تعليمية العروض وموسيقى الشعـرpdf

بين التنظير والممارسة

                                                                                  إعداد: أ.د.حسيني أبوبكر            

                                                               قسم اللغة والأدب العربي – جامعة ورقلة

   الملخص :

     إن القوانين الصوتية التي تتحكم في أداء اللغة العربية تختلف من مدوّنة إلى أخرى ، وكل مدوّنة تنطلق من خصوصيّة بنائها أصواتا وأبنية وتراكيب ، والخطاب الشعري العربي له من الخصوصية الصوتية ما يجعل قارئه ينساق وراء إيقاعه من خلال الالتزام بالخصائص اللسانية التي تتحكم فيه. وبناء على ذلك لم يكن تدريس علم العروض مركزا على المعارف النظرية ،مما يستطيع الكثير أن ينجزه ، لكن الأهم من ذلك كله هو حسن التفاعل مع إيقاعات الشعر بامتلاك الأدوات الصوتية اللازمة ، وعلى رأسها أذن حساسة مرهفة بستطيع أن تلتقط الأوقاع السمعية زيادة ونقصانا ، مما يوفر للشاعر والسامع والقارئ والدارس فرصا متجددة للتفاعل مع لغة الشعر.

Résumé

       Les lois acoustiques qui régissent le fonctionnement de la langue arabe, varient d’une monclateur à une autre, chaque blog va de sa spécificité constructive des sons et structure. Le discours poétique avait des particularités acoustiques, ce qu’il rend le lecteur traine derrière un rythme à travers un engagement sur des caractéristiques linguistiques qu’elles régissent.

       Par conséquent, l’enseignement de la versification n’a été limité aux savoirs théoriques ce qu’il peut être réalisé. Mais la plus important de cela, c’est la meilleure interaction avec les rythmes de poésie en possédant des outils acoustiques nécessaires, donc en amant, un sens délicat permet d’avoir des traits acoustiques en donnant au poète, le lecteur l’auditeur une nouvelle occasion d’interagir avec le langage poétique.

         اللغة العربية ثرية وواسعة ، يصعب - إن لم نقل يتعذر - على الباحث الاحاطة بمختلف أنظمتها اللسانية ، والمتأمل في أنماط أدائها من خلال مدوناتها المختلفة ،السردية والشعرية والقرآنية ، سيجدها ذات خصوصيات متعددة تعطي لكل مدونة استقلالها في القوانين الصوتية من جهة الأداء، وتصنع تشكلاتها الصوتية قوالب تمثل قوانينها الخاصة لانجدها في غيرها(1) .

       وأداء الخطاب الشعري يرتبط ارتباطا وثيقا بفنيات تراصف الأسباب و الأوتاد ( الوحدات الأساسية)،ولا يرتبط باستكمال ألفاظه ( الكلمات أو التراكيب )، لأن أداءه مرتبط بالايقاع ، مما يجعل القوانين الصوتية لأدائه تتحكم في قارئه ، و إن خالفت في بعض كلياتها أو جزئياتها القوانين الصوتية لأداء الخطاب القرآني أو الخطاب السردي ، وإذا قرأنا الشعر بقوانين صوتية تخالف قوانينه ذهب منه أجمل ما فيه و هو إيقاعه المميز.

       والتقطيع العروضي أوما يسمى بالتجزيئ أو التفعيل ، هو تقسيم البيت إلى وحدات صوتية غير مرتبطة بكلماته أو جمله ، بل بوحداته الأساسية المشكلة لإيقاعه ، وهي أسبابه و أوتاده ، فتنفصل بموجبها التفعيلات عن بعضها و لو على حساب الكلمات المشكّلة للبيت، و هذا الإجراء، أعني التقطيع ، عمل تذوقي مرتبط بالسمع أساسا ويتشكّل بتنمية الحس الايقاعي المتأصّل لدى الإنسان.

         لقد تفاعل الإنسان مع الحسّ الايقاعيّ في حياته بمختلف أنماطها ، بما تحويه من إيقاعات مختلفة ، كأصوات الطبيعة أوحركات الحيوانات و ما تحدثه من أصوات متناغمة في بعض الأحيان ، أضف إلى ذلك الايقاعات التي تحدثها ألبسة الانسان أو وسائله في مختلف شؤون حياته سلما و حربا ... كلّ هذا ينتج بالتراكم إيقاعات غير مقصودة لإحداث النغم في أصولها و غير متناسقة في أغلب الأحيان ، لكنها بالتكرار و المداومة و التراكم تصنع حسّا إيقاعيا(2).

