العتبات النّصّيّة في الخطاب الشّعـريّ:pdf

-"يقول الدّم العربيّ" أنموذجًا-

د/هيام المعمريّ

كلّيّة المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانيّة

جامعة عجمان للعلوم والتّكنولجيا- الإمارات العربيّة المتّحدة

الملخّص:

تروم هذه الورقة قراءة العمل الإبداعيّ الموسوم بـ(يقول الدّم العربيّ)، للشّاعر العربيّ المعاصر "فاروق شوشة"، المعنِيّ بقضايا لغته وأمّته العربيّة والإسلاميّة؛ بغية الوقوف على العتبات المتنوّعة لهذا الخطاب الشّعريّ؛ من نصّ، وديوان، وإطار جامع، ولوحة، وعنوان... والولوج -عن طريق هذه المفاتيح- إلى المرجعيّات المتعدّدة الّتي استند إليها؛ سواء أكانت داخليّة أم خارجيّة، ومباشرة أم غير مباشرة، ولغويّة، أم اجتماعيّة، أم تاريخيّة... إلى غيرها من المرجعيّات الفاعلة في أيّ نصّ أو عمل إبداعيّ... ودراسة ذلك دراسة سيميائيّة تحليليّة؛ تسعى إلى بيان الوشائج القائمة بين مكوّنات العمل ومكنوناته، وصلة ذلك كلّه بمبدع العمل، وفضائه، ومتلقّيه.

الكلمات المفتاحيّة: يقول الدّم العربيّ  فاروق شوشة, الخطاب الشّعريّ عتبات النّصّ ,مناص, مرجعيّات, دراسة سيميائيّة, دراسة تحليليّة. 

Abstract

This paper aims at reading the creative work which is entitled “The Arab Blood Says” by the contemporary Arab poet "Farouk Shousha," who is concerned  with issues of his own language and the Arab and Islamic nation in order to think through varied thresholds of this Poetic Discourse  from a text, a collection of poems, a collective frame, a painting, and a title; and in order to give access - through these keys – to various references which relied on; whether these references are internal or external, direct or indirect, linguistic, social or historical ; or any other active references or creative work. This analytical semiotic  study seeks to show the relations that exist between the components of work and its hidden components; and the link  of all these items with the creation of work and its space and recipients.

Keywords:  Poetic Discourse  “The Arab Blood Says” Farouk Shousha  thresholds of a text inevitable  references    semiotic study  analytical study                                       

الدراسة :

عندما يكون الوطن الأكبر هو النّبض الأسمى، والجذر الأوحد...

وعندما تكون اللّغة هي المهد الأوّل، والنّطق الأوّل، والحرف العربيّ الأبجد...       

وعندما يتماهى الاثنان، فيصبح الوطن لغة، وتضاهي اللّغة آلاف الأوطان...

عندهـا يكون الإنسان إنسانًا، ويغدو للمعنى عنوان...

وكذا، أو هكذا، نحاور الشّاعر العربيّ الإنسان... نقف قليلا في دوحة ذلك البنيان... ننصت.. ونعايش.. ونتلمّس بعضًا من معاناة الرّوح، وإبداع العمر، وسحر البيان...

ولأنّ "النّصّ" حمّال أوجه في كثير من الأحيان، وينطلق –غالبًا- من مرجعيّات داخليّة أو خارجيّة، ومباشرة أو غير مباشرة، وسطحيّة أو عميقة...لغويّة كانت، أم اجتماعيّة، أم تاريخيّة... إلى غيرها من المرجعيّات الفاعلة في أيّ نصّ أو عمل أدبيّ، فسيقع الاختيار في هذه الورقات على عمل شعريٍّ متكامل للشّاعر العربيّ المعاصر "فاروق شوشة" الّذي عُرِف عنه حبّه للغته العربيّة وعشقه لجماليّاتها، وتفانيه في خدمة قضايا أمّته العربيّة والإسلاميّة، وتفاعله مع متغيّرات وطنه العربيّ الكبير...

وستكون الإطلالة الأولى على العتبات...عتبات النّصّ الّتي تغري شيئًا فشيئًا للولوج إلى عوالم من الأخيلة، والحقائق، والرّؤى الصّادقة، والأوهام...

ولتبسط هذه الورقات على العتبات... عتبات (يقول الدّم العربيّ)؛ نصًّا وديوانًا، ومضمونًا عامًّا، وإطارًا جامعًا، ولوحة فنّيّة، وعنوانًا... لتُبين عن بعض الوشائج القائمة بين مكوّنات العمل ككلّ ومكنوناته، وأصوله ومرجعيّاته، الظّاهرة حينًا، والمتخفّية أحايين أخر، وصلة ذلك كلّه بمبدع العمل ومتلقّيه.

*        *        *

ما أشبه اللّيلة بالبارحة!

وما أصدق الشّعر حين يهجس بأمور كانت قد حدثت قبل نظمه، وأضحت تُعبِّر عن حاضره، ثمّ توالت الأيّام تباعًا، ليصدق ما قد قيل على ما يأتي من حوادث الأيّام وجديدها! وليبيت الشّعر مكتنفًا لها، ومبحرًا في خضمِّها!

وها نحن أمام قصيدة نظمها "فاروق شوشة"· عام (1988م)؛ تعبيرًا عمّا مرّ بالمنطقة العربيّة من أحداث آنذاك... إذ عانت الأمّة العربيّة –وما زالت تعاني- من ويلات الاحتلال والاستعمار، ومِن ذلك الورم السّرطانيّ الّذي أخذ ينخر في جسد الأمّة العربيّة والإسلاميّة شيئًا فشيئًا...

وتمرّ الأيّام، وتتوالى الأحداث، كئيبة، رتيبة، ثقيلة على النّفس... كالماء الرّاكد في مستنقع الضّعف والعجز والخنوع... وليحدث ما حدث مجدّدًا، وعلى مدار سنواتٍ عجاف، تعصف بالأخضر واليابس، وبالشّجر، والحجر، والإنسان... ويزداد توالي الأحداث قسوة، وحدّة، وشدّة...

وتصرخ الأرض! ويفزع الطّير! ويتفجّر الحجر! ثورة بعد ثورة.. وانتفاضة تلو أخرى..

وتتحرّر بعض الأرض، وتأمل أختها المصير نفسه.. لكنّ الجرح يبقى نازفًا.. ويسيل الدّم العربيّ.. حارًّا.. متوقِّدًا.. رقراقًا.. فهل من مغيث! وماذا عسانا نصنع! ماذا عسانا نفعل، ونحن نرى ونسمع ونصيخ لأنين الدّم العربيّ، وهو يقول: 

M072001A

 

M072002A

*        *        *

M072003A

لا يخفى ما للوحة الغلاف عامّة، وفي هذا العمل خاصّة، من أثر في نفسيّة المتلقّي والتّعبير الصّارخ عما يراد الإخبار عنه.

تقف لوحة الغلاف أمامنا لتنقل صورة مريرة عن واقع (الدّم العربيّ)، وما يعانيه من انقسام داخليّ وخارجيّ، إن كان نابعًا من أهله، أو صادرًا عن غريب يحاول بثّ الفرقة والتّنازع بين أبناء البيت الواحد، أو معتد أثيم ينهش في جسد الأمّة، ويريق (دمها العربيّ) الأبيّ..

