سيميائة العنوان في ديوان "خبر كان"pdf

الدكتور بولرباح عثماني

جامعة الأغواط- الجزائر

Abstract:

The article deals with the subject of the title, which occupies an important place within the field thresholds, to be considered a key procedural and an essential input for any text and an essential link within the rings build strategic, as it represents the core of the text and semantic establish the legitimacy of the presence of it gratia kicks off the first spark to process loan..

الملخص:

يعالج المقال موضوع العنوان الذي يحتل مكانة مهمة داخل حقل العتبات ، لاعتباره مفتاحاً إجرائياً و مدخلا أساسياً لأيْ نص و حلقة أساسية ضمن حلقات بنائه الاستراتيجي ، كما أنّه يمثل نواة دلالية تؤسس النص و تهبه مشروعية الوجود منه تنطلق الشرارة الأولى لعملية القراءة من خلاله تتحدد العلاقة بين النص و المتلقي فإما أن يفتح شهية هذا الأخير و يقبل على هذا النص، و إما أن يحدث نفوراً و عزوفاً.

الموضوع:

لقد أضحى العنوان الشغل الشاغل بالنسبة إلى المبدع و أهم و أخطر المحطات التي يواجهها في كتاباته،فطبيعة العنوان المتميزة باقتصاد لغوي عالي،و التعقيد الحاصل في مهامه ووظائفه و علاقته،جعلا من  لحظة حرجة عند اختياره و صياغته توهب من خلاله الحياة للنص و بالمقابل قد يقصيه و يهبه الموت .

و عليه أيضاً غدا العنوان إشكالية كبرى و سؤالا محيراً بالنسبة إلى القارئ و خصوصاً مع العناوين الحداثية التي لا تمنح نفسه لها بسهولة ، مؤدية إلى خلخلة و زعزعة ذهنه ممهدة له في نفس الوقت الطريق إلى الطريق إلى النص و ما فيه ، ومن هذا كله تخرج مجموعة من الاشكالات و التساؤلات المتمثلة فيما يلي :

- كيف اختار " توفيق ومان " هذا العنوان و ما علاقته بالنص الشعري ؟.

- و إن كانت هناك قصيدة وراء اختيار هذا العنوان فما مرجعياته ، و إحالته ؟

- و هل يشكل العنوان لحظة تأسيسية وعي لدى المتلقي ؟.

في محاولتنا للإجابة على كل التساؤلات المطروحة عملناعلى إستنكاه الأبعاد الدلالية و الرمزية و تفكيك هذا العنوان بغية الوقوف على طرائق استغلاله ووظائفه و علاقته و استدعينا لهذا المنهج الوصفي التحليلي السميائي كأداة للتحليل،على اعتبار أنّ تحليل العنوان من منظور سميائي في الدّرس النقدي الحديث.هو أبرز القضايا التي أفرزتها المنهجية المنهجيات الحديثة،خصوصا بعد انتشار الدراسات و البحوث السميائية في العالم العربي . و قد تعاملنا مع هذا العنوان وفق منحنين .

الأول تحليل العنوان باعتباره بيئة متنقلة لها فضائها الخاص و بإنتاجيتها الدلالية كالموقع الذي يحتله العنوان و تميزه الأيقوني و بنيته التركيبية و الدلالية و التداولية أي " نصية العنوان ".

أما الجانب الثاني فكان تطبيق مبرزين دور و أهمية العنوان و تحليل ألوانه و ما تحمله من دلالات ، و دراسة حسب مستويات ، إذا تضمن كل مستوى قراءة خاصة سواء من الناحية الدلالية أو النحوية أو النحوية .

ففي دراستنا هذه كان العنوان أفقياً معرفياً ، و تخطيط البداية معرفة متطورة و تتفتح طبقا لدراستها، و لا يمكن إعقال دوره المعرفي .

ظهرت بحوث ودراسات لسانية و سميائية و شعرية عديدة بغية دراسة العنوان و تحليله لدى : بارت عزيفل ، هنري متران ، ليوهوك ، ريكاردو ...1 .

و تعد دراسة " جيرار جنيت " للعتبات في كتابهSEUILS ،أهم دراسة منهجية في مقاربة العتبات بصفة عامة و العنوان بصفة خاصة ، لأنها تسترشد بعلم السرد و المقاربات النصية في شكل أسئلة و مسائل ، و تبقى دراسة " ليوهوك " (LEO-HOEK) و هو المؤسس الفعلي لعلم العنوان من أهم الدراسات التي تناولت العناوين من منظور تؤطره السيميائيات فضلا عن إطلاعه عن تاريخ الكتابة و الكتاب 2.

كما أنّ النقد العربي لم يول العنوان أهمية تذكر ، بل ظل يمر عليه مرور الكرام و لكنه الآن بدأ يهتم بعتبات النص عموماً ، و صار يدرجها ضمن سياق نظري و تحليلي عام يعني بإبراز ما للعتبات من وظيفة و دور في فهم النص ، و تحديد جانب أساسي من مقاصد الدلالية و هو اهتمام أضحى في الوقت الراهن مصدر لصياغة أسئلة دقيقة ، تعيد الاعتبار لهذه المحافل النصية المتنوعة الأنساق ، وقوفا على ما يميزها و يعين طرائق استغلالها 3.

1-العنوان / لغة واصطلاحاً:

أ- لغة :

إذا رجعنا إلى لسان العرب للبحث عن جذور مفردة " العنوان " نجد المعاني و الدلالات التالية :

$1·   عَنَّ الشيء ، يَعِنُّ و يَعُنُ  عَنَنًا و عنوانا : ظهر أمامك .

$1·   عَنَّ ، يَعِنُ ، يَعُنُ ، عنًا ، و عنوانًا ، و اعتن : اعترض ، و عرض .

$1·   عنَنت الكتاب و أعننته بكذا : أي عرفته و صرفته إليه .

$1·   عنَّ الكتاب –يعنهّ عنا و عنْنَنَهُ : كعنونة مشتقا من المعنى .                                                      

و قال اللّحياني : عنت الكتاب تعييناً و عنيته : إذ عنونته . و أصله عنان ، فكما كثرت النونات ، قلبت إحداهما واوا ، و كلما استدلت بشيء تظهره على غيره فهو عنوان له .