       والعرب بحكم شاعريّة لغتهم ،إذ الإيقاع والنغم متأصّلان في مختلف أنظمتها ، كانوا يضعون بعض الألحان ، وهي جزء من منظومة لغة التواصل الاجتماعي في حياتهم . ولا نعجب إذ نرى أن الشعر العربي كان موزونا وفق ايقاعات مدهشة و تلك الايقاعات وليدة ما ذكرنا من المؤثرات المختلفة ، فتراصف الأسباب و الأوتاد بالصورة التي تشكّل إيقاع البحر ، شكل من أشكال الالتزام بخصيصة التقطيع عند الشاعر ، و هذا الأمر في الحقيقة تعدّى الشعر( الكلام الموزون ) إلى النثر أحيانا ، فكثيرة هي النصوص النثرية من خطب ورسائل ومقامات ، يلجأ فيها مؤلفوها إلى صور من البديع اللفظي كالجناس و الطباق و السجع ... تحقيقا لمبدأ الحسّ الإيقاعي الذي يعيشه العربي، لتكون تلك الخطابات أكثر قابلية عند المتلقي، كما تكسبها أيضا جمالية الإبداع ما يجعل اللغة العربية بشعرها و نثرها تسلك هذا المسلك ، و تستجيب لهذا التوجه، حتى سمّاها الأديب عباس محمود العقاد " اللغة الشاعرة "(3).

       لقد دأبت مقرارات اللغة العربية في مراحل التعليم التربوي عندنا في الجزائر، بل وهي كذلك في سائر البلاد العربية، على إدراج مفاهيم العروض و موسيقى الشعر ضمن وحداتها التعليمية لتحقق بذلك مكاسب متعددة علمية و منهجية و فنية منها : صقل الذوق الشاعري ، و توسيع الملكة اللغوية ، وتنمية الحس الإيقاعي ... و يظل التلميذ يتلقى هذه المعارف العروضية بشيئ من التدرّج حتى يصل إلى الجامعة حيث الدراسات العليا المتخصّصة ، والتي تُعْطَى للطالب فيها أصول المعارف و فلسفتها ، و إذا ما استقرينا المفاهيم العروضية في المرحلة المتوسطة ( الإعدادية ) أو في المرحلة الثانوية من الناحية المعرفية أو المنهجية أو التعليمية فإننا نسجل الكثير من الملاحظات و المآخذ لا في مادتها فحسب ، بل وفي طريقة تقديمها أيضا مما يوجب علينا وقفات متأنية و اتخاذ تدابير غاية من الأهمية لننقذ ما يمكن إنقاذه ، ضمانا لسلامة التلقي ، و تطويرا لأساليب التدريس و التلقين.

       إن مادة العروض واحدة ، و مسالكها واحدة ، و هي في مجموعها تتلخص في إكساب المتلقى (التلميذ) الحسّ الايقاعي ، و لذلك تماثلت المشكلات في مختلف مراحل التلقي المعرفي في (المتوسطة والثانوية و الجامعة )، فما الجامعة إلا امتداد معرفي للثانوية وما قبلها، وعليه سيكون زملاؤنا في مراحل التعليم التربوي ( ما قبل الجامعة ) أكثر معاناة و أقرب تحسّسا ،و أقدر على تحديد النقائص و المآخذ في تعليمية المعارف العروضية في مراحل التلقي الأولى، لأنهم مباشرون لهذه المراحل من جهة ، ولخفاء المكتسبات الصوتية في مقررات اللغة العربية في تلك المراحل ، فلا تعطى فيها المعارف العروضية بشكل مباشر ومكثف ، بل تقدّم خلالها ملامح وإضاءات كاشفة يتضح من خلالها مقدرة المتلقي على الاستجابة الايجابية للحسّ الايقاعي من جهة أخرى ، و لأننا مشتركون في الهمّ و في الكثير من المحصّلات المعرفية والتعليمية ، كانت لنا هذه الرؤية نعالج من خلالها ماأمكننا من مشكلات تعلّميّة ترتبط بهذه المشكلة.

