صورة السلطان العثماني في الأدب الجزائري القديمpdf

مسعود بن ساري. المركز الجامعي. ميلة.

مشري بن خليفة. جامعة قاصدي مرباح. ورقلة - الجزائر

abstract

The ancient Algerian author became a competitor against other Oriental and Andalusian novelists by producing remarkable literary works which reflected a pure Algerian viewpoint.

He produced the Abbasside Khalife image, Ayyoubide, Mamloukide, Fatimide Ottomane sultans. This paper is as a proof of our thinking which was devoted to ottoman sultan. 

the Key words:sultans. Ottomane. image. The ancient literaryAlgerian.

Résumé

L’ancien auteur algérien  a  su devenir concurrent à l’égard des romanciers orientaliste et andalou à travers la production d’œuvres littéraires distinguées qui reflétaient l’opinion littéraire algérienne pure. Il a produit l’image du khalife Abbasside, le sultan Ayyoubide, Mamloukide, Fatimide et Ottomane. Le présent article est un modèle témoin sur nos réflexions lequel nous l’avons consacré au sultan ottoman.

Les mots clés: sultan. Ottomane. l’image. L’ancien littéraire algérienne

الملخص:

استطاع الأديب الجزائري القديم أن ينافس إخوانه في المشرق والأندلس، وأن ينتج أعمالا أدبية مميزة، من وجهة نظر أدبية جزائرية خالصة. لقد صور الخليفةَ العباسي، والسلطان الأيوبي، والمملوكي، والفاطمي، والعثماني. وشكّل صورَ كلِّ سلطان تشكيلا خاصا، تحكمت فيه أحداث الزمان، وجغرافية المكان، ونوع النص، وعاطفة الأديب وملكته، وشخصية السلطان وأعماله. وهذا المقال نموذج وشاهد على قولنا، قصرناه على السلطان العثماني.

الكلمات المفتاحية: السلطان. العثماني. الصورة. الأدب الجزائري القديم. 

كان حكم الأتراك في الجزائر حكما مميزا من حيث دوافعه، ومن حيث ممارساته، - وإن أصابه بعض الخلل في فترات ما-. فـ"لم يكن الأتراك مستعمرين، لأنهم لم يملكوا أرضا، ولا أبعدوا مزارعا عن مزرعته، ولم يكونوا محتلين، لأن جيشهم لم يكن ذا عدد يمكنهم أصلا من احتلال جزء من البلاد (..) وكانت السلطة كلها، تحت إدارة الباشا والبايات، بيد شيوخ البلاد الجزائريين، شرقا وغربا، سهلا وجبلا"([1]). وكانت دوافعه جهادية، لصد الغارات التي توالت على الجزائر من طرف أسبانيا، التي التفتت إلى الجزائر، بعدما قضت على بلاد الأندلس، واحتلت غرناطة.

وقد كان فضل السبق في السلطان، وتحرير المكان، ومساعدة السكان للأخوين: خير الدين وعروج؛ فمن الطبيعي الابتداء بهما، ومحاورة النصوص لاستجلاء صورهما. فما خبرهما؟.

قال محمد بن عبد الله الجزائريفي ابتداء حكم الأتراك بالجزائر: "وكان الأتراك يدان: إحداهما تمهد التلول والأفخاذ من بغاة البربر والعربان، وأخرى تدافع الكفر عن أهل الإيمان سيما أنه تظاهر عليهم المشركون وبنو زيان، وذلك لما استقر الإمام أبو الفتوحات الأسد الضرغام أمير المؤمنين السيد خير الدين أول ملوك الأتراك بالجزائر رغبة في جهاد الكافرين ورحمة للضعفاء من المسلمين بعث أخاه عروجا رئيسا لمحروسة تلمسان فاستولى عليها بعد أن قتل سبعا من سلاطينها ونحو السبعين من أكابر بني عبد الوادي وما ينيف على الألف من كبارها واقتحم البلاد"([2]).

والصفات التي وُصِف بها خير الدين هي: (الإمام، الفاتح، الأسد الضرغام، أمير المؤمنين، السيد، أول ملوك الأتراك بالجزائر). وهي صفات مطابقة لا مبالغة فيها ولا رياء، ولم يكن هذا السلطان باحثا عن المديح، ولا متفرغا له، ولكن من الإنصاف أن يوضع الناس مواضعهم.

كان السلطان خير الدين رجل جهاد يقوده بنفسه، وكانت له بالبحر والقرصنة دربة وخبرة، وله الفضل قبل هذا في إنقاذ الكثير من مسلمي الأندلس إلى المغرب.. أحبه الجزائريون وأخاه، وجندوا تحت قيادته لتطهير بلادهم من الإسبان. والنص الذي بين أيدينا يكشف تلك العاطفة القوية الصادقة التي يكنها الجزائريون لهذا البطل التاريخي وأخيه. لقد وجدوا فيه خير الدين والدنيا، رجلا قوي الإيمان بالله، وصاحب صلابة لا تلين في الجهاد الإسلامي([3]).

ولكن ذوي النفوذ والسلطة والمصالح في الجزائر كانوا منزعجين من خير الدين وأخيه؛ لخوفهم على مكانتهم التي ستزول بزوال الإسبان. فالزيانيون تحالفوا مع الإسبان ضده، فقتلوا أخاه عروج ومجموعة كبيرة من صحبه، واسترجعوا السيطرة على تلمسان، ولكن خير الدين استرجع، وانتقم لأخيه، ودخل تحت سلطة الدولة العثمانية، فتبنته ودعمته، وبفضل هذا الدعم تحول خير الدين من مجرد قائد بحري، إلى سلطان على دولة تدعى الجزائر.

وفي الرسالة الموالية التي كتبها أصحاب النفوذ من الجزائريين الخائنين يظهر لنا وجه خير الدين في حربه لأعداء الداخل؛ ذلك أنه لما فتح مدينة الجزائر (922هـ=1516م)، بايعه أهلها أميرا للجهاد، ولكنه شعر أن أمير الجزائر السابق سالم التومي يخونه، ويدبر له أمرا بالتحالف مع الإسبان، فقتله خير الدين بيده جزاء خيانته.. وهذا نص الرسالة التي وجهها أحد عملاء الإسبان من شيوخ العشائر إلى الكاردينال خمينيس، وهي تؤكد صدق ظن خير الدين.

وفيها: "الحمد لله، إلى مدبر المملكة القشتالية وكبيرها وخليفة سلطانها الكاردينال. بعد سلامنا عليكم نعرفكم أن ابن سلطان تنس هو ابنكم ومتعلق بكم، ومحسوب عليكم، وكذا ابن التومي صاحبكم في الجزائر، انذبح عليكم وعلى خدمتكم، وغفلتم عليه وعلى السلطان في التنس وعلى جميع من عاملكم، حاشاكم من هذا، فإن كنتم تعملون على همتكم أعزموا للجزائر قبل ما تجيء (اسيطيل) التركي، فيستولي على هذه البركة، ونحن عرَّفناك ولو يكون هذا الخبر عندكم. وأيضا ابن سلطان تنس كان عنده خاله الشيخ المنتصر  ينفر عليه (أي يدافع عنه) واليوم مات. ما بقالو أحد إلا الله وأنتم، إذا ما عزمتم إليه ينفسد ويفسد عليكم الحال كثيرا في هذا البر. والقائد مارتين أدرغوت عارف بكل شيء. وهو يكون عرَّفك بكل مقصد. وكتب لكم من مدينة مستغانم. يصل إلى يد الفاضل الشهير قرض نال (الكاردينال)" ([4]).

