قاعدتا التصرف الإعرابي: الحذف والترتيب pdf

وبيان دورهما في التصرف والتأويل

- من منظور اللسانيات المعاصرة-

الدكتورة: نعيمة سعدية

جامعة بسكرة

توطئة:

إن أية دراسة لبنية اللغة العربية بقواعدها وضوابطها ووظائفها لابد أن تؤسس على معطيات معرفية دقيقة لأنه لا يمكننا بأي حال من الأحوال فهم النظرية النحوية العربية و استيعاب جهود العرب القدماء، ممن اكتشف سر صناعة اللغة وتمام آلتها ما لم تتسلح باللسانيات الحديثة ذات الأبعاد المعرفية المتنوعة.

ذلك أن« سر عبقرية اللغة العربية يكمن في قواعدها النحوية وقواعد الخروج عن النحو(التوسع، المجاز)، تلك القواعد التي أعطت وما تزال تعطي اللغة العربية القدرة اللامتناهية على التوليد والتحويل »[1].

ومن المصطلحات المحددة عند النحاة العرب، والمؤسسة لهذا التوليد، "الأصل والفرع" فهما من صلب الدراسة العلمية للغة العربية وسر صناعتها؛ إذ وجدوا أن البحث في فروع اللغة "ظاهرا" يؤدي إلى معرفة أصولها (تقديرا)؛ ذلك أن الأصل والفرع مفهومان تجريديان يقعان في إطار الجهاز المفاهيمي للنظرية النحوية والدلالية [2]، وهو معقد ومتشابك فيها؛ كون اللغة في حقيقة جوهرها تشكل "قوة" دافعة للنمو و باقية على مدار التاريخ، وهي القوة المحركة للفكر الإنساني في جملته، و الفكر اللغوي على وجه الخصوص.

والبحث العلمي الموضوعي يتطلب دراسة شاملة لبنية اللغة العربية الذهنية، منطلقين في ذلك من نظرية متماسكة كافية ،تستطيع أن تصف، وتفسر الأمثلة المبعثرة تفسيرا ذهنيا وظيفيا رابطة إياها ببنية اللغة العامة؛ تلك البنية التي لها قواعد معينة ومحدودة لتولد هذا الكم اللامتناهي من التراكيب اللغوية التي تتناسب مع قواعد اللغة وضوابطها وشبكاتها الصوتية والنحوية والدلالية.

فتنفتح القضية-بذلك- على مبدأ أعم؛ وهو التأويل؛ لأن عملية التأويل في هذه الحالة عملية ضرورية؛ فكل ناطق باللغة يعير الانتباه إلى ما يحيط به من ظواهر الكون، فيتعرف على تفاصيل الظاهر منها وتعود عملية التعرف على الظواهر إلى طلب معرفة ما ظهر منها وما بطن، وإذا تحقق اللا. تلاؤم بين الظاهر والأمر الذي استنبط، يلجأ مباشرة إلى "التأويل" حتى يجعلها منسجمة متناغمة مع معارفه، وحتى يلائم الفروع مع أصولها، ليضمن-بذلك- معرفة سر صناعة الكلام ومعرفة تمام آلته.

و أيا يكن من أمر التأويل في الدرس اللغوي القديم؛ فهو عملية تقصد إلى إحداث ملاءمة بين المدلول اللغوي وبين معطيات أخرى، قد تكون عقلية أو دينية، لغوية أو غير لغوية، مادية أو معنوية، لذلك يعتمد النحاة التأويل لبناء واستقامة قواعد أصولهم التي استنبطوها من اللغة، ولم تقتصر ممارسة التأويل لدى النحاة على التركيب فقط بل مارسوه في جانب الأصوات والصيغ والدلالة.

فقد يتمرد متكلم اللغة على قوانينها، وعلى أصولها المألوفة، فيخرج عن صيغتها وتراكيبها، بما يحقق له الغاية والقصد، فيضمن وصول رسالته من جهة، كما يضمن من جهة أخرى سلامة الوظائف النحوية، والقيم اللغوية التعبيرية، فيكسب رسالته قدرة على الإبلاغ والإمتاع، كان سيفقدها لو أنه التزم التركيب العادي؛إذ يستدعي استخدام كلمات ذات طابع خاص، وخلق مجاوزات ومحاورات بين الألفاظ والعبارات، لذلك من المهم جدا أن لا ننظر إلى مثل هذه التراكيب بمعيار التصويب والتخطئة، بل ينبغي أن نحاول استكشافها.

ومن ثمة، فالتداخل الحاصل بين قواعد النحو وقواعد الخروج عن النحو يتيح للعربية إمكانا تعبيريا موسعا[3]؛ بحيث أنها تلغي غلبة قاعدة على أخرى، وزيادة على ذلك، أن الاستثناءات التي تشذ عن القواعد اللغوية، لهي أهم بكثير (أحيانا) من القواعد اللغوية نفسها، لأنها تفسر لنا تراكيب لغوية هائلة في اللغة؛ وقضية الأصل و الفرع، تستوجب الوقوف عند العدول عن القاعدة النحوية وممارسة التأويل، كطاقة لغوية رئيسية تعول عليها تلك القوة الدافعة.

لقد كانت ضرورة الالتزام بالقاعدة النحوية هي الدافع الأول للتأويل في النحو العربي، فصارت القاعدة في نظر النحاة كالحكم الذي ينظم التراكيب اللغوية، ويحدث وفاقا ووئاما لفروعها التي شذت عنها مع أصولها- تقديرا وتأويلا- وعليه، اختلفت وسائل التأويل في العربية بحسبها.

ونحاول في هذه الدراسة تسليط الضوء على قاعدتين أساسيتين، شكلتا دعامة في قانون التوسع والتصرف الإعرابي، وقد عدّا –في الدرس اللغوي من أهم التقنيات الأسلوبية، فدرسا تحت مصطلح" الانزياح التركيبي"؛ الذي تقبع ظواهره بين الشعرية والأسلوبية؛ لأن الانزياح التركيبي –في هذه الحالة- وحده القادر على خرق قوانين اللغة ومعاييرها بعناية فائقة، وهو يمس البناء النحوي للتركيب أو الجملة. باعتباره أحد مستويات هذه اللغة؛ فيعمد الناطق من خلاله إلى مخالفة القواعد والعدول عن الأصل فيها، فيما يتعلق بالعناصر اللغوية في الجملة، فقد تحذف، أو تقدم، وحقها التأخير، أو تؤخر وحقها التقديم، أو تكرر عدة مرات، أو يلتفت بها من عنصر إلى عنصر، وعموما الجملة تمثل كالآتي:

والقاعدتان هما الحذف و الترتيب:

1-قاعدة الحذف:

الحذف في اللغة يعني القطع، وحذف الشيء؛ قطعه من طرفه، وقال الجوهري: حذف الشيء إسقاطه[4]، تجنبا للإطالة وتحقيقا لمبدأ الخفة في الكلام.