نجد التّعبير عن هذا الانقسام من ذلك (الوجه/القناع) الّذي ليس بوجهٍ بشريّ أو طبيعيّ مألوف للإنسان، وإنّما هو قناع يُخفي أكثر ممّا يُظهر، ويُشعر بمصير غامض يكتنف صاحبه ولا يبين، فهو قناعٌ مطموسُ الملامح، مجهول المعالم، شأنه شأن مصير صاحبه... إنّه قناع يوحي بالشّحوب، وبانتظارٍ قَلِقٍ ومقلق للمجهول، إن كان ما زال لدى صاحبه رمق من حياة. وهو قناع يوحي بالتّلاشي والوحشة والضمور، وكأنّ الحياة قد فارقت صاحبه، أو كأن لا حياة قد دبّت من أساسها في هذا القناع الجامد الخاوي... سواء أكان من الفخّار أم الحجر أم الورق أم كان رسما على ورق...

وتأتي فقرات القصيدة الّتي حملت عنوان الدّيوان معبِّرة عن هذا المصير، كما في قوله:

إنّه قناع مقسوم إلى قسمين، في إيحاء صريح بأنّ أحدا ما قد شجّه، بل جزّأه إلى جزأين. ويبقى الإيحاء الأعمق كامنًا في فاعل ذلك الانقسام؛ أهو صاحب هذا الوجه أو القناع، أم هو ذلك الآخر المغتال؟ ولِمَ كان هذا الفعل؟ ألِأَنّ صاحبه قد ضاق ذرعًا به وبنفسه وبما يخفيه تحته من ضعف وزيف وتشرذم وشتات... أدّت كلّها مجتمعة إلى انقسام نفسيّ داخليّ خفيّ، ما لبث أن تُرجِم إلى فعلِ انقسامٍ خارجيٍّ جليّ؟ أم لأنّ ذاك الآخر ما فتئ يتحيّن الفرصة السّانحة حتّى يضرب ضربته القاسمة القاصمة الّتي وجدها ولو بعد حين؟ 

ها قد حدث الانقسام، وهو انقسام يوضح مدى بُعد الشُّقة بين شقّيه؛ فالمسافة بينهما بعيدة بُعدًا لا يبشّر بالتئام، ولو بالتئام قريب على أفضل الأحوال! بل قد تزداد الشّقّة، وتتعمّق الهوّة حتى يصعب الالتقاء، أو يصبح ضربًا من محال.

أوليس في هذا إحالةٌ مرجعيّةٌ واضحةٌ إلى حال الصّفّ العربيّ المنداح آلاف الأقسام والانقسامات، والمنساق خلف غوايات الآخر الّتي ضربت وجهه وضرّجته بالدّماء؟

إنّه وجه كئيب، منسحق، غائب الملامح، هلاميّ أو مطّاط، يشكّل من حين لآخر... هو وجه عايش القتل والموت واليتم... حتى لم يبق منه إلّا "تراب الملامح" –كما عبّر الشّاعر- فأضحت العينان مطموستان، كالحتا السّواد، كسواد ما عايشته من أحوال وأهوال، وكأنّهما غار مظلم، ظلام دامس لا نور فيه، فلا بريق فيهما، ولا بياض، ولا ألوان، ولا معالم... ولا بصيص أمل...

وكحال العينين يأتي الفم، مطموسا كذلك، لا يُرى فيه تحديد، ولا حجم، ولا لون... إذ عليه ألّا ينطق بما يمكن أن تكون العين قد رأت، إن كانت رأت!

وكأنّ العينين سُملتا أو طمستا، شأنهما في ذلك شأن الفم الممسوح أو المطموس... وما من شكّ في أنّ سائر أعضاء الوجه قد طمست كذلك، من أنف ما عاد شامخًا، وما عاد يشتمّ رائحة الحرّيّة، ومن أذن قُطعت أو بُتِّكت، أو ألصقت بالرّأس... فما عادت تسمع شيئًا من قريب أو بعيد، ومن حقّ أو باطل، ومن بشارة أو وعيد... وما بعد طمس العين والفم وسائر الأعضاء والحواس المرتبطة بها إلا موت الرّوح والجسد، وطمس الحقيقة وإماتتها...

*         *        *

نلحظ في لوحة الغلاف –كذلك- تلك الدّماء الحمراء القانية الّتي تسيل من هذا الوجه أو مِن كلّ مَن حاول المساعدة أو الاقتراب؛ منذرة بعاقبة لا تُحمد، وبمصير يحاكي مصير صاحب القناع أو صاحب (الدّم العربيّ)... إنّها ما زالت تنزف، وما زال دفقها يتـتابع؛ دليلًا على أنّ الحال هذه لم يمرّ عليها زمن طويل، أو أنّها ما زالت تتجدّد بين الحين والآخر، وما زال الجرح ينزف، والدّم يسيل، ومحاولة الخلاص قائمة، مهما أزهقت الأرواح وغلا الثّمن:

يقول الدّم العربيُّ المسافرُ عَبْرَ العواصمِ                           

والمتجمّعُ خلْفَ الحواجزِ

والمتناثر في كلّ أرضٍ:                                          

تعبتُ

*         *        *

ويصدّنا ذلك السّياج الّذي زاد من كآبة الصّورة وعتمة القادم المنتظَر، وإن كان قد اصطبغ بصبغة لونيّة خضراء أو زرقاء أو فيروزيّة، بما يمكن أن يوحيه هذا اللّون أو ذاك من حيوية وتفاؤل في مواطن مخالفة تمامًا لما هي عليه الآن في هذا المنظر؛ فمهما كان اللّون زاهيًا أو بديعًا أو سالبًا للألباب فإنّه يبقى لونا للسّياج هنا، ويبقى السّياج سياجًا، ورمزًا حاملا لكلّ معاني العنف والفصل والقهر والقسوة والتّعنّت والتّعذيب...إلخ

يتأثّر إيحاء اللّون بالمرجعيّة الزّمانيّة والمكانيّة هنا، وبالإحداث التّاريخيّة القاسية الدّائرة فيهما، وما يتلوها من معاناة شعبيّة واجتماعيّة واقتصاديّة... وينعكس ذلك كلّه على نفسيّة الشّاعر القائل؛ بوصفه المبدع الأوّل لهذا الخطاب، كما ينعكس على نفسيّة الرّسّـام؛ كونه مبدعًا من جهة ومتلقّيا من جهة أخرى، ثمّ يظهر أثر ذلك الانعكاس على نفسيّة القارئ أو السّامع بما يتلقّاه من كلمات مرسومة، أو رسم بالكلمات.