وهكذا نرى عظيم الحمل والمسؤولية التي كان يتحملها خير الدين، حرب بالداخل والخارج، إنها صورة "القائد البحري العثماني الأشهر، الذي جعل البحر الأبيض المتوسط كله بحيرة عثمانية، لا سلطة لأية دولة فيه، في عهد السلطان سليمان القانوني في القرن العاشر الهجري والسادس عشر الميلادي"([5]).

والرسالة على بساطتها، ولغتها المخلوطة بالعامية، تعطينا صورة عن مكانة السلطان خير الدين، وخطره، صورة المؤسس، والمجاهد، والمنظم، الذي نال شهرة بالداخل والخارج، فركعت له أوروبا، وحرر مدن الجزائر، ونقل أكثر من سبعين ألفا من مسلمي الأندلس الذين طردهم الإسبان. "ولم يزل يتابع غزو الثغور الإفرنجية إلى أن استدعاه السلطان الغازي سليمان خان الأول، فاستخلف على الجزائر مستشاره حسن آغا، (..) وسار بأهله إلى الأستانة، فأكرم السلطان وفادته، وقلده وزارة البحر، فجرى خير الدين على عادته في غزو ثغور العدو (..) إلى أن مات في قصره"([6]).

وذكروا أنه "توفي في ثلاثة وستين عاما، وهذا السن عادة خطير جدا.وكان كبير الحجم، وله لحية قوية، أسمر محمر، وليس أصهب مثل عروج، وكانت له حواجب كثيفة، ورموش طويلة. قيل: إنه كان شديدا على المسيحيين، رحيما بالأتراك"([7]). والمسلمين. وتلكم صفات القائد المسلم الحق؛ الذي يتحقق فيه قوله - تعالى -: )أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود(([8]).

وكما قيل في التحريض على الجهاد كثير من الشعر قيل مثله في التهنئة بالنصر؛ كلما فتح أو حرر للجزائريين مكان في بلدهم. فهذا مثال ذلك يجسده الشاعر عبد الرحمن بن موسى في تهنئة حسن بن خير الدين باشا على فتح حصن مرسى وهران وهروب الإسبان منه؛ حيث يقول([9]):

هَنِيئًا لَكَ بَاشَا الْجَزَائِرِ وَالْغَرْبِ

بِفَتْحِ أَسَاسِ الْكُفْرِ مَرْسَى قِرَى الْكَلْبِ

سَتَفْتَحُ وَهْرَانَ وَمرْسَاتِهَا الَّتِي

أَضَرَّتْ بِذَا الإقْلِيمِ طُرًّا بَلاَ رَيْبِ

فَثِقْ بِالإلَهِ وَاسْتَعِنْ بِهِ وَاصْبِرَنْ

يُنِلْكَ الْمُرَادَ يَا أَمِيرِي وَمَطْلَبِي

وَقَدْ وَعَدَ الرَّحْمَنُ جَلَّ جَلاَلُهُ

مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا قَدْ أَتَى ذَاكَ فِي الْكُتْبِ

لقد كانت تلكم التحولات والانتصارات تثير قرائح الشعراء، وتز وجدانهم، فيعبروا عن ذلك؛ "ولكن حسن باشا لم يستطع أن يطرد الإسبان نهائيا، وظل وجودهم يثير يثير مشاعر الشعراء كلما حانت المناسبة"([10]).

ولا تكاد تخرج صورة السلطان العثماني في الجزائر من دائرة الجهاد؛ ذلك أن الصليبيين احتلوا مدينة وهران ما يقارب ثلاثة قرون، احتلوها سنة 914هـ وأخرجوا منها سنة 1119هـ، على يد الباي محمد بكداش، ثم استرجعوها سنة 1144هـ، وبقوا بها ربع قرن، إلى أن أخرجوا منها نهائيا سنة 1206هـ على يد الباي محمد بن عثمان الكبير الكردي، وعلى إثر هذين الفتحين المؤزرين، تسابق الأدباء إلى تخصيص عدة تآليف أشهر ما وصلنا منها كتاب: التحفة المرضية في الدولة البكداشية في بلاد الجزائر المحمية، لابن ميمون، للفتح الأول. وكتاب الثغر الجماني في ابتسام الثغر الوهراني للراشدي أحمد بن محمد بن علي بن سحنون([11]). ولذلك سنقف على صورة هذين السلطانين:

السلطان محمد بكداش: ارتبطت صورته بفتح وهران، ومصاحبة العلماء، وقد جاء في فترة عجز فيها الشعب الجزائري، وكاد يهوي قطره أمام الضربات الصليبية المتتالية. وكان لظهور بكداش على الساحة بطلا مقاوما للاحتلال أثره الكبير في تغيير الأوضاع؛ "فالشعوب وحدها عاجزة عن ابتكار أي أمر جديد، غير أن ظهور البطل يغير حالها، ويعدها لحياة أفضل بإيقاظها من سباتها، وتوضيح أمر مصيرها"([12]).

ولكشف صورة هذا السلطان لا من بمقارنته بمن قبله من السلاطين العثمانيين؛ لنرى كيف تعاملوا مع تلكم الأوضاع المتردية للبلاد والعباد. قال محمد الحلفاوي([13]) في توصيف هؤلاء([14]):

وَكَمْ أَتَى مِنْ قَبْلِهِ الجَزَائِرَا

دَايٌ وَدِهْقَانُ كَمَنْ جَاءَ زائِرَا

فَلَمْ يُكَنْ لِلْخَلْقِ فِيهِ رَاحَهْ

وَلَمْ يَسَلْ عَنْ غَيْرِ مَا بِالرَّاحَهْ

وَلاَ يُبَالِي فِي الأَنامِ بِفَسَادْ

وَقَلَّ مَنْ رَامَ ازْدِرَا بِهِمْ فَسَادْ

ومن الإنصاف أن نشير إلى أنه كانت هناك محاولات لصد الإسبان وحلفائها الصليبيين من طرف سلاطين أتراك قبل بكداش؛ ولكنها لم ترق إلى الدرجة التي نالها السلطان بكداش بالفتح الوهراني الأول؛ ومن أمثلة ذلك ما قاله الشاعر أبو عبد الله محمد بن عبد المؤمن([15]) محرضا الداي بابا حسن الشريف (1681 – 1683 م) على تحرير وهران، في مشهد يكشف صورة المدينة وهي محتلة([16]):