     الحذفظاهرة لغوية تشترك فيها اللغات الإنسانية حيث يميل الناطقون إلى حذف العناصر المكررة في الكلام، أو إلى حذف ما يتمكن السامع من فهمه اعتمادا على القرائن المصاحبة[5].إذ يحذف أحد العناصر لوجود قرائن معنوية أو مقالية تومئ إليه و تدل عليه.

ويكون في الحذف معنى لا يوجد في ذكره، يقول الجرجاني: » الحذف باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ عجيب الأمر، شبيه بالسحر فإنك ترى به ترك الذكر، أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، و أتم ما تكون بيانا إذا لم تبن"[6]. وهذه غاية كل النصوص الأدبية خاصة الشعرية التي تعتمد التلميح أكثر من التصريح،لأنها تخفي أكثر مما تظهر وسبيلها إلى ذلك – كما قلنا – هو الحذف على" أن يكون هناك ما يدل على المحذوف، وإلا كان ضربا من تكليف علم الغيب في معرفته"[7] بأن يفهم المحذوف و يؤول من شيء خارج عنه لكنه لا يحذف شيء من الأشياء إلا لقيام قرينة الحذف جائزا أو واجبا[8]، و الحذف يتحقق في أمرين؛ ما زاد معناه على لفظه وما اتسعت رؤاه وضاقت عباراته؛ لأنه تقانة تتوجه نحو توليد الإيحاء وتوسيع الدائرة الدلالية لخلق هالات من إمكانات تفجر العطاء وتعدد زواياه باختلاف القارئين، وما يحملونه من تجاوب متباينة فتتضافر فيها فاعلية الإيحاء.

تقول كايتي وولص- Katie walls: " نستطيع إدراك الحذف النحوي..على أنه حذف لجزء من تعبير البنية التي نستطيع فهمها بسهولة بواسطة السماع/ القراءة داخل النص أو السياق و التي يمكن تعويضها إلى حد ما "[9].

إذ يسعى الحذف إلى منح النص هامشا من عدم التعرية والكشف المفضوح؛ لكي يكون للمتلقي دور في عملية الفهم والإفهام، فتمنح له الشراكة في ثلاثية المراسلة اللسانية و الاجتماعية؛ إذ يلجأ الكاتب أو المتحدث إلى حذف الجزء الممكن إدراكه و تقديره من الكلام في السياق دون أن يسبب ذلك خللا نحويا أو دلاليا في الجملة، لأن الحذف يستعمل للإيجاز والاقتصار والاكتفاء بيسير القول، إذا كان المخاطب عالما بمرادها فيه[10].

وقد وضع لهذا الحذف،الذي يعدّ ضربا من الاختصار بحيث لا نجده يختص بباب معين، ولا يقتصر على مسألة معينة، لأن في وجوده استغناء على ما يمكن الاستغناء عنه من الألفاظ لداع يقتضيه الحذف نفسه، وصاحب النص، وهو في كل ذلك خاضع لشرطين أساسيين :

أ‌-   أن يوجد دليل، يدل على المحذوف و مكانه؛ لأن عدم معرفة المحذوف يفسد المعنى، وعدم معرفة مكانه يؤثر في المعنى، حيث إن أهمية وجود الدليل تكمن في كونه يحقق مرجعية بين المذكور والمحذوف في أكثر من جملة، كما يعدّ مرشدا للقارئ.

ألا يترتب في حذفه ( المحذوف ) إساءة للمعنى، و إفساد في الصياغة اللفظية؛ بحيث في سياق يترجح فيه الحذف على الذكر[11]،و ذلك ليهتدي إلى القارئ إيجاد المحذوف، بمعرفة كيفية تقديره واختيار مكان التقدير،الناتج عن رغبة القارئ في إتمام العناصر المحذوفة في النص.

ونظرا لاهتمام النحاة بنظرية العامل وقضية الإسناد معا، فقد اهتموا بظاهرة الحذف اهتماما كبيرا، جعلهم يفردون لها أبوابا في مصنفاتهم عدّا لحالات الحذف، وتصنيفا لها بين جائز وواجب؛ فالجائز في نظرهم هو تعمد إسقاط عنصر نحوي يجوز ذكره، لغرض ما، مع دلالة باقي العناصر عليه، وإمكان ذكره في مقام آخر ولغرض آخر، أما الواجب فهو إسقاط عنصر إسنادي من النص؛ لأن النظام النحوي لا يسمح بذكره، فيمتنع ذكره في كل الأحوال، والسياق هو دليل عليه، ويشترطون في الحذف الإفادة والإفهام[12]؛ لأن الحذف الذي يخل بالمعنى لا مسوّغ له في الكلام، بل إنه عيب من عيوب المتكلم وعيوب الكلام معا. ومن أمثلة حذف الخبر قولنا: من عندكما، فنقول: زيد والتقدير : زيد عندنا وحذف الخبر جواب من سألك: كيف زيد فتقول: صحيح والتقدير:هو صحيح ومن أمثلة الواجب حذف المبتدأ في المواضع الآتية:[13]

-    النعت المقطوع إلى الرفع في المدح أو الذم أو الترحم، مثل : بسم الله الرحمان الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومررت بزيد المسكين.

-    أن يكون الخبر مخصوص نعم وبئس، نحو: نعم الرجل زيد، وبئس الرجل عمرو، والتقدير (هو زيدٌ)، أي الممدوح زيد ، و( هو عمرو)، أي المذموم عمرو.

-  ما حكي الفارسي من كلامهم: ( في ذمتي لأفعلن)، والتقدير في ذمتي يمينٌ.

-  أن يكون الخبر مصدرا نائبا مناب الفعل نحو: صبر جميل والتقدير:(صبري صبر جميل) .

أما عن حذف الخبر فيتحقق فيما يأتي[14]:

-        أن يكون خبرا للمبتدأ بعد (لولا)، نحو: لولا زيد لأتيتك، والتقدير: لولا زيد موجود لأتيتك.

-        أن يكون المبتدأ نصا في اليمين، نحو: لعمرك لأفعلن، والتقدير: (لعمرك قسمي).

-        أن يقع بعد المبتدأ واو هي نص في المعية، نحو: كل رجل وصنيعه، والتقدير : كل رجل وصنيعه مقترنان.