 و أضاف ابن منظور بأنّ العنوان يشتق من المعنى فالمعنى كل كلام معناته و معينة قصده .و من قال علوان الكتاب جعل النون لاما لأنّه أخف و أظهر من النون .قال الليث : العلوان غير جيدة ، و العنوان بالضم هي لغة فصيحة و قد يكسر فيقال : عُنوانٌ ، عِنوانٌ ، و عُنيان 4

و يُقال أيضا علوان لأنه تخرج من طرف اللسان و أصل الثنايا العليا ، و العلوان من العلانية لأنك أعلنت الكتاب ممن هو ، و إلى من هو ، و العنوان العلامة و كأنك علمته حتى عرف بذكر من كتبه ، و من كتب إليه و عموما يلخص محمد فكري الحراز في كتابه " العنوان و السيميقراطيا " العنوان اللّغوي فيما يلي :

أ- العنوان من مادة عنا تحمل معنى القصيد أو الإرادة .

ب- العنوان ما تبين معا يحمل معاني : الوسم أو الترك .

اصطلاحا :

يطرح تعريف العنوان مجموعة من الإشكالات و مجهود كبير للتحليل ، و لعل أهم تعريف له هو " علامة الكتاب " و عنصر من عناصره المكونة له ، فالعنوان رسالة ستية في حالة تسويق ينتج عن التقاط ملفوظ أدبي بملفوظ إشهاري و فيه أساسا تتقاطع الأدبية و الاجتماعية ، و كأنه يتكلم (يحكي) الأثر الأدبي في عبارات خطاب اجتماعي 5 .

و يعرفه " ليوهوك " LEO – HOEKفي كتابه ( سمة العنوان ) بأنّه ((مجموعة من العلاقات اللّسانية التي يمكن أن ترسم على نص ما،من أجل أن تشير إلى المحتوى العام ، و أيضا أجل من جذب القارئ ))6.

يعرفه شارل غريفل CH .GRIVEL بأنّه(( إعلان عن طبيعة النص)) ، فهو إعلان عن القصد الذي انبثق إما واصفاً أو حاجباً أو كاشفاً ، لأنّ العنوان يظهر معنى النص،و معنى الأشياء المحيطة به ، فهو من جهة يلخص معنى المكتوب بين دفتين و من جهة ثانية يكون بارقة تحيل إلى خارج النص 7.

يُقر  جيرار جينيتبصعوبة كبيرة حين أراد تعريف العنوان نظراً لتركيبته المعقدة و العويصة على التنظير فيقول: ((ربّما يكون التعريف نفسه للعنوان يطرح أكثر من عنصر آخر للنص الموازي،بعض القضايا يتطلب مجهودا في التحليل ذلك لأنّ الجهاز العنواني كما نعرفه منذ النهضة (...)هو في الغالب مجموع شبه مركبة))8. و يقسمه إلى ثلاثة أقسام :

1/ العنوان :LE TITRE يوافق أول خطوة بعد أن يضع الكاتب النقطة الأخيرة .

2/ العنوان الفرعيSOUS TITRE: ضمن عبارة المؤشر الجنسي.

3/  المؤشر التجنيسي مثل : قصة ، رواية ، مسرحية 9.

و هناك من أرجع تعريفات و تحديدات العنوان على حسب الانتماء إلى ما يلي :

المدرسة النقدية فهو عند  رولان بارث((نظام سيميولوجي يحمل في طياته قيما أخلاقية و اجتماعية  و إيديولوجية)) و هو رسالة يتبادلها المرسل و المرسل إليه ، بينما يرى ROBERT CLOUZ أنّ العنوان هو الذي يسمي القصيدة و يعينها و يخلق أجواءها النصية و التناصية و عند  محمد مفتاح  أنّه يقدم معرفة لضبط انسجام النص و فهم ما غمض منه ، إذا هو المحرر الذي يتنامى و يتوالد و يعيد إنتاج نفسه ، و هو الذي يحدد

هوية الرواية و إن صحت المشابهة بمثابة الرأس من الجسد ، و قد يرد طويلا فيساعد على توقع المضمون الذي يتلوه و إما أنْ يكون قصيراً و حينها لابد من قرائن لغوية توحي بما يتبعه .

2/ علاقة / عنوان – نص :

لقد أشار النقاد إلى أهمية العنوان و ترابطه العلائقي بالنص ، فالعنوان لا يشكل أي أهمية إذا كان بمعزل نصه و هو في علاقة تشابكية معه دائما و دلالته في تقاطع مستمر مع دلالات النص لذا فترجمة     PARATEXTE  بالنص الموازي في رأي  جيرارترجمة يشوبها الكثير من الغموض و الاضطراب ، لأنّ الموازاة مصطلح رياضي يعني به المصاحبة و الموافقة في هيئة واحدة بدون تقاطع و التقاء أو المطابقة التامة ، و النص الأدبي و عناصره عموما الموازية في انفصال و اتصال و تقاطع و تشابك ، و على هذا فالمصطلح النص المحيط أو المجاور أقرب و أوضح إلى المعنى المقصود .

يوضع العنوان في الغالب و باتفاق الكثير من الكتاب و المبدعين بعد الانتهاء من كتاب النص ، لأنّ العنوان و الفرع و النص أصل ، فالكاتب بعد الانتهاء من عمله يختار العنوان القادر على اختزال نصه في تركيبه أو لفظه ليؤدي بذلك العنوان الكثير من المعاني ، أما إذا كان اختيار العنوان قبل النص فهذا خرق للنظام : لأن المؤلف في هذه الحالة يكون قد جعل نفسه مجبراً على كتابة نص ملائم للعنوان فيصبح العنوان أصلا و النص فرعا.10

و يرى جون كوهينفي حديثه عن مستوى الدلالة ( الدلالة / الوصل) – الوصل هو من مظاهر الإسناد – بأن طرفيالوصل يجب أن يربطهما مجال خطابي واحد و أن تكون هناك فكرة تشكل موضوعها المشترك و غالبا ما قام عنوانالخطاب لهذه الوظيفة أنّه يمثل المسند إليه 11.أو الموضوع العام ، فالعنوان مظهر من مظاهر الإسناد و الوصل والربط المنطقي و بالتالي فالنص إذا كان بأفكاره المبعثرة مسندا فالعنوان مسند إليه و هو بمثابة فكرة عامة أو محورية 12.

