تحليل الخطاب الشعري العربي القديم-مقاربة في الآليات النقدية-pdf

نحو نظرية عربية لنقد النص

د.مكي العلمي                                

قسم اللغة العربية  وآدابها،كلية الآداب واللغات

جامعة العربي بن مهيدي،أم البواقي - الجزائر

Résumé :

Le texte poétique se situe entre le moi et l’autre selon différents niveaux.les niveaux sont parfois structurels et caractéristiques et parfois sémantiques et interprétationels.

Ce rapport au fait a donné plus d’un courant critique ; celui de l’extra textuel qui s’occupe du créateur comme  ce qui s’est passé-jadis-chez les linguistes et les stylistes arabes formant l’ancienne école critique.et celui de la nouvelle école méthodologique et cognitive  qui ne s’intéresse  qu’au texte et son récepteur.

Sur ce les convergences et les divergences d’idées sur la composante du texte  et la culture du poète  ont donné une multitude d’autels analytiques ce qui  entrainé une polémique entre les hommes de la critique classique  et les contemporaines.

Cette recherche donc n’est qu’une approche critique modérée son centre d’intérêt  se prêté  sur les mécanismes de la lecture textuel et analytique des uns et des autres .c’est pour cela que le titre choisie pour cette recherche est : vers un théorème critique textuel de la poésie ancienne. 

الملخص:

النص الشعري هو علاقة الأنا بالآخر وفق مستويات متعددة بعضها في بنية القصيدة وخصائصها ؛وبعضها الآخر في الدلالة والتأويل ،وهذه العلاقة أوجدت مسارات نقدية منها من صاحب النص قديما  عند اللغويين والنحويين والأسلوبيين العرب ؛ومنها ما هو جديد في المعرفة والمنهج وحرية التلقي ؛فأوجدت توافقا واختلافا في الآليات ومكونات النص وثقافة الشاعر ، فحدث سجال بين النقاد بالقبول والرفض لهذه وتلك بين المحافظ والمجدد ومن خلال هذه الرؤية قدمنا هذه المقاربة النقدية التي تسعى إلى معالجة هذا التقارب والاختلاف في الآليات لقراءة النص وتحليله لذاكان عنوان المقال :نحو نظرية نقدية للنص الشعري القديم.

إن معالجة النص الشعري القديم في ضوء المنجز من المناهج الحديثةلا يمكن أن نلتمس من أحدها حلا لمعضلة النص القديم وإظهار مستوياته الفكرية وتقديم خصائصه الفنية ؛وهذا ما جعل المعالجات المنجزة للنص القديم تتعدد وتتباين في الغاية تبعا لآليات الناقد وثقافته كما يرى النويهي(1) فكثرت المحاولات والاجتهادات من قبل الدارسين المحدثين رغبة في إثراء الحركة النقدية وإنارة النص القديم كي لا يفقد بريقه وتأثيره وإظهار فضاءاتهوإثراء مضمونه حتى وقع بعضهم في المبالغات والخروج عنه إلى الشطط ؛وذلك بزج بعض النصوص القديمة  في عملية التفكيك التي أدت إلى حد التفتيت وتغييب النص عن مركزه أو بنيته تحت طائلة إجراءات التأويل أو الاحتمال وإن اقتضى الأمر إلى (موت المؤلف)كما يقال في البعد الإجرائي لنظرية القراءة والتلقي ،وهكذا تعاور على النص من مَلَكَ المنهج وتمرسفي التطبيق مستفيدا من إجراءاته ومن حاول في غياب الرؤية والمنهج معالجة النص تحت طائلة الحداثة ؛ فظهر في الساحة النقدية العربية أعلام من الدارسين استوعبوا المنهج والدربة فأثروا الساحة النقدية بما أنجزوه من دراسات ومقالات ،ولكن هناك من عبث بالنص وغير مساره تحت طائلة الرمز أو المعادل الموضوعي أو الموضوعاتي أو البحث عن النماذج العليا في النص وغيرها من الاجتهادات رغم تعددها وتباينها.