-    أن يكون المبتدأ مصدرا وبعده حال سدت مسد الخبر، وهي لا تصلح إن تكون خبرا، فيحذف الخبر وجوبا، لسد الحال مسده، نحو: ضربي العبدُ مسيئا، فالمبتدأ هو ضربي، و البعد معمول له، ومسيئا سدت مسد الخبر، والتقدير: ضربي العبد إذا كان مسيئا.

و الحذف- بمنظوره العام- يدور في ثلاثة محاور رئيسية: و هي صور المحذوف فيها[15]، مع وجوب أن يكون هناك دليل على الحذف فيها، فإما أن :

1-       يحذف جزء من جملة : ( حذف أحد الأطراف )

2-       يحذف جملة ( حذف تركيب )

3-       يحذف أكثر من جملة ( حذف أكثر من تركيب )

ووصولا للتأويل الصحيح فقد ظهر مفهوم التقدير، الذي يمهد السبيل للحالة التوفيقية بين التعارض اللغوي والنحوي، وذلك بافتراض محذوف هو العامل أو المعمول أو غير ذلك، كما سبقت الإشارة وأهم مظاهر هذا التأويل "الجمل التي لها محل من الإعراب"، ويبدو التأويل فيها في جعلها محلا لمفرد كان المفروض أن يكون في مكانها[16].

وفي التقدير يدخل الإضمار، وهو صنفان[17]:

-    الضمير المستتر وجوبا مثل، أوافق، أو جواز مثل: محمد قام.

-    إضمار أن في نصب الفعل المضارع في الحالات الوجوب بعد لام الجحود، أو حتى، أو فاء السببية، و واو المعية، أو الجواز بعد اللام التي ليست للجحود، والواو، والفاء، وثم، وإذا عطفت على اسم خالص من التأويل بالفعل، أو الشذوذ في غير هذه المواضع، أو إضمار الفعل مثل قال ويقال: قال الله تعالى: " فأمَّا الذين اسْوَدَّت وجوههم أَكَفَرْتم بعد إيمانكم"[18] ، و معناه : فيقال لهم؛ لأن (أمّا) لا بد لها في الخبر من فاء فلما أضمر القول أضمرت الفاء.

وصوغ المصدر أيضا ويكون ذلك بواسطة حروف الوصل أو حروف المصادر، وأهمها: أنّ، أن، كي، لو، ما، حيث تؤول هذه الحروف مع ما دخلت عليه بمصدر يقع بحسب ما يقتضيه السياق[19].

     وقد جعل بعض الدارسين الحذف والتقدير أهم وسيلتين للتأويل في النحو العربي[20]، وهناك من عدّ التقدير مرادفا للتأويل أو شبيها به، ومن هؤلاء الدكتور محمود سليمان ياقوت، الذي يرى أن أساس التأويل أو التقدير، هو نظرية العامل، غير أن هذا لم يمنع من أن يمتد التقدير عنده ليشمل قضايا أخرى غير نظرية العامل، كالحذف مثلا[21].

     وعلى الرغم من ذلك يبقى التأويل في درس النحو يستلزم التقدير، ويعوّل عليه في كثير من الأحوال فهذا النوع من التأويل ضرورة يحتاج إليها علم النحو في بعض أبوابه، فقد لا يتم المعنى، ولا تتضح إشارته إلا بذكر المحذوف، ورد الأسلوب إلى نظمه، ولن يحدث هذا إلا عن طريق التقدير[22].

وهكذا فإن التركيب اللغوي "زيد في الدار" يعد فرعا (ظاهرا) أما التركيب "زيد يستقر في الدار" ؛ فإنه يُعد أصلا مقدرا، ولكن وبما أن الظرف المكاني أي الجار والمجرور، فيه من الدلالة ما يكفي للإيصال و التواصل، فإن الفعل وفاعله المستترين (يستقر هو) يبقيان في الأصل، وهو التعليق بمفهوم "سيبويه"، ومنه فإن الجار والمجرور يتعلقان بمحذوف الخبر.

   وقد ميز ابن جني بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى، حيث يرى أن التقدير النحوي للعبارة المستعملة يختلف عن تفسير معناها، ومن خلال هذا الفرق يضعنا إزاء مصطلحين في التفسير هما، التفسير النحوي والتفسير الدلالي؛ أما الأول فيتمثل في رد العبارة إلى وجهها المنطقي المقبول، وقد تقدم إيضاح ذلك في أكثر من موضع، ويتمثل الثاني في ردها إلى النظام اللغوي، الذي يحدد دلالتها، ومثل قولنا: (أنت وشأنك) التي يفسرها نحويا فيقول أن الأصل هي هذا الاستعمال اللغوي هو: (أنت وشأنك مصطحبان)، ويفسرها دلاليا، فيقول إن معناها هو: ( أنت مع شأنك)[23].

و اتخذ الحذف في الدرس اللساني المعاصر موقعا بارزا، فعدّ ظاهرة أسلوبية لغوية، تتوجه نحو توليد الإيحاء وتوسيع الدائرة الدلالية يخلق هالات من إمكانات تفجر العطاء التعبيري. وتتعدد زواياه باختلاف القارئين، وما يحملونه من تجارب متباينة ومرجعيات مختلفة؛ لتتضافر فاعلية الحذف كظاهرة لغوية أسلوبية مع فاعلية الظواهر اللغوية والأسلوبية الأخرى المشكلة للبنية الكلية للنص.

كما عدّ في مجال لسانيات النص "علاقة داخل النص قبلية عادة، بحيث أننا أينما وجدنا الحذف سنجد افتراض مقدم أو دليل عليه"[24]، فالعنصر المفترض ( المحذوف) موجود في النص السابق، وهذا ما يضفي اتساقا على النص، ولعل هذا ما جعل " قراند " (De Beau grande) يطلق عليه الاكتفاء بالمبنى العدمي[25]، أين يصبح للقارئ أمام هذه الظاهرة دور فعال في ملء الفراغ البنيوي الذي أحدثه الاستبدال الصفري، أي أنّ الحذف (ellipsis)، يعتمد في ذلك على ما ورد في الجملة الأولى أو النص السابق[26]، بعدّه وسيلة اتساقية تبرز فيها العلاقة بين الجمل داخل النص، وحتى داخل الجملة الواحدة.

   وقد أدرك ذلك- قبلا- ابن الحاجب في قوله: »الغرض من الإيهام، ثم التفسيرات إحداث وقع في النفوس، لذلك المبهم لأن النفوس تتشوق إذا أسمعت المبهم ثم العلم بالمقصود منه«[27] و كأن هذا القول إدراك للحذف الذي له مرجعية داخلية لاحقـة. و" إنما كان الحذف واجبا مع وجوب المفسر...لأن الغرض من الإتيان بهذا الظاهر تفسيره المقدر، فلو أظهرته لم تحتج إلى مفسر، لأن الإبهام المحوج إلى التفسير إنما كان لأجل التقدير، و مع إظهار لا الإبهام"[28].

