الشيخ سيدي المختار الكنتي العقبيpdf

حياته و آثاره.

                                       د. محمد السعيد بن سعد 

     جامعة غرداية

ملخص:

          وقفت في هذا المقال مع شيخ من جهازيه اللغة العربية الشيخ سيدي المختار الكبير الكنتي، مبيّنا بعض إسهاماته في ميدان التّفسير واللّغة والأدب مركزا على مؤلفه :فتح الودود شرح المقصور و الممدود، والذي يعكس جانبا من إبداعه اللغوي ومنهجه في التفسير حيث المزاوجة بين الجانب اللغوي و الصّوفي وتلك خصّيصة بلاغية من خصائص أسلوبه , وبهذا استطاع التّأليف في العلوم وتوليف القلوب وهذه بدورها خصّيصة اجتماعية مكنته من إصلاح ذات البين، وما توفيقي إلا بالله.

Résumé

Le présent article est une mise en scène des travaux de CHIKH SIDI- Mokhtar Elkounti pressisement son Livre (فتح الودود شرح المقصور و الممدود), en menttaen Linguistique                                                

                                                            et sa méthode d'analyse

L'ouvrage était le lieu ou se sont convergés la perspectives linguistique et la pensée Soufiste: caractéristique rhétorique inhérente a son style d'écriture.

L'auteur ; dans un tel travail ; ne s'est pas seulement investi dans la rédaction scientifique mais ; au dela ; il a initie au dialogue des pensés et idiologies

مدخل: الكنتي نسبه لجده من أمه ،من قبيلة كنته إحدى القبائل العربية المنتشرة غرب إفريقيا: موريتانيا ومالي والنيجرو جنوب المغرب و الجزائر حتى السنغال.

يعتبر الشيخ المختار الكنتي من أبرز الشخصيات العلمية خلال القرن الثاني عشر إلى الثالث عشر الهجري، وذلك بما خلفه من آثار مخطوطة لا تزال إلى الآن تصارع الزمن في خزائن منطقة توات، وفي مالي و شنقيط و غيرهما.

وما مركز المخطوطات الذي يحمل اسمه ((بنيامي)) دولة النيجر، و الذي سعى منذ تأسيسه لجمع مخطوطاته إلا خير شاهد في هذا المقام.

لقد خلف الشيخ سيدي المختار الكنتي بعد و فاته ما يزيد عن ثلاثمائة مخطوط في مختلف الفنون و العلوم، أشهرها:

أولا التفسير: تفسير البسملة وتفسير سورة الفاتحة.

ثانيا النحو: فتح الودود شرح المقصور و الممدود.

ثالثا التراجم: مخطوطه الطرائف و التلائف وغير ذلك كثيركالرسئل ونحوها.

و الشيخ سيدي المختار الكنتي يعود نسبا إلى عائلة "كنتة" التي استوطنت الجزائر ومالي و النيجر وموريتانية والتي تعود في أصولها إلى الفاتح العظيم عقبة بن نافع أبا عن جد.

نشأ الشيخ سيدي المختار في بيئة صحراوية على الطريقة التقليدية في وسط ثقافي رفيع، إذا كانت أسرته على جانب كبير من العلم و الصلاح و التقوى .كان ممن يتوسم فيهم مستقبل زاهر لمخائيل النبوغ البادية عليه منذ صغره.

ويعدّ عصره من أخصب الفترات، والشيخ سيدي المختار أحد أهم شخصيات المنطقة آنذاك.(ق18)، كيف لا وهو من نجوم قبيلة كنتة المنتشرة اليوم في منطقة الصحراء الكبرى و الساحل، موزعين بين عدة دول: موريتانيا و جمهورية مالي وجمهورية النيجر (كنتة الشرق)([1])و بالجزائر – منطقة عين قزام- ولاية تمنغست، وبتوات ولاية أدرار المنطلق الأصلي للقبيلة، وهم المعروفون هناك بالعقبيين نسبة إلى عقبة بن نافع الفهري فاتح إفريقيا.

