غموضها إلى درجة الإبهام، وقد أورد الدكتور عبد الرازق الأصفر جملة من الأسباب لهذا الغموض المبهم تمثلت فيما يأتي:

 أ - التصرّف في مفردات اللغة وتراكيبها بشكل غير مألوف.

ب - اعتماد الرمز الذي لا يوضح المرموز له، بل يترك ذلك لخيال القارئ وتأويله.

ج -التعبير بمعطيات الحواس ومراسلاتها وتقاطعاتها.

 د - التكثيف والشدة والإيجاز.

ه - الانطلاق من أفق الدقائق النفسية والحالات المبهمة التي يصعب تصويرها والتعبير عنها.13

$1§         ملامح الحداثة عند شعراء الرمزية :

تتمثل الخصائصُ السابقُ ذكرُها عند شعراء الرمزية وعلى رأسهم شارل بودلير،  الذي يصفه الكثير من النقاد والدارسين بالحداثي الأول*، في جعل الشعر الحديث شعرا مَدينيًابامتياز**، يرفض القيود الشكلية والأسلوبية المتوارثة، ويعمل على تأسيس الأنموذج الشعري الحديث الذي تجسد في شكل قصيدة النثر ابتداء من" ألوزيوسبرتران"، وصولا إلى "بودلير" ثم "أرتور رامبو". لكن بودلير في بحثه المستمر عن اللحظة التحديثية الهاربة رفض أن ُيخضع الأثر الإبداعي الشعري إلى القيد الزمني الكلاسيكي، لأنه لو خضع لذلك لعّد نمطا مكرسا بفعل التقادم الزمني، وهذا ما يتنافى مع مفهوم الحداثة عند بودلير التي يحدّد سمتها الرئيسة بالآنية المتجاوزة لذاتها، لأن الحداثة عنده هي كل ما هو عابر وسريع الزوال، والحديث عنده أيضا هو المؤقت والزائل، "والهارب النسبي من الجمال، والمتنوع مع كل عصر"14، ويفهم مما سبق أن اللحظة التحديثية في نظرية بودلير للحداثة، هي قدرة المبدع على إدراك البعد الزمني الضيق للإبداع وتجاوزه في الآن ذاته، فبمجرد ولادة الأثر الإبداعي تسقط عنه صفة الحداثة إذ أن لحظة الإبداع تجاوزته إلى استشراقات رؤيوية ولحظات تأملية أخرى، تسعى إلى توليد إبداعات مماثلة في التفّرد والتجاوز، لأن كل حديث وكل تحديث عند بودلير ومن سار على نهج حداثته "هو المؤقت والزائل، وهو يطابق بين الحديث والموضة. فهذا العبور السريع، وهذه الموضة المطابقة للحديث ليس سوى لحظة اللحظة التي لا تستقر على دوام. وإذا دخلت اللحظة في مفهوم الحداثة عزلتها عن زمن غير زمنها (الحاضر) المنبت عما قبله وعما بعده، عن الماضي والمستقبل معا. فالحداثة، على هذا هي زمن اللحظة، هي منتج الحاضر بشكل متسارع متجاوز حتى للحداثة نفسها (ليس للماضي فقط) حتى ليحق لنا التساؤل: أليس هذا اللهاث الحداثي وراء الزمن، استهلاكا فجًّا للزمن؟ وهذا - فيما يبدو أخطر شيء في حركة الحداثة، فكل شيء داخل هذه الحركة غير قادر على التقاط أنفاسه، أي غير قادر على التشكّل بسبب هذه العجلة المتسارعة (اللحظة) في الحداثة "15

ويتضح مما سبق أن بودلير يبحث في إبداعه التحديثي المديني عن التجديد والمتجدّد، الذي يكسب الحداثة صفة اللحظة العابرة المتجاوزة لذاتها. بحيث تصبح كل جدّة قدما منذ لحظة ولادتها. وقد عبّر بودلير عن هذه اللحظة العابرة حين كان ينظّر لقصيدة النثر الفرنسية، ففي رسالته إلى مدير تحرير جريدة الصحافةLa Presse  كتب يوم 26 أوت 1862م أنه "يحلم في أيام الطموح بمعجزة نثر شعري، موسيقي من دون إيقاع أو قافية، فيه ما يكفي من المرونة والتقطع حتى يتكيف مع حركات النفس الغنائية، وتموجات أحلام اليقظة، وانتفاضات الوعي..."16 .

وقد تحقق هذا الحلم لدى بودلير من خلال القصائد النثرية التي بدأ كتابتها وفق ثقافة اللحظة التي غدتها فلسفته المدينية وحداثتها، لأننا"ندرك أن إنجاز هذه القصائد كان يتطلب في ذلك الحين إثارة غريبة تحتاج إلى عروض، وجمهور، وموسيقى، وحتى إلى مرايا عاكسة....وحتى الجمهور الشهير هذا الذي يتحدث عنه،  باريس  وحدها هي التي يمكنها أن تمنحه كل ذلك"17. ففي ديوانه أزهار الشر يتلمس القارئ كآبة غير عادية ومعالجات لجوانب مستغربة من الواقع، تصدم القارئ حداثة الطرح وحداثة اللحظة المتناسلة العابرة لطقوس الزمن الشعري، حيث تصبح القصيدة عبارة عن"وعي نوعي للزمن، وعي خاطف، حاد تختزله الحداثة في أقصر زمن هو اللحظة نفسها، وعي الصيرورة والتحول".18 وهذا ما ندركه في مثل قصيدة "تناغم المساء" التي جاء فيها:

ها قد أقبلت الأوقات التي تفوح فيها كل زهرة

وهي ترتعش على ساقها وكأنها مجمر بخور

الأصوات والعطور في هواء المساء تدور:

فالسٌ حزين ودُوار مُرهق !

كلّ زهرة تفوح كمجمر البخور،

الكمان يرتعد كقلب مُرهق،

فالسٌ حزين ودوارٌ متعب،

السماء كئيبة وجميلة كمذبح كبير، الكمان يرتعد كقلب متعب،

قلب حنون يكره العدم الواسع المُظلم،

يجني من الماضي المتألق كلّ دُوار

الشمس غرقت في دمائها التي تجمد

وذكراك في خاطري تلمعُ كتحفة القربان المقدّسة19

وتتمرد لحظة الحداثة عند الرمزيين أكثر فأكثر عندما يحاول الشاعر الحداثي أن يضفي على آرائه الذاتية صفة الموضوعية، حيث تصبح كل معرفة ذاتية معرفة موضوعية، فتعكس بذلك أسس القيم الجمالية والفنية، وتؤسس لواقع شعري "لحظي" تكون فيه الذات الشاعرة مركز العالم، فالشاعر في هذا المقام لا يتحدث عن العالم بل يتحدث العالم،" فالذات تصبح هي المفكر وموضوع الفكر في الوقت نفسه. وفي هذا قلب للمعهود، وطرح جديد لم يألفه الشعر، والتركيز على الذات أو الذاتي، موقفا وتصرفا  وفكرا - مقابل العام والموضوع الظاهر- نهج عند بعض رواد الحداثة "20.

ويمثل "أرثور رامبو" الشاعر الحداثي الرمزي الذي جسّد الإبداع الذاتي تجسيدا متمردا، مبتكرا، شاذا عن كل طقوس القيود التقليدية، ضمن منهج ذاتي مبتكر وحديث هو “منهج الرائي “؛المستمد من خطابه الشهير إلى صديقه "دوميني"يوم 15مايو1871م، والذي حدّد خلاله آفاق الفكر الحداثي انطلاقا من رؤى ذاتية أرادها أن تكون موضوعية بامتياز. فقد ارتكز هذا المنهج على ما يأتي:

$1§    التمرد وإعلان الحرب على الشعر الأوروبي التقليدي منذ عهد اليونان حتى الحركة الرومانتيكية، "على هذه الأجيال الغبية التي لا تحصى من الأدباء  النظاميين، الذين يضعهم رامبو على النقيض من الأجيال الأليمة المأخوذة    بالرؤى "21.