ومن المناهج التي برزت في الساحة النقدية وركزت على بنية النص :المنهج البنيويالذي شكل قطيعة مع المناهج السياقية(2) في حمل أصحابه لواء القطيعة وتجنب الصلة ما أمكنهم ذلك بين النص وصاحبه أثناء الدراسة،  لأن المناهج السياقية  كالتاريخية والاجتماعية والنفسية وغيرها تحد من فاعلية القارئ ،وتجمد معارفه  مكتفية بما تقدمه للقارئ أو الناقد من المعارف أو الأحكام الجاهزة وهذه المعارف بعيدة  في رأيهم عن النص ،مما دفع بعضهم إلى إزاحتها بل واتهامها بالقصور والعقم وأن الميلاد الحقيقي للمعرفة هو ما تم إنجازه عن طريق المناهج النسقية الحديثة(3) لأنها الأقدر على تحليل النص ومستوى دلالاته ؛أي التركيز عليه لإظهار بنياته الدلالية ثم ترابطها وبيان أنساقها الأسلوبية وهذا الاختلاف في الطرح والتباين في المعالجة يدفعنا إلى التريث في الأحكام أو الانحياز إلى إحداها على الأخرى ،ولكننا مع هذا نبادر إلى القول بناءا على ما قرأناه في هذا الصدد لباحثين :وهو أن النص التراثي لا يمكن أن يُفهم أو يتفرد به منهج واحد من دون الاعتماد  أو مراعاة البعد الثقافي الذي كان عطر النص من نسغه أو غصن من أصله ، وهذا البعد قد راعته بعض الدراسات التي أثمرت جهودها في التوصل إلى مكونات النص وخصائصه ومستوياته الثقافية ،ويرجع ذلك إلى تمرس أصحابه بالتراث وأساليبه كمًا وكيفًا ،كما كان لدى بعضهم استيعاب للمناهج الحديثة –النقدية- وأحسنوا  الاستفادة من بعدها الإجرائي إضافة إلى المرجعيات المعرفية التراثية ؛أي أنها تمارس عملا نقديا تواصليا مع إدراك واضح للبعد الحداثي؛من خلال الاستفادة من نتائجها المعرفية ،التي لا زالت تمدها بالمعرفة الإنسانية وخبرات أصحابها وبهذا فهي تسمح في الكشف عن جماليات النص من حيث الشكل والرؤيا .