عاش بأزواد المنطقة الواقعة شرق موريتانيا و شمال نهر النيجر و جنوب الجزائر، سكانها الأصليون الطوارق الملثمون في قبائل: الأييروا بلمدن ،بورنو، الهوجار (من المحاربين الأشداء). وهناك أجناس من الزنوج متاخمة لهم، ويوجد في الغرب قبائل عومه و إمارات صغيرة على امتداد الأراضي الموريتانية و حتى المحيط الأطلسي.

القانون السائد في هذه المجمعات هو قانون القوة، حروب مستمرة ،ومن لم يحارب أعتدي عليه و أصبح تابعا لمن هو أقوى منه.

وَمَنْ لا يَظْلِمِ الـنَّاسَ يُظْلَمِ([2]).

مجتمع طبقي: العرب ، الزوايا، اللحمة ([3]) وغيرهم، ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه المنطقة كانت مركزا هائلا لتدارس العلوم من: منطق وبيان ولغة ونحو و تفسير و حديث وفقه ...ألخ.

وقبيلة كنتة تملك عن ماضيها الروايات التاريخية والأسطورية الوفيرة وعدد لا بأس به من النصوص المكتوبة، المتفاوتة من حيث القيمة و الأهمية نذكر منها:

تاريخ كنتة: به قصة كنتة موجزة بقلم باي ولد سيدي عمر وتليه، ويبدأ بعقبة بن نافع الجدّ ذي الشهرة المعروفة للقبيلة، وتنتهي بالقرن 16 فجر الحقبة التاريخية لتكون القبيلة.

كتاب الطرائف والتلائد: مؤلف ضخم يسرد فيه الشيخ سيدي محمد المتوقى1826، حياة الشيخ سيدي المختار الكبير وحياة أمه و أمور أخرى.

تاريخ كنتة: وتمّ تدبيجه في بداية ق 19 بأمر وتوجيهات من الشيخ سيدي المختار الكبير.

ويمكن التمييز في حياة القبيلة بين ثلاث فترات:([4])

أ‌-      فترة الأسطورة: نهاية ق 6 إلى مطلع ق 15 عبارة عن روايات.

ب‌-   فترة الرواية التاريخية: من بداية ق 15 إلى مولد الشيخ سيدي المختار الكبير (1730).

ج-الفترة التاريخية: ق18، وتتلخص في حياة الشيخ سيدي المختار الكبير -(الكبير كما دعته ذريته)-، والذي ولد على الأشهر سنة 1730، هذا الشيخ الجليل الذي كان يتمتع بحب فريد من جده لأمه الشيخ (باي بن الحبيب) بحيث كان لا يستطيع أن يمر يوم دون أن يراه ودون أن يحتضنه بين أذرعه وقد تنبأ بقدرات حفيده اللامعة في المستقبل حيث قال له يوما: "كم من الأمور العجيبة في هذا الرأس؟

الشيخ سيدي المختار الكبير مفسراً :

يلخص كتاب الطرائف من خلال تعداد طويل الكتب التي درسها الشيخ سيدي المختار خلال انصرافه للعلم كطالب يقول: " وليس من العبث إيرادها هنا لأنها تقدم لمحة عجيبة عما كان عليه التعليم العالي الإسلامي في المجتمعات العربية شمال تينبكتو في أواسط القرن 18، كما تشهد على بالغ الاهتمام بالقاعدة الأصولية، وذلك بإتباع سوى دروس الأساتذة الذين يصعد سندهم الثقافي و التربوي إلى مصادر المؤلف ذاته بالنقل الشفهي المتصل."([5])

ويؤكد كتاب الطرائف أيضا أنه ما يزال علماء موريتانيا يدرسون لطلبتهم عن ظهر غيب كل العلوم التي يطلبونها، ولا يحتاجون إلى الكتبأ.والعديد منهم يحفظ الكتاب عن شيخه ويرفعه بالسند إلى المؤلف.