نَادَتْكَ وَهْرَانُ فَلَبِّ نِدَاهَا

وَانْزِلْ بِهَا لاَ تَقْصِدَنَّ سِوَاهَا

وَاحْلُلْ بِهَاتِيكِ الأَبَاطِحِ والرُّبَى

وَاسْتَصْرِخَنَّ دَفِينَهَا الأوَّاهَا

قَدْ طَالَمَا عَبِثَتْ بِهَا أَيْدِي الْعِدَا

حَتَّى اسْتَبَاحُوا أَرْضَهَا وحِمَاهَا/

وَتَصَرَّفُوا فِي الْمُسْلِمِينَ بِمَا غَدَا

أُعْجُوبَةً لِمَنِ اغْتَدَى يَرْعَاهَا

أَضْحَى الصَّلِيبُ مُؤَيَّدًا وَالدِّينُ قَدْ

دُرِسَتْ مَعَالِمُهُ فَلَسْتَ تَرَاهَا

جَعَلُوا بِهَا النَّاقُوسَ فِي أَوْقَاتِهِم

بَدَلَ الأَذَانِ وغَيَّرُوا مَعْنَاهَا

كَمْ مِنْ أَسِيرٍ حَوْلَهَا لاَ يُفْتَدَى

كَمْ مِنْ فَقِيرٍ حَلَّ فِي مَثْوَاهَا/

كَمْ مِنْ نِسَا مَعْ صِبْيَةٍ أَسْرَى بِهَا

أَسْرَى بِهِمْ مَنْ لَيْسَ يَدْرِي اللهَ

ويحاول الشاعر أن يتقن تحريضه، ولذلك اختار مؤثرات تهز كل سلطان ذي نخوة، اختار استبدال  المساجد بالكنائس، والأذان بالناقوس بعد احتلال النصارى لوهران، وسبي النساء، واستعباد الأطفال..

وجاء السلطان الموفق بكداش، وفتح وهران فتحها الأول (1119هـ)، وألف ابن ميمون ست عشرة مقامة  تخليدا لهذا الفتح وصاحبه، في كتاب سماه: التحفة المرضية في الدولة البكداشية في بلاد الجزائر المحمية. وتناول فيه ابن ميمون سيرة محمد بكداش "من حيث رأيه المصيب، وأعماله المرضية، وأرومته الزكية، وقد ركز على سيرته إبان حكمه، كما خصص جل الكتاب لقصة الفتح الأول لمدينة وهران"([17]).

ومن هذا الكتاب الثمين، نعرض طرفا من المقامة السادسة: (في استفتاح الملك صباحا وما جرى لأهل الدولة غدوا ورواحا). وتتضمن المقامة أربعة مشاهد تتكامل فيما بينها لتقرب لنا صورة بداية الملك لبكداش بعد فتحه وهران. والبدايات على الدوام أرسخ ما تكون بالأذهان. قال ابن ميمون: "كان ذلك في التسعة والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ثمان عشرة ومائة وألف. وقد اجتمع من العساكر ما ينيف على اثني عشر ألف، واستفتح الملك يوم الجمعة والناس ينتظرون مجتمعه، فلما طلع عليهم بدره بين أنجمه، تأسفوا لقلة وفده، ولم يعلموا أنه اعتمد على قوله - تعالى -: )إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ( [سورة آل عمران، الآية160] وما أحقه بقول القائل، من شعراء الأوائل:

وَمَا ضَرَّنَا أَنَّا قَلِيلٌ وَجَارُنَا

عَزِيزٌ وَجَارُ الأَكْثَرِينَ ذَليلُ

فلما رأيت ما أخذهم من الذهول، وسمعت شهادتهم بأن وصفه تتحير فيه العقول، أنشدت متمثلا:

اللهُ أكْبَرُ أَيُّ شَيْءٍ حُزْتَهُ

حَتَّى اِسْتَكَانَ لأَمْرِكَ الْعظماءُ

شَهِدَتْ لَكَ الأَعْدَاءُ أَنَّكَ مَاجِدٌ

وَالْحَقُّ مَا شَهِدَتْ بِهِ الأَعْدَاءُ

وبويع له بالخلافة، وما أعظمها خلافة"([18]).

والمقطع يبين تاريخ البيعة، إذ كان يوم جمعة، وهو يوم مبارك عند المسلمين، قال النبي ص "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم ، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم جمعة"([19]). وأعتقد أن افتتاح الملك في يوم جمعة لم يكن صدفة أو عفويا، بل كان مختارا اختيار، تيمنا وتبركا بهذا اليوم؛ وفي ذلك إشارة واضحة إلى نشأة السلطان بكداش الدينية الإسلامية التي كان ملتزما بها.

ولما تعود أهل وهران من سلاطينهم السابقين كثرة الأعوان والخدم، فقد عابوا على السلطان بكداش قِلَّتَها. ولكن المؤلف بحكمته وحنكته يحول ذلك إلى محمدة له، فهي دليل على تواضعه وتميزه عن سابقيه، فبهارج الملك لا تهز هذا السلطان بقدر ما يهزه الجهاد ومحاربة الفساد، وإسعاد العباد.

وينتقل المؤلف إلى وصف أولئك القلة من أعوانه المقربين قال ابن ميمون: "وأبو الفتوح صهره حسن، يفعل بين يديه كل حسن، من الذب عنه بسيفه ولسانه، والفتك بمن يروم الخروج عن سلطانه، وهو – أعزه الله - ممن لا يضاهيه النجم وإن لسعت عقارب السعي جسد الملك كان أحكم راقيه، فأقسم بالله ليعقدن على رأسه من الملك إكليلا، يرد اللحظ عن سناه كليلا، وليطوعن له شرق البلاد وغربها، وليحملن على طاعته عجم البلاد وعربها. والأربعة الآخرون واقفون بالباب، يمهدون الملك بافصاح الخطاب، فمنهم صاحب السيف المحدود، الليث الهمام الحاج محمود، فطالما صال في المضمار وجال، وولى من يومه أمينا على بيت المال،/ والفتى الأمجد، الحسام المهند، الذي جمع الباس، مع صغر الراس، وصار وكيلا، وعلى ما يتحصل ويخرج كفيلا، والآخر الذي ما زال يخوض بحار الهلك، حتى تنحى عن خزانة الملك، والذي أفرده الزمان، لفخره باللسان، ما لم تعلمه الجوارح، حتى غدا رائح"([20]).

إنهم صهره حسن حاميه الشخصي، والحاج محمود أمين بيت المال.. إنهم خمسة على الأكثر؛ رغم أن الأمر لم يستتب بعد بالداخل على أكمل وجه، ولذلك ذكر الكاتب أمر بعض المعارضين، وتعرض لهم بالهجاء، من أمثال الشريف ومعشره. قال ابن ميمون: " ولنذكر ما كان من أمر الشريف ومعشره، وإخراجهم إلى بدو البلاد من حضره. ومن أوقد نارا صلي بحرها، ومن أسال دماء الفتنة غرق في بحرها، (..) فكدر عيشه بعدما صفا، وقلص برده الذي كان ضفا"([21]).