الإقبال على النص التراثي وحواره يتطلب من القارئ الناقد على رأي أستاذنا عبد الحفيظ السطلي (4) -وهو صاحب خبرة في تدريس علوم العربية -شروطا من بينها "...التمرس باللغة وأساليب الشعراء وما فيها من تصرف أو مخالفة نحوية أو صرفية ،وهذا ما يجعل القارئ قادرا على التلطف في فهم المعاني وبيان ما غمض منها أو إصلاح الرواية فإن قل زاده من هذا وقف طويلا أمام قراءة هذا البيت أو ذاك ،وربما عجز عن الوصول إلى جواب في بعض المواضع على ما لديه من تمرس أحيانا ولا سيما حين يجد نفسه أمام رواية مُشْكَلَة يحاول إصلاحها "(5) ؛ويعني هذا أن المقبل على النص يتطلب منه أن يتوفر على زاد متنوع من الثقافة التراثية وهذا سيثري النص ويفتح آفاقا لفهمه وإن كانت هذه الممارسة النقدية  لا يستسيغها  الناقد 'فوزي عيسى' على حد قوله :"ينبغي أن يكون هدف الناقد هو نقد النص  من داخله والنظر إليه باعتباره عالما مستقلا له منطقه الخاص وقوانينه المستقلة ،وأن يتخلى عن طريقة القراءة (الماضوية) التي تقوم على الشرح والتفسير وبمعنى آخر فإن الغاية المنشودة التي يسعى الناقد إلى تحقيقها هي الوصول إلى قراءة منتجة"(6) ؛ تقوم على منهجية في المعالجةوهذا المسار هو علمنة النص بناءا على المنهج وآلياته لأن " النص الأدبي يتشكل في هيكل أو بنية مؤطرة  تقوم في أجزاء منها على الإبهام الناشئ عما تشتمل عليه من فجوات أو فراغات على القارئ ملؤها ،ولذلك فهو في حاجة دائما إلى القارئ المنتج الذي يكمل هذا العمل ويحققه عيانيا "(7) ،فالملاحظ أن هذين الرأيين يكونان مرجعية معرفية منهجية وثقافية ذاتية ذات مرجعيات تؤهل القارئ للحكم والفهم والإنتاج الدلالي ،ولكننا  نميل إلى ما أشار إليه الدكتور 'عبد الحفيظ السطلي' من الخبرة والتمرس بالأساليب التي لا تنفي أو تلغي الآليات المستجدة في المناهج النقدية وهذا ما تدعو إليه المدارس اللسانية أو البنيوية الأسلوبية ؛لأن الاقتراب من النصوص  تقتضي المصاحبة والملاحقة لها لأن في النص روحا تنبضنلمسها ونشعر ببعض من نفثات صاحبها ،بالإضافة إلى الخصائص التركيبية وصيغها الأسلوبية فهي تمثل سمات أو تمايز الشعراء والنصوص مهما حاولنا عزل أصحابها عن النص ،وقد أشار إليه 'صلاح فضل' (8)وعليه فإن الدراسة أو المعالجة النقدية ليست طي النصوص ولفّ أعناقها تلبية لفكرة جاهزة أو متخيلة دون احترام النص المنجز ؛لأن النص يحمل مضامين وخصائص ظاهرة  ومضمرة وهذا ما يدعو إلى إحياء صوت الشاعر(9) من خلال نبراته في منجزه النصي والتي يود إيصالها إلى المتلقي  ما يدعونا بل ويفرض علينا عند مقاربة النصوصأن نراعي فيها البعد الشعوري  الذاتي والإنساني  ؛لأن  أي تجربة مهما كان نوعها تحمل المدرك من الأحاسيس والمتداعي المغيب منها في اللاشعور الذي تمثله هذه التجربة أو تلك ، ثم معايشتها وإعادتها وتمثلها لإحياء روح الشاعر فيها لأن مقاربتها تظهر بالمؤانسة والمصاحبة والحوار،وهذا الأخير كما نعلم هو تواصل ونقل رسائل أو خطابات والتفاعل معها لا يتم إلا بالتمثيل وإحياء التجربة عند من فقه سر اللغة وأبعادهاوأحس بروح العصر وما يشغل أصحابه وقد بسط هذا 'حسين جمعة' في قوله :"وعلى الناقد الذي يتصدى لقراءة نص من النصوص ،أن يخالطه مخالطة روحية وعقلية ،ومن ثمة فنية كصاحبه تماما ،وأن يدرك أبعاد التجربة الذاتية والفنية ليصل إلى استكناه جوهره الحقيقي ،بما يحمله من قيم تاريخية واجتماعية وفكرية ونفسية .والناقد الحقيقي حين يتدخل في إعادة تشكيل النص تفكيكا وتركيبا ،لا ينظر إليه من وجهة نظره الشخصية وتجربته الذاتية  والنقدية المعاصرة ...فكل نص له شكل ودلالة يحكمها المعيار الفني الذي ساد في عصرهما وبيئتهما "(10) ؛وهذا تأكيد على مراعاة التجربة النفسية واحترام النسق الفني  وفق التجربة المعاشة في الزمن والمكان ،ولا يتأتى هذا إلا لناقد جيد لأن "الناقد الحق هو من يكشف عن دلالة النص الشعري في سياقه الفكري والفني ورؤياه  التي لا تتناقض مع معطيات النص والذات الشاعرة في زمانه ومكانته في مجتمعه "(11) ،فهذه المعالجة أو المقاربة تتطلب قارئا ناقدا مثقفا قد يصل إلى الالتحام بالنص  إلى حد اختراقه سواء أكان نصا قديما أم حديثا  وهذه الإجراءات في حد ذاتها ذات بعد معرفي يضاف ويثري النص  ؛كي لا يبقى المتلقي سلبيا أمام النصوص ،لأن هذه السلبية هي إحدى مزالق  النقد القديم وحجة لأصحاب الحداثة أمام المناهج السياقية  أو ما يمكن تسميته بالمعالجة النقدية العربية –الكلاسيكية – للنص الشعري ،ولكي نتساءل عن محدودية النص ومعالجته عند النقاد المحدثين ؛فإن الإجابة تكمن في طروحاتهم وهي أنه لا حدود لفضاءات النص أو نهاية لتأويلاته وهذا ما يسمى بإعادة إنتاج النص تحت طائلة تعدد القراءات -(نظرية القراءة )- لإثراء وإنتاج معرفة جديدة أو خلق نص متواز أو متقاطع أو متناص  معه  معرفيا هذه النقطة لفتت انتباه الدكتور 'وهب رومية '  الذي حدد أبعادها وشخص المعالجة  التي تقتضيها إعادة القراءة اعتمادا على نقد مؤصل مستندا أساسا على مرجعيات تراثية للناقد ،أو في النصيسعى إلى إحيائها من جديد لدى المتلقي ومستوياته المعرفية  فقال:"وفي ضوء تكون النصوص الشعرية خاصة ،والنصوص الإبداعية عامة ،وكثير من النصوص غير الإبداعية ،نصوصا غير مفتوحة قابلة لمستويات متعددة  من القراءة تختلف باختلاف الذات القارئة وشروطها التاريخية ،وهذا يؤكد صفة النسبية في القراءة  التي لا تناقض صفة الموضوعية إذا اشترطنا للقراءة الصحيحة  جملة من الشروط ،ولعل أهم هذه الشروط أن نحاول فهم معاني الكلمات ؛كلمات النص فهما تاريخيا أولا ،والشرط الآخر هو التحليل التاريخي ؛أي ربط النص بسياقه التاريخي فمعرفة هذا السياق بأبعاده السياسية والثقافية والاجتماعية ضرورة لفهم النص وهما ضروريان يسبقان مرحلة التفسير ،ومرحلة التأويل التي يدخل فيها خطاب الذات لقارئه المضمر ،وخطاب الموضوع المقروء ،أو هو حوار بينهما ...وينبغي أن نتذكر أن ليس ثمة قراءة بريئة ،أو قراءة تبدأ من درجة الصفر وليست هناك قراءة مكتملة تامة الوفاء ،بل هناك قراءات"(12) .