$1§    منهج الرؤيا، والمطالبة باشتراك المتلقي في الرؤيا والشعور الذي يشعر به الشاعر الرائي، وذلك من خلال تقانة متفرّدة عند رامبو، هي تقانة تعطيل الحواس، إنه "يطالب الشاعر أن يكون رائيا، وأن يتوصّل-عبر دراسة طويلة تتضمن تعطيلا منهجيا للحواس كلها - إلى المجهول، أن يكون سارق نار- وعندما يعود من هناك - يجعلنا نحس ونلمس ونسمع اكتشافاته "22.

$1§    ترجمة هذه الرؤى في شكل شعري جديد، تعرض فيه رؤى الشاعر دون التقيد أو الانشغال بالمعيقات الشكلية والأسلوبية المتوارثة التي تمنع الروح من الحديث إلى الروح. وتعتمد هذه الترجمة على لغة جديدة أيضا تُمنح خلالها الكلمات كل طاقاتها الدلالية، "على الشاعر الرائي أن يصف تجربة لا توصف بالمعنى الدقيق للكلمة، أن يجعل الناس يشعرون- من خلال استخدامه للكلمات اليومية-بحالات خارقة للقوانين الإنسانية....وعبر سحر الإيقاع، بكلمة واحدة، عبر كيمياء الكلمة، سيدفع الشاعر القارئ إلى فتح الأبواب العاجية،  ليتيح له الدخول إلى عالم المجهول ..."23 .

وهذا ما حاول رامبو أن ينقله إلى القارئ في قصيدته المعنونة بـ :"بوهيميتي"وهي قصيدة من وحي حياة الشاعر بين السادسة عشرة والعشرين من عُمُره، في أثناء فترة التشرّد وقوة العبقرية، حين كان يعيش مثل البوهيميين أو الغجر، دأبه التنقل ومزاولة الأعمال العديدة والعيش ليومه فقط يقول:

كنت أمضي ويداي في جيبي المخروقين،

وقد أضحى معطفي أيضا مثاليًا *

كنت أمضي تحت السماء، يا ربّة إلهامي، مؤمنا بك،

آه، اطمئني، فكم عشق رائع حلمت به ...!

سروالي الوحيد كان به خرقٌ واسع،

كعقلة الإصبع الحالم، كنت أنثر أشعاري في أثناء تجوالي *

كان مثواي في الدّب الأكبر، ولنجومي في السماء حفيف لطيف ...!

كنت أصغي إليها جالسا على حافة الطريق،

في تلك الأماسي الجميلة من سبتمبر،

وأحسّ قطرات الندى على جبيني وكأنها خمرة الروح .

هناك في ظلال الوهم، كنت أنظم أشعاري

وأشد خيوط حذائي الجريح،

وكأنه قيثارة ... قدم على قلبي ...**!24

والجدير بالذكر في نهاية عرضي الموجز للرمزية، هو أنها وبعد جيل العمالقة أمثال بودلير، ومالاراميه، وفرلين، بدأت الرمزية منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تفقد الكثير من بريقها التنظيري، المبني على جملة المفارقات -الرامبويةوالبودليرية -الكبرى، كفكرة تعطيل الحواس، والبحث الدائم عن المجهول، ومخالفة الواقع العيني، ورفض كل القيود الشكلية والأسلوبية المتوارثة. وهي المفارقات التي جعلتها حركة حداثية أدبية بامتياز . فمن الرمزيين الشباب "من تحاشى المبالغة الرمزية وحافظ على الإيقاع والوضوح وتمتع بقسط من الحرية، وسلمت أشعاره من الإبهام والتنافر والعَرَج، واستطاع شق طريقه بقوة وأصالة موازنا بين شتى معطيات المدارس الشعرية. ومن هؤلاء ألبير سمان 1858 ـ1900م Albert Samain ، وهنري دورينييه 1864 –1936م Heni de Regnierوفرنسيس جام 1868-1938 Francis Jammes وبول فاليري 1871 ـ1945م Paul Valery..."25. وظهرت كردّ فعل لهذه العودة المحتشمة لاحتضان الموروث الشكلي والأسلوبي القديم حركة أدبية جديدة في بداية القرن العشرين، أكثر"أرثودوكسية"منرمزية"رامبوومالاراميه "عملت على إعادة بعث الفكر الحداثي الأدبي من جديد،  سميت بالدادائية أو الداداوية .

ب ـ الدادائية :Le DadismeDada -Dadaism

يعرف معجم المصطلحات الأدبية الدادائية على النحو الآتي:

"هي مدرسة في الفن والأدب أسسها الشاعر الفرنسي تريستان تزاراTristan Tazara (18961963م) في سويسرا سنة 1917. وتتميز هذه المدرسة بمحاولة التخلص من قيود المنطق المعتادة والعلاقات السببية في التفكير والتعبير. وقد اعتبرت ضمن وظيفتها الكبرى التخلص من كل ما يعوق الحرية المطلقة ويكبح جماح التلقائية في التعبير والإبداع الفنيين. وقد لجأ أتباع هذه المدرسة إلى السخرية البالغة في سبيل الوصول إلى هدفهم هذا ..." 26.

من هنا كان منهج الدادائيةDadisme)) هو السخط والاحتجاج على العصر والرفض وهدم كل ما هو رائع، ومتعارف عليه من النظم والقواعد والقوانين، والمذاهب والفلسفات، "إنها حركة عدمّية تجلّت بخاصة في حقلي الأدب والفنون التشكيلية لكنها لم تعمّر طويلا، إذ ما فتئت أن تلاشت في عام 1923م ."27

وبالرغم من أن للدادائية روافد "رامبوية" عديدة تجسّدت في تلك الجذور الأولى التي أسس لها أرتور رامبو في القرن التاسع عشر، عندما نادى بضرورة الكتابة وفق نظرية التعطيل المنهجي للحواس، والبحث عن المجهول ضمن هدم وتحطيم تام للسائد والمألوف من الأشياء*، إلاّ أنها لم تتمثل كمدرسة حداثية قائمة بذاتها إلا خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها، وإن لم تعمر طويلا. وكان للحرب العالمية الأولى الأثر الكبير في ظهور الفكر الدادائي"الهدّام" خاصة بعد الدمار والخراب الذي عرفته أوروبا وأنحاء أخرى من العالم نتيجة سقوط كل المبادئ وإفلاس جميع النظم، والعقائد الاجتماعية أمام آلة الحرب والقتل والدمار.

ففي سويسرا المحايدة "تعارف عدد من الأدباء والفنانين من مختلف الجنسيات، ووجدوا أنفسهم في مدينة زيوريخ في سويسرا في منجاة من شرور الحرب، فأخذوا يجتمعون في"ملهى فولتير"ويتذاكرون مشاعرهم المشتركة ويتبادلون آراءهم النقدية في جو من الصراحة والحرية، فإذا بهم يلتقون عند نقطة الرفض والتمرّد والقرف واليأس والشعور بالعبثية، والفرار السلبي من هذا العالم، إلى عالم مبهم متخيّل، عالم ليس نقيا من كل دنس فحسب، بل من كل شيء مكرّس سابق28.