ما المؤلفات والحلقات الدراسية التي واظب عليها الشيخ فهي:

1-    العلوم الشرعية: المختصر لخليل، التحفة لابن عاصم، الرسالة لأبي زيد، أخذها عن الشيخ سيدي علي.

2-    علم الكلام و العلوم البيانية: ألفية السيوطي،وعقود الجمان (أصلها التخليص)آخذها عن الأستاذ نفسه.

3-    الأصول: الورقات لأبي العالي الجويني، وجمع الجوامع لأبن السباكي، وكافية ابن الحاجب، وتنقيح الفصول وقواعد المبحُور.

4-    في علم الحديث: الصحاح الستة وجامع الأصول لابن الأثير، وجامع السيوطي، والشفاء للقاضي عياض، وكشف الغمة للشوكاني، والترغيب والترهيب للمنذري.

5-    التفسير: الجلالين، تفسير البغوي ولباب التأويل للخازن، وتفسير ابن عطية، وشرح النسفي وشرح البيضاوي.

           هذا الأخذ الجم والعطاء الرباني الفياض جعل منه مؤلفا في التفسير فقد قام بشرح البسملة في حوالي دفتر، ذلك أن البسملة بدأت بها كلّ السّور ما عدا سورة التّوبة التي لم تبدأ بالبسملة باعتبارها علامة مميزة لها،"و المسلم عندما يقرأ القرآن ويبتدئ بـ "بسم الله الرحمان الرحيم" يشعر أنه داخل على عالم جديد يترك الدّنيا وما فيها ويتوجه بقلبه لسماع كلام ربه والعيش مع أسماء ربه الحسنى (الرحمان الرحيم).

         وسبب غياب البسملة عن أول سورة التوبة بحسب قول أغلب العلماء هو أنها أكثر السور تكلما عن الكفار و المنافقين، فحرموا من البسملة ومن معاني الرحمة الموجودة فيها.

       والبسملة إعلان عن الإذعان لله والتوكل عليه،و أن الأمور كلها بأمره ولذلك كان على المؤمن أن يبدأ كل عمل بـ "بسم الله": "كل أمر لا يبدأ فيه ببسم فهو في رواية أقطع وفي رواية أجزم وفي ثالثه أبتر أي ناقص البركة.

والواقف على شرحها يخلص إلى أسرار عظيمة.

         إلى جانب شرح الشيخ الكبير للبسملة،قام بشرح الفاتحة (السبع المثاني): ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ العَظِيم ﴾سورة الحجر الآية 87([6])".وسميت بذلك لكثر تكرارها([7]).

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة :"لأعلمنك أعظم سورة في القرآن "فقال: ما هي ياسول الله؟ فقرأ عليه الصلاة والسلام : "الحمد لله رب العالمين ..."([8])

ويقول أيضا: "و الذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا الإنجيل ولا الزبور ولا الفرقان مثلها إنها السبع المثاني "([9])

ولفضلها وشرفها، سميت هذه السورة بأسماء كثيرة، فهي أم القرآن؛ والأم أصل وسميت الوافية والكافية لكفايتها عن غيرها وحاجة غيرها إليها ([10]) واكتفاؤه منها، فهي تفيض على المؤمن نورا يضيء حياته، وخيرا إلهيا يغلق عنه أبواب الفتن ويفتح له أبواب الرحمات.

وسر الفاتحة يمكن في اشتمالها على جميع معاني القرآن، يقول ابن القيّم إن الله تعالى قد أنزل مائة و أربعة (104) كتب، جميع معانيها في ثلاث كتب: التوراة والإنجيل والقرآن، وجميع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن في الفاتحة، وجميع معاني الفاتحة في: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ([11]فلا غرو إذا أن يفرد لها سيدي المختار مجلدا، يقول عنه المؤلف: "يبدو هذا الشرح فريدا جدا. ([12])

وفي الرد عن سؤال من عالم سوداني للشيخ سيدي المختار امتحانا له، قام بشرح لتسع آيات في مجلد موسوم: "بلوغ الوسع في شرح الآيات التسع.([13]) يبدو من خلال هذا أن منهج الشيخ في التفسير كان منهجا تحليليا استطراديا يحيط بجوانب النّظم الشريف، هذا يدل على نباهة الشيخ و حسن تدبره([14]) وتذوّقه كلام ربّنا العظيم، لا ليحتفظ به لنفسه ولكنه ليبلّغه للنّاس وينير بمصابيحه المجتمع ليشقّ طريقه باسم الله و بالله، بتدبره للقرآن الكريم.