و يوضح في موطن آخر حيث يرى أن هناك قراءة  مضمونية لها ثلاثة أبعاد:

1-بعد سياسي

2-بعد تاريخي

3-بعد ذاتي

وهذه الثلاثية تتكامل من أجل فتح النص وأبعاده ؛أي احترام  النص وسياقاته وإحياء المبدع  وتجربته ثم منابع هذه التجربة ،ولكن مع هذا لا نحد من ممارسة حرية القارئ أو الناقد  من متعة القراءة أو الحوار وجعله متلقيا منتجا للمعرفة بناءا على مرجعياته الحضارية وهوية النص  وانتماء صاحبه لأن لكل " ... عمل فني دلالتين :دلالة تاريخية وأخرى إنسانية عامة ،فإن تجرد منهما كان عبثا محضا ،ولو شقي فيه صاحبه وهاتان الدلالتان ،هما اللتان تعبران عن الحس  الأخلاقي للشاعر ؛ أي عن قيمه ومبادئه ،وكلنا يعلم أن هذه القيم مبثوثة متغلغلة في العمل فنيا  كان أو غير فني ،وفي السلوك العام "(13) ؛وعليه  لا يمكننا في نقدنا العربي أن ندعو إلى إزاحة المؤلف كما تنادي به نظرية القراءة والتلقيبل معايشة النص ومحايثته للواقع وإحياء التجربة  والاستفادة منهاوإن تقادم عهدها لأنها تمثل التواصل الثقافي والفني بين الأجيال ،وعليه فإن هذه الطروحات لأعلام النقد والممارسة في التحليل لأعلام في المؤسسات الأكاديمية نراها تلتقي في الطرح والمعالجة مع إعطاء حرية المجاورة الثقافية في ضوء المقاربات النقدية الحديثة مع ترك الباب مفتوحا للتفسير والتأويل وفق معطيات موضوعية  وإن لم نقل هو تقنين عملية القراءة والتأويل ،لأن الانفتاح صار يتجه نحو العولمة الثقافية  وكل هذا يجيز لنا أن  ندرج هذه الآراء وما تفرق من جزئيات في إطار الدعوات لنظريات لإعادة قراءة النص الشعري التراثي أو هي دعوة لتأصيل لنظرية القراءة العربية والانفتاح على المناهج النقدية المتداولة في الساحة النقدية اعتمادا أيضا على مكونات النص اللغوية والأسطورية والنفسية والبنائية قصد البحث عن بؤرة النص ،علما بأن هذه المحاولات لا مناص من الاعتماد عليها في بناء المعرفة  المعاصرة وبعدها الإنساني .