كما يُنظر بحزن دفين إلى تلكم الورقة الخضراء أو السنبلة الغضّة الّتي كانت رمزًا من رموز السّلام، أو هكذا كان يجب أن تكون في أوضاع الحياة الآمنة الطّيّبة، وبما تفترضه المرجعيّات السّيمائيّة العامّة الأوليّة، لكنّها أصبحت الآن محمّلة بمرجعيّات حديثة، خطّتها مستجدّات المراحل الرّاهنة، وما تلقيه ظلالها القاتمة على تأثيرات جمّة في الحياة السّياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة المختلفة... فأضحت تلكم الورقة أو السّنبلة رمزًا للتّضحية والفداء، وباتت مضرّجة بالدّماء، وتُروّى من دماء الشّهداء والمناضلين والمدافعين عن الحريّة، ومن (دم عربيٍّ) طاهر أبيّ، حتّى كاد اللّون الدّمويّ الأحمر القاني يغطّي ملامحها كورقة طبيعيّة خضراء، كان ينبغي لها أن تحمل بذور الخير والخصب والنّماء، لا نذر الشّؤم والخوف والمَبيت في العراء، تحت العصف والقصف وهجمات الأعداء...

وكخلفيّة عامّة لهذه (اللّوحة/ الصّورة) يأتي اللّون الأسود ليغلّفها، دالًّا على كآبة المنظر، وسوء المصير الحاليّ، وسوداويّة الحال الّتي تحيط بـ(الدّم العربيّ) من الجهات كلّها. وإن كان هذا اللّون الأسود قد أتى على شكل رسالة سوداء، توصل إلى العالم أجمع رسالة مرئيّة، أو مقروءة ومسموعة، بحال (الدّم العربيّ) الّتي لا يُحسد عليها، ومكتوب في أعلاها بخطّ عربيٍّ فيه شيء من الانكسار، يدلّ عليه تنكيس حرف الميم لرأسه؛ وكأنّه كسير الفؤاد، أو ناظر بأسى إلى الصّورة المعبِّرة أسفله عن حاله وحال أصحابه... وكأنّه ينصت إلى ما (يقول الدّم العربيّ)، ويئنّ معه...

وكفضاء سديميّ ممتدّ نلحظ أنّ لوحة الغلاف يحيط بها لونٌ رماديّ أشبه بالسّراب في عين الرّائي. إنّه سراب متّسع على مدّ البصر، وكأنّه يحاكي حال (الدّم العربيّ) في ضياعه وشتاته وواقعه الضّبابيّ غير الواضح... إنّه كالسّراب الّذي يحسبه الظمآن ماءً، حتّى إذا ما هرع إليه؛ ناشدًا النّجاة والحياة والخلاص.. تلاشى من أمامه ذلك كلّه ، وأسلمه إلى خيال آخر، ورؤى سديميّة لا متناهية.. وكأنّها دوّامة.. فأين الخلاص؟ ومتى الخروج؟

*         *        *

يظهر في أعلى هذه (اللّوحة/ الصّورة) أو الرّسالة اسم صاحب هذا العمل أو الخطاب الشّعريّ، وهو "فاروق شوشة"، وإن كنّا لا نجد في أيّ طرف من أطراف صفحة الغلاف الوصف المعهود: "ديوان شعر"؛ وقد يكون ذلك لشهرة هذا الشّاعر العربيّ في هذا الفنّ الأدبيّ. وبذا فإن ديوان الشّعر هذا المعنون بـ(يقول الدّم العربيّ) هو رسالة من ناظمها العربيّ إلى العالم أجمع وإلى كلّ من أراد قراءة هذه الرّسالة أو الاطّلاع عليها أو الإنصات إليها... فهي تعبّر عن حال الأمّة العربيّة عامّة، وما تريد أن تقوله هنا على لسان (الدّم العربيّ)...

ونلحظ ختامًا اسم دار النّشر الّتي طبعت هذا العمل ونشرته، وهي "مكتبة غريب" بجمهوريّة مصر العربيّة، بلد الشّاعر.

إذن، فها هي صفحة الغلاف تُمهِّد -كعتبة خارجيّة وخلفيّة عامّة للموضوع ككلّ- بمّا سيحويه هذا العمل، وإن كانت الصّورة سوداويّة وقاتمة ودامية، وموحية بالألم منذ الوهلة الأولى الّتي تصطدم العين برؤياها... وتختصر معها آلاف الكلمات...··

*        *        *

- سيمائيّـة العنـوان:

إنّه رجع صدى لبعض ما قد توحي به هذه القصيدة، بدءًا بعتبتها الأولى، ألا وهي العنوان، وانسياقًا مع مجراها ومجرياتها، ثمّ انتهاء بالختام.

وفي سيمائيّة هذا العنوان: (يقول الدّم العربيّ) نقف أمام تركيب الإضافة أولا: (الدّم العربيّ)، ثمّ ما أن ننتهي من النّظر إليه، والتّعمّق في معناه، واستحضار قضاياه الإنسانيّة، والفكريّة، والسّياسيّة، والتّاريخيّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة... ومرجعيّاته الدّاخليّة والخارجيّة المتنوّعة... حتّى نعود –بعد ذلك كلّه- إلى الكلمة الأولى في هذا العنوان، ألا وهي الفعل: (يقول)، نستمع، وننصت، ونستشعر كلّ ما يئن به، ويقول...

ما أن يسمع المرء كلمة (الدّم العربيّ) حتّى تعود به الذّاكرة إلى ذلك القول الشّهير الّذي أطلقه في حينه "الشّيخ زايد بن سلطان آل نهيان- يرحمه الله تعالى"، حين قال: "إنّ النّفط العربيّ ليس بأغلى من الدّم العربيّ".···

يومها كان الدّم العربيّ، دمًا عزيزًا، وحارًّا، وحرًّا.. لا يقبل الضّيم ولا المساومة.

ويومها كان السّلاح الأغلى في يد الإنسان العربيّ، سلاح العصر الّذي كان -وما يزال- السّلاح الأقوى، والحلّ الأنجع لمعظم المشكلات... به يباع ويشترى كلّ ما يُراد وما تهفو إليه النّفوس.. وبه كان يُضمن لمن يمتلكه رغد العيش وسموّ المكانة.. إنّه السّلاح ذو الحدّين الّذي يمكن أن يكون صارمًا، قاتلا، فتّاكًا، كما يمكن أن يكون -على النّقيض- بلسمًا لكثير من الجراح، ومنقذًا للنّفوس والأرواح.. والحكيم من أحسن استخدامه، وجعل لكلّ شيء موضعه، ووازن في سياق الحال بين كلّ مقام ومقال.. وهكذا كان حكيم العرب -رحمة الله عليه- مثالا يحتذى على أصالة النّفس العربيّة الّتي لا تقبل الضّيم، ولا ترضى بالعدوان، ولا تتآمر في إعطاء السّلاح للجلاّد والقاتل والسّمسار والتّاجر الّذي يدفع أكثر... فمهما كانت المساومة، ومهما بلغت الأثمان.. يبقى الدّم العربيّ الأعزّ والأغلى... وليس النّفط العربيّ، مهما غلا ثمنه، وكَثُر طالبوه، بأعزّ من الدّم العربيّ وأغلى...

يومها كان هذا الرّدّ قاطعًا، صارمًا، لا مرية فيه ولا جدال.. فلا تهادن أيّها العربيّ، ولا تساوم، ولا تفرّط بذرّة رمل من ذرّات أرضك الطّاهرة. ها أنت تصرّ على موقفك في أصعب الأمور، فكيف بك، الآن، وأنت يُطلب منك قتل أخيك على أرضك، وبيديك، وبسلاح تموّل لصنعه وتحديثه، حتّى إذا ما استقام على خير ما يرام وجّهتَه إلى صدر أخيك المستغيث، فأرديته قتيلا.. وأسلت الدّم العربيّ الطّاهر على تراب أرضه المقدَّسة وحبّات رمله الشّامخة الأبيّة!