إذا كان هذا الشيخ الكبير مفسرا فماذا عن الشيخ اللغوي والأدبي.

الشيخ سيدي المختار اللغوي و الأدبي:

أخذ الشيخ النحو عن الأستاذ سيدي علي، فتلقى عنه مقدمة ابن أجروم، و الخلاصة، و الكافية لابن مالك وفريدة السيوطي وعقود الجمان في المعاني و البيان كما أشرنا سالفا.

هذا ما جعل الشيخ سيدي المختار كثير العطاء في هذا المجال فمؤلفاته تزيد عن ثلاثمائة كتاب :"عرف منها قرابة الثمانين، و الموجود منها الآن أقل من الأربعين. "([15])

وله في العلوم اللغوية و الأدبية:

1-    الرسالة في علم التصوف.

2-    نصيحة المصفى المبصر المتعطف في خمسة كراريس.

3-    ألفية في العربية.

4-    وقد كان رحمه الله تعالى شاعرا مجيدا: "شعره كثير جدا ([16]) في سائر ضروب الشعر يجيء منه مجلدا.

أدعية ورسائل كثيرة لأصحابه ..."

5-    شرح قصيدته التي مطلعها:

شغف الفؤاد بحب ذات الواحد

والسر أنبا عن مقر جاحد.([17])

6-    وللشيخ سيدي المختار مؤلف فتح الودود شرح المقصور و الممدود لابن مالك وهو الكتاب المحقق، حقه مأمون محمد أحمد، سنة 1423-2002 م، به ستة عشر بابا: الباب الأول بعد المقدمة التي يبدأها بحمد الله و الثناء عليه و الصّلاة على المختار محمد صلى الله عليه و سلم، يقول: " الحمد لله ذي الكرم والجود ،الذي لا شريك له في الوجود، إذ أتحفني بفيضه المجدود،([18])حتى تيسر ما قصدته من شرح "تحفة الودود" حسب ما طلب مني ذلك أخ في الله ودود.

و الصّلاة و السّلام على النبي المحمود، المخصص بقصر جميع الممدود من أهل الكفر و الجحود. ([19])

ويبرز في المقدمة تواضع الشيخ المحمود، ولغته الصّافية العاليّة، الأدبية البديعة و أسلوبه الممزوج يروح الزهد و التصرف والتقوى، يقول: " فجاء بحمد الله وعونه على المنية و المقصود، بل زاد بهاء و بهجة على كل شارح جيء به على المقصور والممدود، إذ جاريت مصنفه" أبا عبد الله محمد بن مالك،" وطاولته في جميع المسالك، حتى غطّى بحري نهره، واجتاح ثمري زهره، إلا أن دهري لا يوازي دهره، إذ له رتبة السابق، كما أن لي مرتبة اللاحق، فأبرزت مخدرات عرائسه، و التقطت من قاموس بحره بواقيت نفائسه، وهذبت ما فيه من دسائسه "([20])

ومن يقرأ هذه المقدمة يشهد للشّيخ بسعة علمه وطلاوة أسلوبه وتفرده وتعمقه في الشّرح و إسهابه، فحبره بآيات القرآن الكريم و الأحاديث و المواعظ، بأسلوب عدولي وانزياحي رائع مزج فيه بين لغة النحوي و الصّوفي، يقول :"...فحبّرت كتابه بآي التّنزيل تحبيرا وطرّزته بغرائب اللغات تنويرا فجئت فيه بالمواعظ الهائلة و الغرر السائلة المذاهب المائلة عن الطريق الباطلة، وبحكايات الأمجاد و روايات الأجواد ونفائس الأعراب وغرائب الإعراب ونبذ من الآداب و الأدباء وقصص الأنبياء و الأولياء وكيفية بدء الخلق و الانتهاء و الزجر عن الظلم و الاعتداء، وما يجران إليه من البلاء و الجلاء، ونكت من التّرغيب و التّرهيب، مما يذيب أو يكاد ذهن اللبيب من غرائب المسائل الفقهية،([21])ونصوص الدلائل العقلية، مما يفوق ويروق، ويوجب على من سمعه أن لا يقابله بالعقوق، ومن الحكم الطيّبة و النّفحات الغيبية ما يشوّق كلّ مشوّق، و إليه النّفوس الزكية تتوق.