لا يمكن على مستوى التحليل دراسة العنوان بالتغاضي عن النص الذي يعنونه لأنّ العنوان يدخل في علاقة فالأول يعلن و الثاني يشرح ، و اعتماداً على هذا التحديد تنهض علاقة العنوان بالنص على أساس التضمين المتبادل و في مدار هذه العلاقة يتبدى النص جواباً على هذه الأسئلة التي يثيرها العنوان أو بتعبير " شارل غريفل (( أنّ العنوان بمثابة السؤال الإشكالي ، و النص إجابة أورد على هذا النص السؤال))13.

يمتاز العنوان من الناحية السيميائية بعلاقة ارتباطيه عضوية مع النص مشكلا فيه بنية معادلية كبرى تتألف من محورين أساسين في العملية الإبداعية :( العنوان – النص ) حيث تتحدد بعلاقة إسالية بينهما ينتج عنها بنيةشاملة و هذا ما يعزي القول مع جيرار (( بأنّ العنوان و النص يشكلان بنية معادلة )) أي أن العنوان بنية رحمية تولد معظم دلالات النص ، فإذا كان النص هو المولود فإن العنوان و النص يشكلان بنية معادلة كبرى )) أيْ أنّ العنوان بنية رحمية تولد معظم دلالات النص ، فإذا كان النص هو المولود فإنّ العنوان المـــُولَّد الفعلي لتشابكات النص و أبعاده الفكرية و الإيديولوجية أو بتعبيركلود دوشيه: ((قد يعلن العنوان عن نفسه كنص يلد الرواية في عملية دقيقة جدا أو كحافز ))14.

العنوان من أهم العتبات الدلالية التي توجه القارئ إلى استكناه مضامين النص و تفكيك شفراته و استكناه محولاته الدلالية .

لقد تضاعف الاهتمام في النصوص الأدبية الحديثة و ذلك على وجوهه الشكلية منها و البنائية ، و ذلك طبعاً بعد التطور و الازدهار الذي عرفته الدراسات الأدبية و النقدية على إثر دخول المناهج النقدية الحديثة و المعاصرة حلبة هذه الدراسات .

و في هذا السياق حظيت العناوين بأهمية كبيرة في المقاربات السيميولوجية باعتبارها أحد المفاتيح الأولية والأساسية التي لابد على الدارس أن يحسن قراءتها و تأويلها و التعامل معها ، لأن العنوان يمارس غواية و إغراء للمتلقي ، فهو بذلك أول مثير سيميائية في النص من حيث أنه يتمركز في أعلاه و يبث خيوطه و إشعاعاته فيه (( و يشرف عليه كما لو أنه يضئ العتمات و يجليها)) و بذلك يصعب عزل العنوان عن النص أو فهمه بعدا بنيته الكلية ،  و سنحاول في هذا الفصل دراسة العنوان دراسة سيميائية في بعض المستويات .

إنّ العنوان إبداع لغوي ، يتواصل من خلاله القارئ مع النص فبالإضافة إلى تحديده لهوية النص وصف خصائصه الشكلية و الموضوعاتية ، له مجموعة من الوظائف الأخرى التي يؤديها ، و التي من بينها إغواء القارئ و التشويش عليه من خلال احتمالات غير متوقعة بكسر أفق انتظاره 15 ، و لقد ظهر اهتمام واضح ، منذ السبعينيات في الغرب بدراسة العناوين و النصوص ، وبرزت في هذا المجال مجموعة من الدراسات منها :

- دراسة رولان بارثR.BARTHES  المعنونة : سارا زين وزانبنيلا16و قد اعتبر بارث فيها أنّ العنوان يثير الكثير من الأسئلة التي لا يتم الإجابة عنها إلا من خلال ربطها بالنص في حد ذاته ، ذاته لأن العنوان هوية النص و التميز له عن باقي النصوص .

- دراسة كلود دوشي C.DUCHRT الذي خصص بحثا كاملا مستقلا للحديث عن العنوان في كتابه " الفتاة المهملة و الوحش البشري " و اعتبر دوشي أن العنوان إشهار للنص و إعلان مكثف عنه .

و نجد بالإضافة إلى هذين الباحثين عدة دارسين آخرين اهتموا بالعنوان من بينهم ليوهوك L.hoek و عريفل ...الخ ، غير أن جينات يبقى من أهم الدارسين الذين تحدثوا عن العنوان و العنونة في كتابيه أطراس و عتبات ، يخصص جينات حيزا مهما كتابه عتبات للحديث عن العنوان ، حيث عولج " يعمق و بصفة منهجية إنطلاقا من موضعه ، و تاريخ ظهوره ، و صيغته و الجودة اللفظية و خصائص هيئته التواصلية ووظائفه "17.و يشعر المبدعون – نظراً للأهمية البالغة للعنوان – بصعوبة اختيار عناوين مؤلفاتهم لأنّه ((الخطورة الأولى من خطوات الحوار مع النص))18.

يطرح القارئ خلال هذه الخطوة مجموعة الافتراضات و التساؤلات التي يعمل على رصد إجابات لها يعتبر العنوان في هذا الجانب من الآليات الهامة التي تمكن القارئ من دخول النص و مساءلته .

يعرف ليوهوك العنوان أنّه(( مجموعة من العلامات اللسانية التي يمكن أن تدرج على رأس النص لتحديده و تدل على محتواه العام))19 ، و بهذا نستطيع أن نخرج بجملة من الملاحظات حول العنوان أهمها :

- قد يكون العنوان كلمة ، و يستطيع أن يكون جملة .

- يكون العنوان على رأس النص كتعريف و هوية له .

- يعكس العنوان محتوى النص ، بصفة مباشرة أو غير مباشرة ( الإيحاء ) .

و تختلف العناوين باختلاف الأنواع الأدبية و الرؤى الفنية فالعناوين في الشعر يختلف عنها في القصص و الروايات ، كما أنّ العناوين الأدبية تختلف عن العناوين الأخرى ... الخ .