ويخلص المؤلف إلى معاني النصر والفتح والدعاء للسلطان بقوله: "وتمهد الملك وصفا، وبقيت قلوب الحاسدين على شفا، نحمدك يا من جعل قضايا أميرنا هذا وجودية منتشرة، ورياح نصره مبشرة، ووجوه الدين بها يتيحه الله لملكه المتين مستبشرا، وقدرة عزمه مؤثرة، وصفات كماله على توحيد جلاله متكثرة، ونهار نصره آياته مبصرة"([22]).

وقبل أن يكون بكداش بطلا فاتحا، إنما كان طالبا مميزا في عنابة، مقيما فيها، بل تزوج منها، وأخذ العلم عن أساتذتها، وله معهم علاقات حميمية طيبة. وحين ارتقى هذا القائد إلى باشا الجزائر أرسل إليه أستاذه أحمد بن قاسم البوني([23]) مهنئا إياه على فتح وهران، وملفتا نظره إلى ما آلت إليه مدينة بونة من التخلف والفساد؛ فقال([24]):

يَا طَالِبًا لِلْفَضْلِ

وَالْجُودِ ثُمَّ الْعَدْلِ

وَالْعلمِ والرِّيَاسَة

وَالْجودِ وَالْكِيَاسَة

أَعْمِدْ إِلَى الظَّريفِ

بَكْدَاشٍ الشَّرِيفِ

يَطْرُدُ عَنْكَ الْفَقْرَ

وَبِاِجْتِهَادٍ تُقْرَى /

يَعْرِفُ قَدْرَ العُلَمَا

كَأُمَرَاءٍ القُدَمَا

وَكَيْفَ لاَ وَقَدْ قَطَعْ

عُمرَهُ مَعهُمْ فَنَصَعْ

ويذكر التاريخ أن هذا القائد كان وفيا كريما، واستجاب لدعوة أستاذه على عجل؛ وهذا رد رسالة من بكداش سنة 1115هـ، ردا على رسالة المذكور، يؤكد له فيها بره له، وتواصله. قال السلطان بكداش: "أقر الله بطلعتكم السنية العيون، وزادكم علما إلى علمكم الفاخر المصون(..) أعني بذلك (..) مولانا وسيدنا ووسيلتنا إلى ربنا الأمجد الأنجد، يتيمة الدهر وفريدة العصر الشيخ الحاج أحمد:

أَحِبَّتَنَا نِلْتُمْ مِنْ الْفَضْلِ رُتْبَةً

وَكَمْ كَلَّتِ الأَحْبارُ ، وَاللهُ دُونَهَا

فَمِنْ ذَاكَ إلاَّ مِنْ كَرِيمٍ تَفَضُّلاً

وَكَمْ طَمَعَ الأَحْبابُ أَنْ يُدْرِكُونَهَا (كَذَا)

فَجُودُوا إِذَا مَا اللَّيْلُ أَرْخَى سُدُولَهُ

بِهِمَّتِكُمْ نُصْحًا لَنَا تَبْذُلُونَهَا

لَعَلَّ إلَهَ الْعَرْشِ جَلَّ جَلاَلُهُ

سَيُدْخِلُنَا فِي رُتْبَةٍ تَحْمُدُونَهَا

هذا، وإن محبتكم في قلوبنا رسخت، وشموسها في أفكارنا بزغت(..) وما ذلك إلا من حسن تحسيننا فيكم الظنون(..)وإن وقع منا قصور في مدح شأنكم، وتقصير في خدمتكم ورعايتكم، فبضلكم قولوا مقالة يوسف الصديق يوم الوصل والتحقيق: لا تثريب عليكم يغفر الله لكم. فلا عجب إن كان الجود وصفكم وشيمتكم، والعلم مهمتكم وسجيتكم(..)

فَإِنْ قِيلَ لِي مَنْ ذَا الَّذِي قَدْ وَصَفَتْهُ

أَقُولُ دَعُونِي هُوَ ذَا الْخِلُّ أَحْمَدُ

وَنجلٌ لِقُطْبٍ قَدْ تَحَقَّقَ مَجْدُهُ

أَبُو قَاسِمٍ لاَ زَالَ، وَاللهُ يُحْمَدُ

عَلَيه سَلاَمٌ مِنْ مُحِبٍّ وَعَاشِقٍ

سَلاَمُ كَرِيمٍ كُلَّ حِينٍ يُجَدَّدُ

السلام عليكم، سيدي، ما اختلف الملون، وتعاقب الجديدان(..) وعلى جميع أهلكم وعيالكم ومن لاذ بجنابكم وتعلق بشريف أذيالكم، صانهم الله وأعزهم عزا راجح(كذا) وجعلهم من بعدكم خلفا صالح(كذا).

أما بعد، سيدي، لا زائد بحمد رب البرية سوى السؤال/عن ذاتكم السنية وأحوالكم الراضية المرضية، فلقد بلغنا كتابكم الموفق، بحسن ألفاظ خطابكم المشرق، فأنستنا محاسن ألفاظه وأطربتنا معاني ألحاظه، فأخذناه بالقبول والرضى، وذكرنا عهدا قديما مضى

أَحِنُّ إِلَى تِلْكَ الْمَرَابِعِ كُلَّمَا

يَهُبَّ نَسِيمُ الشَّرْقِ وَالْقَلْبُ شَائِقُ

عَلَيكُمْ سلامٌ وَالتَّحِيَّةُ وَالرِّضى

وَروحٌ وَرَيْحانٌ وَعَنْبَرٌ عابِقُ

فَلَمَّا رَأَيْنَا خَطَّكُمْ وَخِطَابَكُمْ

وَعِلْمًا أَذَعْتُم بِالْمَبَرَّةِ لاَئِقُ

تَأَجَّجَتِ الأَشْوَاقُ وَاِضْطَرَبَ الْهَوَى

وَمِنْ ذَاكَ صَارَ الْقَلْبُ بِالْوَجْدِ خَافِقُ

فأنتم الأحبة على الدوام، وأنتم محل الجود والفضل والإكرام(..) كتبه الفقير إلى الله تعالى، عبدكم الأصغر، ومحبكم الأكبر محمد بكداش، تاب الله عليه، ولطف به – آمين- بمنه وكرمه؛ في جمادي الأخيرة سنة 1115هـ"([25]).

إن أثر التربية الدينية ظاهر على شخصية السلطان بكداش، بل راسخ فيها. وإذا أمعنا النظر في مبنى الرسالة وجدناه شعرا ونثرا، مما يدل على تمكن السلطان من التعبير الفني بنوعيه؛ لقد تتلمذ في زوايا الصوفية والفقهاء والمحدثين، فامتلك لغة المجاز والحقيقة رغم أصوله الأعجمية؛ والرسالة مع ذلك لا تخلو من بعض الأخطاء اللغوية، التي ألجأته إليها الضرورة الشعرية؛ كقوله: (أن يدركونها)، وقوله: (صار الوجد بالقلب خافق).. ويستبعد الدكتور أبو القاسم سعد الله أن يكون ذاك الشعر الذي تخلل الرسالة من نظم السلطان بكداش([26]).