ورتّبت طوالعه وبيّنت لوا معه ترتيب المنازل الفلكية بالأحاديث النبوية، فجريت فيه بين الإسهاب و الإطناب، وصنته عن التطويل الممل و التقصير المخل و الهذيان الزل، فصار أذكى من الزبد وأحلى من الشهد، إذ لا تنقضي نفيسة من نفائسه إلا أسفرت لك عن وجه عروس من عرائسه، ثم ختمته بشذى مسك سيرته الشريفة و التّفجّع بوفاته المنيفة وذكر آله و أصحابه، و الصلاة عليه و على آله .

فجنيت فيه من كل ثمرة فقهية أحلاها، ومن كل نفحة صوفية أذكاها، ومن حقيقة ربانية أعلاها، ومن كل نبعة نبويّة أجلاها، ومن كل حكمة قرآنية أشهاها، ومن كل حكاية إسرائيلية أبهاها. ([22])

واختصرته مع ذلك غاية الاختصار، و اقتصرت على كثير مما يحصل به الانتفاع كل الاقتصار، ليكون القدر الكافي ويشرب منه متناوله المشرب الصافي حتى يكون لدى الغلة،([23]) و الغلة كالتّرياق الشّافي، وليكون ساترا لعورات الجهل كالثّوب الضّافي .

وإذ به يثني على صاحب المنظومة ،و أنت تتابعه في هذه المقدمة يجذبك بصدق سريرته وصفاتها ،وروعة تعبيره الشيّق، يقول: " ولقد أجاد صاحب المنظومة و أفاد وسهل السبيل للسالكين بل زاد، فليسلك القادر إن شاء أو أراد، إذ أتى بها على أسلوب لم يسبق إلى مثالة ولم ينسج أحد بعده ([24]) على منواله، فأتقن العبارة، ودقق الإشارة، حتى صارت أخفى من دبيب النّمل على الصفا، بل هي أدق من الإبر، و أرق من الشّعر، إذ أكثرها أمثال و حقائق وأحوال - وحقيقة الأمثال الإتيان باللفظ الوجيز على وجه التعجيز- إذ المراد به غير ما يدل عليه صريح لفظه، ولذلك نفى الله علمها عن غير العالمين بها قال: حتى﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة العنكبوت الآية 43 . ([25]) قيل: إن فهمها وتحقيقها على ما وضعت له من نوع الإلهام، بل من نوع الكشف والإعلام .

ولا أدلّ على سعة باعه من منظومته هذه التي ألّف فيها بين ما ينبغي تأليفه من نوعي المقصور و الممدود، حبّرها بأنواع العلوم من: قرآن و حديث وعلم التّصوف و الوعظ و أنواع الأدب و الفقه و اللغة على أوجز عبارة و أدقّ إشارة، فلا ينكر شذاه إلا مزكوم ولا يستمر طعمه إلا محموم، أو معاند غشوم، ولا يحجب عن ضوء شموسه إلا أرمد أو مطموس البصيرة، لكن لما تصعّب مسلكه، وعزّ مطلبه ومدركه، قلّت شروحه، إذ توعّر عليهم وضوحه، قال الشاعر:

*إذ أعظم المطلوب قل المساعد*([26])

و الباب الأول: باب ما يفتح أوّله فيقصر ويمدّ باختلاف المعنى.