        تنحصر أبرز المشكلات المرتبطة بتعليمية العروض في مختلف المراحل التعليمية في النقاط الآتية :

       أولا: القراءة السليمة للشعر:

       و أعني بذلك استحضار خصوصية الخطاب الشعري في الأداء مما يجعل الشعر بكل مكوّناته مدونة خاصة ، فإذا مثّلنا بأي نص شعري ، فإن أول معالم الخصوصية للخطاب الشعري هو قيد الوزن ، مما يجعل القارئ و الدارس يرتبط به كارتباط الشاعر ، فالوزن ليس قيدا للشاعر عند النظم فحسب ، بل هو أيضا قيد للسامع والقارئ والناقد و   الدارس، فلا يحق لأحد ، مهما علت منزلته في الدرس أو البحث ، أن يتجاوزه ، فقيده ليس صوتيا مسموعا فحسب ، بل هو أيضا معنى محسوس ، فنجد السامع أو القارئ كلاهما يبحثان ، إضافة إلى لذّة الصورة الشعرية و آثارها ، عن جماليات الإيقاع و الوزن ، لأن ذلك مما تنساق إليه النفس و يركن إليه الطبع .

      إن القراءة السليمة للنص الشعري تقتضي مراعاة ما يفرضه الشعر من خصوصية أدائية في نظام لغته ، و هي في مجملها :

1-       الإشباع و القصر ، بالمقادير المقرّرة في لغة الشعر ، تماشيا مع الايقاع ، فإن اقتضى الأمر أن يشبع في موضع القصر تحقيقا للوزن فعل ، كقول الشاعر( بسيط ) :

   وإنني حيثما يثني الهوى بصري             من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور(4)

حيث أشبع الشاعر فتحة الظاء من ( فأنظور) والأصل : فأنظر، ولو لم يشبع لانكسر الوزن .

2-       الاختلاس و الاتمام ، و هذا أمر هام لارتباطه بالصوائت القصيرة . فكثيرا ما يجهل القارئ للنص الشعري تلك الخصوصية فيُتِمُّ حيث يجب الاختلاس ، أو يختلس حيث يجب الاتمام مع العلم أن الصوائت المختلسة في ميزان العروض كالتامّة ، وقد صرح بهذا الأمر كل النحاة والقراء ممن تعاملوا صوتيا مع أداء النص الشعري ، يقول ابن جني : " فأما الحركة الضعيفة المختلسة كحركة همزة بين بين وغيرها من الحروف التي يراد اختلاس حركاتها تخفيفا فليست حركة مشمّة شيئا من غيرها من الحركتين ، وإنما أضعف اعتمادها ، وأخفيت لضرب من التخفيف وهي بزنتها إذا وفّيت ولم تختلس "(5) ، ويقول الإمام أبو عمرو الداني :"وأما المختلس حركته من الحروف فحقه أن يسرع اللفظ به إسراعا يظن السامع أن حركته قد ذهبت من اللفظ لشدة الإسراع وهي كاملة في الوزن تامّة في الحقيقة إلاأنها لم تمطط "(6) .

3-       الوصل و الوقف ، ففي الخطاب الشعري تختلف قوانين الوصل و الوقف في أنماطهما عن أمثالهما في الخطاب السردي أو القرآني ، مثل الوقف على آخر العروض أو الضرب، ووصل شطري البيت حينما يكون مدَوَّرا .

4-       اللهجات ، يمكن أن يدرج الشاعر بعض الآداءات اللهجية المحددة ما يوجّه أداء البيت بشكل كامل ، فالمعرفة الجيّدة لهذا المنحى تعطي لقراءة النص الشعري كماله ، ويتضح ذلك في ظاهرتي الإشباع والقصر .

5-       اللغات الأجنبية ، خصوصا في الشعرالحر ، فقد يتضمن ألفاظا أجنبية يجب قراءتها على نسق التفعيلة لا على أصولها الأولى ، فيتغيّر شيئ من بنيتها تماشيا مع الايقاع العام للنص الشعري .

6-       الساكن و المتحرك ، و هما ركنا الوحدات العروضية ، و أيّ تغّير في نظامهما يغيّر من أصول التفعيلات و من ثمّ في أحوالها و تغيراتها .