*        *        *

         كان هذا بعض ما قد يوحي به تركيب الإضافة (الدّم العربيّ) في العنوان. بينما يمكن أن تدلّ كلمة (الدّم) وحدها على معان عدّة، تزيد العنوان قوّة وتأثيرًا...:

-        فهو دليل الجرح، دليل النّزف، دليل الألم.          - وهو دليل الصّحة، ودليل المرض!

-        وهو دليل الحياة أو بعض إشارة إليها في كثير من الأحيان...

-   كما أنّه دليل آخر على الموت أو بعض إشارة إليه في أحايين كثيرة!

-        وهو دليل الصّحّة، ودليل الفساد!          - دليل الحقّ، ودليل الباطل!

-        دليل الصّدق، ودليل الكذب!               - دليل الخير، ودليل الشّر!

-        دليل البراءة، ودليل الاتّهام!               - دليل الطّاعة، ودليل العصيان!

-        دليل الاتّباع، ودليل الابتداع!              - دليل الطّهر، ودليل الخيانة!

-        دليل الإيجاب، ودليل السّلب!              - دليل الصّواب، ودليل الخطأ!

-        دليل القوّة، ودليل الضّعف!               - دليل العطاء، ودليل الأخذ!

-        دليل الكرم، ودليل البخل!                 - دليل الثّورة، ودليل الاستكانة!

-        دليل الرّفض، ودليل الخنوع!             - دليل الحركة، ودليل السّكون!

-        دليل الغليان، ودليل الخمود!               - دليل الطّوفان، ودليل الرّكود!... إلخ.

إلى غيرها من ثنائيّات الطّباق أو التّضاد أو مثيلاتها الّتي يمكن أن يحملها (الدّم) في طيّاته، وتحتملها معانيه معه، كلّما انساب هنا وهناك. ليكون دليلا على حادثة وقعت، أو ذكرى خلّدها التّاريخ، أو مناسبة متجدّدة تَجدُّدَ الزّمان، أو المكان، أو الاثنين معًا...

وهكذا، فإنّ سياق الحال والظّروف المحيطة بورود كلمة (الدّم) فيه هو من يوجّه التّأويل، ويصحّح المسار، ويحكم بصحّة الحكم من عدمه؛ إن تطلّب الأمر ذلك.

ترد كلمة (العربيّ) لتحدِّد هويّة هذا الدّم، وتزيده وضوحًا. محاولة تقريب الصّورة إلى الأذهان، وتخيّل صاحب هذا الدّم القائل، وتصنيف وقوعه في أيّ من الثّنائيّات الكثيرة الواردة في الحديث عن (الدّم) عامّة دون تخصيص؛ إذ من المتوقّع أن يعطي التّركيب الإضافيّ في (الدّم العربيّ) نوعًا من الخصوصيّة والتّحديد في هويّة المضاف المرتبط بالمضاف إليه؛ إذ كلّما زادت قوّة الارتباط بينهما زاد المعنى حصرًا وخصوصيّة ونفاذًا إلى ما يراد أن يقال عامّة، وإلى ما يريد أن يقوله (الدّم العربيّ) خاصّة.

تؤطّر كلمة (العربيّ) هنا المرجعيّة العامّة الّتي ينبثق منها هذا (الدّم) بكلّ تداعياتها الضّاربة في القدم، ومحمولاتها الّتي توارثتها على مدى العصور والأماكن والأزمان... فأضحت بذلك العلامة الفارقة، والميزة الشّاهدة له والخاصّة به دون غيره من الدّماء...

ولكن.. هل يمكن أن يشي لنا هذا (الدّم العربيّ) بأنّه دم ثائر، غاضب، متصاعد، كالبركان المتفجّر، والطّوفان الجارف، والإعصار المدمِّر، والعاصفة الهوجاء...إلى غيرها من المعاني الّتي يمكن أن تتسلّل إلى النّفس منذ الوهلة الأولى الّتي يصطدم فيه المرء بهذا العنوان "الدّمويّ"؛ رابطًا العنوان العامّ لهذا العمل بالواقع العامّ الّذي تمرّ به الأمّة العربيّة، والمتجدّد –أسفًا- بين الحين والآخر!؟

أم هل يمكن الفصل بسهولة بين هذا وذاك، وتطبيق ما قيل عامّة على هذه الحالة الخاصّة في تركيب (الدّم العربيّ)؟! هل يمكن الوقوف موقف الحياد في وصف (الدّم العربيّ) بإحدى الصّفات العامّة الواردة سابقًا أو أكثر من صفة؟! أم أنّ العاطفة ستطغى على المنطق، وتميل من زاوية الحياد القائمة رأسيًّا بزاوية ( ْ90 درجة) إلى زاوية منفرجة أو أخرى حادّة!؟ وأيّ زاوية ستختار!؟ وما معنى أن تكون الزّاوية حادّة هنا أو منفرجة!؟ وإن نظرت العاطفة إلى ما سبق من منظور القول بـ(نعم أو لا)، أو (مع أو ضدّ) هذا (الدّم العربيّ) فأيّها ستختار؟! ولماذا؟!

قد يُقال إن القضيّة –هنا- لا تأخذ هذا المنحى الرّياضيّ الصّارم من الحكم القطعيّ اللازم؟! وهو ما يريد هذا التّأويل الوصول إليه؛ فالأمور لا تؤخذ دومًا بهذه الصّرامة، خاصّة في الأمور العاطفيّة، أو إن أردنا القول: البينيّة. فما بالنا إن أردنا الحكم على دمنا؛ (الدّم العربيّ)؟!  لا شكّ أنّ المهمة ستكون أشقّ على النّفس وأصعب! إن كانت هذه هي نفس المؤلِّف أو كانت نفس المتلقّي.

وكيف إذا كانت نفس المؤلِّف هنا هي نفس الشّاعر الّذي يخاطب الملأ بشعوره، أي بعاطفته، وبنظرته الشّخصيّة للأمور، مهما حاول أن يكون حياديًّا أو منطقيًّا...؟! وكيف إذا كان هذا الشّاعر هو شاعر (عربيّ) يخاطب أمّته (العربيّة)، ثمّ الإسلاميّة، فالإنسانيّة، ويخاطب (دمه) (العربيّ) بمشاعره وعاطفته و(دمه) (العربيّ)!؟

وكيف إذا كانت نفس المتلقّي هي نفس المتلقّي (العربيّ) الإنسان الّذي يخاطبه الشّاعر بـ(دمه) قبل لسانه، ليصل إلى (دم) هذا (العربيّ) قبل سمعه وبصره وسائر حواسّه!؟ وكيف إذا كان هذا المتلقّي (العربيّ) حاكمًا أو محكومًا، وصاحب قرار أم منفّذه!؟

لا شكّ أنّ الأمر –على ما سبق قوله- لن يكون سهلا البتّة.. ولن يكون مباشرًا في كثير من الأحيان.. وأنّه سيُلقي بكثير من الظّلال والتّساؤلات منذ الوهلة الأولى الّتي تقع العين فيها على هذا العمل، فتخاطب الوجدان، وتحرّك (الدّم العربيّ) في القلب وفي العروق... وليستمرّ هذا التّدفّق مع أولى كلمات العنوان، وهي (يقول).. إلى بدايات القصيدة الّتي جاءت، مفارقة، أولى قصائد الدّيوان، ثمّ الانسياق إلى سائر قصائده، ثمّ الانتهاء إلى قراءة الدّيوان كاملا، أو تصفّح قصائده الأخرى، أو بداياتها، أو الاكتفاء بالاطّلاع على عناوينها، والخروج ختامًا برؤية شاملة إلى ما يريد أن يقوله (الدّم العربيّ) وإلى إحساس عامّ به؟!