ولم يعلل الدكتور أبو القاسم سعد الله رأيه، وإن كنا نفهم العلة - حسب رأيه- في عجميته؛ وأنا لا أستبعد أن يكون من شعره؛ فقد لا تكون العجمية عائقا بل حافزا. ولنا في العهد العباسي خير مثال ودليل، فأكثر من كتبوا علوم لغة العرب أعاجم، ففي النحو سيبويه (148-188هـ، 769 -804م). رائد النحو العربي وعالم اللغة وصاحب المؤلف الشهير الكتاب. وهو فارسي الأصل. وفي البلاغة  عبد القاهر الجرجاني(400 - 471هـ = 1010 - 1078م).  وهو فارسي الأصل أيضا. وفي الشعر ابن الرومي (221 - 283هـ = 835 - 896م). وهو من أعلام شعراء القرن الثالث الهجري، وهو رومي الأصل.

هذا عن السلطان بكداش وصورته العلمية والجهادية والاجتماعية من خلال الفتح الوهراني، وكتاب التحفة المرضية لابن ميمون، وغيره من النصوص التي حظي بها هذا السلطان فبينَتْهُ خير بيان، وهي كثيرة إلى حد يتعذر علينا حصرها في هذا المقام.. وبعد فماذا عن الفتح الثاني وسلطانه محمد بن عثمان الكبير الكردي؟.            

السلطان محمد بن عثمان الكبير: صاحب الفتح الثاني لوهران (1206هـ) "وكان هذا الباي متنورا إلى حد كبير فجمع حوله نخبة من الأدباء والكتاب ينسخون له الكتب، ويسجلون أحداثه اليومية، ويدرسون وينوهون بأعماله، وقد أغدق عليهم المال والرعاية، فنشطت الحركة الأدبية على عهده ولا سيما الشعر"([27])؛ وقد سجل لنا أحمد بن سحنون الراشدي في كتابه الثغر الجماني في ابتسام الثغر الوهراني نماذج منه.

وهذا نص الرسالة التي أرسلها الباي محمد بن عثمان إلى الباشا وإلى الملوك يبشرهم بالفتح: "وهذا آخر الأجل المضروب، وأول يوم زالت عن تلك البلد الكروب، فهاهم خرجوا منها وقلوبهم بالحزن منها مكوية، وأحشاؤهم على جمار الأسف مطوية، وقد حملوا الصليب الذي كانوا طالما ابتهلوا عنه في ناديهم، وعوذوا به البلاد لئلا/ تنزع من أيديهم، وانتصروا به على الإسلام فلم يف لهم بموعود، وهيهات أن ترجى النصرة من عود، وقد بها الإسلام أول الربيع وهو الرابع من رجب سنة ست ومائتين وألف، وأصبح بها قريرا، بعد أن تغرب عنها ستين سنة لا يحلها إلا مجتازا أو أسيرا، فأجهشت تلك المواطن إلى الإيمان، وتطاولت مآذنها إلى الأذان، ومساجدها إلى التدريس وقراءة القرآن"([28]).

صنع هذا الباي الحدث الكبير ألا وهو تحرير وهران الثاني والنهائي؛ فغدا يزف البشرى للباشا بالجزائر والخليفة في الأستانة وللملوك لينبئهم بهذا الخبر السعيد. والرسالة في مضومنها توصيف للتحول الذي اعترى مدينة وهران بعد تحريرها، ذلك التحول الذي مس الإنسان والمكان والزمان.. وتتخلل النص شحنات كبيرة من العواطف الدفاقة، عاطفة الفرح، كما تتخلله مقاطع كاريكاتورية ساخرة، ولعلها أجمل ما في النص، أقصد تلك التي وصف بها صليب النصارى؛ (وقد حملوا الصليب (..) الذي عوذوا به البلاد لئلا تنزع من أيديهم (..) وهيهات أن تُرجى النصرة من عود)..

وممن عاصروا هذا الفتح والسلطان أبو راس محمد الناصر المعسكري([29])؛ حيث يقول في البشرى بفتح وهران([30]):

هُوَ مُحَمَّدُ الْبَايْ لاَرْ أَنْجَدُ مَنْ

عَلاَ عَلَى مَفْرِقِ الْجَوْزَاءِ والخنْسِ

لَمْ يَنْثَنِ عَنْ رَجاءٍ غيرِ مُبْتَسِمٍ

حَتَّى يُزَاوِلَهُ بِالسَّيْفِ وَالْفَرسِ

قَادَ التَّائِبُ لِلْجِهَادِ رَائِدُهَا

يَبْغِي كِفَاحَ ذَوِي التَّثْلِيثِ وَالنّقْسِ

جُنْدٌ عَرَمْرَمٌ لاَ شَيْءَ يَقُومُ لَهُ

يَضِيقُ لَهُ فَضَا الأَثْلاثِ والْمَبْسِ

حَتَّى أَقَامَ عَلَى أَرْباضِ وَهْرَانَ لاَ

تُحْصَى عَسَاكِرُهُ بِالْعَدِّ وَالْحَدْسِ

وَقَامَ فِيهَا بِأَمْرِ اللهِ مُنْتَصِرًا

كَالْصَّارِمِ اِهْتَزَّ أَوْ كَجُودٍ مُنْبَجسِ

والنص واضح، ويتضمن وصفا مباشرا للسلطان محمد الباي وجنده الفاتحين، وهو أقرب إلى التأريخ، إذ لا ينشد المجاز والمتعة الفنية، ومرجع ذلك حسب رأيي إلى سببين: الأول قناعة هذا السلطان بالخبر وسرد الأحداث شعرا أو نثرا دون طمع في بلاغة أو بيان. والثاني: أسلوب أبي راس الضعيف، خاصة في الشعر والنظم، لأنه لم يتعلم اللغة العربية وعلومها إلا بعد أن تصدر المجالس لدراسة الفقه؛ فجاء نظمه مهلهلا لا يحترم قواعد اللغة ولا الوزن رغم تآليفه الكثيرة في العربية([31])

وممن تخصصوا في التأريخ لهذا الفتح وصاحبه أدبيا، ابن سحنون الراشدي، وقد خصه بكتاب الثغر الجماني في ابتسام الثغر الوهراني. وهو ههنا يوقفنا على حقيقة مهمة كانت من أسباب النصر، وهي حسن اختيار القادة من الجند، حيث كانوا كلهم من أهل الدين والصلاح والتقوى؛ قال الشاعر([32]):