كما تنبه السيوطي إلى أن للحذف علاقة في تحقيق الاتساق بين عناصر النص، وأطلق عليه مصطلح " الاحتباك" ,و هو ثالث أنواع الحذف عنده،و يعرفه بـ " أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، و من الثاني ما أثبت نظيره في الأول.. و مأخذ هذه التسمية من الحبك،الذي معناه الشد والإحكام و تحسين أثر الصنعة في الثوب، فحبك الثوب سد ما بين خيوطه من الفرج وشده، وإحكامه، بحيث يمنع عنه الخلل مع حسن الرونق , بيان أخذه منه من أن مواضع الحذف من الكلام شبهت بالفرج بين الخيوط، فلما أدركها الناقد البصير بصوغه الماهر في نظمه و حوكه، فوضع المحذوف مواضعه، كان حابكا له مانعا من خلل يطرقه... «[29].

وعليه، يكون الحذف أو الاحتباك بأن » يجتمع في الكلام متقابلان، فيحذف من كل واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه «، و بهذا يكون الحذف/تقانة تساهم في تحقيق الاتساق النصي، و تتوجه نحو توليد الإيحاء وتوسيع الدائرة الدلالية وذلك بخلقه هالات من إمكانيات تفجر العطاء وتعدد زواياه باختلاف القارئين، وما يحملونه من تجارب متباينة، وتتضافر فاعلية الإيحاء النابع من الحذف مع فاعليات العناصر الأخرى في النص لتصنع الدلالة[30]، لأن الحذف تكرار مبنى على إسقاط بعض عناصر التعبير، لتقديرها بقرائن سابقة أو لاحقة، فيكون وسيلة اتساقية ذات أثر في التشكيل اللغوي للنص.

     إن قراءة نص بلغة غير مباشرة للفهم، يدفعنا إلى الإنصات لهذه الكلمات المستعصية، وبدأ عملية تأويله، كما نمارس كقراء ذات العملية في محطات صمت هذا النص؛ فصمته– هنا- كلام يخلق إمكانيات لقراءات متعددة للنص؛ و في لحظات صمته يكون أنطق، فيفهم قارئه ما لم يتصور يوما أنه يفهمه، لأن –آنذاك- يكون أعمق دلالة من ثرثرة تغيب المعنى وتعطل الفهم؛ فالقول "بالحذف- أي حذف للعلم أو في مواضع الاستئناف والقطع أولا ثبات فعل، أو التعميم يحول دون الوصل إلى دقائق التشكيل اللغوي الصعبة في كثير من الأحيان و يعجز عن متابعة اللغة من حيث هي نشاط استيطيقي ويغفل ما في بنائها من تموجات دقيقة تستعصي على التقرير "[31]؛ ليتمثل دور المتلقي في العمليات الذهنية التي يقوم بها، و الناتجة عن الحذف فتعمل على بعث الخيال وتنشيط الإيحاء, فيرتبط تعدد دلالات النص بتعدد المتلقين و ثقافتهم ومعرفتهم بأعراف اللغة، وتنوع القدرة على الاحتفاظ بالعنصر المحذوف في الذاكرة لحين الانتهاء من القراءة مما ينتج عنه استمرارية في التلقي، وفي الربط المفهومي؛ بتعليق الكلام اللاحق على السابق، ولأهمية هذه القضية لم يغفل العلماء موقف المتلقي والتأكيد على أهمية (علم المخاطب) فقد يقع الحذف لعلم المخاطب به، ومن ثمة فالقارئ يسهم في إكمال النص وفي ملء فراغاته، التي تقع على المستوى التركيبي أو سطح النص اعتمادا على معرفته الأساسية بالأعرف التركيبية و كذلك يشترط في الحذف إحاطة متلقي النص بمكونات السياق الاجتماعي المصاحب له ليتمكن من تقدير المحذوف تقديرا صائبا وحتى يحافظ على استمرارية فعل التلقي[32].

وكثيرا ما كان نحاة العربية يجمعون بين المقام، وكثرة الاستعمال، لتعليل المحذوفات فيقدرونها وقفا لتقدير المعنى، موضحين ذلك بذكر مناسبة الكلام، ليكون السامع متصورا للمقام الذي قيل فيه[33].

   كما كان للحذف دور مهم في عملية بناء النص وتنظيم بنية المعلومات داخله كما يسمح للكاتب أن يكون صاحب اقتصاد لغوي كفؤ، لكون هذا الاقتصاد البارز في الحذف كآلية اتساقية "يحقق استمرارية الوقائع في النص مما يساعد القارئ في متابعة خيوط الترابط الدينامية غير النص، والتي تمكنه من ملء الفجوات أو الاستبدالات الصفرية ما تسميه"المعلومات الناقصة "، التي لا تظهر في النص، ولكنها ضرورية في فهمه، تفسيره "[34]، لأن الحذف ظاهرة يلجأ إليها المتكلم، عندما يشعر أن كلامه الذي ينجز، بلغ المسار الذي يجر فيه للإطالة، و منه الملل، فيلجأ إلى " الاستبدال الصفري " كمسلك للتخلص من ذلك المطب التعبيري، مادام الحذف لن يعوق المتلقي عن فهم المعنى المراد، ذلك أن التركيب المعقد والتركيب البسيط يتعادلان ليعبرا عن معنى واحد في النهاية[35]. و منه لتحقيق اتساق النص، ومن ثم تحقيق نصية النص، التي يعدّ الاتساق أهم معاييرها، والحذف بدوره أهم عناصر ووسائل هذا الأخير-أي الاتساق-.

وفي مجال تحليل الخطاب و لسانيات النص-كذلك- يتخذ الحذف دورا بارزا كآلية يعول عليها كثيرا لتحقيق واستخراج البنية الكلية، التي يعرفها علماء هذا المجال بـ" البنية المجردة ذات طبيعة دلالية، والتي تقارب بموضوع الخطاب الذي يعدّ "مفهوما عمليا"؛ يقول فان ديك(Van dijk): "ويجب بكل تأكيد أن نعرف أيضا البنية المعرفية التي يمتلكها مستخدم اللغة، ويجب أن نحاول أن ندرك كيف تتغير هذه المعرفة بناء على معلومة نصية جديدة، و هي مشكلة تندرج أيضا تحت ما يسمى الذكاء الاصطناعي"[36]، ذلك أن العدد المحدود من قوانين الربط يجعلان أي تحليل دلالي لرسالة لغوية ما أيسر من محاولة الوصف الكلي لدلالة الرسالة؛ إذ بإمكان القارئ- تحت مصطلح الذكاء الاصطناعي- ترجيح معنى على حساب آخر، بمعية قواعد كبرى أهمها: الحذف- التعميم- الإدماج- الإنشاء و البناء.