بالإضافة إلى هذه الدراسات يعرفه لوإتش هوك : ((بأنّه مجموعة من العلاقات اللّسانية قد تردّ طالع النص لتعينه و تعلن عن فحواه و ترغب القراء فيه..))20. فالعلاقة الافتراضية بين ما هو مدون على غلاف النص و بين الحكاية المدرجة داخله هي علاقة جدلية ، تتعلق في الكثير من الأحيان حول طبيعة النص و ما يدور داخلها من وقائع و أحداث و ما يحتويه العنوان من معان مكثفة و مستوحاة مما يدور داخل النسيج السردي الحكائي . كما أن هناك شبه تواصل جمالي بين دلالة النص ، إذا كانت هذه الدلالات نمنع من رؤية الكاتب و نسق تفكيره و مخيلته الخاصة في التّعبير عن الواقع الخاص و بأحداث محدودة في الروايات على سبيل المثال نجد عالم من العوالم الروائية السحرية و التي خلدت نفسها بنفسها فالعنوان عنده جزء لا يتجزأ من العملية الإبداعية الداخلية للنص ، إذ يختار عناوين رواياته بعناية 21شديدة و إطلاقها على نصوصه برهافة و شفافية تكاد تصل إلى حد الاحتدام  و التطرف ، و لعلّ هذا الاهتمام الكبير بعناوينه لرواياته قد منحه المقام الأول و مكانة في الساحة الروائية العربية بل أيضاً ، و هو يعتبر " العنوان " علامة و إشارة مهمة لهذا العالم الذي شيده و أحاطه بسياج من الرؤى في جماليات التعبير و سلالة التفكير و قوة المنطق .

فبلاغة العنوان عنده تمثل حالة من حالات الإبداع الخاص في هذا الجنب من مرسلات اللغة فهو يمثل في عتبة نصوص نصيب محفوظ جانبا مهما يعرفه المتلقي و غير المتلقي في هذا الحقل الإبداعي 22.

و يعتبر  جيرار جينيتمن السباقين في تبني قضية العتبات النصية في كتابه ( أطراس ) و (عتبات) ، حيث تبنى هذه الإشكالية و صاغها تنظيريا ضمن نظرياته المحكمة حول مستويات السرد المختلفة ، و العتبات هي كل ما يحيط بالنص و يغلفه من عنوان و غلاف و إهداء و كلمة ناشر و مقدمة ، و يعتبر العنوان هو أهمة هذه العتبات في دائرة البدايات الأولى لمحور النص و الخطوط الأولى لارتباطه بنواح التأويل23 و جوان الدوال ، و هو أيضا كما قيل عنه رأس النص و مفتاحه الأساسي و نقطة الإرسال الأولى و من ثم فهو يرتبط بباقي جسم النص و يمنحه بذور النمو و التطور .

و يقسم جنيت العنوان إلى ثلاثة أنواع :

أ. العنوان الرئيسي le titre

ب. العنوان الفرعي sous titre

ج. المؤشر التجنيسي indication gènèique

و تختلف هذه التقسيمات من عمل إلى آخر لاسيما بالنسبة للعنصرين ( ب-ج) فقد نجد في بعض الأعمال الأدبية العناوين الرئيسية  فقط ، كما نجد العنوان الرئيسي و المؤشر التجنيسي دون العنوان الفرعي ....الخ 24..

ومن هذا المنطلق يُشكل العنوان أهمية بالغة في الدراسات والبحوث والمقاربات الحديثة المرتبطة ببلاغة النص وتحليله ،فلم يعد محمولاً اضافياً زائداً على النص بل أصبح عتبة وعلامة في فهم أغوار وطبيعة وجوهر الخطاب ،وتضّميناته الإشارية والعلامتية التي تحدّد الطابع الوظيفي للمؤشرات الدّلالية والجمالية والتي تصنع علاقة الذات الكاتبة بالعالم ،ومن هذا المنطلق ووفق هذه الرؤية النقدية لم يعد العنوان تكملة مضافة أو زينة فائضة وخارجة عن النص ،أو جملة لامحل لهامن الإعراب ،بل أصبح نقطة بدء حاسمة في تأويل النصوص وتحليلها وسبر أغوارها .

وتأسيساً على ذلك يقدم الشاعر الشّعبي  توفيق ومان مجموعته الشّعرية خبر كانالتي تضم بين دفتها سبع و عشرين قصيدة ، تنوّع إنتاجها ما بين القصائد الشّعبية و التقليدية و الصائدة الحرة أو المعروفة بالحديثة من حيث الشّكل و المضمون ، لأنّ ومان حاول أنْ يخترق حجب البناء القديم ، و يخرج بذلك عن الألوف الذي عرفت به القصيدة الشّعبية الجزائرية ، هذا الفيض الزاخر بالصور الجديدة المبتكرة ، و المستحدثة في حقل شعرنا الشّعبي و العامي باعتبارها بداية أو انطلاقة للثورة التجديدية في شكل القصيدة و بنائها و ذلك ما نلاحظه في التغير الحاصل على مستوى المعمار الإبداعي و الفني لقالب القصيدة الشّعبية ،  كما فتحت آفاقا واسعة و ممتدة إلى ما لا نهاية له و لا حدود .

إنّ الذي يتصفح " خبر كان " يجده يفوح عبق الانتماء القوي و الوطني و الحضاري و هو ما تجسده الأفكار السامية ، المعبرة عن الانجذاب و الإنجاز هذا الأخير نحو هذا الكيان المليء بالحكايا الأسطورية المنبعثة من إحساسه العميق بالمحيط الذي يعيش فيه ، و من البديهيات الأمور أن الشعراء من أكثر الناس إحساسا و تفاعلا مع محيطهم ، و هم أقدر من غير هم على توضيح مدة هذا التفاعل في مجال الكلمة و الحرف من جهة و في التصوير الفني الصادق من جهة أخرى على أن هناك فارقا بين الشعراء أنفسهم و بين مدى قدرتهم على التجاوب مع الأحداث التي تدور حولهم فينزعون الانفعال و الإحساس إلى إبداع .