       ثانيا: القواعد الصوتية لأداء الخطاب الشعري :

         كل مدونة ناطقة بالعربية لها خصوصياتها و قوانينها الصوتية من قواعد الابتداء و الوصل و الوقف و ما تفرّع عنها من إجراءات على مستوى الأصوات و الأبنية ، و لا أرى أن الأمر يتّسع لبسط هذه القوانين المرتبطة بالشعر ، لكن سأكتفي بالاشارة لأبرزها على سبيل التمثيل :

-         الشكل النموذجي المثالي للبحر في الخطاب الشعري يختلف عن الشكل الواقعي الاستعمالي للبيت الشعري ، ومعنى ذلك أن تعدّد الأعاريض والأضرب في البحر الواحد يعطي مساحة واسعة للشاعر كي يوظف قدراته الإبداعية وبناء صورته الشعرية ، فلو مثّلنا ببحر الكامل ، فإن الشكل النوذجي له هو :

       متفاعلن متفاعلن متفاعلن       متفاعلن متفاعلن متفاعلن

       أماالأنماط الاستعمالية الواقعية له فهي(7) :

     حيث أن : (ع) هي العروض ، و (ض) هو الضرب

1-    ( ع = تامة صحيحة ، ض= تام صحيح ) (متفاعلن ، متفاعلن)

2-    (ع = تامة صحيحة ، ض= مقطوع ) (متفاعلن ، فَعِلاتن)

3-    (ع = تامة صحيحة ، ض= محذوذ مضمر) ( متفاعلن ، فِعْلن)

4-    (ع = محذوذة ، ض= محذوذ ) (فَعِلن ، فَعِلن)

5-    (ع = محذوذة ، ض= محذوذ مضمر) (فَعِلن ، فِعْلن)

6-    (ع = مجزوءة صحيحة ، ض= مجزوء صحيح) (متفاعلن ، متفاعلن)

7-    (ع = مجزوءة صحيحة ، ض= مجزوء مرفل) (متفاعلن ، متفاعلاتن)

8-    (ع = مجزوءة صحيحة ، ض= مجزوء مذال ) (متفاعلن ، متفاعلان)

9-    (ع = مجزوءة صحيحة ، ض= مجزوء مقطوع ) (متفاعلن ، فَعِلاتن)

نلاحظ أن الأشكال الاستعمالية متنوعة تنوعا يُغطّي قدرا كافيا من الإمكانات الإبداعية للشاعر .

-         الكتابة لا تسجل كل منجزات الأداء المنطوق، وهي حقيقة نابعة من طبيعة الكتابة وأسباب نشأتها، وعلاقتها بالأداء ، فبعض الوحدات الصوتية المنطوقة لم تتمكن الكتابة من الترميز لها لارتباط هذه الوحدات الصوتية بالتفاعلات النفسية للشاعر.

-         الحركات الثلاثة متساوية من حيث القيمة الصوتية الإيقاعية ، رغم اختلافها من حيث طريقة الانتاج والوقع السمعي وكميّة الهواء اللازمة للإنتاج ، مما يجعل المدى الزمني لإنتاجها متباينا .

-         الحركة المختلسة تساوي الحركة التامّة ، من جهة الوزن ، وقد أشرنا إلى هذا سابقا.

-         الساكن الحيّ يساوي الساكن الميّت ، رغم اختلافهما صوتيا ، حيث :

            مَا( ص+ صا ط ) = مَنْ ( ص+ صا ق + ص )

فالمقطع الأول مفتوح ، والثاني مغلق ، والأول متوسط ، والثاني قصير.

-         الاشباع والقصر بالمقادير المخصوصة التي تناسب إيقاع البحر في ( ميم الجمع ، و هاء الكناية ، و ألف (أنا) ضمير المتكلم ) خاصة ، وهي حالات تتأرجح بين الوضعين في لهجات العرب .

   فهاء الكناية كقول الشاعر( بسيط ) :

 وأشرب الماء ما بي نحوهُ عطش           إلّا لأنّ عيونهْ سَال وَادِيها(8)

     نلاحظ أن الشاعر في البيت نفسه سلك المسلكين معا تحقيقا للإيقاع فقال : ( نَحْوَهُو) بإشباع ضمة الهاء في الشطر الأول لتنسجم مع التفعيلة ( مستفعلن = بِينَحْوَهُو) ، وقال أيضا : (عُيُونَهْ) بحذف حركة الهاء في الشطر الثاني، لتنسجم مع التفعيلة ( مستفعلن = نَهْسَالَوَا ) ، ولو عكس الأمر أو سوّى بين الموضعين لانكسر الوزن وفسد الايقاع .