و يكون اللجوء إلى قاعدة الحذف حينما يجد الباحث أن قضية صغرى ليست شرطا لتأويل قضية موالية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أي أنها تضمن أن كل معلومة غير مهمة، وغير جوهرية بالنسبة للمعنى، يمكن أن تحذف.

2- قاعدة الترتيب:

   إن ضرورة اتخاذ الكلمات مواقعها لا يستلزم ضرورة مجاورة هذه الكلمات التي تربطها العلاقات الدلالية المختلفة فكل لغة ضوابطها، وفي اللغة العربية قد يسمح أن يعترض بين المبتدأ والخبر كلام، فنقول: الطالب الذي اجتهد ناجح، فيسمح بعدم المجاورة، كما يسمح بذلك مع الفعل والفاعل، فنقول، يصلي في المسجد المسلم، وقد لا يسمح بهذا الاعتراض في مواضع أخرى، فتكون المجاورة واجبة بين المضاف والمضاف إليه، فنقول: طلبة الجامعة دون فصل، وبين النعت و منعوته، والموصول وصلته، لهذا يعتبر التقديم والتأخير والفصل والاعتراض إضافة إلى أغلبية الفروع على الأصول من وسائل التأويل في النحو.

   واللغة العربية أكثر اللغات قابلية للتجديد، وخاصة في ترتيب عناصر جملها، وجمل فقراتها، حسب ما يتطلبه ويستدعيه موقف الخطاب ذاته، مع الحفاظ على خصوصية اللغة وحدودها النابعة من ذاتها، والمحافظة على وظائف عناصرها.

     والدليل على وظيفة كل كلمة من هذه الكلمات، التي غيرت رتبتها، أو التي فصل بينها وبين ما تلزم مجاورتها له هو العلامة الإعرابية فمهما تغيرت المواقع تبقى العلامة دليلا على الوظيفة النحوية لكل كلمة، لهذا قيل: إن دورها لا يقل في أهميته عن دور أي حرف من حروف الكلمة في الوصول إلى المعنى الدلالي للجملة، فإذا أنت قلت : أكرم على خالد برفع الاسمين لم يتبين للسامع من وقع له الإكرام ممن وقع منه، ولكنك إذا قلت: أكرم على خالدا أو عكست فقلت، أكرم عليا خالد، وضعت حدا للبس وبينت المُكِرم من المُكرَم ، ولو لم تلزم الأسماء مواقعها[37]. ونأخذ من قضايا الترتيب قضيتين:

       أ-التقديم والتأخير:

           إن اللغة العربية أكثر لغات العالم قدرة على قبول تركيب جديدة، فهي ذات طبيعة مرنة في تأليف جملتها، وتركيب مفرداتها، قابلة للتجديد في ترتيب مواضعها مع المحافظة على وظائفها[38]، لأن الكلمة في أثناء الجملة تحمل معها ما يدل على صفتها الإعرابية مما يعطيها حرية نسبية في التنقل، ليست لغيرها من الكلمات الأجنبية، إذ تتحدد القيمة النحوية للكلمة الأجنبية بموضعها المخصص لها في الجملة، فإن هي زحزحت عن مكانتها خرجت عن صفتها الأولى وأداء وظيفتها التي وضعت لها أول مرة، واتخذت لها صفة أخرى يحددها الموضع الجديد.

     يقول"عبد القاهر الجرجاني عن باب التقديم والتأخير: "هو باب كثير الفوائد، جم المحاسن ,واسع التصرف، بعيد الغاية، لا يزال يفتر لك عن بديعه، ويفضي بك إلى لطيفه؛ ولا تزال ترى شعرا يروقك مسمعه ,ويلطف لديك موقعه ,ثم تنظر فتجد بسب أن راقك ولطف عندك، أن قدم فيه شيء وحول اللفظ من مكان إلى مكان"[39] ؛ فهو بذلك ظاهرة من سنن العرب في كلامها، وواحد من سبل البلاغة والفصاحة؛ إذ كثيرا ما يتباهى العربي من تمكنه من ناصية اللغة. بتشكيل أنساق أسلوبية وأنماط تركيبية، مخالفة للقواعد المعيارية، وقادرة في الآن ذاته على إبطال شحنة تعبيرية معينة. وعليه، تقديم عنصر من عناصر الجملة أو تأخيره، ولا يرد هذا اعتباطا على الإطلاق في الكلام أو النص، بل هو عملية قصدية؛ إذ لا يصعب على المتلقي بأي حال من الأحوال أن يجد لهذه الظاهرة سياقا قويا أو فنيا أو جماليا أو نفسيا يفسرها أو يحلل شفرتها، لأن وراء كل تقديم غرض يتعلق بمعنى الجملة، فالتقديم وسيلة يقرب منها المعنى العميق والدلالة البعيدة[40].

     وقد يسمح في العربية أيضا بالتقديم و التأخير، فتتبادل الكلمات في الجملة بأنواعها ويتأخر المبتدأ بعد أن كان حقه التقديم، وتتقدم متعلقات الفعل بعد أن كان حقها التأخير، وتغير الكلمات مواقعها وتبقى مع ذلك محافظة على وظيفتها النحوية[41].

     فهذه الخاصية التي تملكها العربية تعطي المتكلم سعة في التعبير، وحرية في الكلام، فلا يجد نفسه مقيدا بإلزام الكلمات رتبتها، بل له أن يقدم ويؤخر من دون لبس، ويبقى الكلام – على الرغم من هذا التغيير- مفهوما واضحا، بل إننا لا نحس أن شيئا في نظام الجملة قد تغير، وذلك لأن المفردة تحمل معها أينما وقعت ما يدل على وظيفتها اللغوية، وهذا ما حرمت منه اللغات المبنية التي إن غيرت موقع الكلمة في الجملة لم تجد دليلا على وظيفتها وموقعها الأصلي، فكان لزاما عليها أن تحفظ للكلمات مراتبها؛ لأن أي تغيير فيها سيغير المعنى ويلبسه[42].

وعلى الرغم من هذه السّعة التي تتمتع بها العربية، إلا أن النحاة فصلوا القول في دعوى التقديم والتأخير، وتأولوا كثيرا من شواهدها على اعتبار أن النصوص التي وردت فيها قد خرجت عن نظام العربية في ترتيب مفرداتها، إذ تشمل النصوص التي يحتم الترتيب بينها التأثير في مضمونها، أو الترابط بين صيغها، أو عمل الصيغ فيما يليها[43]، ومن أمثلة التركيب الشرطي الذي تلتزم فيه الأداة بالصدارة، فإن ورد نص يخالف هذه القاعدة لا بد من تأويله، فيكون الأصل في قولنا: (أقوم إن قمت): ( إن قمت أقومُ)، إلا أن النحاة لم يكتفوا بهذا التأويل بل ذهبوا أبعد من ذلك فرأوا أن جملة (أقوم) في هذا التركيب ليست جوابا للشرط، بل دالة عليه، أي : إن قمت َ قمتُ[44].