أ-  توصيف العنوان :

يظهر ديوان " خبر كان " في أعلى متوسط الصفحة للكتاب وجود عناوين فرعية أو تجنيس أدبي أما اسم المؤلف " توفيق ومان " فكان في أعلى الصفحة أي فوق العنوان مكتوبا بخط يختلف عن الخط الذي كتب به العنوان بحيث نلاحظ أن العنوان كان بارزا وواضحا في الكتاب و بذلك بصبغته بني بنفسجي ، و خط عربي ، فوق لوحة فنية مدرجة في الكتاب بلون ممزوج بين البنفسجي و الأزرق المتدرج و السواد لقد تهيكل العنوان في سطرين إذ نجد في السطر الأول كلمة واحدة تتمثل في " ديوان " ، أما في السطر الثاني وردت لفظين أو كلمتين هما " خبر كان " لكنهما اشتركا في نفس نوع الخط ، مشكلان بذلك نصف دائرة مما يدل على أننا نستطيع أن نقول أنّالعتبة كانت في خضم المتن فكلمة ديوان ، و ما تحمله من معنى دالة على محتوى و مضمون الكتاب فهي تشمل مجموعة شعرة و هذا ما بدا لنا في فحوى الكتاب .

أ-1) التمظّهر الخطي و اللّوني للعنوان :

إذا كان العنوان علامة لغوية تؤدي دلالاتها ، إلا أنّ عملية التواصل العنواني للعنوان لا تتم بشكل عشوائي للخطوط المستعملة بل تتوخى و تتوسل بمؤثرات جمالية من حسن حظ و اختيار اللون كونهما يحملان طاقات تعبوية و تأثيرية على المتلقي ، فرسم الخط ليس عملية عشوائية ، بل فعل مقصود محمل بالكثير من الدلالات و المؤشرات المحلية إلى صاحب الخط و الشخصية ، فإذا عدنا إلى تاريخ الألوان نقول أن للألوان دور كبير في حياتنا اليومية و موقفنا المختلفة ألوان الملابس و المنازل و الشروق و الغروب و السماء و الأشجار   و الورود...الخ ، و ذلك لدلالاتها دوما على صفات إنسانية و ظروف اجتماعية و ليس هذا فحسب بل تحيل الألوان إلى تفسيرات نفسية متأثرة بعوامل ثقافية و فيسيولوجية متعددة25.

و من الشائع أن الدلالة الرمزية للألوان تتباين من حيث المكان و الزمان ، و أنّهما أكثر ارتباطاً بالعادات التقاليد و الوسط الاجتماعي ، و إذا ما تغيّر النسق الاجتماعي و الثقافي تغيرت معه الدلالات أيضا فلقد ظهرت محاولات لتفسير كيفية حدوث الألوان ودلالاتها ، ومنها تلك المحاولة التي قام بها lusher.

و ذهب فيها إلى أن الحياة في بدايتها كانت محكومة بعاملين خارجين عن إرادة الإنسان هما الليل بظلامه و النهار بنوره فاللون هو انعكاس لردود أفعال الانفعالية الآخذة في النمو26،رو في ضوء دراستنا هذه نجد أن العنوان الوارد في أعلى وسط الصفحة مكتوب بخط عربي مميز  و هو نوع الديواني أو السلطاني و هو أحد الخطوط العربية و سمي بالديوان السلطاني نسبة إلى ديوان السلطان العثماني حيث كان يستعمل هذا الخط في كتابة المراسلات السلطانية .  

و قد خط العنوان بخط بنفسجي مما جعله يوحي بعدة أمور منها : الأسى ، الحزن ، الاستسلام ، الكآبة  كما يؤدي دلالة أخرى متمثلة في حدة الإدراك و الحساسية  النفسية .

فاللّون البنفسجي ممزوج كونه جمع بين الأحمر و الأزرق فهو يوحد آثار اللونين و يجمع بين الموضوعي        و الذات ، فالموضوعي بالنسبة لشاعرنا ، دلالة على الوطنية و حب الانتماء إليه و الاعتزاز بالوطن العربي ككل .

أما الذّاتي فنجده أدرج قصائد متنوعة تشير إلى مواقف عاشها مع غيره .

و ممّا نلاحظه أيضاً أنّ خلفية العنوان كانت بيضاء و هذا ما أدى إلى بروزه ووضوحه أكثر للعيان .

فالبياض قد عل على إشاعة النور و الطهارة ، كما يرمز إلى ترك الدّنيا و خطاياها و غسل الذنوب و الآثام  و يوحي إلى حياة جديدة متحدة و التي يأمل بها الشاعر الأمان و الاستقرار للجزائر و الوطن العربي ككل .

أ-2)-المستوى النحوي للعنوان :

- العنوان : ديوان خبر كان .

- إعراب تفصيلي :

1) ديوان : خبر مرفوع بالضمة لمبتدأ محذوف تقديره ( هذا ) و هو مضاف .

M071601

ورد كل كلمة من العنوان " ديوان – خبر – كان " أسماء نكرة تهيمن عليه الأسماء ديوان خبر و هو ذو نفس قصير وظفت فيه عناصر جمالية إيقاعية مرتبطة بالسجع ، فيتكون العنوان من ثلاث فواصل مفردات منسجمات ووردت كلها أسماء مفردة و تنتهي بنفس الحرف الصوتي في الأخير " النون " و نظرا لارتباط السجع – عادة – بالعناوين التراثية القديمة فهذا الأمر يجعلنا نشم هذا النص عبق التراث و أصالة التاريخ " الديوان "  .

المستوى المعجمي للعنوان :

1) (ديوان ) : جاء في معجم الوسيط عدة معان منها :

-( دونَ) :الديوان : أنشأه و جمعه ، و كتب جمعها و ترتيبها .

- ( تدوَّنَ) : مطاوع دوَّنه ، و اغتنى غنى تامًا.

-  ( الدُّوَن ) الجنيس و الحقير .

-( دون ) : ظرف مكتان منصوب وهو يحسب مضاف غليه فيكون بمعنى تحت .

كقولك : دون قدمك بساط ، و بمعنى فوق ، نحو : السماء دونك ، و بمعنى خَلْفَ  ، نحو :جلس الوزير دون الأمير ، و بمعنى أمام ، نحو : سار الرائد دون الجماعة ، و بمعنى غير ، نحو :و " و يغفر ما دون ذلك " و بمعنى قبل ، نحو : دون قتل الأسد أهوال ، و اسم فعل بمعنى : خذ ، نحو : و توصل الخطاب ، فيقال : دونك الدرهم ، و بمعنى الوعيد ، كقول السيد لخادمه : دونك عصياني .

- ( الديوان ): الدفتر يكتب فيه أسماء الجيش و أهل العطاء ، و الكتبة و مكانهم 27.