وقد برز الشاعر والكاتب تريستان تزارا كأبرز منظّر للدادائية رفقة مجموعة من أدباء الرفض الآخرين الذين اتخذوا لحركتهم اسم"دادا"، الذي اشتقوا منه"الدادائية"، والاسم الأول لا معنى له وإنما وضع للدلالة على اللامعنىواللاهدف، تكريسا لمبدأي رفض المكرّس المسبق وهدمه. ومن جهة ثانية فإن كلمة "دادا" التي اقترحها تزارا هي عبارة عن كلمة طفولية بريئة ليس لها موروث، "بل كل ما في عالمها جديد ووديع، أضف إلى ذلك أنهم كانوا كالأطفال لا يعبئون بالمستقبل ولا بقواعد اللغة وعلاقاتها المنطقية"29.

وقد أخذت هذه الكلمة المبهمة اسم مجلتهم"دادا"التي صدرت بين عامي1917 و1923 وتضمنت مختلف بيانات الفكر الدادائي. ومما جاء في البيان الأول بقلم تزارا ما يأتي:

"دادا هي تدفقّنا، إنها تنتصب سكاكين حرب تافهة، ورؤوس أطفال ألمانية ...دادا هي الحياة دون نعال لغرف النوم أو مايوازيها. إنها (دادا) ضد الوحدة ومعها، وبالتأكيد ضد المستقبل، نحن حكيمون إلى درجة كافية لندرك أن عقولنا ستتحول إلى وسائد هشة. ومواجهتنا للتعصب والتعنّت هي من واقع كوننا موظفين مدنيين، وأننا نصرح بالحرية،   ولكننا لسنا أحرارًا ...إننا نبصق على البشرية، دادا تتوقف ضمن إطار عمل الوعي الأوروبي، نحن قادة السيرك. وستجدوننا نصّفر بين رياح مدن الملاهي والأديرة وأحياء الدعارة والمسارح والحدائق والمطاعم ...".30

ويتضح من البيان الأول لتزارا أن الفكر الدادائي قد بالغ في نهج الحداثة الأدبية والفكرية معا؛ لأنه، في تقديري، يرفض حتى العقلنة التي قامت عليها أسس الفكر التحديثي الأوروبي منذ القرن السادس عشر، بل أنه يعتمد الهدم فقط، في حين أرى أن التحديث يجب أن ينطلق إلى التأسيس شريطة أن يتجدّد التأسيس ولا يتكرّس كأنموذج أو نمط، يقول في البيان الثالث عام 1920م :

"هكذا تولّد دادا من واقع الحاجة إلى الاستقلالية، ومن عدم الثقة بالجميع، إن أولئك الذين ينضمون إلينا يحتفظون بحرياتهم،  إننا لا نقبل أية نظريات ...إننا مثل ريح غاضبة، تمزق ثياب الغيوم والصلوات، إننا نهيئ لمشهد الدمار العظيم: التحلل والتشتت، إننا نعدُّ لنضع نهاية لتلك المرثاة ونُبدّل الدموع بجنيات البحر اللواتي سينتشرن من قارة إلى أخرى، قيثارات من المتع النارية تقلع ذلك الحزن المسممّ ... دادا محو للذاكرة، دادا محو المعمار، دادا محو الرُّسل، دادا محو المستقبل، دادا الإيمان الكلّي والمطلق بكل إله وُجد في لحظة عفوية ..."31

وقد اتخذت مجلة "دادا" على المستوى الأدبي موقفا أشدّ عدوانا وأكثر تشويشا على الحواس التي عطلّ مفعولها وألغى دورها القديم في رصد القيم الجمالية الأدبية وتوليد الدلالات اللغوية العتيقة "فليس المقصود تعويض أساس الأدب الفني فحسب،  وإنما كل إمكانية للأدب أيًّا ما كانت، وذلك من خلال الفوضى والتنافر والتشويش. والبيانات الدادائية الشهيرة التي يقرأها الدادائيون بين الجمهور وسط فوضى لا توصف، والمشهد اللغز (هذه القصيدة مكونة من مقتطفات مقتطعة من الجريدة وتم تجميعها بشكل اعتباطي)، والاستخدام الشعري الذي يزعم الدادائيون صنعه من الأماكن العمومية، والأمثال والجمل الجاهزة، تتخذ نفس الاتجاه بإقامة نفس المساواة الكاملة بين أشكال التعبير، ومنحها شرفا فنيا واحدا. فماذا يمكن القول سوى أن الأدب لا وجود له..؟!."32

ويتضح النهج العبثي في الكتابة الشعرية وفق التصور الدادائي عند تزارا الذي قدم للمتلقي صيغته الشهيرة لصناعة قصيدة دادائية بتتبع الخطوات الآتية:

" خذ جريدة

خذ مقصات

اختر من هذه الجريدة مقالا له الطول نفسه الذي تزمع أن تكون عليه قصيدتك.

قص المقال.

بعد ذلك قص بعناية كل كلمة يتكون منها هذا المقال وضعها في حقيبة.

حرك ببطء .

أخرج بعد ذلك كل قصاصة الواحدة بعد الأخرى حسب النظام الذي خرجت به من الحقيبة.

انسخ بدقة .

القصيدة ستشبهك ..."33

وأعتقد أن هذه الصيغة الدادائية لتشكيل القصائد ما هي إلاّ وسيلة ذكية لتقويض كل آليات النقد الأدبي، من خلال انتهاج فوضى التشكيل وتحطيم كل بنية أدبية يمكن أن تشترك مع سواها من البنى المكرسة، والجدير بالملاحظة أيضا، أن السلوك التحديثي عند الدادائين قد تجاوز نظيره الرامباوي عند الرمزيين، الذين كانوا وهم في لحظة التمرد والرفض يؤسسون لمعالم جمالية جديدة، ضمن إطار قصيدة النثر ذاتها،  بينما يقود التمرّد الدادائي إلى الفوضى المقصودة لذاتها، فوضى عضوية نابعة فلسفتها من التمرّد العدمي أو تمرد التمرّد. وهنا تقدم سوزان برنار في معرض حديثها عن الدادائية في كتابها قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن، نموذجين شعريين لتزارا يعكسان حقيقة التشكيل الدادائي الحقيقي:

"....ماذا نظن بقصائد تزارا على وجه الخصوص؟ باعتبارها قصائد دادائية حقا، فهي غير قابلة للقراءة: فهي متنافرة عن عمد، ومفسدة للعقل، سواء قُدمت تتابعا لجمل جاهزة أو أسجاعا تتوالد الواحد من الآخر:

الفن كان لعبة بندق الأطفال كانوا يجمعون الكلمات التي لها

أنين في الختام ثم يبكون ويصرخون الفقرة الشعرية ويضعون لها

حذاء العرائس والفقرة الشعرية تصبح ملكة لتموت قليلا والملكة

تصبح حوتا الأطفال كانوا يجرون إلى أن انقطعت أنفاسهم.

أو تقدم حالة متقدمة من تفكك اللغة وانحلالها إلى أبسط عناصرها:

Aeou o you youyou I e ouo 

you youyou

drrrdrrrdrrrgrrrgrrr

morceaux de dureé verte voltigent dans ma chambre

a e o I li I e a ou ii ii ventre …. »34

بعد الحرب العالمية الأولى تخطت الدادائية حدود سويسرا إلى مختلف دول أوروبا وصولا إلى أمريكا حيث احتضن أفكارها الشاعر"ه-ب لاكرافت"(1890-1937م)الذي رفض الواقع المعيش في شتى تمظهراتهالمدينية، "فانفصم بفكره عن المجتمع انفصاما كاملا، وزاد على أقرانه (من الدادائين) بأن دأب في رواياته على زرع الشك ونشر الرعب في نفوس قرائه فكان يخترع أشخاصا ومخلوقات غريبة، ومشوّهة ومفزعة، تأتي من وراء الزمان والمكان لتستولي على الأرض، وتبيد أهلها وحضارتها. وهذا تعبير عن موقفه السلبي الانهزامي اليائس ورفضه للحياة المعاصرة كلها ورغبته في إنهائها. ومن قصصه (الذي لا يُسَمّي1922م) و(ساكن الظلام) ....وفي المقطع الآتي يصرح بموقفه الدادائي:

"... الحياة شيء كريه، وتظهر لنا من كوامن ما نعرفه عنها تلميحات شيطانية للحقيقة تجعل الحياة ألف مرة أشد كراهية ...والعلم الذي يخنقنا دوما باكتشافاته المذهلة يمكن أن يذم النوع البشري في النهاية؟ لأن ما يكمن فيه أصناف الرعب التي لم نعرفها بعد قد لا يتحمله عقل من عقولنا الغائية...!."35

ويركز الدكتور الأصفر على مجموعة من الأسباب عجّلت باختفاء الفكر الدادائي "الغريب"، أعرضها على النحو الآتي:

$1§     ابتعاد الدادائية عن الواقع، ودورانها حول نفسها، فهي طالما قدمت نفسها للمتلقي كحركة عدمية، لا يتعدى نتاجها التعبير عن السأم والتشاؤم واللاهدفواللاجدوى.