     أما ميم الجمع فكقول جرير( وافر) :

          تَمُرُّونَ الدِّيَارَ وَلَمْ تَعُوجُوا         كَلَامُكُمُ عَلَيَّ إِذًا حَرَامُ(9)

             نلا حظ هنا أيضا أن الشاعر أشبع ضمة ميم الجمع في ( كلامكم ) كي تنسجم مع التفعيلة ( مفاعلتن = كَلَامُكُمُو) ، وإن لم يفعل لتحولت التفعيلة إلى ( مفاعلن ) وانكسر الوزن .

     وأما الألف من (أنا) كقول الشاعر ( وافر) :

           أَنَا سَيْفُ العَشِيرَةِ فَاعْرِفُونِي         حَمِيدًا قَدْ تَذَرَّيْتُ السِّنَامَا(10)

   ونلاحظ هنا أيضا أن الشاعر أشبع فتحة الألف من ( أنا ) على أصلها كما لو كان الحال عند الوقف عليها تماشيا مع الايقاع ( أَنَاسَيْفُلْ = مُفَاعَلْتُنْ = مفاعيلن ) ، في حين لو قصرها لانكسر الوزن ، و يكون قصرها ، وهي اللغة الأفصح والأشهر(11)، وصلا مما يجري عليه الايقاع كقول المتنبي ( بسيط ) :

           أَصَخْرَةٌ أَنَا مَالِي لَا تُحَرِّكُنِي     هَذِي المدَامُ وَلَا هَذِي الأَغَارِيدُ(12)

فقصر الألف هنا ، وهو لغة ، ناسب إيقاع التفعيلة :

             ( أصخرتن – أَنَمَا- ليلاتحر – ركني ) = ( متفعلن – فعلن – مستفعلن – فعلن )    

ولو أشبعها لتحولت التفعيلة إلى ( أناما = فعولن ) وانكسر الوزن .

-         خصوصيات التنوين و الإدغام ، فيما يجب بيانه وما يجب حذفه ، ويتم التركيز في ذلك على ما ينطق .

       ثالثا : التقطيع :

       يتصوّر الكثير من الطلبة و الباحثين ، و ربما بعض السادة الأساتذة ، أن تحديد البحور الشعرية يكون بوساطة التقطيع البصري المرتبط بالكتابة ، و الذي يعمل فيه البصر العمل الأكبر، لأن التقطيع في تصوري نوعان ، سمعي ،و بصري ، و مع الاعتراف مسبقا بتقديم السمع على البصر في حياة الانسان من حيث الأهمية ، فإنه المعول عليه في عمليات التقطيع الصوتي فالتقطيع السمعي يرتكز على الحس الإيقاعي المشكل بتنمية رهافة السمع و دقّته ، و حساسيته للحركات و السكنات ،أما التقطيع البصري فيرتكز على الكتابة المرتبطة بالرؤية ، و الكتابة - للأسف - لا تسجّل كل متطلبات الأداء المنطوق حيث نجد الكثير من الطلبة حينما يعطى بيتا ،و يطلب إليه تحديد بحره يبدأ مباشرة في عمليات التقطيع البصري ، بالكتابة العروضيّة ثم يحديد الحركات و السكنات بعدها يصطدم بعقبات كثيرة في تحديد التفعيلات المشكّلة للبحر ، منها :

أ‌-      القراءة السليمة للبيت تفضي إلى تحديد دقيق للوحدات العروضية .

ب‌-     التحولات العروضية المفضية إلى الزحافات و العلل .

ت‌-     التقسيم المتوازن للوحدات : (5،5)،(7،7)،(7،5)،(5،7) (13) و هذه الخيارات الأربعة في الشعر العمودي لا تستجيب في العادة للأبيات الشعرية لقوة احتمال وجود الزحافات و العلل التي تحوّل : (7،5) إلى (6،4) و(5،5) إلى (4،4)،... و ذلك كالقبض في أول الطويل ، و الخبن أو الطي في أول البسيط ، فإذا نقص تعداد التفعيلة يضطر إلى أخذ وحدة من التفعيلة الموالية و هكذا.. مما يربك الطالب في إمكانية تقسيم تقطيعه إلى أحد الخيارات السابقة ، و حتى إن استطاع أن يحدّد التفعيلات بشكل سليم و اكتشف البحر بشكل صحيح فإن ذلك عائد - في تصورنا - إلى الحسّ الايقاعي الكامن في نفس الطالب ، وليس ناتجًا عن عمليات التقطيع البصري.