* و يعني أيضا مجموع شعر شاعر و هذا ما يتضح لنا من خلال دراستنا ذلك أن كلمة ديوان تضم مجموعة شعرية لشاعرنا توفيق ومان .

- (الديوان ) : جاء في لسان العرب لابن منظور عدة معاني منها :

-دون ، دون 28: نقيض فوق ،وهو تقدير عن الغاية ، و يكون ظرفا ، و الدُّونُ : الحقير الخسيس ، قال :

إذا ما علا المرء وراء العلاء    و يمنع بالدون من كان دونا

و لا يشتق منه فعل ، و بعضهم يقول منه : دانَ يدونُ دوناً و أدين ُ إدانةً ، ويروي قول عدي قوله

أنسلَ الذَرعَان غرب جذم و على الرَّبرَب أَزْمٌ لم يُدَن

أما أبو حاتم عن الأصمعي : يقال: يكفيني دون هذا ، لأنه اسم .

2)( خبر) : ورد في نفس المعجم عدة معان منها :

يقال : خبر المكان ، فهو خبر ، و الشيء علمه .

- ( خبرت ) الناقة ، خبورا : خبِرت ، و الرجل : صار خبيرا و الأمرَ ،خَبرا ،خُبرا ،خِبرا ، و خِبرة ،و مخبرة    خَبَره ،و يقال ، خبر بالأمر ( أخْبرَه ) بكذا : أنبأه ، و الناقة : وجدها غزيرة اللبن .

- ( خَابرَه ) : زراعة مخابرة ، و بادله الأخبار ( محدثة ) .

- ( خبره ) بكذا : أخبره به .

و يعني ( الخبر) أيضا : ما ينقل و يحدث به قولا أو كتابة و قول يحتمل الصدق و الكذب لذاته .

-( الخبر ) : منقع الماء في الحبل : و الزرع و السدر و الأراك و ما حولهما من العشب و الناقة الغزيرة اللبن  و الرواية العظيمة .

- (الخبراء ) : القاع يثبت السدر و الأراك 29.

3)(كان) :جاء في لسان العرب لابن منظور عدة معني منها.

كان و يكون : من الأفعال التي ترفع الأسماء و تنصب الأخبار كقولك كان زيدا قائما و يكون عمروا ذاهبا و المصدر كونا و كيانا ، فقال الأخفش في كتابه الموسوم بالقوافي : و يقولون أزَيْداً كنت له ، فقال ابن الجني ظاهره أنه محكي معرب لأنه الأخفش يحتج بالمسموع العرب لا بمقيس النحويين ، و إذا كان قد سمع عنهم أَزَيْدًا كنت له ففيه جواز تقديم خبر كان عليها .

- و كان : تدل على خبر كان ماض في وسط الكلام و آخره ، و لا تكون صلة في أوله لأن الصلة تابعة لا متبوعة ، و كان في معنى جاء كقول الشاعر :

إذا كان الشّتاء فأدفئونيفإن الشيخ يُهرِمُه الشِّتاءُ

و كذا تعني : وجد و استقر ،و يعني أعوذ بك من النقص بعد الوجود و الثبات ، و قيل أيضا كان بمعنى مضى و تقَّضى و هي التامة ،و تأتى بمعنى اتصال الزمان من غير انقطاع ، و هي الناقصة و يعبر عنها بالزائدة أيضا ، كما تأتي بمعنى المستقبل من الزمان ، و من شواهدها بمعنى اتصال الزمان من غير انقطاع قوله سبحانه    و تعالى : و كان الله غفورا رحيما ،أي لم يزل على ذلك و نجد في القرآن الكريم أيضا : إن هذا كان لكم جزاء   و كان سعيكم مشكورا ، و فيه إنه كان لآيتنا عنيدا30 .و فيه : كان ميزاجها زنجبيلا ، و من أقسام كان الناقصة أيضا أن تأتي بمعنى صار كقوله سبحانه : كنتم خير أُمَّة ، و قوله تعالى : فإذا انْشَقَّتِ السماءُ فكانت وردة كالدهان ِ  و فيه : و كانت هَبَاءً مُنْبَثًا و فيه :

كانت الجبالُ كثيبًا مهيلاً ، وفيه كيف نُكلم من كان في المهد صبيًا .

و في الأخير يمكن أن نقول أن كلا المستويين يخدم بعضهما البعض ، " فخبر كان " نجد أن لهذا الملفوظ توجيه قصيدي مبيت من قبل الكاتب ، إذ أنه تلاعب على المستوى التركيب في المعني النحوية المتواجدة في خطبته فتأخير الناسج عما عهده في موقعه له دلالة تبدو موحية جدا ، ذاك معناه هروب المنسوخ من الناسخ     و هو إظهار أن الخبر قد يهرب من إمكانية تحديد ، إذ أنه مستقبل لا يحده وازع و تعتبر حريته موجودة تساق بأسبقية الماضي و الحاضر و المستقبل .

كما أنّ اعتبار الناسخ " كان " خبر أيضا له الدلالة الإلزامية التي تسخر من كونه الخبر ليس فقط في معناه المعجمي " خبر " و لكنه أيضا " خبر " في معناه النحوي ، و عليه هو تظافر مستوياته سواء المستوى التركيبي أو المستوى المعجمي في أن البؤرة المركزية هي الخبر أو الإخبار ، أو ما نحن بصدره الآن هو الإخبار أو حكاية الخبر .

فالعنوان يخبر و ينطق و يقول ، يستشرق آفاق المتن برؤية تبشيرية من شأنها أن تعضد المعاني الجزئية الموجودة في النص .

المستوى الوظيفي و الدلالي للعنوان :

أدى العنوان – في نصنا – مجوعة من الوظائف ، من أبرزها الوظائف التالية :

1) الوظيفة التبعية dèsignative.

و تتمثل في تحديد و تعيين العنوان ، و المتمثل في " ديوان خبر كان " قصد تميزه و بروزه ، و تعمل هذه الوظيفة على درء كل لبس قد يحصل بين النصوص و العناوين غير أنها لا تنجح في ذلك دائما لأنه في بعض الأحيان قد تشترك عدة نصوص في عنوان واحد31 ،و تظهر أهمية العنوان الفرعي الذي قد يكون عنصرا مساعدا على تميز النصوص المتشابهة في العنوان الأساسي .

2) الوظيفة اللغوية الواصفة : mètalinguistique .