جاءت كلمة (يقول) في التّقسيم العام للكلم؛ فعلا مضارعًا، فاعله هو (الدّم العربيّ). أي إنّ فاعله معلوم، إن كان حقيقة، أو كان مجازا مستمدّا من تعريف الدّم بأنّه: "سائل أحمر، يسري في الشّرايين والأوردة."[1]

وما يميّز الفعل المضارع عامّة هو عنصر "الاستمراريّة" الدّال عليه؛ وكأنّ فعل (القول) هنا مستمرُّ الوقوع من قائله، وإن كان القائل دمًا! فالدّم سيبقى يقول مهما كُتب له ذلك، وسيبقى يعبِّر عمّا فيه إلى أن يقول: "كفى"! ومهما كان قوله وطريقة تعبيره، إن كان دما يسيل بهدوء، أو طوفانًا يغرق الأخضر واليابس، أو بركانا يثور، أو زلزالا يدمّر، أو رعدًا يهدر، أو عينًا تغلي، أو عاصفة تقتلع كلّ ما يقع في طريقها...إلخ

وكأنّ (القول) هنا قد انتقل إلى الفعل، في ثنائيّة (القول والفعل)، متجاوزًا التّقسيم النّحويّ المتعارف عليه، من أنّ الكلم: اسم، وفعل، وحرف.····

وكثيرًا ما يكون القول أقوى من الفعل وأبلغ، حاملا في طيّاته ما لا يستطيع الفعل فعله أو القيام به، ظاهرًا أو باطنًا، وبمواجهة مباشرة أو على استحياء!

وبذا، فإنّ هذا الفعل يناسب السّياق العامّ الّذي ورد فيه في تسمية العنوان بـ(يقول الدّم العربيّ)، وليس "يجري" أو "يسري" أو "يغلي" أو "ينزف"... إلى غيرها من الكلمات أو الأفعال الّتي يمكن أن تناسب هذا السّياق العامّ للعمل ككلّ، أو تناسب ما قد يُنعَت به (الدّم) عادةً من تلك الأفعال؛ إذ إنّ هذا (الفعل القول) أو (القول الفعل) قد عبّر عن كلّ ما يمكن أن يقوله (الدّم)، أو يقال عنه، أو يوصف به، إن كان حقيقة أو مجازا. وإن كان لا يخفى ما لكلّ منهما من عظيم أثر وأبلغ تأثير... فماذا يقول الدّم العربيّ؟!

*        *        *

- سيمائيّـة الثّنائيّـات:

يأتي عنوان (يقول الدّم العربيّ) ليمثّل عنوانًا مرجعيًّا مزدوجًا، داخليًّا وخارجيًّا، يجمع بين عنوان الدّيوان كاملا وعنوان القصيدة الّتي وردت فيه. فإمّا أن يستعير الكلّ -وهو هنا الدّيوان- عنوان الجزء -وهي القصيدة- بما في هذا من إعلاء لمكانة الجزء الّذي يبدو وكأنّ الكلّ انضوى تحته؛ لأهميّته وقوّة تأثيره، وإمّا أن يَشرُف الجزء بحمل عنوان الكلّ وتقاسمِه معه في عنوان مشترك واحد، بما فيه من إعلاء لمكانة الجزء، إلى الحدّ الّذي يتساوى فيه، قيمةً ومكانةً وأهميّة، مع الكلّ.

وبذا، فإنّ عنوان (القصيدة الدّيوان) أو (الدّيوان القصيدة) هو عنوان يعطي مرونة في الحركة، وطواعية في المعنى، وانفتاحًا على أفق كلّ تأويل، دون كسر للتّوقّعات، أو إحباط للآمال وإظهار للخيبات.

كما يمكن النّظر إلى العلاقة بين الجزء والكلّ من منظور الضّيق والاتّساع، والقصر والامتداد، والحصر والانتشار، والعموم والخصوص...إلى غيرها من الثّنائيّات.

M072004A

ويعدّ هذا الإجراء من التّضييق والتّوسيع، أو القَصر والامتداد... إلى غيرها من الثّنائيّات من الظّواهر الجليّة في كثير من أعمال الشّعراء أو الأدباء عامّة؛ إذ كثيرًا ما يلجؤون إلى هذه الطّريقة عند اختيار عناوين أعمالهم؛ من اختيار عنوان مشترك بين جزء من العمل والعمل ككلّ. ويدلّ ذلك على خبرة في الصّنعة، وحنكة في الرّأي، وتوفيق في الاختيار، دون أن ينفي قصد المؤلّف لهذا أو ذاك، ودون أن يؤكّده في الوقت عينه.

*        *        *

- سيمائيّـة المفارقـة:  

  إن من المفارقة العجيبة الّتي يمكن أن تُلمس -هنا- هي إمكانيّة التّعامل مع كلمات العنوان (يقول الدّم العربيّ) وتحليل مفرداته تعاملنا السّابق مع عنوان (القصيدة الدّيوان) أو (الدّيوان القصيدة)؛ فإمّا أن نبدأ بدراسة كلمة (الدّم) وحدها ثمّ نلحق بها كلمة (العربيّ)؛ بوصف كلمة (الدّم) هي الكلمة الأقوى من كلمات العنوان الثّلاث والأشدّ تأثيرًا... ثمّ نلحق بها كلمة (العربيّ)، بوصفها عاملا من عوامل تحديد هويّة هذا الدّم وماهيّته.. أو أن نبدأ من آخر كلمة في العنوان، وهي (العربيّ)؛ بوصفها المحدّد الرّئيسي الّذي يستند عليه فهم المعنى العامّ لكلمة (الدّم) مهما كثُرت معانيه الفرعيّة أو الجزئيّة، ومهما تعدّدت ثنائيّاته، وتجدّدت دلالاته، وتداخلت مرجعيّاته... ثم لننتهي بكلمة (يقول) في كلتي الحالتين، أو الابتداء بها، إن أردنا ذلك؛ إذ يبقى المعوّل عليه في هذا العنوان –وتأويلنا هنا- هو تركيب الإضافة (الدّم العربيّ)، وأيّهما يمكن البدء به، وما دلالة البدء بأحدهما قبل الآخر...إلخ.