إن أمعنا في النظريات المتجددة في الساحة النقدية العربية التي تواكب المستجدات وتحاول أن تترجمها  وإن لم تتماش مع الإبداع العربي ،فيُلاحظ عليها التسارع للحاق بها ،مستعملة إجراءات مختلفة ومتباينة في السمات والبعد الإجرائي من باحث لآخر على رأي 'محمد مفتاح' في قوله :"أما الحديث أو الذكر عما هو شائع من النظريات والمنهجيات المتعلقة بالأدب والشعر،قد تُسوّد فيها صفحات عديدة  بيد أن أشهر هذه النظريات والمنهجيات هي فلسفة الظواهر وعلم التأويل ،ونظرية التلقي والبنيوية ...وما بعد البنيوية ؛من تحليل نفسي وتاريخانية جديدة  ،ونقد ثقافي وتفكيكية ،وكل نظرية من هذه النظريات ، وكل منهجية من هذه المنهجيات تفرعت عنها تيارات متعددة فهناك تيارات فلسفية ظواهرية ،وتأويلات عديدة وتلقيات متنوعة منشطرة وسميائيات أروبية ودلالية أمريكية وتأريخيات أصولية وتأريخانية "فوكوية" وضروري من النقد الثقافي والسياقي"(14) ؛ ومفتاح كما نعلم من النقاد البارزين المحدثين في الحركة النقدية  ومع هذا أظهر تخوفه من تسارع هذه النظريات وتوالدها وتطبيقها كما هي على النصوص العربية المعاصرة ؛ذات الخصوصية فإن كان هذا تخوفه على النصوص المعاصرة ذات الخصوصية فما بالك من تطبيق إجراءاتها على النصوص القديمة في قوله :"وعليه فإن نقل أية منهجية جاهزة لتحليل الشعر العربي المعاصر بها فقد تسلب هذا الشعر رسالته وخصوصية في مجتمعات ذات خصوصية "(15) وكما يؤكد هذا التخوف من تطبيق هذه الإجراءات المنهجية النقدية على النصوص العربية ، وطمس هويتها على رأي 'عبد العزيز حمودة' الذي يشاطر 'محمد مفتاح' في الرأي وهو القائل :"أن تجاهل الخصوصية التي يتحدث عنها مفتاح هو ما نقصده بتجاهل الاختلاف بين الثقافتين  العربية والغربية وهو الذي أدى بعد  هزيمة (67) على وجه التحديد إلى ارتماء النخبة الحداثية كما يصفهم شكري عياد في أحضان الحداثة الغربية ومؤكدا الشعور  الحاد بسقوط الحلم العربي وعجزها (النخبة ) المطلق عن الحركة الفاعلة وهو عجز قد يرجعه البعض إلى غياب نظرية نقدية عربية متكاملة أو مجزّأة "(16) ،ولكي نقترب من محاسن هذه المناهج ونحدث التواصل معها قصد الاستفادة من إجرائياتها ونراعي مدى  اقترابها من الإجراءات النقدية العربية؛ فإننا نتناول المنهج البنيوي الأسلوبي الذي مارس أصحابه تطبيقات مختلفة على النصوص القديمة ومن رواده في نقدنا العربي هو' كمال أبو ديب'  (17) وعبدالله الغذامي(18) وغيرهما حيث أثمرت جهودهما في المجال التطبيقي النقدي وبمصطلحات نقدية وإن كان لهذا النقد سلبياته  التي لا تخفى على الدارسين المختصين إذ يقول 'عبدالله إبراهيم' ما يلي :"لقد نهضت البنيوية بوصفها منهج بحث على تطبيق النموذج اللغوي على المادة قيد الدرس  وعمقت أفكار القطيعة على المؤثرات الخارجية ،وبذلك استفادت من جهود "دوسوسير" والمدرسة الشكلانية والنقد الجديد وجهود المدارس اللغوية السابقة"(19) ،وأما عن بعدها المنهجي والفلسفي فيضيف قائلا :"فإن أهم ما يميز البنيوية ،أنها تهتم بتقعيد الظواهر وتحليل مستوياتها المتعددة في محاولة للقبض على العلائق التي تتحكم بها ،وهذا ما يجعل من البنيوية منهجا لا فلسفة وطريقة وليس إيديولوجية ؛أي باختصار ما يجعل منها علوما كثيرة تهتم باستخراج المستويات التحليلية للظواهر الإنسانية وكشف سلبية العلائق والأنساق السائدة فيها .