- كما في قوله تعالى:" ففريقا كذّبتم وفريقا تقتلون"[45]

تقدّم المفعول به على الفعل والفاعل، والأصل في هذا التركيب: كذبتم فريقا وتقتلون فريقا، تأخر الفعلان: " كذّبت- تقتل" عن مفعوليه في ترتيب الكلام. وجاء هذا التقديم والتأخير إثارة لإحداث انفعال ما، لعمق دلالة الكلمة، والقصد من رتبتها.

- كما في قول الشاعر نزار قباني:"فلا أحد بسيف سواه ينتصر"[46]

   تقدم الفاعل –المسند إليه- على الفعل المسند في هذا السطر. وتحققت بذلك عملية خرق القواعد في اللغة. وقد جاءت ذات بعد إيقاعي. من أجل إحداث التناسب للروي الواحد في هذه الحلقة، وذات بعد نفسي وجمالي؛ وذلك من أجل إعطاء الاهتمام للمسند إليه، والتركيز علي "أحد" والأصل في التركيب "فلا ينتصر أحد بسيف سواه". كما نشير إلى تقدم شبه الجملة "بسيف سواه" وهي من عناصر الإلحاق، أو من عناصر التكملة؛ فكان التقديم هنا لفتا للانتباه إلى ما يعود إليه التقديم، ومن أجل إحداث بنية إيقاعيه تتوازى والنفس الشاعرة، وموضوع الخطاب.

وعدّت هذه الظاهرة-في الدرس اللغوي المعاصر-من أهم الظواهر الأسلوبية المحققة للانزياح التركيبي، والتي تساهم بشكل فعال في تمييز لغة أسلوب النص الأدبي، الذي وجدث فيه، فتمنحه دلالات عدة، تتنوع بتنوع البيانات والقرائن، وهذه الظاهرة الانزياحية التركيبية، لا تكسر قوانين اللغة المعيارية، لتبحث عن قوانين بديلة، ولكنها تخرق القانون بعناية، بما يعد استثناء أو نادرا. لأنها ظاهرة مقصودة ومحكومة بقوانين تجعلها مختلفة لا مرفوضة .

     ب. الفصل والاعتراض:

   الفصل والاعتراض هو تلك الصيغ التي ترد في تركيب لغوي ما، فتقطع الاتصال والتجاور بين عنصرين من عناصره قبل تمام الفائدة على خلاف الأصل، والفرق بينهما هو أن الفصل ما كان غير مستقل بالإفادة فيقع بين عنصرين متلازمين بجامع الصلة، أو الإسناد أو المجازاة...الخ، مخالفا بلك التضام، ويتنوع عنصر الفصل إلى أنواع أشهرها: القسم، والظروف، و الجار والمجرور، والنداء، والعنصران اللذان يقع الفصل بينهما قد يكونان اسمين(الفاعل والمفعول)، و فعل ومطلوبة (كالفعل والفاعل) أو حرف ما دخل عليه (كحرف العطف و المعطوف).

ويعرف ابن جني الاعتراض بقوله: " اعلم أن هذا القبيل من هذا العلم كثير قد جاء في القرآن وفصيح الشعر ومنثور الكلام، وهو جار عند العرب مجرى التأكيد، فلذلك لا يشنع ولا يستنكر عندهم أن يعترض به بين الفعل وفاعله والمبتدأ وخبره وغير ذلك مما لا يجوز الفصل فيه بغيره إلا شاذا أو متأولا "[47]، فمن سنن العرب أن يتعرض بين الكلام وتمامه كلامُ آخر، أي بين شيئين متلازمين، لإفادة الكلام تقوية وتسديدا وتحسينا[48]، وهو جملة لا محل لها من الإعراب تتوسط أجزاء جملة مستقلة أخرى، وتقع الجملة المعترضة في عدة مواضع جمعها ابن هشام في سبعة عشر موضعا، منها المعترضة بين الفعل ومرفوعه[49]، كقول الشاعر:

     وفيهنّ، والأيام يعثرن بالفتى             نوادب لا يمللنه، ونوائح

وبين المبتدأ وخبره، كقول آخر:

     وقد أدركتني، والحوادث جمّة         أسنّة قوم لا ضعاف، ولا عزل

وبين الشرط وجوابه، كقوله تعالى:" فإن لم تفعلوا- ولن تفعلوا- فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة"[50]. وغير ذلك من المواضع.

يبدو في ظاهرتي الفصل والاعتراض شيء من الغربة؛ ففيها خروج على النظام الأصلي، للتضام بين أجزاء الجملة والتركيب، وهذا الخروج لا بد له من علة، لأن سير السياق النحوي للكلام بالترتيب الذي يوصل إلى تأدية معناه من غير معوقات أمر مهم في البيان وليس بالشيء الهيّن الذي تستباح مخالفته ما لم تكن فائدة تجتني من وراء المخالفة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض النحاة يعد الفصل والاعتراض كالتقديم والتأخير ومن هؤلاء ابن جنّي الذي يقول:" يمكن وصف معظم صور الفصل بأنها من قبيل التقديم والتأخير للمعمولات "[51]، ولكنه تقديم من نوع آخر، فهو يخضع بالدرجة الأولى لذوق المتكلم الذي يرى في تعجيل ورود تركيب ما ضرورة ملحة، فيأتي به قبل تمام فائدة الكلام الأول، والحقيقة أن بينهما فرقا يتمثل في أن التقديم مرتبط بمبدأ الرتبة، حيث يكون لكل من المقدم والمؤخر فيه رتبة، محفوظة كانت أو غير محفوظة في حين يرتبط الفصل بما هو حر الرتبة.

ونشير في آخر الأمر، إلى أنه جرت عادة النحاة العربية أن يقيسوا النصوص بعضها على بعض، إذ تبينوا أن الحكم فيها واحد، إذ نظروا في اللغة فبنوا قواعدها على الأكثر، ثم جردوا أصولا نظرية شدوا ففيها من أزر القواعد، فجعلوا لكل باب أصلا تنتظم فيه ظواهره كافة، وإذا وجدوا للباب عدة أدوات متشابهة للعمل، جعلوا واحدة منها أصلا تتفرع عليه سائر الأدوات[52]، وبعد أن يجعلوا حكمهم فرعا على أصل يسلبون الفرع شيئا من مزايا الأصل، تحقيقا لفرعيته كمنعهم تقدم اسم (إن) عليها؛ لأنها فرع (كان)، فلا يجوز أن تأخذ حريتها في التقديم، والتأخير[53]. وانطبقت القاعدة على كل وسائل التصرف الإعرابي-تحقيقا للتأويل- والتي قامت على قانون الأصل والفرع، والتي تحققها قاعدة العدول، التي نراها قاعدة من قواعد الخروج عن النحو، وهي التي تساهم بشكل فعال في "توسع اللغة"..