والشّيء نفسه يمكن التّعامل به مع طريقة البدء في تأويل عنوان (القصيدة الدّيوان) أو (الدّيوان القصيدة) من جهة، وفي تأويل كلمات العنوان (يقول الدّم العربيّ) من جهة ثانية؛ إذ بعد الانتهاء من تأويل كلّ طرف من طرفي هذه الثّنائيّة، أمكن إعادة النّظر في أيّ شقّ نبدأ به أولا في التّأويل؛ أنبدأ بتأويل الدّلالة العامّة لـ[[عنوان (القصيدة الدّيوان) أو (الدّيوان القصيدة)]]، ثمّ نتوقّف عند بعض الجزئيّات، ومن بعدها تكون العودة إلى الوقوف عند كلمات العنوان العامّ (يقول الدّم العربيّ)، ثم التّوقٌف عند كل كلمة، وتأويلها أم يكون العكس؟

الأمر عينه يمكن أن يقال في التّعامل مع قضيّة الشّكل والمضمون في هذا الخطاب الشّعريّ وعنوانه، أو في العنوان والعمل الموسوم به؛ فهل نبدأ بالشّكل العامّ للعمل، ثمّ ندخل رويدًا رويدًا إلى مفرداته وتفصيلاته حتّى نفهم المعنى العام أو المضمون الأكبر الّذي ينضوي تحته هذا العمل، أم نأخذ من مضمون العمل ككلّ مطيّة تحملنا إلى ربط شكله بمضمونه، وفهم جوهر العمل العامّ الّذي يكتنف هذا العمل من أوّله إلى آخره؟

يبقى أنّ ما يميّز كلّ تلك الخيارات أو التّقليبات هو عنصر المرونة العالية والطّواعية الشّديدة الّتي تُمَكِّن من التّعامل مع كلّ ما سبق هنا وهناك.

*        *        *

         يحمل النّصّ في طيّاته كذلك مفارقات لغويّة ونفسيّة عدّة، تمتلئ بالسّخرية المرّة، وتعتصر بالألم الحادّ... تصرخ بأعلى صوتها تارة، وتعضّ على الأصابع تارات، وتختنق بالغصّة والعبرات تارات أخر.

         تأتي المفارقات لتحطّم خيوط الممكن أو المتوقّع، وتبني جدار غير الممكن وغير المتوقّع! في زمن بات يُنظر للأمور فيه من زاوية مختلفة، وبمنهج مغاير، وبمرجعيّة مزدوجة، وإن جانبت الصّواب هنا أو هناك!

فماذا عسانا نصنع عندما نسمع الدّم العربيّ يقول:

" أخيرًا،   يقول الدّم العربيُّ:            تساويْتُ والماءَ             أصبحتُ لا طعْمَ،         لا لوْنَ،      لا رائحة! "

إنّ المرجعيّة العلميّة في أبسط صورها تقول إنّ الماء النّقيّ، الصّافي أو الطّبيعيّ، في صفته المعتادة، هو الّذي لا لون له ولا طعم ولا رائحة. وهي حقيقة علميّة لا ينكرها أحد إلى يومنا هذا. وقد عدّت من المسلّمات المجمع عليها في كافّة العصور. لكنّ المفارقة الموجعة هنا هي عندما يتساوى الماء في صورته الطّبيعيّة المعتادة هذه بذلك الدّم العربيّ الّذي كان يعدّ في يوم من الأيّام رمزًا للشّهامة والنّخوة والعزّة والحميّة والإباء...! وما كان يُقدّر بثمن!

أن يتساوى الماء عديم اللّون والطّعم والرّائحة بذلك الدّم المليء بكلّ تلك المرجعيّات التّاريخيّة الضّاربة في القدم، والمطعّم بشتى المحمولات الثّقافيّة والشّعبيّة والاجتماعيّة...! والمعتّق بعبق البطولة والفروسيّة والانتصارات!

أن يفرّغ ذلك الدّم من كلّ قيمة، ومن كلّ أهميّة، ومن كلّ مرجع... وأن ينزل ثمنه من الأغلى إلى الأرخص! بل الأبخس! وأن يخسف به وبمكانته الّتي كانت تشرئب لها الأبصار، وتخفض الهامّ إلى مكانة تداسها الأقدام! ومن ثمن كان أغلى من سلاح العصر آنذاك وإلى يومنا هذا، ألا وهو النّفط، إلى مساواة مع الماء الّذي قد يكون أغلى من هذا الدّم في بعض الأحيان وأعزّ!

أن تأتي المفارقة الأخرى الشّبيهة بالمضحك المبكي حين يقول قائل إن الماء الّذي أوحى به النّصّ السّابق من دلالة على الرّخص وعدم الأهميّة والتّقليل من شأنه هو عصب الحياة وشريان الوجود على الأرض! ألم يقل الله  – عزّ وجل- في محكم تنزيله الكريم: وَجَعَلنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيءٍ حيّhttp://lexicons.sakhr.com/../../media/d02.gif" >[2]؟  يقال هذا التّساؤل ليرمي بظلال أخرى على انقلاب مفاهيم الأشياء وقيمها؛ بناء على تبدّل الأحوال، واختلال الموازين! وبناء على المرجعيّات الّتي يستند إليها النّصّ، وصاحبه، ومتلقّيه... وينطلق على إثرها كلّ قول أو تأويل...

*        *        *

M072005A 

إنّ أغلب عناوين قصائد الدّيوان ومضامينها تتناول القضيّة الكبرى الّتي حمل همّها هذا الخطاب برمّته، وأخذ ينثرها بين ثناياه، ولم يكتف بعرضها في القصيدة الّتي ابتدأ بها. نلحظ ذلك من قراءتنا للقصائد عامّة، وما تقابلنا به من كلمات صريحة الدّلالة على المراد العامّ للدّيوان ككلّ؛ لفظا ومعنى، وشكلا ومضمونًا، فنجد مفردات وتراكيب كثيرة تملأ صفحات قصائد الدّيوان، مثل: كلمة (الدّم) الّتي تعدّ من الكلمات أو المفردات المحوريّة كما سبق تناولها، كما نجد "الموت"، و"الدّمع"، و"البكاء"، و"العزاء"، والعويل"، و"القهر" مفردًا، و"زمان القهر" مضافًا إليه، و"الحزن" مفردًا، أو جمعًا ومضافًا كـ"أحزان المدينة"، أو صفة "النّفس الحزينة"... ونلحظ جملا وتراكيب من مثل: وأنا المذبوح على الحدّين أردّ الطّعنة كيف؟[3]، وينعى رحيل القطا، واختفاء اليمام، وركب الجناز (بمعنى الجنائز)[4]، وحين تعوّل ريح ترعد عاصفة في الخيام[5]، وقوله: أرحل عبر مصبّ الدّمع إلى المجهول[6]، وقوله: وفؤوس بالأيدي.. تهوي مشرعة تطعن طعنتها[7]، وقوله: ولكنّه أتاك نازفًا مضرّجًا، دماؤه تقوده إليك[8]

وقوله في البيت الشّعريّ:

وخيط دم ينصبّ فينا، ولم تزل                 كؤوس الرّدى الظّمأى لسيّاله تحسو[9]

أو في المقطع الّذي يقول فيه:

نداءاتي موجاتٌ سجيناتٌ             وروحي في قيود الأسر              تحليقٌ مدمّى وارتطامة[10]

وقوله: وذقت انكساري.. وقوله: فهل تسمعين العويلا؟[11]

وقوله: يا أهل هذه المدينة السّجينة العينين في الإطراق[12]

وقوله: الأرض الحبلى تأنف أن تحملنا                  حتّى نجعلها طاهرة،        تتفجّر قدسًا ونقاء[13]

وقوله:   يا أيّها اللّيل: هذي صلاة القلوب الكسيرة

         ويا أيّها العمر: هذي شعوب الدّروب المريرة[14]

وقوله: يا حزن اللّيل المتجدِّد[15]

وقوله: ويح نفسي..                           كلّما طالعت آبائي.. خجلت![16]

إنّ الرّوح الطّاغية على الدّيوان وقصائده ككلّ تـنضح بمعاناة (الدّم العربيّ) الّذي يمكن أن يسري في أجساد ملايين العرب، كما يمكن أن يسري في جسد الشّاعر أو مَن يعبِّر عنه ويتحدّث عنه وإليه، أو في جسد الإنسان العربيّ عامّة. مع إمكانيّة أن يكون الحكم مطلقًا في بعض الأحيان؛ حين تعبِّر التّجربة عن معاناة الإنسان. وهي –مع ذلك- لا تنفي شموليّتها للعربيّ الإنسان.

إنّ عناوين قصائد الدّيوان سابقة الذّكر، وما فيها من ألفاظ ذُكر بعضها، لَتَدلّ على وجود ترابط كبير بينها، ووجود خيط يصل الواحدة بالأخرى، وكأنّها حبّات خرز منظومة في سلسلة الدّيوان الّذي ينتظم عقدها في منظره النّهائيّ، ليطوّق جيد (الدّم العربيّ)، ويكون شعارًا له ودليلا عليه. فأغلبها تضجّ بالحزن والضّيق والألم والضّياع...إلى غيرها من معاني القهر والسّلب وآثار القيد الّتي يعاني منها (الدّم العربيّ) وما يحمله بين جنبيه وحناياه. وحتّى تلك القصائد القليلة الّتي تحاول إيجاد بصيص أمل هنا أو هناك، فما هي –في معظمها- إلا روح تائهة، أو نفس ضائعة، أو جسد مضنى، أو (دم عربيّ) مراق... لا تجد سبيلا لها ومخلِّصا لآلامها إلا الدّعوة لشحذ الهمم، وكسر القيود، وتأجيج مشاعر الثّورة... سواء أكانت هذه الدّعوة صريحة مباشرة، أم مستعيرة المجاز والمفارقة والسّخرية والتقريع ومستعينة بها، أم ملتجئة إلى ربّ الأرض والسّماء بالتّضرّع والصّلاة والدّعاء؛ طلبًا للتّخفيف من العذاب، وبثّ الأمل، ومحاولة النّهوض من جديد؛ علّ الآتي يبشّر بخير، ويكون المستقبل أجمل.        

*        *        *

ختــامًـا...

لا يخفى ما لكلّ تلك الإيحاءات الّتي أتت بها العتبات النّصّية لهذا الخطاب الشّعريّ من محاولات متتالية لبثّ الحياة مجدّدًا في جسد صاحب ذلك الدّم العربيّ؛ ليستعيد مكانته، ولينفض عنه غبار السّنين...

كما يتّضح من النّصّ أو العمل ككلّ، في ظاهره وباطنه، وفي عنوانه، وغلافه، ومحتواه، وفي رسمه، وكلماته... مدى اشتماله على مرجعيّات داخليّة وخارجيّة، وما ينضوي تحتها من محمولات ثقافيّة ودينيّة وسياسيّة واقتصاديّة وتاريخيّة واجتماعيّة...إلى غيرها من المحمولات المعرفيّة الّتي تتمخّض عن تداعيات نامية ومتطّورة يومًا بعد يوم، إضافة إلى مخاطبته العقل والقلب والوجدان، بدم عربيّ أبيّ، يراد له ولصاحبه الصّحوة، والتّرجّل بعد الكبوة...فما زال الطّريق مستمرّا وطويلا...

*        *        *


  • هو فاروق محمّد شوشة، (1936م-    )، وُلد بقرية الشّعراء في دمياط. يشغل حاليًّا منصب الأمين العام لمجمع اللّغة العربيّة في القاهرة.

-         حفظ القرآن, وأتم دراسته في دمياط. وتخرج في كلية دار العلوم 1956م, وفي كلية التربية جامعة عين شمس 1957م.

-         عمل مدرسًا عام 1957م, ثم التحق بالإذاعة المصريّة عام 1958م, وتدرج في وظائفها حتى أصبح رئيساً لها 1994.

-         يعمل أستاذًا للأدب العربيّ في الجامعة الأميركية في القاهرة.

-         أهم برامجه الإذاعيّة : لغتنا الجميلة, منذ عام 1967م, والتلفزيونية: (أمسية ثقافيّة) منذ عام 1977م.

-         رئيس لجنتي النّصوص بالإذاعة والتلفزيون, وعضو لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة, ورئيس لجنة المؤلفين والملحنين.

-         شارك في مهرجانات الشعر العربية والدولية .

-         من دواوينه الشّعريّة : (إلى مسافرة 1966م)، و(العيون المحترقة 1972م)، و(لؤلؤة في القلب 1973م)، و(في انتظار ما لا يجيء 1979م)، و(الدائرة المحكمة 1983م)، و(الأعمال الشّعريّة 1985 م)، و(لغة من دم العاشقين 1986 م)، و(يقول الدم العربي 1988 م)، و(هئت لك 1992 م)، و(سيدة الماء 1994 م)، و(وقت لاقتناص الوقت 1997 م)، و(حبيبة والقمر [شعر للأطفال] 1998 م)، و(وجه أبنوسي 2000 م)، و(الجميلة تنزل إلى النهر 2002م)، و(أحبّك حتّى البكاء 2006م).

-         من مؤلفاته: لغتنا الجميلة ـ أحلى 20 قصيدة حبّ في الشعر العربي ـ أحلى 20 قصيدة في الحب الإلهيّ ـ العلاج بالشّعر ـ لغتنا الجميلة ومشكلات المعاصرة ـ مواجهة ثقافيّة ـ عذابات العمر الجميل (سيرة شعريّة).

-         حصل على جائزة الدّولة في الشّعر 1986, وجائزة محمد حسن الفقي 1994م, وعلى جائزة الدّولة التّقديريّة في الآداب 1997م.