لا يمكننا أن  نتحدث عن البنيوية كما نتحدث عن الوجودية أو الوضعية أو البراغماتية ،فالبنيوية بهذا المنحى الأخير شيء لا وجود له ،إنها مجموعة الصنائع المختلفة ،التي تعنى بمستويات مختلفة للظواهر التي تولدت عن المنهج البنيوي " (20) ؛كما بينها الدكتور 'الزاوي بغورة'عندما قال :"إن تطبيقات المنهج البنيوي تحمل في ذاتها أبعادا فلسفية نظرية وثقافية إيديولوجية"(21) ، في حين يضيف الدكتور 'عبد الملك مرتاض' بعدا آخر لهذا المنهج قائلا:"إن هذا المنهج يكشف عن أصول فلسفية أفكارها تبدو إلحادية ،كما في مقرراتها ترفض التاريخ والمجتمع والإنسان"(22) ،أما عن خصوصية النص لهذا المنهج أو ذاك بأن لا تكون له خصوصية تراعى عند التحليل أو القراءة أو التأويل ،لأن النص المبدع مهما تباعدت أزمنته  فإنه يظل  في حاجة إلى الكشف لإيجاد التواصل الثقافي ،وهذا ما أشار إليه 'توفيق الزيدي' الذي أكد على هذه الهوية فقال :"إن النص...له عالم خاص ،وإن بنية هذا العالم مشروطة بالعالم الخارجي ...فالكاتب ليس وحده المؤلف بل يشترك معه في آن واحد المجتمع والتاريخ وبذلك يكون النص هو العلاقة ذاتها"(23) وعليه فإن المنهج البنيوي على ما فيه من إيجابيات والتي تجلت من خلال التحليل للنصوص القديمة والمعاصرة بالإضافة إلى بعض المناهج الأخرى ؛فإنها قد أسهمت في تعميق الفهم للنصوص  بطرح مستويات من المعرفة  وعلائق سياقية وترابط في الإيقاع الموسيقي وتحليل البنى التركيبية بحثا عن بنية أو بنى تمسك النص ،ومع هذا فإن أصحاب المنهج البنيوي أو غيره لم تواكبوا التطورات اللسانية اللغوية فتولد المنهج التفكيكي الذي يسعى لإزاحة هذه المناهج "لأن أصحابه من العالم الأنجلو-أمريكي يسعون لتقويض النظريات التقليدية ،وأعلن هذا المنهج عن ولادة جديدة للنص بوصفه لعبة حرة للدلالات تتفتح باستمرار بتعدد القراءات .إن هذه الثورة النصية أقصت الفهم التقليدي للأثر الأدبي  وجعلت اللسانيات الحديثة نتاجا لتعالي الدال ،رابطة إياه بخصب القراءة وسعت إلى التعدد اللانهائي للمعنى وأصبح النص حلقة  من سلسلة متواصلة من الدلالات غير مقرونة وهو ما أصطلح عليه "الدلالة المتعالية" أو الدال المتعالي أن النص بمرجع التفكيكي لا أصل له ولا نهاية ،وتعد مقولة الاختلاف أحد المرتكزات الأساسية للمنهجية التفكيكية ،وأن هذا الأخير  وضع في سلم أهدافه تقويض الثنائيات التي أنتجتها الفلسفة الغربية من أفلاطون إلى دوسوسيرF.de Saussure)) وقد وجه جاك دريدا(Jaques Dérrida)  في برامجه التفكيكية حملة شاملة للقضاء على الثنائيات ؛أي تحطيم المرتكزات الفكرية لثنائيات كثيرة مثل: الروح/الجسد ،الشكل والمعنى، الاستعاري/الواقعي،الإيجابي /السلبي ،المتعالي /التجريبي،الأعلى /الأسفل؛وذلك لقلب التصور الذهني الذي أرسته الفلسفة الغربية وأحل بدل ذلك مفاهيم ومقولات الاختلاف التي تحمل المغايرة والتأويل"(24) .