وَرَتَّبَ الْمُجَاهِدِينَ فِي الْجَبَل

مِنْ كُلِّ حَبْرٍ عَنْ هَوَى الْمَوْتِ جُبِل

وَكُلِّ مِقْدَامٍ هُمَامٍ وَبَطَلٍ

مُنْذُ بَدَا بَادَ الضّلالُ وَبَطَل

مُؤَمِّرًا لِشَيْخِنَا الْجِلاَلِي

مُحَمَّدٍ الأَحَقِّ بِالإجْلالِ/

مُلْتَزِمَا لِرِزْقِهِمْ جَمِيعًا

مُلَبِّيًا لِقولِهِمْ سَمِيعًا

فَوَقَعَتْ هُنَالِكُمْ حُروبٌ

زِيدَتْ بِهَا عَلَى الْعِدَا كُرُوب

لقد كان طلبة العلم وحملة القرآن أشد الناس مسارعة لإجابة دعاء السلطان للرباط والجهاد، وكان السلطان من جهته أكثر ثقة بهم، واستماعا لهم، وإكراما([33]). وذلك صورة صادقة على الخبرة العسكرية لهذا السلطان، فـ"المتهور لا يصلح لرئاسة الجند، إذ ربما غرر بهم، فألقى بهم إلى التهلكة، وإنه خارج عن حد الشجاعة المطلوبة"([34]).

وهذا نص مضاد للسلطة أيضا، غير أنه موجه لهجاء بعض الأعيان الجزائريين الذين يمارسون سلطاتهم ممارسة جائرة. وعبد الكريم الفكون([35]) ههنا أحد المشتكين من ظلم وجور أعيان قسنطينة.

فراح يحذر منهم ويهجوهم قائلا([36]):

أَلاَ فَاحْذَرْ أُناسًا قَدْ تَبَرَّأَ

إلَهُ الْعَرْشِ مِنْهُمْ وَالْمَلاَئِك

وَأَبْعَدَهُمْ منَ الْخَيْرَاتِ كُلا

وَأَصْلاَهُمْ جَحِيمًا ذَاتَ حالِك

هُمْ الْقَوْمُ الأَراذلُ قَدْ تَسَمَّوا

بِجِنْسٍ فِي الْخَلِيقَةِ لاَ يُشَارَك

وَقَالُوا نَحْنُ أَحضارٌ بِدَارٍ

نَعَمْ صَدَقُوا وَلَكِنْ فِي الْمَهَالِك

وَوُجُوهُهُمْ إِذَا مَا قَدْ تَبَدَّتْ

فَمَا مِنْهَا إِلَيكَ تَرَاهُ ضَاحِك

وَقَلْبًا مِنْهُمْ لاَ تَرْضَى مِنْه

بِمَا يُعْطِي اللسَانُ منَ الْمَنَاسِك

لَقَدْ جُبِلُوا عَلَى غِشِّ الْبَرايا

كَمَا جُبِلَتْ يَهُودُ عَلَى الأَفائِك

وهكذا "يستحقّ الهجاء من اتصف بسوء الخصال، واتسم بأخلاق الأرذال والأنذال، وجعل اللؤم جلبابه وشعاره، والبخل وطاءه ودثاره"([37]). والشاعر داعية السلفية، وشيخ الإسلام، فمن المؤكد أنه لا يسكت على منكر أبدا. ويمزج الهجاء بالسخرية ليصبح تهكما، في قوله: (وَقَالوا نَحن أحضَار بدَار= نَعَم صَدقوا وَلكن في المَهَالك). ويبلغ بهم أعلى السخط حين يشبههم باليهود في غشهم وإفكهم.

حقيقة إن هؤلاء السلاطين أعيان جزائريون، ولكنهم - في زعمي - يمثلون صورة من صور السلطة، وإن كانت نسبية. كما يكشف لنا النص بطريقة أو بأخرى سكوت السلطان العثماني على أمثال هؤلاء وأفعالهم الشنيعة.

وفي المقابل كانت علاقة عبد الكريم الفكون جيدة مع السلطة العثمانية؛ وها هو السلطان العثماني في هذه الرسالة يصدر أمرا بتقليده إمارة الحج على الجزائريين؛ حيث يقول: "الحمدُ لله لِيعلمْ منْ يقف علَى هذَا الأمرِ الكريمِ (..) منَ القوَّادِ والعمالِ والخاصِّ والعامِّ ببلدِ قسنطينةَ، سدَّدَ الله الجميعَ، وبعدُ: فإنَّ الشيخَ العالمَ القدوةَ التقيَّ (..) الناسكَ الأبرَّ النحريرَ المؤلفَ (..) البليغَ، سيدي عبدَ الكريمِ الفكون، دامتْ بتوفيقِ الله عنايتهُ ونفعنَا ببركاتهُ، جددْنَا لهُ علَى مقتضَى ما بيدهِ منَ الأوامرِ، فلمَّا كانَ توجهَ للأرضِ المشرفةِ، وزارَ قبرَ المصطفَى - r-، بعدَ استخارةِ اللهِ – Y-، وظهرَ لهُ يتبعُ طريقَ إمامِ التحقيقِ شيخِ الأشياخِ العارفِ باللهِ المحققِ المتبركِ بهِ في الحركةِ والسكونِ سيدي أحمد زروق([38])، نفعنَا الله ببركاتهِ/ (..) وأذِنَّا لهُ بضربِ الطبلِ، ويتوجهُ بالمسلمينَ كمَا كانَ، ويكونُ رقاس([39]) الرسولِ - r- لا مانعا له ولا معارض ولا مدافعَ (..) لأنهُ أحقُّ بهَا، ويقومُ بحقهَا (..) موصي فيمَا سعَى وقُلد إليهِ واتباع الطريقِ فيمَا اقتدَى واهتدَى والرفق بالرفيق، والسائق المزمل للبيت العتيق يسير على قدر سيرهم، ولا يؤثر البعض على بعضهم، (..) قصدنا بذلك وجه الله العظيم، ورجاء ثوابه الجسيم (..).

 وكتب بأمر عبد الله المجاهد في سبيل الله أبي الحسن علي باشا – أيده الله -، بتاريخ أوائل رمضان المعظم، عام 1048م ثمانية وأربعين وألف، وبأوله خاتم فيه ما نصه، أضعف العباد علي." ([40]).

إن النص نوع من الرسائل الديوانية يعرف بالتقاليد؛ "والتقليد: هو أمر تعيين يصدر إلى أحد موظفي الدولة الكبار يسند إليه الوظيفة (..)/ وفيه تضفى عليه أثواب الثناء، ويبين سبب اختياره ويوضح له اختصاصه ويوصى بالعدل، وقد يقرأ التقليد في مسجد أو بين جمهور حسب أهميته"([41]).والحقيقة في الرسالة تجديد عهدة وليس تقليدا جديدا. والصورة السلطانية التي نستشفها من النص هي تطور العمل الإداري في الجزائر خلال هذا العهد، وتقليد السلطان العثماني المهام الكبرى للجزائريين من ذوي الكفاءات.