ولما كانت النصوص في عرف النحاة فرعا والقاعدة أصلا وخالفت بعض هذه النصوص القاعدة النحوية على الرغم من عدم شذوذها؛ أي أن عددا كبيرا من الشواهد في مسألة ما خرج عن المألوف، ولما غلب الفرع على الأصل¨، ذهب النحاة إزاء هذا التناقض اللغوي إلى عدّ القاعدة فرعا، ومعنى هذا أن التأويل هنا لم يقف عند تخريج النصوص، بل تجاوزه إلى القواعد ذاتها، فغيّر فيها وبدّل بصورة سلبت عنها الأصالة وأسبغتها على ما يخالفها من نصوص، ومن أمثلة ذلك قاعدة ترتيب الفاعل والمفعول، فالأصل أن يتقدم الفاعل، والواجب أيضا أن يتأخر في حال أن يتصل به (الفاعل) ضمير يعود إلى المفعول، فوجب تقديم الأخير، كقول النابغة [54]:

جزي ربّه عنِّي عديُّ بن حاتم     جزاء الكلاب العاويات، وقد فعل.

   كان يفترض أن يقول النابغة ( جزي عديَّ بن حاتم ربه عني)، لكنه وهو شاعر جاهلي ممن يحتج بشعرهم خالف الأصل، فلم يجد النحاة بدا من تأويل البيت، لكن ذلك تناقض ترفضه طبيعة اللغة، فلجأ إلى تأويل القاعدة في حد ذاتها، فقال ابن جني: "....فلما كثر وشاع تقديم المفعول على الفاعل كان الموضع له، حتى أنه إذا أخر فموضعه التقديم، فعلى ذلك كأنه قال:( جزي عدي بن حاتم ربه جزي عديَّ بن حاتم ربه)، ثم قدم الفاعل على أنه قد قدره مقدما عليه مفعول، فجاز ذلك "[55]

إن متكلم اللغة يختار أنساقا تركيبية وتصويرية معينة من بين احتمالات نحوية لغوية عديدة، يحتملها موضوع الخطاب والشحنة الشعورية التي تجتاح نفسه، فتجعلها تتميز بذاتها وبأساليبها؛ فالكلام استعمال فردي فعلي متفرد للغة بالقياس إلى القاعدة، ومن ثمة هو-في بعض صوره- انزياح لفروع عن أصولها، وعن قوانين اللغة ومعاييرها، ولكنه محكوم بقانون يجعله مختلفا ومتفردا عن غير المعقول من أنماط التعبير المألوف، وليس مناقضا ولا مرفوضا، وهذا ما يعمق فكرة الأساليب أكثر، كون طبيعة اللغة تفرض تفاعلا بنيويا خاصا ووظيفيا.

الإحالات:



- مازن الوعر، دراسات نحوية ودلالية وفلسفية في ضوء اللسانيات المعاصرة، دار المتنبي، سوريا، ط1، 2001، ص 111.

- مازن الوعر، المرجع نفسه ، ص 107

- مازن الوعر، المرجع نفسه، ص 110.وينظر: محمد حماسة عبد اللطيف، اللغة وبناء الشعر، دار غريب القاهرة، 2001، ص 25- 26..

- ابن منظور، لسان العرب، دار صادر،لبنان، بيروت، الطبعة الثالثة، 1414هـ/1994م. ج9 / ص 39 –40. ( مادة حذف).

- طاهر سليمان حمودة، ظاهرة الحذف في الدرس اللساني، الدار الجامعية للطبع و النشر، الإسكندرية، د ط، د.ت، ص04.

- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز في علم المعاني، شرح وفهرسة، ياسين الأيوبي، المكتبة العصرية، صيدا بيروت، 1422م، 2002م.، ص 177، و ينظر : ابن الأثير المثل السائر في أدب الكتاب والشاعر، مكتبة النهضة مصر، ط1، 1960، ج2، ص 279.

- ابن جني، الخصائص، تحقيق محمد على النجار، المكتبة العلمية، الجزء الثاني، ص 360. وينظر: ابن هشام الأنصاري مغني اللبيب، ج2، ص 437 – 438، ابن حجة الحموي، خزانة الأدب وغاية الإرب ، شرح: عصام شعيتو، دار مكتبة الهلال ، لبنان ، بيروت،الطبعة الثانية، 1991.، ج2، ص 275، ابن رشيق، العمدة، ج1، ص 251، الزمخشري، المفصل، ص 103، حماسة عبد اللطيف، الجملة في الشعر العربي، ص 61، ابن الأثير، المثل السائر، ج2، ص 279.

- ابن الحاجب، الكافية في النحو، ج1، ص 76، و ينظر : حماسة عبد اللطيف، في بناء الجملة العربية، دار الشروق، مصر، الطبعة الأولى ، 1996، ص 346.

Katie walls, a dictionary of stylistics Pearson education, Edinburgh ate , Harlan, England, 2001.,….p121.      [9]-

-   ينظر: موسى عمايرة و آخرون، مقدمة في اللغويات المعاصرة، مقدمة في اللغويات المعاصرة ، دار وائل للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة الأولى، 2000م. ص 203. و ينظر: قدامة بن جعفر، نقد النثر، تحقيق: عبد الحميد العبادي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1416 هـ / 1995 م، ص 69، وينظر:عبد القادر عبد الجليل، الأسلوبية و ثلاثية الدوائر البلاغية الأسلوبية وثلاثية الدوائر البلاغية ،دار الصفاء للنشر والتوزيع ،عمان ،الطبعة الأولى،1422/2002.، ص 282.

- حسن عباس، النحو الوافي النحو الوافي ،دار المعارف، مصر،القاهرة، الطبعة السادسة، د.ت .، ج2، ط56، و ينظر : عبد القادر عبد الجليل، المرجع نفسه، ص 285، صبحي إبراهيم الفقي، علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق _دراسة تطبيقية على السور المكية _ دار قباء للطباعة والنشر،القاهرة، الطبعة الأولى ، 1421ه/2000م، ج 2، ص 208.