وفي ضوء ما تقدم من آراء متنوعة فإن غايتها من وراء هذا هو طرح الرؤى المتعددة حول إيجابية هذا المنهج وسلبياته ؛ليكون وسيلة –ماله وما عليه- لمعالجة النص  من غير أن تبنى فكرة عزل النص كما يراها هذا المنهج ،ودعا أصحابه إلى قتل المؤلف أو تغييبه لأننا نرى أن هذه الإزاحة تذهب كثيرا من الحقائق  التي تثري قراءته ولا يعني هذا التقليل من حرية القارئ أو المتلقي ورؤيته للنص وإنتاجه للمعرفة ؛لأن هذا الحق صار من الشروط التي يمتلكها القارئ الحديث كما نصت عليها المناهج على كثرتها وتنوع طروحاتها وفي هذا الصدد يقول ' عبد العزيز السبيل'  :"إن الدراسات الأسلوبية الحديثة وهي تنظر إلى النص كوحدة متكاملة ، ومن هذا المنطلق أصبح القارئ يلعب دورا رئيسيا في الكشف عن خبايا النص من خلال قراءته له ؛هذه القراءة لم تعد قراءة واحدة بل أصبح ثمة قراءات متعددة لها نظرياتها المختلفة .ولهذا فإنه لا سبيل إلى إيجاد قراءة موضوعية لأي نص ،وستظل القراءة تجربة شخصية"(25) ؛ويعني هذا أنه لا سبيل إلى إيجاد تفسير واحد لأي نص ،وسيظل يقبل تغيرات مختلفة ومتعددة بتعدد قراءاته(26) فتولدت في ساحتنا النقدية تيارات وإجراءات متعددة في التطبيق ،فهذه بنيوية شكلانية وبنيوية توليدية وبنيوية أسلوبية ؛أي أن البنيوية عرفت بنيويات وغير ما ذكرناه(27) ولعل هذا الاختلاف من أوكد الأسباب لإيجاد  نظرية عربية في عالم النص الأدبي ؛تراعي التجديد ولا تحدث القطيعة مع التراث الثقافي الذي يمثل تراكما معرفيا ،وهذا ما يلح عليه  بعض الدارسين أمثال الدكتور'أحمد درويش 'الذي نادى بها في ندوة اتحاد الكتاب العرب بدمشق حيث قال :"نحن في حاجة إلى تأسيس قراءة نقدية معاصرة  للنص الشعري القديم تستفيد من معطيات الحوار والتجارب النقدية وتهدف إلى  توطئة السبيل لإمتاع المتلقي المعاصر ،والمبدع على حد سواء بالتراث الشعري والفني "(28)،وفي ضوء الطرحات المقدمة حول التعامل مع النص وتقاطع النقاد بين التواصل والقطيعة بين عزل النص عن المرجعيات وصاحبه وبين خلق فضاء الحوار بين المتلقي والنص "لأن الشعر تجربة إنسانية عميقة يستمدها الشاعر من لقائه الكبير بالحياة وهذه التجربة هي التي تتحكم في كل المكونات الداخلية للقصيدة كالموسيقى واللغة والصورة ،وبما أن هذه التجربة عطاء الحياة ،فهي بالضرورة تخضع لمؤثراتها وتتشكل وفق معطياتها  ومن دون إلغاء الذات المبدعة التي تحاول أن تفرض نفسها بوصفها ملتقى التأثيرات الكثيرة المختلفة"(29) ومع هذا فإن المعالجات  المستفيدة  من المنهج التراثي اللغوي الأسلوبي وجديد-آليات المناهج-بناءا على الخلفيات المعرفية وآليات التطبيق وحرية القارئ ؛فإنها ولا شك ستثري النص وتعيد إليه حيويته وبريقه بل ونشاطه لخلق عملية تواصل وتأثير ثقافي نحو توحيد الرؤى والآليات لمعالجة  النص الشعري القديم.