$1§     رفض المعتقدات الدينية وزعزعة القيم ونبذها من دون أن تؤسس للبديل،  خاصة أن المجتمع الأوروبي الخارج لتوّه من الحرب العالمية الأولى كان في أمس الحاجة إلى إعادة رصد البدائل القيمية الجديدة.

$1§     سقوطهم فنيا في حمأة العبثية والاغتراب الفارغ، إلى درجة اختراعهم ما سموه بالشعر الصوتي الذي كانوا يلقونه في بعض اجتماعاتهم، وهو مجرد أصوات خالية من الكلمات والمعاني كقوله مثلا: غاجي بيري بيما لولا لوني كادوري ...36

من هنا عجّلت الدادائية بحذف نفسها انطلاقا من أن كل جديد مستحدث يصير بالضرورة نحو الزوال لأنه يشيخ ويصبح مؤسسا كنموذج، فيحمل فناءه في ذاته، إنها لحظة الحداثة الهاربة من سلطة الزمن. فانصرف روادها عنها أمثال بروتون وأبولينير، فأسس الأول السريالية التي عدّت في كثير من تجلياتها امتدادا قريبا من الدادائية المنحلّة. ولكن ينبغي الاعتراف بأن الدادائين لفتوا الانتباه منذ البداية وبكل قوة إلى فكرهم الحداثي (الغريب والهدام والمتجاوز لذاته في لحظة التحديث)، نحو ما سيصبح بالنسبة للسريالية القضية الأساسية ألا وهي قضية اللغة ضمن فضاءات تشكيل ما وراء الواقع.

ج - السريالية:Le Surréalisme  - Surrealism

يجب التذكير في البداية أن الحرب العالمية الأولى والسنوات التي تلتها، قد ولدّت تشكيلا اجتماعيا وفكريا وسياسيا، عكس مختلف تداخلات سنوات الحرب ومعطياتها حيث ُولدت حركات ومذاهب وأبنية فكرية حاولت أن تتلاءم مع أحداث وواقع المرحلة تارة، وتتمرد عليها وتغادرها تارة أخرى، فحالة الاضطراب المتزايدة قدمت أنماطا متعدّدة من الاستجابات، فعلى الرغم من أن هناك نمطا عريضا من الناس اعتاد التلاؤم في العيش وفق متطلبات الحياة المفروضة، والانصياع لها بأسوأ أحوالها، إلا أن نمطا مميزا منهم واجه المحنة وفق منظوره الخاص، وكان لها وقع قوي نابع من حجم المحنة، وتميّز الفرد.

لقد تجاوزت الإنسانية في زمن الحرب انهيار البناء والأرض إلى فقدان الاتزان الاجتماعي واختزال ميزان القيم وغربة الذات وصياغتها بين أنقاض المدن التي حطمتها عجلة الآلة العسكرية. ففي هذا المناخ القاتم ولدت السريالية التي أعادت قراءة نظرية الهدم المطلق عند الدادائيين ابتداء من العام 1922م، حين نشب الصراع بين تريستيان تزارا الذي كان يتزعم جماعة الدادائيين واندريه بروتون*، الذي أسس المذهب السريالي، الذي جمع في أساسه بين تمرد الدادائية على حدود المنطق والاهتمام بأسرار العقل الباطن وسبر أغوار النفس الإنسانية.

و"تعني كلمة السريالية في اللغة الفرنسية مذهب ما وراء الواقع، والواقع ما هو موجود سواء في عالم المادة أم الحس أم الوعي، أي ما يدركه الإنسان مباشرة في العالم الخارجي أو ما يشعر به ويعيه في عالمه النفسي، والسريالية لا تعمل هذا الواقع، ولا تنكره ولكنها لا تثق فيه ولا تعوّل عليه. فهو في رأي بروتون زعيم السريالية معاد إلى كل ارتقاء فكري وخلقي، ولذلك فهم يبحثون عن واقع خفي يقبع في أعماق النفس دون أن يشعر الإنسان بوجوده، إنه واقع موجود لكن في عالم اللاشعور أو اللاوعي، وهو يؤثر في شخصيتنا وسلوكنا وتصرفاتنا ودوافعنا دون أن نعي آلية هذا التأثير...هذا هو عالم ما وراء الواقع إنه جزء من الذات، وهو موجود لكنه غير مرئي ولا ملاحظ "37.

من هنا أضحت المدرسة السريالية، في تقديري، هي التجسيد الفني والأدبي لمنهج الدراسات النفسية الذي أهملته الدادائية تماما، حين أعلنت منهج الهدم المطلق، لأن الهوية التي تهدف السريالية إلى تقويضها ليست المنطق الصوري الشكلي، بل تلك الهوية التي تشكل المحتوى، أي هوية شيء ما، في مكان ما، ولشخص ما، فالشمس ذلك القرص الذي بإشراقه يولد النهار، يشكل هوية الشمس،"ماذا إذا بشمس بول إيلوار التي تشرق عند منتصف الليل؟ هنا لم تقوّض الهوية الشكلية، ومع ذلك فقد عمد إلى تقويض مادة الشمس، فالشمس التي تشرق في منتصف الليل هي شمسنا القديمة ذاتها والتي يراها الجميع وهي شمس لا يمكن لها أن تشرق عند منتصف الليل بدون نسف جوهرها باعتبارها مولّدة للنهار، وهي في الوقت ذاته هذه الشمس وليست نفسها في ذات الوقت."38

أما المصطلح الوظيفي للسريالية فقد استعاره بروتون من عند الأديب الفرنسي غيوم أبولينيز(1880-1918)Guilaumme,Apollinaire الذي أعتمده في وصف مسرحيته "حلمتا تريزياسLes Mamelles de Thrèsias"التي قدمها في عام 1917م، وترجع دلالة هذه الاستعارة للكلمة على منهج عفويتها في الكتابة .39

وقد تشكل المنظور الفكري السريالي بناء على عاملين أساسيين هما مجموع الكتابات والآثار الإبداعية الأدبية السابقة والتي عدّها السرياليون تمهيدا لطروحاتهم من جهة، ومن جهة أخرى تأثر الفكر التنظيري السريالي بالدراسات السيكلوجيةالفرويدية حول عوالم الحلم واللاشعور.