ومن النص المساند إلى المضاد والمعاند للسلطان العثماني مرة ثانية؛ وأبرز النصوص التي عثرنا عليها في هذا المقام، قصيدة للمنداسي التلمساني([42]) سماها: الإعلام فيما وقع للإسلام من قبل الترك بتلمسان والجزائر. ومنها([43]):

بَنَى السُّدَّ ذُو الْقَرْنَيْنِ لِلنَّاسِ رَحْمَةً

فَيَا لَيْتَهُ مِنْ شَوْكةِ التُّرْكِ هَنَّانَا

سَمِعْنَا حَدِيثًا صَادِقُ النَّقْلِ رَبُّهُ

بِأَنَّ لِجِنْسِ التُّرْكِ فِي الأَرْضِ إِخْوَانَا

لَقَدْ صَرَفَ الدَّهْرُ الْعَوِيصُ لِئَامًا

غِلاَظًا شِدَادًا فِي الْمَوَاطِنِ طُغْيَانَا

فَمَا دَبَّ فَوْقَ الأَرْضِ كَالتُّرْكِ مُجْرِمٌ

وَلاَ وَلَدَتْ حَوَّاءُ كَالتُّرْكِ إِنْسَانَا

وَلاَ طَارَ مِثْلَ التُّرْكِ لِلسَّمْعِ طَارِقٌ

وَلاَ وَجَدَ الشَّيْطَانُ كَالتُّرْكِ فَتَّانَا

عَتَوْا وَاسْتَفَزُّوْا الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْقُرَى

وَقَدْ عَبَدُوا حُمْرَ الدَّنَانِيرِ أَوْثَانَا

صور المنداسي تلك الأحداث بمرارة، وهو يرجو ألا تتكرر لأنها كانت جمرا ومعاناة على تلمسان وأهلها. وينهج الشاعر نهج التراكمية في سرد الأحداث الإجرامية؛ التي نفذها الأتراك بأمر من السلطان وإيعاز من المفتي ابن زاغو. "ولعل الوحشة والانقباض والنقمة والحقد والعداوة؛ لعل هذه الأحوال جميعا تتعقد في نفس الشاعر (..)، وتصدر إلى الخارج بهجاء، فيه كثير من الملامح المشوهة "([44]). وقد لخص المنداسي تلك الفتوى في قوله([45]):  

وقَالَ اقْتُلُوا فَالْقَتْلُ يَرْدَعُ غَيْرَهُمْ

وصَحَّحَ مِنْ نَذْلِ الضَّلاَلَةِ بُطْلاَنا

وكانت النتيجة جرائم كبيرة في حق المستضعفين النساء والأطفال والشيوخ من أهل تلمسان؛ تحزن كل مؤمن غيور، وتهز وجدان الشاعر.

هكذا بدا لنا السلطان العثماني؛ في صورة السلطان المنقذ المحقق للأمان، المجاهد الطارد للإسبان، المحرر والموحد للأوطان، المقتون بالبناء والعمران، المعظم لأهل العلم والعرفان، خاصة على عهدي السلطانين: محمد بكداش ومحمد بن عثمان، وإن تخلل ذلك بعض الفساد والحرمان، فالكمال للواحد الديان.

الإحالات



[1]) أحمد توفيق المدني، مذكرات الحاج أحمد الشريف الزهار نقيب أشراف الجزائر، الشركة الوطنية للنشر  والتوزيع، الجزائر، ط2، 1980م، ص8.

[2]) محمد بن رمضان شاوش وآخر، إرشاد الحائر إلى آثار أدباء الجزائر، طبع وإشهار داود بريكسي، تلمسان، الجزائر، ط2، 2005، ج2، ص469.

[3]) أحمد توفيق المدني، حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وأسبانيا –1492/1792-، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر، ط2، 1976م، ص203.

[4]) أحمد توفيق المدني، حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وأسبانيا –1492/1792-، صص175- 176.

[5]) محمد فريد وجدي، دائرة معارف القرن العشرين = الرابع عشر، دار الفكر، بيروت، لبنان، دط، دتط، ج3، ص795.

[6]) محمد بن الأمير عبد القادر، تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر وأخبار الجزائر - سيرته السيفية-، المطبعة التجارية غرزوزي وجاويش، الإسكندرية، مصر، دط، 1903م، ص66.

[7]) (kheir-ed-Din Mourut à soixante-trois ans, âge généralement très dangereux. Il était de grande taille, robuste; il avait une forte barbe, châtaine et non rousse comme celle d’Aroudj; il avait de gros sourcils et de longs cils. Il fut très cruel pour les chrétiens et très bon pour les turcs"

- Diego de Haédo; Histoire des rois D’Alger; traduit de l’espagnol par Henri Delmas de Grammont; presentation de Abderrahmane Rebahi; Edition Grand – Alger Livres; Alger; 2004. P: 68.

[8]) سورة الفتح، الآية29.

[9]) محمد بن محمد ابن مريم، البستان في ذكـر الأولياء والعلماء بتلمسان، تقديم وتحقيق عبد الرحمن طالب، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، دط، 1986، ص132.

[10]) أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر (16- 20 م)، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط2، 1985، ج2، ص255.

[11]) ينظر: المهدي البوعبدلي، مقدمة كتاب الثغر الجماني في ابتسام الثغر الوهراني للراشدي، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، دط، مارس 1973م، صص9- 10.

[12]) جبور عبد النور، المعجم الأدبي، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط2، 1984م، ص373.

[13]) "أبو عبد الله محمد بن أحمد الحلفاوي التلمساني النشأة والدار، توفي حوالي سنة 1122هـ. كانت له الرياسة في جميع العلوم ولا سيما الفقه ونوازل الأحكام، وقد تولى خطة الإفتاء في تلمسان، وكذا الخطابة والوعظ والتدريس. كانت له مشاركة في الأدب أيضا، ومن نظمه الأرجوزة المشهورة في فتح مدينة وهران عام 1119هـ."

- محمد بن رمضان شاوش وآخر، المرجع السابق، ج2، ص449.

[14]) محمد بن ميمون الجزائري، التحفة المرضية في الدولة البكداشية في بلاد الجزائر المحمية، تح محمد بن عبد الكريم، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ط2، 1981، ص251.

[15]) محمد بن عبد المؤمن الحسني الجزائري (ت1101هـ = 1690م)

[16]) محمد بن ميمون الجزائري، المرجع السابق، صص301 – 302.

[17]) محمد بن عبد الكريم، مقدمة كتاب التحفة المرضية في الدولة البكداشية في بلاد الجزائر المحمية لمحمد بن ميمون الجزائري، صص301 – 302.

[18]) محمد بن ميمون الجزائري، المرجع السابق، صص139- 142.

[19]) محمد بن عيسى الترمذي، سنن الترمذي، تح أحمد محمد شاكر، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط2، 1975م، رقم الحديث488، ج2، ص395.

[20]) محمد بن ميمون الجزائري، المرجع السابق، صص139- 142.

[21]) نفسه، صص139- 142.

[22]) نفسه، صص139- 142.