يقول: فالمقصور عبارة عمّا حبس عن ظهور حركات الإعراب فيه من غير بناء فيتسبّب عن ذلك ختمه بألف لفظا قبلها فتحة لازمة.([27])

يقول المحقق :"بدأ الشيخ رحمه الله هنا في أول باب من المنظومة وترك مقدمتها و استكمالا للفائدة أبنتها، فمنها قول الناظم:"([28])

بــدأنا بـحـمد الله فـهو سنــــــــــــــــــــــاء

وللــــــــــــنطــق منه بهـجــة و بـهـــاء

وأهديت مـختار السـّلام مـصـلّيــا

على المـصـطفى الـموصــى إليه شفاء

وبالآل و الأصـحـاب ثنّـيت مـثـنـيا

بخيــــــــــــر الثّنــــاء إذ هم بـه جـــد راء

وبـعــد فإن القصر و المدّ من يـحط

بلــــــــــــفـظـيهـمــــــــــــــــا تـسـتـنبـه النّبهـــــــــــــاء

وقــــــــــــــد يـســــــــــــــــــر الله انــتـهــاج سبيله

بــنـظـــــــــــــــــم يـرى تـفـضيله البصــــــــراء

وآخر الأبواب: باب ما يضم فيقصر ويمد و المعنى واحد.

يقول الناظم:([29])

صـليمى وغـزي و الـجندى ومع أولى

كـشـوثى الـرتـيلى اللـوبـيا وبـكـاء

             يقول الشارح : الشيخ سيدي المختار: قوله؛"صليمى،" مضموم مقصور وقديمه بطن من الأزد، وهو بنو كهلان بن سبأ ...إلى أن يقول، قوله؛ ومع أولى،([30])بالضم و القصر لا غير على وزن طولي، قال الله تعالى:﴿ فَإِذَاجَاء وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَاعَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْس شَدِيد... ﴾([31])

في ظل ذلك التناقض الذي رسمناه في مقدمة حديثنا، ولد ونشأ وعاش شيخنا موجها ومعلما ومرشدا وداعيا إلى الله بتطبيق الشريعة السمحاء، متنقلا بين قبائل التوارق، وبالأسلوب والقوة والصبر كان يجوب بلاد شنقيط غربا يلملم شمل القبائل المتحاربة ويهيئ سبل الصّلح بين أرجاء الإمارات المتخاصمة، كما تراه في الجنوب يفكّ حصار المدن ويعزل الزّعماء المتمرّدين باذلا ماله وجاهه في سبيل إصلاح حال المسلمين وحقن دمائهم هدفه في كل هذا أن يرى الإسلام قويا موحدا.

هكذا دانت له المنطقة كلّها على الرغم من اتساعها وتنافر سكانها، فكان له الدّور الكبير في عودة السّلام بين هقار الـتارقية وقبائل كنته، وطالما عثرنا في هذا العصر على زعماء هقار الذين منحهم آبائهم أسماء كنتية من قبيل التّبرك كما حدث بخاصة عند عشيرة موسى آق امستان.([32])

         دانت له هذه الشعوب رغبة لا رهبة ومحبة لا طمعا، تأنيه الوفود يستوي في ذلك، العدو و الصّديق ،العربي و التارقي والزنجي، يزودهم بماله وعمله ونصحه، يعلّم الجاهل ويرشد الضّال ويطعم المحتاج ويؤمّن الخائف، تصله الرسائل و الهدايا من الأمراء الذين يضعون أنفسهم تحت تصرّفه كذلك الحال مع أمير بورنو في الشّرق وأمراء الفلان في الجنوب، و أمراء الزنوج وأمراء التوارق الآيير وإيلمدن و أمراء العرب بشنقيط كالبراكنة، التراوره و أولاد داود و أولاد النّاصر و أولاد دليم، وأمراء أيد وعيش وغير هؤلاء و أولئك .