فبالنسبة للنقطة الأولى تؤكد أعمال لوتريامون الفرنسي(1846-1870م) Luatreamon، المتجسّدة بأناشيد مالدورورMaldoror ومقدمة الأشعار، على ثقافة الرفض الداعية إلى الثورة على الأنماط الكلاسيكية للقرن التاسع عشر، بل والسخرية منها، فضلا عن إطلاقه العنان لملكة الخيال كنشاط ذهني حقيقي يحطم من خلاله الحقيقة وينقلب على الواقع المكرّس .40

 وكان أيضا لأعمال رامبو، رسالة الرائي، والمركب السكران وفصل في الجحيم،  دور فعّال في خلق طقوس التطهير وتحرير النفس من الجسد، فضلا عن تضجّره الواضح من روابط الأسرة والمجتمع، ودعوته إلى اكتشاف أبنية جديدة تكمن في الذات الحقيقية واللاشعورية للإنسان المتفرّد، الأمر الذي أثر في السرياليين الذين وجدوا في ذلك ثورة على جمود العقل وسكينته وسفرا رائعا في أعماق بحار النفس.41

أما النقطة الثانية التي عززّ بها بروتون وجماعته طروحاتهم الفكرية السريالية فقد كانت تلك الدراسات والتجارب التي ذاع صيتها عن الشعور واللاشعور وعالم الأحلام والتداعي الحر، التي نادى بها وفسرّها سيغموند فرويد (1856-1937)S.Freud، والتي تأثر بها السرياليون على نحو واسع للغاية، فقد" كان العالم الباطني معروفا منذ العصور السابقة، ولكن الذي انكبّ على دراسته تجريبيا وأوضح معالمه ووضع نظرياته هو الطبيب النمساوي فرويد، الذي توصل من خلال تجاربه وملاحظاته ومعالجاته النفسية إلى وضع منهج في التحليل النفسي يرمي إلى تفسير الكثير من الأمراض النفسية، والانحرافات السلوكية، ويبحث عن العقد النفسية المترسّبة في أعماق اللاشعور، التي تعمل في ظل اللاوعي بمنزلة المنبع والدافع لكثير من الرغبات ...وكان فرويد يستعين أيضا بتحليل الأساطير والنصوص الأدبية لتدعيم نظرياته*، وبهذا لفت النظر إلى الصلة الوثيقة بين الإنتاج الأدبي والعالم الباطني، وكان من أبرز نظرياته أنّ العقد الجنسية المكبوتة في أعماق اللاشعور هي المحرّك الأساسي للتصرّف البشري ."42

وفي سبيل فهم أَوْضَح لمفهوم اللاشعور كما قدمه فرويد، وولع به السرياليون لابد من معرفة هويته وتحديد موقعه وارتباطه مع أنظمة الشخصية التي وصفها فرويد، وولع بها السرياليون؛" إنها تتألف من أنظمة رئيسية متعددة كالشعور وقبل الشعور واللاشعور وفي هذه الأنظمة تركيبات ضمنية أخرى تقوم عليها الدينامية المشتركة للعمل، وبكلمة مبسطة يستعمل الشعور بمعنى مطابق للمعنى المستعمل وفي الحياة اليومية،  فهو يشمل كل الاحساسات والتجارب والفعاليات التي نكون واعين بها في أي لحظة...ويرى فرويد أن نظام الشعور يمثل فقط سطح الحياة العقلية وهو جزء بسيط إذا ما قورن باللاشعور."43 وهذا النظام يسير وفق المنطق والمألوف وما هو متعارف عليه وهو ما مقته السرياليون وتمردوا عليه .

أما مفهوم "قبل الشعور" فهو ما يقع "بين الشعور واللاشعور، ويقع تحت طائلة نوعين من الأفكار، الأولى سهلة التفطن مثل الذكريات التي ترتبط بالأمر نفسه، وهذه المحتويات تخضع لنظام رقابة لينة تحول دون الاختلاط بعالم الشعور. والثانية أفكار عسرة التفطن، لها علاقة ما باللاشعور، وربما تحمل شيئا من التجارب المؤلمة، وهذه تخضع لرقابة أكثر شدة، ولكنها لا تصل إلى مستوى الكبت في اللاشعور. وتستدعى الأفكار والذكريات من قبل نظام قبل الشعور لكي تعين الشخص على التكيّف في موقف  يواجهه ."44

أما نظام اللاشعور الذي لقي اهتماما كبيرا عند فرويد وجماعة السريالين فيما بعد فهو" تركيبة من المواد النفسية المختلفة التي تكون تحت تصرف الشعور مباشرة والتي يتألف قسم منها من حوادث كبُتت الانفعالات المصاحبة لها منذ مدة طويلة، وهي في مجملها خليط من الأحاسيس والتجارب المؤلمة والأفكار والدوافع والرغبات المتطرفة المخالفة للجماعة، والمستبعدة لاشعوريا عن نظام الشعور إلى نظام اللاشعور. وطبقا لفرويد تبقى تلك المحتويات اللاشعورية حية لا تموت، بل تظل نشطة تعمل على الوصول إلى نظام الشعور...لذا يكون اللاشعور مؤثرا تأثيرا كبيرا في سلوك الفرد ومزاجه ويكون باستطاعته أن يغير أفكار الفرد وعواطفه تغييرا واسعا دون أن يكون الفرد على علم  بذلك ..."45.

لقد كان لطروحات فرويد وتجاربه بما انطوت عليه من حقائق تمثل الشكل الأوضح لصورة الإنسان الحقيقي أثر مباشر على الفكر والتنظير والممارسة السريالية الحداثية، حيث دفعهم إلى البحث عن الحقائق الكامنة في عوالم اللاشعور، وإدراك الأماكن الخفية في عالم الإنسان وإنارتها، وتسجيلها أدبيا وإبداعيا على نحو حرّ، لهذا حددّت السريالية تقنياتها في الكتابة على أساس فرويدي مباشر؛ حيث اعتُبرت التجسيد الفني والأدبي لمنهج فرويد في التحليل النفسي بامتياز. وللوصول إلى تجسيد فكر اللاوعي الهادم لأسس الوعي الكلاسيكي، لجأ السرياليون إلى تقانة نوعية متفردة أثناء التشكيل الإبداعي يمكن معاينتها فيما يأتي:

$1§         الكتابة الآلية :

بناء على آثار النظريات والتجارب الفرويدية في التحليل النفسي، استقى أندري بروتون زعيم السرياليين طريقة الكتابة الآلية وفلسفتها، من فكرة التداعي الحر وتجربته عند فرويد، في الحديث والكتابة والكلمة المقترنة في سياق تحرياته النفسية، للمصابين  باضطرابات عصبية ونفسية. حيث قصد فرويد بالتداعي الحر أن يقول المريض كل شيء في تلقائية دون انتقاء أو تعمّد، الأمر الذي يتيح المعرفة والاستبصار بالجوانب اللاشعورية.  من هنا أطلق بروتون العنان لمخيلته في الكتابة الآلية والحديث الحر لاستدعاء أفكار تتدفق بسرعة، لا تخضع معها لسيطرة العقل أو سلطة رقيب، حتى يحصل السريالي على تجلي الوحدة العميقة للعالم النفسي والعالم المادي في اتحاد إبداعي منهجه الفكر السريالي،     "والمراد بالآلية هنا تسييرُ الفرد من قبل قوة داخلية تقهر كل المقاومات الواعية اليومية.   والكتابة الآلية هذيان كما في حالات الأحلام والجنون، يجري فيها تدفق تيار اللاوعي،  وتتخللها صحوات. والذي يدخل هذه التجربة يطلق نفسه على سجيتها ويُملي كل ما يخطر بباله من التداعيات دون تنقيح أو تجميل أو زيادة أو نقص "46.

وتتساءل سوزان بارنار عن الكتابة الآلية عند بروتون قائلة: "ما الذي يتوقعه السرياليون إذن من الكتابة الآلية التي لم يكف بروتون عن منحها قيمة من الدرجة الأولى ؟..يتعلق الأمر، مثلما نعلم، بالإنصات إلى ما يسميه بروتون"الهمس"، إلى هذه الرسالة التي ينقلها اللاوعي...والتي تنتظر دائما أن نمنحها شكلا، طالما هو حقيقي أن هناك في كل ثانية جملة غريبة عن تفكيرنا الواعي لا تتطلب سوى الظهور، وأن نسمعها ونخطها بأكثر درجات الإخلاص الممكنة ودون تدخل الفكر النقدي الذي اعتبره السرياليون دائما العدو العام رقم 1 للرائع "47.