الهوامش:

[1]-محمد النويهي :أحد أعلام النقد الحديث الذين نبهوا إلى ثقافة الناقد وكيفية تناوله للنصوص.

[2]-أحمد يوسف:القراءة النسقية،سلطة البنية ووهم المحايثة ،منشورات الاختلاف،الجزائر،ط1، 2007،ص173،175

 -[3]جميل حمداوي:مناهج النقد العربي الحديث والمعاصر ،مكتبة المعارف الرباط،المغرب،ط1 ،2010،ص18،19.

[4]-عبدالحفيظ السطلي:أستاذ بجامعة دمشق ؛متخصص في الدراسات العربية التراثية.

[5]-عبد الحفيظ السطلي:المدخل إلى قراءة الأدب الجاهلي،مجلة جامعة دمشق،دمشق،سوريا ،المجلد10،العدد 39،40،  1994،ص25.

[6]-فوزي عيسى :النص الشعري وآليات القراءة ،منشأة المعارف ،الاسكندرية،مصر ،1997 ،ص10،وينظر إلى حاتم الصكر:الموضوعية والعضوية ،تحليل نصي،مجلة كتابات معاصرة،بيروت،المجلد السابع،العدد 25، 1995 ،ص118.

[7]-روبرت هولب:نظرية التلقي،مقدمة نقدية،تر:عزالدين إسماعيل، المكتبة الأكاديمية،القاهرة،مصر،ط1 ،2000، ص10.

[8]-صلاح فضل:نبرات الخطاب الشعري ،دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع،القاهرة،مصر، 1998،ص5/6.

[9]-مصطفى ناصف:صوت الشاعر القديم،لهيئة المصرية العامة للكتاب،1992،ص67/71.

[10]-حسين جمعة:شعرنا القديم صورة ودلالة،مجلة  جامعة دمشق،دمشق،سوريا،المجلد،14 ، العدد1، 1998،ص21.

[11]-المرجع نفسه،ص21.

[12]-وهب رومية:شعرنا القديم والنقد الجديد،عالم المعرفة،المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،الكويت،العدد 207، 1996،ص23/24.

[13]-المرجع نفسه،ص340.

[14]- محمد مفتاح :أفق الشعر،مدخل إلى قراءة النص الشعري،مجلة فصول،المجلد 16،العدد1، 1997،ص248.

[15]-المرجع نفسه،ص248.

[16]-عبد العزيز حمود:المرايا المقعرة،نحو نظرية نقدية عربية ،عالم المعرفة،المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،الكويت،العدد 272، 2001،ص70.

[17]-كمال أبو ذيب:جدلية الخفاء والتجلي والبنى المولدة في الشعر الجاهلي،مجلة المعرفة السورية، القسم الثاني،العدد  196، 1978، ص72، وينظر إلى :دراسة بنيوية في شعر البياتي،مجلة الأقلام العدد 89، 1980،ص20.

[18]-عبدالله الغذامي:الخطيئة والتكفير، من البنيوية إلى التشريحية ،نادي جدة الأدبي ط1، 1980،ص83.

[19]-عبدالله إبراهيم:التفكيك،الأصول والمقومات،عيون البيضاء،ط1، 1995، ص13.

[20]-المرجع نفسه،ص13.

[21]-الزاوي بغورة:المنهج البنيوي،بحثفي الأصول والمبادئ والتطبيقات،دار الهدى،عين مليلة، الجزائر،2001،ص178.

[22]-عبد المالك مرتاض:مدخل في قراءة البنوية،مجلة علامات في النقد،العدد29، 1998،ص22.

[23]-توفيق الزيدي:أثر اللسانيات في النقد العربي الحديث من خلال بعض نماذجه،الدار العربية للكتاب،تونس،1984،ص149.

[24]-عبدالله إبراهيم:التفكيك والأصول والمقومات،ص44/56.

[25]-عبد العزيز السبيل:ثنائية النص،قراءة في رثائية مالك بن الريب،المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،الكويت،المجلد27،العدد 1، 1998،ص64.

-[26]عبدالله الغذامي :الخطيئة والتكفير،ص83.

[27]-خثير ذويبي:البنيوية والعمل الأدبي،دراسة بنيوية شكلانية لمرثية مالك بن الريب،مطبعة موساوي،الجزائر،ط1، 2001،ص11/33.

[28]-أحمد درويش:نحو تأسيس قراءة نقدية معاصرة للنص الشعري القديم،منشورات اتحاد الكتاب العرب،بحوث ندوة الأدب العربي،واقعه وآفاقه،دمشق، 1999،ص35.

-[29]عثمان حشلاف: قراءة جديدة في نموذج القصيدة "المعلقة" ،مجلة المبرز،المدرسة العليا للأساتذة،بوزريعة،الجزائر،العدد10، 1998،ص19.