- مهدي المخزومي، في النحو العربي القواعد وتطبيق ، دار الرائد العربي، لبنان، ط2، 1986، ص 82.

- ابن عقيل، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1997، 1/131، 132.

- ابن عقيل، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، ص 128، وما بعدها.

- ينظر :ابن جني، الخصائص، ج2، ص 360، و ينظر : القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة، تقديم على بوملجم، دار مكتبة الهلال، بيروت، لبنان، ط الأخيرة، 2000، ص 170.

- محمد عيد ، أصول النحو العربي، ص 167.

- محمد عيد ، أصول النحو العربي، ص 166

- آل عمران/ 271

- محمد عيد ، أصول النحو العربي، ص 167.

-السيد أحمد الهاشمي، القواعد الأساسية للغة العربية،دار الكتب العلمية، بيروت، ص 132.

- محمود سليمان ياقوت، قضايا التقدير النحوي بين القدماء والمحدثين، دار المعرفة، 1985، ص 198.وينظر: جلال شمس الدين، التعليل اللغوي عند الكوفيين، ص 143.

- السيد أحمد عبد الغفار، ظاهرة التأويل وصلتها باللغة، دار المعرفة، الاسكندرية، القاهرة، ص 60.

- ابن جني، الخصائص، ج2، ص363.

- Halliday & Hassan, cohesion in English, Longman, London 1976.p. 144.

- روبرت دي بوقراند، النص والخطاب والإجراء، ترجمة: تمام حسان، عالم الكتب، القاهرة، الطبعة الأولى، 1998، ص 340.و ينظر :

J.R.Martin , cohesion and texture dept of linguistics, university of sydney.. , p : 2.

-ينظر : محمد خطابي، لسانيات النص لسانيات النص (مدخل إلى انسجام الخطاب) ،المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، الطبعة الأولى ،1991 . والطبعة الثانية،2006 .، ص 21.

- ابن الحاجب، الكافية في النحو،دار الكتب العلمية ،بيروت،لبنان ج1، ص 76، 77.

- الاستربادي، شرح ابن الحاجب، تقديم وفهرسة: إميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان الطبعة الأولى، 1419هـ/1998م،المجلد1، ص 174- 175.

- [29] السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، 1408/ 1988، ج 3، ص 182– 183.

عدنان حسين قاسم، الاتجاه البنيوي الأسلوبي، الاتجاه الأسلوبي النبوي في نقد الشعر العربي، الدار العربية للنشر والتوزيع، مصر، د.ط، 1421هـ/ 2001م. ص 222. و ينظر:سعيد عبد العزيز مصلوح, في البلاغة العربية والأسلوبيات اللسانية آفاق جديدة، عالم الكتب، القاهرة، 2006.,ص246.

- تامر سلوم، نظرية اللغة والجمال في النقد العربي، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا، الطبعة الأولى، 1983م. ص 133.

- حسام أحمد فرج,نظرية علم النص.نظرية علم النص (رؤية منهجية في بناء النص النثري)، مكتبة القاهرة، ط1، 2007

,ص 88. وينظر:عزة شبل محمد، علم لغة النص(النظرية والتطبيق)، تقديم: سليمان العطّار، مكتبة الآداب، القاهرة، ط1، 1428هـ/2007م، ص116. صبحي إبراهيم الفقي,علم اللغة النصي بين النظرية و التطبيق، ج2, ص 215.

- سمير أحمد معلوف، حيوية اللغة بين الحقيقة والمجاز، ص 131.

- Halliday µ Ruquaya Hassan, cohesion in English, p, 293.                        

- ينظر: نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير-دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط3، 2003، ص 102. ينظر: فريد الزاهي، النص و الجسد و التأويل، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط1، 2003. ،ص 105.

- فان ديك, علم النص، علم النص( مدخل متداخل الاختصاصات)، ترجمة: سعيد حسن البحيري، دار القاهرة للكتاب، مصر، ط1، 2001. ص 25.

- خليل أحمد عمايرة، في النحو اللغة في النحو اللغة العربية وتراكيبها (منهج وتطبيق)، عالم المعرفة للنشر والتوزيع، جدة، الطبعة الأولى، 1404هـ/1984م، ص 160.

- عبد العزيز مطر، حديث اللغة والأدب، ص 152.

-الجرجاني ، الدلائل، ص148.

- فتح الله أحمد سلميان، الأسلوبية، المطبعة الفنية، القاهرة،1990، ص 62.

- محمد إبراهيم عبادة، الجملة العربية، منشآت المعارف الإسكندرية، 1988، ص 25

- صالح السامرائي، الجملة العربية والمعنى، ص 53.

على أبو المكارم، أصول التفكير النحوي، دار غريب، القاهرة، ط1، 2006، ص 289.

- ابن جني، الخصائص، 2/388

-البقرة/87.

- نزار قباني، الأعمال الشعرية الكاملة، دار العودة، بيروت، ط1، 1996، ص 289.

- ابن جني، الخصائص، 2/ 389.

- الشيخ مصطفى الغلاييني، جامع الدروس العربية، ضبطه وخرّج آياته وشواهده: الدكتور: عبد المنعم خليل إبراهيم، دار الكتب العلمية، لبنان، ط4، 2003، ج3، ص 215.

- ابن هشام، المغنى مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، فهرسة حسن حمد مراجعة إميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1418هـ/ 1998م.، 2/387، 394. وينظر: الشيخ مصطفى الغلاييني، جامع الدروس العربية، ج3، ص215.

- البقرة /24

- ابن جني، ج 1، ص295- 296.

- حسن خميس الملخ، نظرية الأصل والفرع في النحو العربي، دار الشروق، عمان، الأردن، ط1، 201، ص 29.

- حسن خميس الملخ، نظرية الأصل والفرع في النحو العربي، ص 190.

ويمتد مفهوم الأصل والفرع، ليشمل المعارف والنكرات؛ فقد رأى النحاة العرب أن النكرة هي الأصل والمعرفة هي الفرع. كما أبرزه سيبويه وغيره، وقانون الأصل والفرع لا يمد بصلة إلى مبدأ الغلبة ولو كان الأمر كذلك لغلبنا النكرة على المعرفة. بحسب معطيات سيبويه الذي رتب النكرة على مراتب متعددة من الإبهام، والمعرفة على مراتب متعددة من الوضوح، وغيرها من القضايا التي ارتبطت بقانون الأصل و الفرع ينظر سيبويه (ت 182 هـ)، كتاب سيبويه، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، دار الكتب العلمية، بيروت، ط3.، 1988، مجلد1، ص 05.

- الشيخ مصطفى الغلاييني، جامع الدروس العربية، ج3، ص 8.

- ابن جني،الخصائص،ج 1، ص295- 297.