 وقد عمد السرياليون إلى طرق إجرائية لتدوين كتاباتهم الآلية أبرزها ما اصطلح عليه بلعبة الجيفة الشهية، "حيث يجلس السرياليون ويتناولون ورقة يتناوبونها فيما بينهم،  فيما يدوّن كل منهم كلمة أو عبارة كلّ بدوره، مما يخطر بباله فورا دون تفكير ورويّة،  ودون أن يكون هناك رابط بين العبارات والكلمات. والنتيجة، يحصلون علي نص عجيب كتبته الجماعة، يعكفون على تحليله ليستنبطو من خلاله اللاشعور الجمعي...! وسبب هذه التسمية أن التجربة الأولى أسفرت عن هذا النص: الجيفة- شهية- ستشرب -الخمر- الجديد..."48

$1§         الارتقاء بالكلمات إلى أفكار :

كانت النتيجة المنطقية للكتابة الآلية عند السريالين، هي تحرير اللغة من كل القيود الكلاسيكية لأن اللغة عندهم ليست مجرد وسيلة للتواصل والتبادل الفكري فقط، بل إنها القدرة على وضع آلية جديدة لاستخدام الكلمات من خلال تخطي حدود المنطق العادي، لأن اللغة المتداعية وفق تقانة الكتابة الآلية عند السريالين، ليست هي التركيب اللغوي المفكّك على الطرز الدادائي، بل هي وحدة تتضمن معاني مستقلة وعميقة تتماثل مع محتوى اللاشعور، وهي مهمة لأنها تمثل الوسط المثالي الذي تمتزج فيه العوالم النفسية بالمادية. فلقد" أكد السرياليون دائما إيمانهم بوجود حياة للكلمات، وبحقيقة خفية تجسّدها الكلمات وأنها وحدها يمكنها الكشف، شرط أن نتبعها طوعا إلى حيث تقودنا"49 ويتحقق ذلك في حالتين، الحالة الأولى حين نتأمل الكلمة في ذاتها بعيدا عن القيمة الدلالية الوضعية للكلمة ذاتها وفق نظام التواصل اللغوي التبادلي، والحالة الثانية حين نجمع هذه الكلمات بعضها مع بعض، بما ينتج من ردود فعل الكلمات على ذاتها، ومع اتحاد الحالتين يمكن للسريالي بلوغ الغاية اللغوية القصوى لأن "التعبير عن الفكرة إنما يعتمد على مظهر الكلمات أكثر من اعتماده على معناها"50 .

 ويتضح هذا أكثر من خلال قدرة الشاعر السريالي روبير دينو* على التلاعب بالألفاظ أثناء تجاربه اللغوية التي عملت على الارتقاء بالكلمات إلى أفكار، يقول في مقطع من قصيدته النثرية الموسومة بـ : روز سيلافي :

"في معبد من جص التفاح كان الراعي يستقطر نسغ المزامير،

روز سيلافي على عتبة السموات ترتدي ثياب حداد الأرباب

المحبوبة كثيرا ما تكون رملا متحركا .

Dans un temple en stuc de pomme le pasteur distillait le suc des psaumes

Rose sélavy au seuil des cieux porte le deuil des dieux aimable souvent est sable mouvant51"

والظاهر من نظم روبير دينو السابق، أنه يتعّمد اللعب بالكلمات من خلال إهماله الدلالة السياقية للكلمة داخل بناء الجملة، "واللجوء إلى الإبدالات الحروفية والتماثلات اللفظية، لإظهار فكرة الكلمات المتقاربة دون الانشغال بمعناها، بسبب قرابتها الصوتية  فقط"52. وأعتقد أن البعد السريالي من هذا النمط في تشكيل الجمل هو تحقيق التماس الصوتي بين الكلمات حتى تقدم للمتلقي دلالات جديدة ترتقي إلى مصاف الأفكار، "فالأمل عند تقصي الكلمات هو اكتشاف مزيتها الأكثر خفاء....والارتقاء بالكلمات إلى أفكار بدلا من النزول بالأفكار إلى كلمات"53، وهذا معناه أن السريالية لا تدعو أصلا إلى خلق أنماط لغوية جديدة أو بديلة عن الأنماط المألوفة سابقا، وإنما تدعو إلى ضرورة الخضوع للكلمات ولقوتها الخفية، وتركها تتجاذب وتندمج، وتتجمع في كوكبة نجوم غريبة، تصل درجة العبث التركيبي فيها، إلى مستوى من القوة والكشف والنبوءة، لا تحققه التجارب اللغوية المنطقية والسياقية الكلاسيكية. يتضح "من ذلك أن الشعر الآلي هو-في جوهره- شعر تلاحُق لفظي، شعر تلقائي، عدو الشطب، حيث تترابط الكلمات من خلال تداعي الأفكار، أو الإيصاتات المرتبطة الواحدة بالأخرى، وفقا لقوانين كثيرا ما تفلت منا. وهي لا تستعيد سيادتها بالنسبة للجملة المنطقية إلا كي تدخل فورا في عالم جديد من العلاقات، فالكلمات ومجموعات الكلمات التي تتلاحق تمارس فيما بينها أكبر تضامن "54.

أما التقنيات والطقوس السريالية الثانوية، المعتمدة أثناء التشكيل الإبداعي فقد اختصرها الدكتور عبد الرازق الأصفر على النحو الآتي:

أ -إطفاء النور والكلام دون وعي

ب - قراءة المواقع الخفية في اللاشعور من خلال استنطاق الأحلام

ج - تدوين أحلام اليقظة

د - التقاط كلام المجانين وهذيانهم ورصد تصرفاتهم

ه - الدعابة الساخرة والتهكّم الناقد اللاذع .55

نتائج البحث:

أسهمت المدارس الأدبية الفكرية الأوروبية السابقة ( الرمزية والدادائية والسريالية) في رسم معالم الفكر الحداثي الأوروبي بدقة ووعي نقدي متمرس،  وذلك من خلال تجاربها الثائرة والمتحررة والهادمة للنموذج، والمؤسسة لمسار اختلف عن جلّ المسارات الإبداعية الكلاسيكية من القرن الرابع عشر الميلادي في أوروبا، وأعتقد أن للرمزية والدادائية-رغم قصر مدتهما الزمنية-والسريالية، الأثر الكبير في تشكل آفاق الفكر الحداثي العربي في القرن العشرين وبعده، وانعكاس هذا الفكر على نواحي الحياة الإبداعية الأدبية عموما والشعرية على وجه الخصوص، ويمكن تلخيص هذا فيا هو آت من نتائج واستقراءات:

1.   يبحث النقد الرمزي والدادائي والسريالي الأوروبي في إبداعه التحديثي المديني عن التجديد والمتجدّد ، الذي يكسب الحداثة صفة اللحظة العابرة المتجاوزة لذاتها. بحيث تصبح كل جدّة قدما منذ لحظة ولادتها نشأت مدارس التحديث الشعري في أوروبا كرد فعل مباشر على الكلاسيكية و الرومانسية و البرناسية. انتقل الشاعر الأوروبي الحديث من عالم المحسوس، إلى عالم الحلم والعودة إلى النظر من الخارج إلى الداخل ، عكس ماكان عليه النظر النمطي أي الانطلاق من الداخل إلى الخارج

2. سعى الفكرالشعري الأوروبي الحديث خاصة الرمزي منه إلى الكمال، والتعبيرعن سرالكون الغامض فجاءت فلسفة اللغة الشعرية عندهم عبارة عن فلسفة شاذة رافضة ومحطمة في الآن ذاته، خالقة لجهد لغوي بعيد عن المألوف السائد و المتداول

3.       اقترنت اللغة الشعرية عندهم بالمعطيات الحسية الخارجية فتتماهى معها ضمن إطار إعطاء الرمز أبعادًا رؤيويةً متميزةً ،بعيدةً عنصورته الحسية الظاهرة والتقليدية

4.      كان للحرب العالمية الأولى الأثر الكبير في ظهور الفكر الدادائي "الهدّام"  خاصة  بعد  الدمار والخراب الذي عرفته أوروبا وأنحاء أخرى منالعالم نتيجة سقوط كل المبادئ وإفلاس جميع النظم ، والعقائد الاجتماعية أمام آلة الحرب والقتل والدمار.