       رابعا : الحسّ الايقاعي:

     و هي تلك الملكة النفسية الموسيقية التي يتمكن الطالب بموجبها من تحسّس الإيقاع الشعري، و قد أسلفنا الحديث حول أصالة هذا الحسّ في حياة الإنسان ، و ليست في الحقيقة أمرا خارقا ولا مستحيلا بل يمكن تنميتها كسائر المهارات عن طريق التدريب ، و لذلك يمكن إدراج جملة من الآليات تساعد على تنميتها نذكر منها:

-         الممارسة والتكرار .

-         الحفظ .

-         التغنّي و التلحين .

-         الجهر (خلاف السرّ) لارتباط الأمر بالحسّ السمعي.

         خامسا : الزحافات والعلل :

         من أبرز المشكلات التي تصادف الطلبة و الباحثين في مجال العَروض هي الزحافات و العلل، و ليس الأمر مقصورا على حفظها و استظهارها ، و لكن تواجدها في الشعر ، و سبل استخراجها ، لأن الشعر في بعض الأحيان يحوي بعض الوحدات الصوتية يصعب على المتمرس تحديدها فضلا على المبتدئ ، من ذلك بعض الزيادات التي يعرفها الشعر العمودي فيما يسمى بعلل الزيادة غير اللازمة مثل الخزم، يقول ابن أبي شنب: "العرب قد تزيد في الشعر أحرفا لا تعتد بها في الوزن" (14)، والزحاف كسر الوزن حفاظا على سلامة اللغة ، وهذا الأمر في الحقيقة يزيد من مسؤولية المتعامل مع الشعر في تضييق إمكانات التحديد الدقيق لبعض الزحافات لاسيما قليلة الورود و المرتبطة ببحر محدد أو تفعيلة بعينها .

       سادسا : الضرورات الشعرية:

     إذا لم ينتبه الطالب إلى هذا النوع من التغيرات قد يعتبرها أخطاء مطبعية و قد يبادر إلى تصويبها ظنا منه أنه قد قدّم خدمة ، لأن تلك الضرورات هي كسر اللغة حفاظا على الوزن و الإيقاع ، فهي في إطارها العام عكس الزحافات و العلل ، و كأنهما ، أي الضرورات و الزحافات ، كفَّتَيْ ميزان يتأرجح الشاعر بينهما ليحقّق الوضع الأمثل للصورة الشعرية .

       سابعا : بحور الشعر الحرّ:

       البحر يعني الإيقاع و الوزن ، و هو قيد الشعر ، فكيف يكون الحر مقيدا ، أما عن التفعيلة التي تلتزمها القصيدة الحرة ، و عليها سميت القصيدة بقصيدة التفعيلة أو شعر التفعيلة ، فهي حِلْية القصيدة كالملح في الطعام ، و السكر في الشاي ، ليكون مستملحا مستساغا ، و الأصل عدم وجودها ليأخذ الشعر الحرّ مسارة في الحرية ، ولأن التفعيلة المذكورة ليست أصلية ظهر الشعر المنثور الذي تحرّر من تلك التفعيلة و حافظ فيه المبدع على الصورة الشعرية، و هي الأهم.

     ثامنا : التدريبات :

     ذكرنا من قبل أن تنمية الحسّ الايقاعي يكون بالممارسة و التدريب ، و به تنمو عند المتلقي الملكة الايقاعية و الحس السمعي المرهف ، و الإحساس بالحركات و السكنات ،و كلما تكثفت التدريبات زادت قوة الإحساس بالايقاع و متعلقاته ، لكن ما نأسف له أن الكثير من أساتذة العروض في مختلف الأطوار التعليمية أهملوا هذا الجانب ، و اكتفوا بالتقطيع البصري ، و حتى و أن قطع سمعيا أو شفويا فلبضع دقائق لا تفي بالغرض و هذا راجع في تصورنا إلى أسباب كثيرة نذكر منها :

-         المجال الزماني المخصّص لمادة العروض لايسمح أصلا بتكثيف التدريبات .

-        الشعور بالخجل حال عمليات التقطيع والتغنّي الجهري لاسيما إذا تطلّب الأمر التكرار المستمر ، وهو أمر ضروري لإحداث التراكم في اكتساب الإيقاع .

-      ضعف الحسّ الايقاعي عند الكثير من السادة الأساتذة ، مما ينفّرهم من الولوج في هذا الأمر ، وفي أحايين كثيرة يتجاوز الأستاذ هذه المحطّة المهمّة دفعا للحرج ، ففاقد الشيئ لا يعطيه .