خاتمة:إن ما يمكن أن نصل إليه ونحن نتتبع حياة الشيخ سيدي المختار الكنتي العقبي هو :

1-    إطلاع القارئ على معلومات قيّمة عن الانتماء العربي و الإسلامي لهذا الجوار حتى انصهرت هذه الشّعوب و القبائل في أمة واحدة أثرت الحضارة العربية الإسلامية في المنطقة وامتدّ شعاعها إلى غيرها إسهاما في ننشر الوعي الفكري والحضاري من جراء التمزق السّياسي و العجز المادي و الجفاف الروحي و التّخلف الاجتماعي الذي كرّسه الاحتلال الفرنسي بإثارته التناقضات بين القبائل وتأجيجه نار الفتنة حتى في صفوف القبيلة الواحدة مستخدما كل أساليب العنف والقهر و التهديد و أساليب الإغراء، مما يجعلنا نقول: " إن الشيخ سيدي المختار كان مجاهدا فذا وسياسيا محنّكا" .

2-    ومما يدل على شخصيته العلمية هذا الكم الهائل من المؤلفات و الآثار في غير ما حقل من حقول المعرفة، حيث فاقت 300 مؤلف، كذا جلوسه للعلم و أخذه له من جهابذة مشهورين؛ درس القرآن الكريم عن جده لأمه وعن أخيه الأكبر، ثم الفقه حتى استوعب مختصر خليل، وأخذ التفسير و الحديث و الفقه المالكي و النحو و البلاغة و الأصول عن المربي الكبير و عالم زمانه الشيخ سيدي علي الحبيب، وأخذ عنه الطريقة القادرية و أصول التربية، هذا ما كان له الدور الرئيس في تكوين شخصيته العلمية و الروحية فيما بعد، فنفع به الله البلاد و العباد .

3-    أسهم الشّيخ بشكل كبير في اللقاءات المثمرة بين المجاهدين سواء في موريتانيا أو شمال مالي أو الصحراء الغربية أو جنوب المغرب أو الجزائر و غرب النّيجر حتى تشاد.

4-    وكان للشّيخ الدّور الفاعل في نشر الإسلام و العربية و تعميق قيم و مبادئ الإسلام السّمحة.

5-    على الرغم من الفوضى السّائدة آنذاك في هذه المجتمعات إلا أننا نجد ترقّ علمي ومعرفي هائل .

6-    باطلاعنا على حياة الشيخ سيدي المختار نقول: "من الصحراء وتحت الخّيام تخرّج العلماء الأفذاذ في كلّ المجالات .

7-    يقصد باسم "كنتة "تلك الوحدة السّلالية القوية و التي تندرج فروعها المختلفة ابتداء من توات - الجزائر-حتى منطقة زندر بواسطة الطوق الغربي من الصحراء.

8-    يؤكد أفراد قبيلة كنتة على أنهم ينحدرون من عقبة بن نافع الفهري فاتح أفريقيا الشّمالية نهاية القرن السّابع الميلادي.

9-    يعرف الكنتيون بالعقبيين نسبة إلى الفاتح عقبة بن نافع.

10-يعد عصر الشّيخ سيدي المختار الكبير من أخصب الفترات، نهاية ق 18 وبداية ق20.

11-لذرية كنتة ذاكرة حافظة مكّنتهم من حفظ القرآن أولا وحفظ كتب التراث شعرا ونثرا و حفظ المتون الفقهية وغيرها.

12-يعتمدون على الذاكرة و الخطب الارتجالية بلغة عربية رصينة وعذبة أثناء مخاطبة الناس في المناسبات.

13-وثمة أمر يبدو لنا غاية في الأهمية، وهو التّنويه والإشادة بجهود الشيخ سيدي المختار الإصلاحية، وغزارة علمه، وسمات القيادة الرشيدة، وعلامات التّقوى، والورع ، وندعو من هنا إلى ضرورة السعي لتحقيق مخطوطاته القيمة وطبعها .

لئن كان الاختلاف يحوم حول تاريخ ميلاد الشّيخ سيدي المختار الكبير، فإن تاريخ وفاته متفق عليه و ذلك في: 29 ماي 1811 م عن عمر يناهز 84 عاما، وقد دفن بالأنوار.