5.   بالغ الفكر الدادائي في نهج الحداثة الأدبية والفكرية معا؛ لأنه، في تقديري، يرفض حتى العقلنة التي قامت عليها أسس الفكر التحديثي الأوروبي منذ القرن السادس عشر، ب لأنه يعتمد الهدم فقط، في حين أرى أن التحديث يجب أن ينطلق إلى التأسيس شريطة أن يتجدّد التأسيس ولايتكرّس كأنموذجأ ونمط

6.      أضحت المدرسة السريالية، في تقديري،هي التجسيد الفني والأدبي لمنهج الدراسات النفسية الذي أهملته الدادائية.

7.   تشكل المنظور الفكري السريالي بناء على عاملين أساسيين هما مجموع الكتابات والآثار الإبداعية الأدبية السابقة والتي عدّه االسرياليون تمهيد الطروحاته ممنجهة، ومن جهة أخرى تأثر الفكر التنظيري السريالي بالدراسات السيكلوجية الفرويدية حول عوالم الحلم واللاشعور.

8.   أطلقالسرياليون العنان لمخيلتهم في الكتابة الآلية والحديث الحرلاستدعاء أفكار تتدفق بسرعة، لاتخضع معه السيطرة العقل أوسلطة قيب، حتى يحصل السريالي على تجلي الوحدة العميقة للعالم النفسي والعالم المادي في اتحاد إبداعي منهجه الفكر السريالي.

هوامش البحث وإحالاته:


1 ـ برنار،  سوزان . قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن،  ج 2،  ص 346 .

2ينظر وهبة،  مجدي . معجم المصطلحات الأدبية،  ص552 .

* - البرناسيةLe Parnassisme . مذهب شعري جاء في أعقاب الرومانسية، احتجاجا على إمعانها في الذاتية، وعلى تهاون شعرائها في الصياغة الفنية، وتعود التسمية إلى "البرناس" Le parnasse وهو سلسلة جبال في وسط اليونان شاهقة الارتفاع ... تنتشر فيها الكهوف التي تزعم الأساطير اليونانية أنها مسكونه بالآلهة والبرناس هو مأوى الإلهين أبولونوديعتيزوس وربات الإلهام الشعري والموسيقي .

    - ينظر : الأصفر،  عبد الرازق.  المذاهب الأدبية لدى الغرب،  مع ترجمات ونصوص  لأبرز أعلامها،  منشورات اتحاد الكتاب العرب،  دمشق 1999 ص 73 .

$1- وينظر أيضا  وهبة مجدي: معجم مصطلحات الأدب ص384 .

**ـ فارلينVerlaine ,Paul Marie . شاعر وناقد رمزي فرنسي ولدفي 30 مارس 1844 بميتزMetz وتوفي بباريس في 8 فبراير 1898 من أعماله: "الشعراء الملعونون"، سلسلة مقالات نقدية نشرت العام 1884، "حكمة" مجموعة قصائد نثرية تضم 58 قصيدة نثر قصيرة  كتبها ما بين 1873 و1880، و" حفلات لطيفة" ، مجموعة قصائد تتكون من 22قصيدة نثر نشرت عام 1869....   .

ينظر:-"Le Robert" des Grands écrivains de langue française, p1368-1375               

 ـ مالا رميه.ستيفان مالارميه  (1842-1898) Stéphane Mallarmé، شاعر الحداثة الفرنسية ورسام تشكيلي من أعماله الشعرية: "ظهيرة حيوان"مجموعة شعرية ضمت أكثر من 110 قصيدة نثر قصيرة نشرت عام 1887، ورمية نرد" مجموعة ثانية نشرت عام 1897 ....   .

– ينظر: -"Le Robert" des Grands écrivains de langue française, p 764-771                             

* -مورياس، جان-Moréasm،Jean.شاعر يوناني  ناطق بالفرنسية ، ولد في أثينا في 15أبريل 1856 وتوفي في سانت مودي بفرنسا في 30 افريل1910، يعد مورياس من أعلام الرمزية الأوائل. كتب بيان الرمزيةManifeste du Symbolisme ونشره عام 1886 بعد موجة من الانتقادات للكتابات الرمزية حينها،  من أعماله الشعرية.      Syrtes (1884)،  Les Cantilènes (1886) et Le Pèlerin passionné (1891).-

ينظر:- Dictionnaire Encyclopédique De La Littérature Française,art( Moréasm)

3ـ الأصفر، عبد الرازق،  المذاهب الأدبية لدى الغرب، ص 84 .

4ـ المرجع نفسه والصفحة نفسها  .

5- المرجعنفسهص 85 .

* - فرانسوا كوبييهFrançois Coppée(1842-1908)

 - فيكتور هيجوCoppée ، Victor Marie (1802-1885)

ينظر:  

-Dictionnaire Encyclopédique De La Littérature Française. art:( Coppée/ Coppée)

6برنار،  سوزان . قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الرهن، ج 2،  ص 53 .

7ـ الأصفر، عبد الرازق . المذاهبالأدبيةلدىالغرب،  ص 85 .

8ـ المرجع نفسه و الصفحة نفسها .

*جاستون باري. Barrés 1862-1923 ، شاعر وناقد فرنسي.

9 ـ برنار،  سوزان . قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الرهن،  ج 2، ص 54 .

10 ـ الأصفر، عبد الرازق. المذاهب الأدبية لدى الغرب، ص 90 .

**  للوقوف على تفاصيل مشروع مالارميه اللغوي ينظر برنار سوزان. قصيدة النثر، ج 2 ص 343 وما بعدها.

11ـ نقلا عن برنار، سوزان.  قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الرهن، ج 2،  ص 348 .

12ـ الأصفر، عبد الرازق،المذاهبالأدبيةلدىالغرب،  ص 84 .

13 ـ المرجع نفسه،  ص 87 .

*  ينظر:  برنار، سوزان .  قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الرهن، ج 1 ، ص 142 .

** ـ ينظر: القعود. عبد الرحمن، الإبهام في شعر الحداثة،  ص 81 .

14ـ برنار، سوزان .  قصيدة النثر، ج 1،  ص 142 .

15ـ القعود،  عبد الرحمن. الإبهام في شعر الحداثة،  ص 81 .

16 ـ بودلير،  شارل. سأم باريس(قصائد نثر قصيرة)، ص6 .

17 ـ برنار، سوزان . قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الرهن ،  ص 142 .

18 ـ القعود،  عبد الرحمان.الإبهام في شعر الحداثة ، ص 83 .

19 ـ الأصفر، عبد الرازق . المذاهب الأدبية لدى الغرب،  ص 89

20 ـ القعود، عبد الرحمان.المرجع السابق ، ص 85 .

21 ـ برنار،  سوزان. قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الرهن ، ج 1،  ص 203 .

22 ـ المرجع نفسه،  والصفحة نفسها .