[23]) "البوني (1063- 1139هـ = 1653- 1726)، أحمد بن قاسم بن محمد بن ساسي التميمي البوني، أبو العباس: فقيه مالكي، من كبارهم، عالم بالحديث، ولد ببونة، المعروفة بعنابة في شرقي الجزائر. ورحل إلى المشرق فأخذ بمصر عن عبد الباقي ابن يوسف الزرقاني المتوفي سنة (1099هـ= 1688م)، وأبي زكرياء يحيى بن محمد الشاوي الملياني بعد عودته من الحج وتصدره للإقراء بالأزهر، وغيرهما. ثم عاد إلى الجزائر وأخذ عنه جماعة من العلماء منهم عبد القادر الراشدي القسنطيني وغيره. له كتب كثيرة منها: فتح الأغلاق على وجوه مسائل خليل بن إسحاق؛ فتح الباري في شرح غريب البخاري؛ الإلهام والانتباه في رفع الإيهام والاشتباه".

- عادل مويهض، معجم أعلام الجزائر، صص49- 50.

[24]) محمد بن ميمونالجزائري، المرجع السابق، صص128- 129.

[25]) أبو القاسم سعد الله، تجارب في الأدب والرحلة، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، دط، 1983م، صص60- 62.

[26]) ينظر: نفسه، صص60.

[27]) نفسه، ص258.

[28]) المهدي البوعبدلي، المرجع السابق، صص87- 88.

[29]) هو "أبو راس محمد بن أحمد الناصري المعسكري (1150- 1238هـ = 1737- 1824م)، شريف النسب من سلالة المولى إدريس، ولد ونشأ ببلده معسكر، وبها تلقى المبادئ العلمية، وتولى بها خطتي الفتوى والقضاء، ثم عزل عنهما عام (1216هـ = 1796م)، بسبب وشاية بعض الحساد، فضاق حاله واضطر إلى الهجرة، فدخل المغرب الأقصى، ثم توجه إلى تونس فمصر والشام فالحرمين، وناظر علماء هذه الأقطار فاعترفوا له بالفضل والبراعة. ثم رجع إلى مسقط رأسه وبها كانت وفاته. إن أبا لااس يعتبر من أفذاذ العلماء الذين ظهروا بالمغرب الأوسط قبل الاحتلال الفرنسي بقليل، وقد نعته علماء الشرق بالحافظ وبشيخ الإسلام. وقد خلف الشيخ أبو راس مؤلفات عديدة يحتوي بعضها على مجلدات، ولكن الكثير منها ضاع، وما بقي منها لا يزال مخطوطا ومهملا في زوايا المكتبات العامة والخاصة.؛ وقيل إن عددها بلغ 134 مؤلفا ما طبع منها إلا قليل"

- محمد بن رمضان شاوش وآخر، المرجع السابق، ج2، ص478.

[30]) نفسه، ج2، ص482.

[31]) ينظر: المهدي البوعبدلي، المرجع السابق، ص66.

[32]) نفسه، صص62-63.

[33]) ينظر: نفسه، صص77. 

[34]) ابن العنابي محمد بن محمود، السعي المحمود في نظام الجنود، تحقيق محمد بن عبد الكريم الجزائري، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، دط، 1983م، صص79.

[35]) "عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الفكون (988/1073هـ - 1580/1662م) أديب نحوي، محدث، جمع بين علمي الظاهر والباطن، كان عالم المغرب الأوسط في عصره، من أهل قسنطينة. كان يلي إمارة ركب الجزائر في الحج. قال العياشي في رحلته: كان في غاية الانقباض والانزواء عن الخلق، ومجانبة علوم أهل الرسوم بعدما كان إماما يقتدى به فيها، وله في كثير منها تآليف شهد له فيها بالتقدم أهل عصره، فألقي في قلبه ترك ذلك والعكوف على حضرته بالقلب والقالب والتزود إلى الحرمين الشريفين مع كبر السن، وكان يقول إذا ذكر له شيء من هذه العلوم: قرأتها لله وتركتها لله. توفي بقسنطينة بالطاعون. له: (..) منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية". وهو أهم مؤلفاته وأجلها.

- عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر- من صدر الإسلام إلى العصر الحاضر-، ص254.

[36]) أبو القاسم سعد الله، شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون داعية السلفية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط1، 1986، صص222- 224.

[37]) النويري أحمد بن عبد الوهاب، نهاية الأرب في فنون الأدب، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، مصر، ط1، 1423هـ، ج3، ص267.

[38]) البرنوسي أحمد زروق، صاحب الطريقة الزروقية، وكان من المترددين على بجاية وقسنطينة وتلمسان، وهو من مواليد المغرب الأقصى، ودفين ليبيا. وقد أثرت طريقته في المغرب العربي كافة.

[39]) رقاس (رقاص): المبعوث أو حامل البريد والهدايا ونحو ذلك.

[40]) أبو القاسم سعد الله، شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون داعية السلفية، صص225- 226.

[41]) محمود رزق سليم، الأدب العربي وتاريخه في عصر المماليك والعثمانيين والعصر الحديث، مطابع دار الكتاب العربي، مصر، دط، 1957م، ص30- 31.

[42]) "أبوعثمان سعيد بن عبد الله المنداسي الأصل، التلمساني دارا ومنشأ، وقد عاش في تلمسان في القرن الحادي عشر الهجري، ودرس بها العلوم التي كان يدرسها أبناء عصره وهي اللغة والنحووالصرف والبلاغة والعلوم الشرعية وعلم الكلام وغيرها. ونبغ في الشعر الفصيح والشعبي. وكانت السياسة التركية بتلمسان تقوم على الشدة والعنف، وقد شاهد المترجم مذبحة عنيفة هاجم فيها الأتراك على بعض الأعيان وقتلوهم، وهدموا ديارهم، (..) وتأثر الشاعر لهذه المذبحة (..)، وغادر تلمسان إلى المغرب على عهد عثمان باشا [1060 هـ]. والتحق الشاعر ببلاط العلويين بالمغرب وقد اتصل على ما يبدو ببلاط الرشيد العلوي، وعاش تحت كنفه بسجلماسة. وبالمغرب اشتغل بتعليم ولده مولاي إسماعيل مدة، وفي أثناء ذلك تقلب الشاعر بين فاس ومراكش. وقد نال حظوة لدى السلطان مولاي إسماعيل، بعد توليه للملك سنة 1082 هـ (..). وقد ذهب الأستاذان: علوش والرجراجي إلى أنه توفي سنة 1088 هـ - 1677م". له ديوانان: في الملحون والفصيح، ومن أشهر قصائده العقيقة.  

- المنداسي سعيد بن عبد الله، ديوان المنداسي، تحقيق وتقديم رابح بونار، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع،الجزائر، د ط، 1976، صص5-7.

[43]) المهدي البوعبدلي، المرجع السابق، ص56.

[44]) ايليا حاوي، فن الهجاء وتطوره في الشعر العربي، دار الشرق الجديد، لبنان، ط1، 1960، ص5.

[45]) المنداسي سعيد بن عبد الله، المرجع السابق، ص89.