انظر:

http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=ssd&shid=114

وانظر المزيد عنه في:                   http://www.akhbarelyom.org.eg/akhbarelyom/issues/3199/0600.html

http://www.aklaam.net/aqlam/show.php?id=2217

http://www.al-jazirah.com.sa/culture/11092006/hauar21.htm

http://www.alqabas.com.kw/Final/NewspaperWebsite/NewspaperPublic/ArticlePage.aspx?ArticleID=266131

http://www.arabicacademy.org.eg/present_members/Farouk_Shosha.jpg

http://www.arabicacademy.org.eg/Admin/MembersUpload/155/%D9%81%D8%A7%D8%B1%D9%88%D9%82%20%D8%B4%D9%88%D8%B4%D8%A9.doc

http://www.azaheer.com/vb/showthread.php?t=13676

http://www.dvd4arab.com/showthread.php?p=5337012

http://www.dvd4arab.com/archive/index.php/t-425182.html

http://www.egyptsons.com/misr/thread52696.html

http://www.egyptsons.com/misr/showthread.php?t=52748

http://www.islamonline.net/discussiona/thread.jspa?threadID=17557&tstart=30

http://www.marefa.org/index.php/%D9%81%D8%A7%D8%B1%D9%88%D9%82_%D8%B4%D9%88%D8%B4%D8%9

http://www.medi1.com/emission/invite_dikra.php?id=32

http://www.ojqji.net/vb/showthread.php?t=21003

http://www.shathaaya.com/news/index.php?mod=article&cat=SpecialReports&article=1297

http://www.shathaaya.com/news/index.php?mod=article&cat=Poets&article=333

http://www.smartwebonline.com/NewCulture/cont/017700060002.asp

  • يلحظ وجود رسمة في آخر قصيدة (يقول الدّم العربيّ)، تتكامل وموضوع لوحة الغلاف، وتوحي بما ورد في نصّ القصيدة، وبمحتوى العمل ككلّ؛ إذ تظهر جمجمة خلف بقايا أشجار ميتة، أو آثار دارسة، مع إيحاء بوجود رياح تعصف بها، وظهور خطوط خلف الجمجمة والآثار الأخرى، وكأنّها ظلال لها... وجاءت الرّسمة باللّونين الأبيض والأسود، أو كما ظهرت بهذا الشّكل الطّباعيّ، و توحي في مجملها بالكآبة، والضّياع، ومرور زمن طويل على حال هذه الجمجمة الّتي لا يعلم إن كان صاحبها قد توفي ميتة طبيعيّة، أم أنّ جريمة تختبئ خلفها... وإن كان هذا وذاك ينبآن بأنّ صاحب الجمجمة لا قيمة له حتّى يُبحث عنه؛ إذ تُرِك مشرّدًا مهجورًا، يلاقي مصيرًا مجهولا، من موت في العراء، أو افتراس من حيوان ضار، أو قتل من معتد لم تيرك أثر لجريمته...

  • يمكن العودة إلى عدد من الكتب ذات الصّلة بالموضوع أو المواقع الالكترونيّة للاستزادة.  وفيما يلي بعض من هذه المواقع الالكترونيّة الّتي يعرض المشاركون فيها بعض آرائهم المتعلِّقة بهذا القول، وتعرض لحياة الشّيخ زايد بن سلطان آل نهيان، يرحمة الله تعالى:

http://traidnt.net/vb/showthread.php?t=1090242

http://www.syriastar.com/vb/showthread.php?t=11520

http://www.3rboil.com/forum/showthread.php?t=1151

http://www.uaegoal.com/vb/showthread.php?t=161797

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B2%D8%A7%D9%8A%D8%AF_%D8%A8%D9%86_%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A7%D9%86_%D8%A2%D9%84_%D9%86%D9%87%D9%8A%D8%A7%D9%86

ويمكن القول في هذا الصّدد بوجود عدد من الأعمال الشّعريّة الّتي توافق في شكلها ومضمونها ما قيل في هذا العمل الشّعري أو في القول السّابق... وللباحثة تناول آخر لها في بحث منفصل.

[1]انظر لسان العرب، مادّة (دمي).

  • لا يُراد الخوض –في هذا المقام- في صحّة هذا القول من عدمه.

[2](سورة الأنبياء/ 30).

[3]انظر قصيدة مدن للرّحيل، ص13.

[4]انظر قصيدة دعوني أؤجّل حزني، ص 42 و43.

[5]انظر قصيدة بيروت، ص 28.

[6]انظر قصيدة يتغيّر لون الماء، ص 33.

[7]انظر القصيدة نفسها، ص 34.

[8]انظر قصيدة رسالة إلى والدي، ص 40.

[9]انظر قصيدة موكب الشّهداء، ص 22.

[10]انظر قصيدة عن الحبّ والحرّيّة، ص 50.

[11]انظر قصيدة رحيل المغنّي، ص 55 و58.

[12]انظر قصيدة وردتنا تفتّحت، ص 65.

[13]انظر قصيدة حبّة رمل،  ص73.

[14]انظر قصيدة اللّيل موعدنا، ص 77.

[15]انظر قصيدة جلوة ليل، ص 87.

[16]انظر قصيدة زيت ونيران، ص 92.

قائمة المصادر والمراجع

-        القرآن الكريم.

-        لسان العرب لابن منظور.

-        ديوان يقول الدّم العربيّ، للشّاعر فاروق شوشة. مكتبة غريب، جمهوريّة مصر العربيّة. (د.ط.، د.ت.).

-        على شبكة المعلومات:

-                   http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=ssd&shid=114

-        وللمزيد:

-                   http://www.akhbarelyom.org.eg/akhbarelyom/issues/3199/0600.html

-                   http://www.aklaam.net/aqlam/show.php?id=2217

-                   http://www.al-jazirah.com.sa/culture/11092006/hauar21.htm

-                   http://www.alqabas.com.kw/Final/NewspaperWebsite/NewspaperPublic/ArticlePage.aspx?ArticleID=266131

-                   http://www.arabicacademy.org.eg/present_members/Farouk_Shosha.jpg

-                   http://www.arabicacademy.org.eg/Admin/MembersUpload/155/%D9%81%D8%A7%D8%B1%D9%88%D9%82%20%D8%B4%D9%88%D8%B4%D8%A9.doc

-                   http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B2%D8%A7%D9%8A%D8%AF_%D8%A8%D9%86_%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A7%D9%86_%D8%A2%D9%84_%D9%86%D9%87%D9%8A%D8%A7%D9%86

-                   http://www.azaheer.com/vb/showthread.php?t=13676

-                   http://www.dvd4arab.com/showthread.php?p=5337012

-                   http://www.dvd4arab.com/archive/index.php/t-425182.html

-                   http://www.egyptsons.com/misr/thread52696.html

-                   http://www.egyptsons.com/misr/showthread.php?t=52748

-                   http://www.islamonline.net/discussiona/thread.jspa?threadID=17557&tstart=30

-                   http://www.marefa.org/index.php/%D9%81%D8%A7%D8%B1%D9%88%D9%82_%D8%B4%D9%88%D8%B4%D8%9

-                   http://www.medi1.com/emission/invite_dikra.php?id=32

-                   http://www.ojqji.net/vb/showthread.php?t=21003

-                   http://www.shathaaya.com/news/index.php?mod=article&cat=Poets&article=333

-                   http://www.shathaaya.com/news/index.php?mod=article&cat=SpecialReports&article=1297

-                   http://www.smartwebonline.com/NewCulture/cont/017700060002.asp

-                   http://www.syriastar.com/vb/showthread.php?t=11520

-                   http://traidnt.net/vb/showthread.php?t=1090242

-                   http://www.uaegoal.com/vb/showthread.php?t=161797

-                   http://www.3rboil.com/forum/showthread.php?t=1151