23 ـ المرجع نفسه،  ص 206 .

*  المثالي هنا في مقابل الواقعي،  فمعطفه لشدة بلاه لم يعد معطفا حقيقيا بل فكرة معطف

*  عقلة الإصبع بطل قزم في قصة كتبها للأطفال شارل بيروPerrault, Charles1628-1703 . وكان ينثر في طريقه حصى أبيض ليعرف طريق العودة .

-ينظر :          -"Le Robert" des grands écrivains, p1004

** حين كان يصلح حذاءه يضمه إلى صدره كقيثارة يشد أوتارها ولنتصور المفارقة المفجعة، حذاء على صدره

24 ـ رامبو،  أرتور.  بوهيميتي، ترجمة عبد الرازق الأصفر، المذاهب الأدبية لدى الغرب،  ص 95 .

25 ـ الأصفر،  عبد الرازق. المذاهب الأدبية لدى الغرب،  ص 96، 97

26 ـ وهبه،  مجدي . معجم المصطلحات الأدبية،  ص ص 100،101 .

27 ـ الأصفر،  عبد الرازق. المذاهب الأدبية لدى الغرب ،  ص 167 .

*  ينظر برنار سوزان. قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الرهن ، ج 1،  ص 203 وما بعدها .

28 ـ الأصفر،  عبد الرازق. المذاهب الأدبية لدى الغرب، ص 167 .

29 ـ المرجع نفسه والصفحة نفسها.

30 ـ الحلبي،  موفـق. البيان الدادائي،  دراسات في الفكر الحداثي الأوروبي،  المكتبة المستنصرية،  بغداد،  1998 ص 34 .

31 ـ الحلبي، موفـق. البيان الدادائي،  دراسات في الفكر الحداثي الأوروبي،  ص 61 .

32 ـ المرجع نفسه، ص121

     - وينظر أيضا: برنار،  سوزان . قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن،  ج 2،  ص 447  .

33 ـ البيانات السبع "دادا" نقلا عن قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن،  ج 2،  ص ص 447،  448 .

     - و ينظر أيضا. الحلبي،  موفـق. البيان الدادائي،  دراسات في الفكر الحداثي الأوروبي، ص152

34 تزارا،  تريستان. نقلا عن برنار سوزان،  قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن، ج 2،  ص 448 .

35 ـ الأصفر، عبد الرازق. المذاهب الأدبية لدى الغرب،  ص ص 168، 169 .

36 - المرجع نفسه،  ص 169

* بروتون ، أندري Breton, André1896-1966  ، شاعر وروائي وناقد، من أعماله الشعرية. الحب المجنون1937،  والروائية. ناجا  nadja 1928، والنقدية . بيانات السريالية 1924  .

ينظر:-"Le Robert"des grands écrivains de langue françaises p204-217

37 ـ الأصفر، عبد الرازق.  المذاهب الأدبية لدى الغرب،  ص 170 .                                           

-  وينظر أيضا: وهبة، مجدي . معجم مصطلحات الأدب ص550

38 ـ كورك،  جاكوب. اللغة في الأدب الحديث،  الحداثة والتجريب،  ترجمة ليون يوسف وعزير عما نوئيل،  دار المأمون، بغداد،  1989،  ص 223 .

39ـ ينظر:-Le Robert des grands écrivains de langue françaises,  société, p 204                  وللإفادة أكثر يراجع :أبولينير، جيوم.  نهدا تريزياس، ترجمة. نادية كامل،  سلسلة المسرح العالمي العدد 239،  وزارة الإعلام،  الكويت 1989 .

40 ـ ينظر: برنار،  سوزان . قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن،  ج 1،  ص 285 وما بعدها .

41 ـ ينظر:  فاولي،  والاس. عصر السريالية،  ترجمة خالدة سعيد،  دار العودة بيروت، 1981،  ص 43،  وما   بعدها .

*  للمزيد راجع : حيدوش،  أحمد. الاتجاه النفسي في النقد العربي الحديث،  ديوان المطبوعات الجامعية،  الجزائر،  1990،  ص 14 وما بعدها .

42  ـ الأصفر، عبد الرازق.  المذاهب الأدبية لدى الغرب،  ص 171 .

43 ـ هول، كافن . مبادئ علم النفس الفرويدية،  ترجمة دحام الكيال،ط3،  دار المتنبي،  بغداد،  1988،  ص 58 

44 ـ شلتز،  دوان . نظريات الشخصية،  ترجمة  أحمد الكربولي وعبد الرحمان القيسي،  مطبعة جامعة بغداد 1983،  ص 33 .

45 ـ هول، كافن. مبادئ علم النفس الفرويدية،  ص 61 .

46 ـ الأصفر، عبد الرازق. المذاهب الأدبية لدى الغرب،  ص 175 .

47 ـ برنار،  سوزان . قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن،  ج 2،  ص 453  .

48 ـ الأصفر،  عبد الرازق. المرجع السابق ص 175 .

49 ـبرنار،  سوزان . قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن،  ج 2،  ص 454 .

50 ـ المرجع نفسه و الصفحة نفسها.

*  روبير دينوDenos ,Robert شاعر فرنسي ولد في باريس يوم 8جويلية 1900 وتوفي في السجون النازية يوم8 جوان1945 .

ينظر:                  :(Denos)- Dictionnaire Encyclopédique de la littérature française, art

51 ـ برنار،  سوزان . قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن،  ج 2،  ص 455  .

52 ـ برنار،  سوزان . قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن ،  ص 455

53 ـ المرجع نفسه،  والصفحة نفسها .

54  ـ م ن،  ص 475 .

55 ـ ينظر:  الأصفر،  عبد الرازق.  المذاهب الأدبية لدى الغرب،  ص 176،  177 .

مراجع البحث:

1.       برنار، سوزان. قصيدةالنثر منبودلير حتىالوقتالراهن، ترراوية صادق، دار شرقيات، القاهرة 1998

2.       بودلير ،شارل. سأمباريس (قصائد نثر قصيرة). ترمحمد أحمد حمد ومراجعة الدكتورة كامليا صبحي، المجلس الاعلى للثقافة، القاهرة 2010.

3.       حيدوش، أحمد. الاتجاه النفسي في النقد العربي الحديث، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر،  1990

4.       الأصفر، عبد الرازق.  المذاهب الأدبية لدى الغرب، معترجمات و نصوص لأبرز أعلامها، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1999

5.       شلتز، دوان . نظريات الشخصية، ترجمة أحمد الكربولي وعبد الرحمان القيسي، مطبعة جامعة بغداد 1983

6.       القعود. عبد الرحمن،الإبهام في شعر الحداثة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت 2002 

7.       الحلبي، موفـق. البيان الدادائي، دراسات في الفكر الحداثي الأوروبي، المكتبة المستنصرية، بغداد، 1998

8.       كورك، جاكوب. اللغةفي الأدب الحديث، الحداثة والتجريب، ترجمة ليوني وسفو عزيرعمان وئيل،دار المأمون، بغداد،  1989،

9.       فاولي ،والاس. عصر السريالية ،ترجمة خالدة سعيد، دار العودة بيروت، 1981 .

10.      هول، كافن . مبادئ علم النفس الفرويدية، ترجمة دحام الكيال،ط3، دارالمتنبي، بغداد،  1988،

11.      وهبة، مجدي . معجم المصطلحات الأدبية ، ط2، مكتبة لبنان، 1984

12.       -Philippe Hamon, Denis Roger-Vasselin: "Le Robert" des Grandsécrivains de langue française, Broché –janvier 2000

13.       Robert Laffont& Valentino Bompiani : DictionnaireEncyclopédique De La LittératureFrançaise. Edition  Laffont, Paris 1999