لم يزل الشّيخ على سيرة وخطى السّلف الصّالح لهذه الأمة، قدوته المنهجية القرآن الكريم و قدوته البشرية محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لقد لقي الشّيخ سيدي الكبير ربه مجاهدا صابرا محتسبا، تغمده الله برحمته و أسكنه فسيح جنانه آمين

الهوامش:

(1) ينظر، من عرب مالي والنيجر (كنتة الشرقيون)، بول مارتي، تعريب وتعليق محمد محمود ولد دادي، مطبعة زيد بن ثابت، دمشق، المقدمة "أ" وص11.

(2) البيت من معلقة زهير " من حكمه، ( مطلعها: سئمت تكاليف الحياة.)

(3) ينظر، فتح الودود (شرح المقصور والممدود)، الشيخ سيدي المختار الكنتي الشنقيطي، تحقيق وتخريج مأمون محمد أحمد، ط1 2002م، نشر الحاج طن الجي ص13.

(4) من عرب مالي والنيجر (كنتة الشرقيون، مرجع سابق، ص10)

(5) نفسه، ص39.

(6) نفسه ص 47-48، و ينظر فتح الودود (مرجع سابق)، ص10.

(7) سورة الحجر الآية 87، (عطف العام على الخاص) لأنها تثنى أي تكرار قراءتها في الصلاة

(8) ينظر خواطر قرآنية، عمر خالد، ط1، 2004، الدار العربية للعلوم، ص15.

(9) ينظر، المرجع نفسه، ص15

(10) رواه الإمام أحمد، وفي حديث آخر: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي آويته، "أخرجه البخاري."

(11) خواطر قرآنية، سابق، ص 15.

(12) سورة الفاتحة الآية 04.

(13) من عرب مالي و النيجر (كنتة الشرقيون)، سابق، ص53.

(14) نفسه، ص 53.

(15) النذير: التصفح ،النظر قصد العمل، ينظر المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية، ص 244.

(16) فتح الودود (شرح المقصور و الممدود)، مرجع سابق، ص14، ينظر من عرب مالي و النيجر، ص53، وفتح الشكور في معرفة أعيان التكرور، أبو عبد الله الطالب محمد، تحقيقمحمد إبراهيم الكتاني ومحمد حجي، دار المغرب الإسلامي، بيروت، 1981، ص152.

(17) فتح الشكور ،مرجع سابق، ص 153.

(18) نفسه، ص 153، ينظر، كتاب الرائف و التلائد من كرامات الشيخين الوالدة و الوالد، سيدي محمد بن سيدي المختار،ج1، ص 252 و278 (مخطوط).

(19) فتح الودود (شرح المقصور و الممدود)،مرجع سابق، ص 17.

(20) دسائسه : جمع دسيسة: دفن الشيء تحته لإخفائه، و المراد الإشارات الخفية الموجودة بكثرة في المنظومة، المرجع نفسه، ص 17.

(21) بصوص، البصيص: البريق و اللمعان، نفسه ص18، ينظر المعجم الوجيز، مادة بصص، ص63.

(22) يقول المحقق :"هذا إذا كان في الإسراليات شيء بهي حقا."

(23) الغلة : بضم الغين جمع غلل: العطش الشديد.

(24) في كلام الشيخ شيء من المبالغة .

(25) نفسه.( كلام مبالغ فيه).

(26) البيت للمتنبي في قصيدة يمدح بها سيف الدولة الحمداني مطلعها: عواذل ذات الخال منى حواسد*و إن ضجيج الخود منى لما جد. وضرب البيت : وصيد من الخلان في بلدة *.... (28) نفسه، هامش (1)، ص 23.

(27) فتح الودود (شرح المقصور و الممدود)،مرجع سابق، ص23. )

(28) نفسه، هامش (1)، ص 23.

(29) نفسه، ص 636.

(30) نفسه، ص 641.

(31) من عرب مالي و النيجر (كنتة الشرقيون)،مرجع سابق، ص56.

(32) سورة الإسراء الآية 05.