       و بناءً على ما تقدّم نخلص - في هذا المقام - إلى توصيات عملية نجملها فيما يلي :

1-  علم العروض فنّ إيقاعي في طبيعته ، فيجب على الأستاذ والطالب أن يأخذا هذا المعنى بعين الاعتبار ، فهذه المادة مرتبطة أصلا بالحسّ الايقاعي ، و ليست بالدروس النظرية .

2-  على الأستاذ أن يحسّن معارفه العروضية بقراءة كتاب أو كتابين في علم العروض تجديدا للمعارف و تذكيرا بالكثير من القواعد الصوتية الخفية المرتبطة بأداء الخطاب الشعري .

3-  القراءة المكثّفة للشعر العربي ، لاسيما القديم لاشتماله على مختلف الايقاعات العروضية .

4-  القراءة الجهرية ترهف الحسّ السمعي ، و تكسب القارئ التحسّس للحركات و السكنات ، وهو المراد من التقطيع .

5-  إدراج بعض معاني العروض في مختلف النشاطات اللغوية المرتبطة بالشعر ، كالبلاغة و النحو،و نشاط القراءة ، فإن ذلك يعزز مفهوم الإيقاع وتطبيقاته لدى المتلقي.

6-  الإكثار من التدريبات قدر الإمكان ، فهي التي تنمّي في المتلقي (التلميذ)، و قبل ذلك ، في الأستاذ الملكة الايقاعية .

الإحــالات

1-     الصوتيات التركيبية ، حسيني أبوبكر ، مطبعة مزوار الوادي ( الجزائر ) ط1، 2014 ، ص47 .

2-     م س ن : ص 14.

3-     وهذا التعبير عنوان كتاب قيّم ونفيس للعقاد يتضمن شاعرية اللغة العربية .

4-     أنشده ابن منظور في لسان العرب من غير عزو ( ش ر ي ) وهو من شواهد ابن جني أيضا في سر صناعة الإعراب ،تحقيق حسن هنداوي ، دار القلم ، دمشق ط2 ، 1993، 1/26 ، والإنصاف فيي مسائل الخلاف لابن الأنباري ، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط4 ، 1961 ، 1/24 .  

5-     سر صناعة الإعراب ، ابن جني ،1/ 56 .

6-     التحديد في الإتقان والتجويد لأبي عمرو الداني ، تحقيق غانم قدوري الحمد ، دار عمار ، عمان الأردن ط2 ، 1999 ، ص 95 ،96 .

7-     المتوسط الكافي في علمي العروض والقوافي ، موسى الأحمدي نويوات ، دار البصائر حسين داي ، الجزائر 2009 ، ص 121 .

8-     الخصائص لابن جني ، تحقيق محمد علي النجار ، الهيئة العامة لقصور الثقافة القاهرة 2006 ، 1/ 128 .

9-     ديوان جرير : ص 416

10-  وهو لحميد بن ثور، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب لعبد القادر البغدادي، تحقيق وشرح عبد السلام هارون ، مكتبة الخانجي ، القاهرة ط1 ، 1986 ، 5/238 .

11-  وهي لغة أهل الحجاز ، قال سيبويه : " ومن ذلك قولهم : أنا فإذا وصل قال :أنَ أقول ذاك ولا يكون في الوقف في أنا إلا الألف " كتاب سيبويه : 4/164 .

12-  ديوان المتنبي : 2 / 326 .

13-  هذه الثنائيات (5،5)،(7،7)،(7،5)،(5،7) يقصد بها :

-         (5،5) أن تكون تفعيلات البحر كلها خماسية ، مثل المتقارب ( فعولن) و المتدارك ( فاعلن ).

-         (7،7) أن تكون تفعيلات البحر كلها سباعية ، مثل الكامل ( متفاعلن) والرمل ( فاعلاتن ).

-         (7،5) أن يشتمل وزن البحر على الخماسية والسباعية معا وتتقدم الخماسية، مثل بحر الطويل( فعولن مفاعيلن).

-         (5،7) أن يشتمل وزن البحر على الخماسية والسباعية وتتقدم السباعية ، مثل بحر البسيط ( مستفعلن فاعلن ).

14-  تحفة الأدب في ميزان أشعار العرب ، للشيخ محمد بن أبي شنب ، دار فليتس للنشر والتوزيع ، المدية، الجزائر (دت) ، ص 24 .