يعد عنوان النص الرئيسي  عنوانا موضوعيا بامتياز ، حيث أشار إلى محتوى النص كما منح القارئ بعض التوقعات حول النص قبل قراءته ، و ازداد الأمر ترسيخا م خلال الدراسة اللغوية و المعجمية للعنوان في جميع امتداداته ، حيث كشفت لنا القراءة الواصفة للعنوان عدة خبايا و علاقات من بينها العناوين و النص ، مما يسمح للقارئ من الاقتراب أكثر من النص و محتواه ، و يمكن من هذه الجهة اعتبار أن العنوان قد أدى دورا استشراقيا من خلال إعطائه صورة مكثفة عن محتوى النص .

يعتبر كامبروبي الوظيفة اللغوية الواصفة من أهم وظائف العنوان ، للأسباب التالية :32

- الوظيفة اللّغوية الواصفة ، تجعل العنوان موضوعة النص thème  لأنّ العنوان مؤشر مهم على موضوعات النص ، حيث يعطي للقارئ توقعات و ترقبات حول النص.

- تسمح هذه الوظيفة بإدماج العنوان في فضاء مفتوح لن يغلق – على الأقل – إلا عندما يقرأ النص بجميع اتجاهاته و امتداداته ، و بعدها يستطيع القارئ أن يقيم إفادة هذا العنوان و إفادته و نوعيته .

- تساعد هذه الوظيفة القارئ على تحديد فئة العنوان و علاقته بالنص هل هو عبارة عن عنوان مباشر استعماري ، ساخر ...إلخ . إذن تهدف الوظيفة اللّغوية الواصفة للعنوان إلى الإحاطة بالنص ، قد تتجاوزه أحيانا لأن الكلام حول النص و ما يحيط به ليست قيمته كقيمة النص في حد ذاته ، فهناك فرق بين التعليق عن النص و النص نفسه ، و العنوان " باعتباره ملفوظاً لغوياً واصفاً يحيطه بالنص و يتجاوزه ...، دون أن يخترقه لأنه يظل دوما على مستوى آخر "  33 ،فهناك مسافة بين النص و النص الواصف .

و من خلال ما ذكرناه نضيف بعض الدلالات التي يحتويها العنوان :

-كان فعل ماض ناقص بل خبر كان هو " خبر كان " عنوان لا يعني أن التعليق على العنوان يحمل أركان الزمن الثلاث من ماضي و حاضر و يتعداه إلى ما يتجاوزه به إلى المستقبل .

- و من أول تعريف لشعرائه يعني كثير بالوطن نظرا للتضحيات العظيمة التي قدمها هذا الشّعب على مدى تقدم من قرن و ربع قرن ، متوجا هذه التضحية بثورة عظيمة التي قامت في كل أنحاء الجزائر و أجبرت الشعر الفرنسي أخيرا على الجلاء عن أرض الوطن و الاعتراف باستقلالها بعد أن فاقت التضحيات و بلغت رقما قياسيا تجاوز المليون و نصف مليون من شهداء هذا الشّعب المجاهد البطل ، و تبين هذا من عمق الجرح و الألم الذي عاناه هذا الشّعب في سبيل الجزائر و سبيل الحرية .

إنّ الذاكرة الجزائرية في الأدب عموماً و في الشعر الفصيح منه ، و الشّعبي مازالت هذه الذاكرة مثخنة حتى جذور الروح بجراح الماضي و بدم الشهداء ، و إنْ اختلفت أساليب الكتابات التي تنهل من مخزون هذه الذاكرة ، و قد يكون كثير من الشعراء لو يولدوا بعد ، حيث نالت الجزائر حريتها في أوائل الستينات من القرن الفارط ، كالشاعر توفيق ومان الذي بين أحد دواوينه الشعرية و لكن الشاعر توفيق ومان ابن وفي لبيئته و بلاده منغرس في روح تاريخها الماضي و الحاضر ثقافة و انتماء تنعكس في شعره بوعي و التزام مجسدا بذلك استمرار للشعر الشّعبي في شتى أغراضه و على رأسها قضية الحرية حرية الجزائر ، مستحضرا ذاكرة الناس و آدابهم  و قضاياهم في شعره ، و لكن لم ينحصر شعره في هذا فقط بل ككل شاعر حقيقي تعددت الأغراض في شعره ما بين هموم الوطن و هموم الحياة المجتمعية التي تحمل هموم الوطن و مشاكله اليومية أو همومه و طموحاته الشعرية  و كذلك في هجاء الأخطاء و الأعداء أعداء الشّعب دون أن يسكون ذلك في شعره حكرا على الهم القطري للجزائر .

ب)إشكالية العنوان :

إنّ خبر كان يختصر المعاني الكلية التي يحتويها الديوان بكامل أبعاده و صوره فهو البداية للعناصر و هو النهاية لجماليتها ، إنّ حب وولع الشاعر ومان بالتراث الشّعبي إبداعه بآلياته ووسائله و كذا إعجابه الواعي بالتراث يوجب عدم تكرار كما هو قديم .

لقد كتب ومان قصائد شعبية ناضجة و طافحة بالخرق و العاري في عالم متنوّع و لأننّا في صدد دراسة شاملة عن خبر كان و إنمّا هي قراءة في الديوان فقط .

فمن خلال عنوان الديوان نجد أن الشاعر حاول أن يفرضه علينا لأنه حاول القضاء المألوفة في عناوين المجموعات الشعرية أو الدواوين الفصيحة ، فهو يدل و يبرهن على ثقافته و معارفه كرجل ثقافة و فكر هذا من جهة ، و من جهة أخرى يحاول أن يواكب الواقع و ما تمليه تغيرات العصر ، فخبر كان يعني بنية الشاعر الزمن    و الماضي و الخبر كما هو معلوم في عرف اللغويين يتبع اسم كان و لا يتم المعنى إلا به .

ألا يكشف العنوان عن الخلفية التاريخية لأحداث ما ؟ لا يكشف العنوان عن إيحاءات و إيماءات تقول لنا بأن الشاعر صاحب ملامح تستنطقها ذاتيته الكلمات و الرموز المترامية داخل كل حرف من حروف العنوان ؟34.

و من هنا نقول أن الاتصال داخل معاني القصيدة شيء لا منتهى له و ما العلاقات إلا هرم نقشت أعلاه ثلاثية ( الخبر ، الحب ، الجمال )، التي يرنو و يطمح الشاعر إلى تحقيقها .

حاولنا في مقالنا هذا أنْ نثير مجموعة من القضايا و الإشكالات التي يطرحها خطاب العتبات و من المؤكد أن العتبة هي أهم و أخطر العناصر داخل هذت الحقل ، فالعنوان جزء من النص و دال عليه بل هو النص كله فبدونه يفقد النص هويته ، ووجوده ، و مشروعيته ، و ينقطع كل اتصال بينه و بين على مستوى أعم  و أشمل نستطيع أن نقول أنه من بين الأسباب الجوهرية التي ساهمت في تحقيق الهوة بيننا و بين العالم الغربي المتحضر و زادت في إنتكاستنا و تديتنا هي غياب تلك الميزة الرفيعة للخطاب المقدماتي لأي فعل فكري كان أو ثقافي أو علمي هو في  حقيقته بتخطيط و استراتجيات قبلية لهذا الفعل من حيث ضبط المطب و الموجود  الوسائل ، و تحديد المراحل و الصعوبات و النتائج...

الهوامش والإحالات :

[1]- محمد عبد الهادي المطوي ، شعرية عنوان أو كتاب الساق على الساق في ما هو الفرياق ، مجلة عالم الفكر ، م 28 ، ع 01 ، الصادرة عن المجلس للثقافة و الآداب و الفنون ، سبتمبر 1999، الكويت ، ص 455 .

2- جميل حمداوي ، السيميو طيقا و العنونة ، مجلة عالم الفكر ، ع 03 ، م 25  ، الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب ، مارس 1997 ، الكويت ، ص 106 .

3- ابن منظور ، لسان العرب، دار الإحياء للتراث العربي ، لبنان ، ط 1 ، 1998، مادة العين.

4-عبد الفتاح الجحمري ، عتبات النص ، منشورات الرابطة ، ط1 ، 1996 ، الدار البيضاء – المغرب ، ص 07 .

5- جميل حمداوي ، السيميو طيقا و العنونة ، مرجع سابق ، ص 106 .

6- عبد الفتاح الجحمري ، عتبات النص ( النية و الدلالة ) ، مرجع  سابق ص 07 .

7- أبو بكر بن يحي بن عبد الله الصولي ، أدب الكتاب ، شرح و تعليق أحمد بنيج ، دار الكتاب العلمية ، لبنان ط1 ، 1994 ، ص 148 .

8- محمد فكري الجزار ، العنوان و السيميوطيقا ، مرجع سابق ، ص 206 .

9- جمال بوطيب ، العنوان في الرواية المغربية ، مقال منشور ضمن الرواية المغربية ، دار الثقافة للنشر و التوزيع ، الدار البيضاء ، المغرب،ط1 ، 1996 ، ص 195 .

10- كمال بن عطية ، سؤال العتبات في الخطاب الروائي ، مرجع سابق ، نقـلا عن G.GENETTE.SEUIS.P60/62

11- ناصر يعقوبي ، اللغة الشعرية و تجلياتها في الرواية العربية (1970-2000) ، المؤسسة العربية للنشر ، بيروت ، لبنان ، ط 1 ، 2004 ، ص 100 .

12- جميل حمداوي ، السيميو طيقا و العنونة ، مرجع سابق ، ص 97 .

13-  جمال بوطيب ، العنوان في الرواية المغربية ، مرجع سابق ، ص 199.

14- نفس المرجع السابق ، ص 97 .

15- جوزيف بيزا كامبروبي ، وظائف العنوان ، ترجمة عبد الحميد بورايو ، مقال منشور في سلسلة وقائع جديدة ، مطبوعات جامعية ، ليموج ،فرنسا ، 2004 ، ص 04

16- R.BARTHES , S/Z,èdition du seuil , PARIS1970

17- جوزيف بيزا كامبروبي ، وظائف العنوان مرجع سابق ، ص 03 .

18- فوز عيسى ، النص الشعري و آليات القراءة ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، مصر ، 1997 ، ص 18 .

19- محمد الهادي المطوي ، (( شعرية عنوان ، كتاب الساق على الساق فيها هو الفرياق )) ، مجلة عالم الفكر ، ع1 ، مجلد 28 سبتمبر ، المجلس الوطني للثقافة و الفنون ، ص 156 .

20-  محمود الهميسي ، براعة الاستهلال في صناعة العنوان ، الموقف الأدبي ، دمشق ، ع 313 ، مايو 1997 .

21- صلاح فضل ، نجيب محفوظ و الرواية التاريخية ، الرواية و التاريخ ، مجموعة باحثين ، المجلس الوطني للثقافة و الفنون و التراث ، قطر ، 2006 ، ص 189 .

22- المرجع نفسه ، ص 190.

23-جيرار جنيت ، مدخل إلى النص الجامع ، ترجمة عبد العزيز السبيل ، مراجعة حمود حمادي ، المشروع القومي للترجمة ، ط1 ، 1999 .

24- C.F.g.genette.seuils.p61

25- خالد محمد عبد الغني ، الذكاء و الشخصية دراسات في القلق و الشعور بالوحدة ، مرجع سابق ، ص 08 .

26-المرجع نفسه، ص 09.

27- إبراهيم مصطفى ، حامد عبد القادر ، أحمد حسن الزيات ، و محمد علي النجار ، معجم الوسيط ، الجزء الأول ، المكتبة الإسلامية للطباعة  و النشر و التوزيع ، ص 305 .

28- ابن منظور ، لسان العرب، دار صادر ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1997 ، المجلد الثاني ، ص 436 .

29- إبراهيم مصطفى و آخرون ، معجم الوسيط ، مرجع سابق ، ص 214 .

30- ابن منظور ، لسان العرب ، مرجع سابق ، ص 455 .

31- جوزيف بيزاكا مبروبي ، وظائف العنوان ، مرجع سابق ، ص 4 .

32- المرجع نفسه ، ص 19-20.

33- جوزيف بيزاكا مبروبي ، وظائف العنوان ، مرجع سابق ، ص 10 .

34-بولرباح عثماني ، دراسات نقدية في الأدب الشّعبي ، الرابطة الوطنية للأدب الشّعبي ، ط1 ، 2009 ، ص 105 .